← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13595

شرحا أبي العلاء والخطيب التبريزي على ديوان أبي تمام دراسة نحوية صرفية

إيهاب سلامة

Полный текст (454 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن أمثلة القسم الثاني عنده: ((الدلو: من النجوم مؤنثة، مثل الدلو المعروفة)) (١). ومن أمثلة القسم الثالث عنده الغالب عليه التذكير: • ((العاتق يذكر ويؤنث والأكثر التذكير)) (٢). • ((السلطان المعروف فيه التذكير، وقد حكي تأنيثه)) (٣). ومن أمثلة القسم الرابع عنده الغالب عليه التأنيث: • ((الذراع: مؤنثة في معظم كلامهم، وذكر الفراء أن تذكير الذراع لغة عُكلية، واستشهد على أن التذكير جائز بقولهم في اسم البلد أَذْرِعات؛ لأن أذرعات جمع ((أَذْرِعة))، وأذرعة جمع ((ذِراع)) في حال التذكير. مثل: حمار وأحمرة، ولوجُمِع مؤنثا لقيل: ((أَذْرُع))؛ فوجب أن يقال في الجمع أَذْرُعات بضم الراء)) (٤). • ((كداء: موضع بمكة، والغالب على كداء التأنيث)) (٥).

стр. 142

والتقسيم السابق الذي لفت أبو العلاء النظر إليه يدل على أن ((ظاهرة التذكير والتأنيث لا تجري في اللغة العربية على قياس مطرد، وأن المعول عليه في ذلك هو السماع)) (١)، كما أنه دليل على عدم وجود ((صلة عقلية منطقية بين الاسم وما يدل عليه من تذكير أو تأنيث)) (٢). وأن هذا ((هو السر في أن كثيرا من الكلمات التي تسمى بالمؤنثات السماعية في اللغة العربية ـ وهي التي تخلو من علامات التأنيث ـ قد روي لنا فيها التذكير كذلك، وينسب ذلك في بعض الأحيان إلى القبائل العربية)) (٣). **** ـ القول في عبدون وحمدون: ـ قال عند قول أبي تمام يهجو فيها شخص يسمى عبدون: أَعَبدونُ قَد صِرتَ أُحدوثَةً ... يُدَوَّنُ سائِرُ أَخبارِها [بحر المتقارب] ((مذهب بعض الناس في ((عَبْدون)) و ((حَمْدون)) وما كان مثلهما أنهما أسماء محرفة عن العربية، فهي جارية مَجْرى الأعجم لا تنصرف في المعرفة وتنصرف في النكرة، فينبغي أن يُنْشَد على هذا ((أعبدون)) بضم النون لأنه منادى علم، ومن ذهب إلى أن ((عبدون)) جمع عبد سُمي به، فيجب أن يُنْشِد أعبدون بفتح النون؛ لأنه اسم عَلَم والواو للجمع، والذي حكاه النحويون في مثل هذا النحووجهان: أحدها أن تقول إذا

стр. 143

سميت الرجل بجمع عبد جاءني عبدون كما تقول جاءني الزيدون، وتقول في النصب والخفض، لقيتُ عبدين ومررت بعبدين فتجعله تاليا وتُجرى نون الجمع، والآخر أن تجعله بياء في كل وجه وتعرب النون بوجوه الإعراب، فتقول هذا عبدين ورأيت عبدينا ومررتُ بعبدين، وقد أجاز بعض المتأخرين أن تُقر الواوعلى كل حال، ويلزمه على هذا الوجه أن يعرب النون، إلى هذا المذهب يميل من زعم أن زيتونًا جمع زيت وأنه على فَعْلون)) (١). يلخص أبو العلاء موقف العلماء من ((عبدون)) وما شابهها كالتالي: - قسم من العلماء ذهب أنها أسماء محرفة عن العربية. - وقسم ذهب أنها جمع ((عبد)) سمي به. ويلخص الموقف الإعرابي بأنه: - من العلماء من أعربها إعراب جمع المذكر السالم. - ومنهم من ألزمها الياء والنون، وأجرى العلامة الإعرابية على النون. - ومنهم من ألزمها الواو والنون، ويلزم من قال بهذا الرأي ـ كما قال أبو العلاء ـ أن يعرب النون. والباحث يرجح أن عبدون وما شابهها محرفة عن العربية، ودليل الترجيح أن معظم الأعلام التي ختمت بـ ((ون)) معظمها أعلام ((أندلسيين))، وقد قام الباحث بالرجوع إلى فهرس الأعلام الذي قام به د. شوقي ضيف لكتاب ((المُغرب في حُلى المغرب)) (٢)، والفهرس الذي صنعه الأستاذ إحسان عباس لكتاب ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)) (٣)، وفهرس د. أحمد مختار العبادي على كتاب ((نُفاضة الجراب في عُلالة الاغتراب)) (٤) واستخرج منه الأعلام التالية (٥):

стр. 144

أردون ... حنون ... زرهون ... ضيفون ... غلبون أرغون ... حيون ... زنون ... طولون ... فتحون الفكون ... خزرون ... زيتون ... عبدون ... فحلون بدرون ... خلدون ... زيدون ... عزون ... فرحون تحقون ... خلصون ... سحنون ... عفيون ... فركون حزمون ... خيرون ... سعدون ... علون ... لاطون حسون ... دحون ... سمنون ... عمرون ... دمعون حفصون ... ذنون ... شبطون ... عيشون ... ميمون حمدون ... زرقون ... شلبون ... غزلون ... وهبون ومن أسماء الأعلام الأندلسية العربية أيضا التي تنتهي بالواو فقط: أبو خدو (١)، أبو حمو (٢). وأيضا: نقشابو (لقب مغن) (٣)، رحو (٤)، برميخو (٥) ومن أعلام النساء: قسمونة، ومن أعلام الأماكن: برشلونة، بلكونة، ركونة، شذونة، طرسونة ... تلك الأعلام السابقة ظهرت على أرض الأندلس، ومن الطبيعي أن يحدث تأثر بالبيئة اللغوية الموجودة سلفا في هذا المكان التي تسيطر عليه اللغة الأسبانية التي تتميز بانتهاء عشرات الكلمات فيها بالمقطع الصوتي: [أوو / O/] ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر (٦):

стр. 145

اتفاف ... acuerdo ... كامل / مطلق ... absoluto ... بَقَّال ... abacero تقدم ... adelanto ... منهمك ... absorto ... تحت ... abajo خلال ... adentro ... معتدل ... abestemio ... كئيب ... abatido صفة ... adjetivo ... جد ... abuelo ... يفتح ... abierto مزين ... adorno ... ينهي ... acabado ... خليج ... abismo بالغ ... adulto ... فرصة ... acaso ... محام ... abogado مطار ... aeropuerto ... دخول ... acceso ... أسلاف ... abolengo مشهور ... afamado ... يؤكد ... acento ... سماد ... abono حزين ... afligido ... نشيط ... activo ... إخفاق ... aborto يمسك ... agarro ... فعل / حدث ... acto ... معطف ... abrigo ومن أسماء الأعلام الأسبانية: [Pedro Antonio de Alarcon ، أحد أشهر الروائيين الأسبان]، [Leopoldo Alas ناقد وروائي]، [Mateo Aleman روائي]، [Pedro Calderon de la Baraca كاتب مسرحي] (١). والعرب تُزيد ((النون في بعض الصفات فقيل: غضبان وفرحان وجوعان، وفي مثل: سعدون، خلدون، حسنون، شقرون، شيخون، وفي بعض المصادر مثل غفران، شكران، قرآن، وفي آخر بعض جموع التكسير، مثل ذؤبان، جرذان، بل زادوها في آخر بعض الأفعال، مثل: سلطن، برهن، حلقن، شيطن)) (٢). فليس من المستبعد أن يكون ختام الأعلام: عبدون، عمرون، فتحون وغيرها من التأثير الصوتي الموجود في اللغة الأسبانية، ولاسيما إذا علمنا أن احتكاك العرب بالأراضي الأندلسية بدأ تاريخيا عام ٩٢هـ أيام الخلافة الأموية وقائدها موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، مع الأخذ في الاعتبار أن أبا تمام توفي عام ٢٣١هـ، أي أن الاحتكاك قبله امتد لأكثر من ١٣٠عاما.

стр. 146

وعليه فإن الباحث يرجح أن هذه الأعلام أسماء أعجمية تعامل معاملة الممنوع من الصرف. **** ـ اجتراء الشعراء على بنية الكلمة: يثبت أبوالعلاء في أكثر من موضع الحقَّ المتاح للشعراء في انتهاك بنية الكلمة حذفا لبعض الحروف أوتخفيفا، مؤكدا ذلك في مواضع متعددة. قال عند قول الطائي: يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت ... مِنكَ المُنى حُفَّلا مَعسولَةَ الحَلَبِ [بحر البسيط] ((وعمورية اسم أعجمي، واستعمله في هذا البيت بتشديد الميم والياء، وقد روي عنه في قصيدة أخرى بتخفيف الحرفين، والشعراء يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية أكثر من اجترائهم على تغيير الأسماء العربية)) (١). ـ قال عند قول أبي تمام: حَضرَمتُ دَهري وَأَشكالي لَكُم وَبِكُم ... حَتّى بَقيتُ كَأَنّي لَستُ مِن أُدَدِ [بحر البسيط] ((.. ((حضرمتُ دهري))؛ أي: جعلته بحضرموت. فكأنه اجترأ على بنية هذه الكلمة لما كانت العرب تقول: رجل حضرمي؛ إذا نسبوه إلى حضرموت)) (٢). ـ وقال عند قول أبي تمام: أَيُّها الغَيثُ حَيَّهَلَّا بِمَغداكَ وَعِندَ السُرى وَحينَ تَؤوبُ [بحر الخفيف] (((أيها الغيث حَيَّهَلَّا): شدد حَيَّهَلَّا، ولا تعرف إلا مخففة اللام (...) ويجوز أن يكون سمعها مشددة في شيء من شعر العرب)) (٣).

стр. 147

ويعترف أيضا بأن الشعراء قد يخرجون بالكلمة إلى وضع استعمالي جديد. قال عند قول أبي تمام: إِنَّ الأَميرَ بَلاكَ في أَحوالِهِ ... فَرَآكَ أَهزَعَهُ غَداةَ نِضالِهِ [بحر الكامل] ((الأهزع: آخر سهم يبقى في الكنانة، وأكثر ما يستعمل في النفي مع التنكير (...) وقد أخرجه الطائي إلى الإيجاب، وأراد التعريف بالإضافة)) (١). • ملحوظات صرفية على بنية الكلمة عند أبي العلاء: ١ـ التناسق اللفظي قد يكون له تأثيره على ضبط الكلمة وإعرابها وبنيتها: ودليل ذلك قوله عند قول أبي تمام: بِمُختَبِلٍ ساجٍ مِنَ الطَّرفِ أَحوَرٍ ... وَمُقتَبَلٍ صافٍ مِنَ الثَّغرِ أَشنَبِ [بحر الطويل] ((يُختار فتح الباء من ((بِمُختَبِلٍ))؛ ليكون موازيًا لفتحها في ((مُقتَبَلٍ)) ...)) (٢). ـ وقال عند قول أبي تمام: جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللهَ بادِيًا ... بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل] ((... ورفعه ((يستحيي)) أوكدُ لرفع ((يُراقبه))؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله)) (٣). وتأثير التناسق اللفظي على بنية الكلمة أمر التفت إليه كثير من علماء اللغة، قال الثعالبي: ((فصل في الحمل على اللفظ والمعنى للمجاورة: العرب تفعل ذلك

стр. 148

فتقول: هذا حُجْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. والخرب نعت الحُجر لا نعت الضبِّ، ولكن الجوار عمل عليه كما قال امرؤ القيس: كأن ثبيرًا في عَرانين وَبلِهِ ... كبيرُ أناسٍ في بِجاد مُزَمَّلِ [بحر الطويل] فالمُزَمَّل: نعت الشيخ لا نعت البِجاد وحقه الرفع ولكن خفضه للجوار (...) وفي القرآن: چ ? ٹ ٹ چ [يونس ٧١]، لا يقال: أجْمَعت الشُّركاء وإنما يقال: جَمَعت شركائي وأجمَعتُ أمري وإنما قال ذلك للمجاورة. وقال النبي ﷺ : ((ارجِعْنَ مأزورات غيرَ مَأجورات)) (١) وأصلها مَوزورات من الوزر، ولكن أجراها مجرى المَأجورات للمجاورة بينهما، وكقوله: بالغدايا والعشايا ولا يقال: الغدايا إذا أفردت عن العشايا لأنها الغدوات والعامة تقول: جاء البرد والأكسية والأكسية لا تجيء؛ ولكن للجوار حقٌّ في الكلام)) (٢). ومن إشارات النحاة أن الفعل المضارع المعتل الآخر بالياء يرفع بضمة مقدرة عليها ويجزم بحذفها. والأغلب أن تكون هذه الياء مذكورة ((ومن الجائز حذفها لغير جازم، قصدا للتخفيف، أو مراعاة الفواصل، ونحوها، تبعا لبعض القبائل العربية، بشرط أمن اللبس بين هذا النوع الجائز من الحذف والنوع الآخر الواجب الذي سببه الجزم)) (٣). ٢ـ العرب تُثني الشيء وتجمعه لأنها تضيف إليه ما يقرب منه: ـ قال عند قول أبي تمام: وَبِشُعلَةٍ نَبذٍ كَأَنَّ قَليلَها ... في صَهوَتَيهِ بَدءُ شَيبِ المَفرِقِ [بحر الكامل]

стр. 149

((.. والصهوة: مَقْعد الفارس وثناها في هذا البيت؛ لأنه قصد الجانبين، والعرب تفعل ذلك يثنون الشيء، ويجمعونه؛ لأنهم يضيفون إليه ما يقرب منه؛ فيقولون صهوة الفرس وصهواته)) (١). ٣ ـ الاسم الذي يأتي في صيغة النسب قد يطلق ويراد به الاسم المنسوب إليه: يعرف العلماء النسب بأنه ((إلحاق ياء مشددة في آخر الاسم لتدل على نسبته إلى المجرد عنها)) (٢). فـ ((إذا أريد إضافة شيء إلى بلد أوقبيلة أونحوذلك جعل آخره ياء مشددة مكسورا ما قبلها، فيقال في النسب إلى دمشق: دمشقي، وإلى تميم: تميمي)) (٣). فكلمة دمشقي تدل على شيء منسوب إلى دمشق وهي لا تساوي في الدلالة كلمة دمشق؛ أي: إن صيغة النسب لا تساوي في الدلالة الاسم المنسوب إليه. غير أن أبا العلاء يُجَوِّزُ أن تكون ((صيغة النسب)) مساوية في الدلالة للاسم المنسوب إليه؛ أي: من الممكن أن يصبحا في دلالتها شيئا واحدا. ـ قال عند قول أبي تمام: عَشِيَّةَ صَدَّ البابَكِيُّ عَنِ القَنا ... صُدودَ المُقالي لا صُدودَ المُجامِلِ [بحر الطويل] ((إذا كان أراد بـ ((البابكي)) صاحبا من أصحاب بابك فلا كلام فيه، وإن كان أراد بابك نفسه، فمثل ذلك قليل إلا أنه جائز كأنه نسبه إلى اسمه، وهذا في النعوت موجود، فأما في الأسماء الأعلام فقليل، ولا يمتنع في القياس أن يقال هذا الفرزدقيُّ

стр. 150

والجريريُّ، يراد هذا الذي يُسمى الفرزدق أوجرير؛ فينسب إلى اسمه، وقد حكوا في شعر الصَّلَتان: أنا الصلتاني، وهومن طريقة القياس جائز، لا خُلف فيه)) (١). ٤ ـ عرفات تصرف ولا تصرف (٢). ********* ـ المجموعة الثانية: دراسة آراء أبي العلاء الصرفية المتعلقة بالحرف (٣) صوتًا وإعلالا وإبدلا وغيره: سندرس هنا المادة الصرفية التى قالها أبوالعلاء والمتعلقة بالحرف. ونبدأ بوقفة صوتية عند أبي العلاء. ـ وقفة صوتية عند أبي العلاء: من الأمور التى تعرض لها علماء اللغة المحدثون بالشرح والإيضاح ((قوانين التغييرات التركيبية للأصوات)). واتفقوا على أن أهم هذه القوانين قانونان، هما: قانون المماثلة، وقانون المخالفة. أما قانون المماثلة Assimilation فيشير إلى ((تأثر الأصوات اللغوية بعضها ببعض عند النطق بها في الكلمات والجمل؛ فتتغير مخارج بعض الأصوات أوصفاتها، لكي تتفق في المخرج أوالصفة مع الأصوات الأخرى المحيطة بها في الكلام؛ فيحدث عند ذلك نوع من التوافق والانسجام بين الأصوات المتنافرة في المخارج أوفي الصفات (...) فإذا التقى في الكلام صوتان من مخرج واحد أو من مخرجين متقاربين، وكان أحدهما مجهورا والآخر مهموسا مثلا حدث بينهما شد وجذب، كل واحد منهما يحاول أن يجذب الآخر ناحيته ويجعله يتماثل معه في صفاته كلها أوفي بعضها)) (٤).

стр. 151

وقد أشار أبوالعلاء في إحدى مواضع الشرح إلى ما يمكن وضعه تحت قانون المماثلة السابق. قال عند قول أبي تمام: تَؤُمُّ شِهابَ الحَربِ حَفصًا وَرَهطُهُ ... بَنوالحَربِ لا يَنبوثَراهُم وَلا يُكدي [بحر الطويل] ((... ((تؤم شهاب الأزد)) (١)، وذكر ابن السكيت أن الأُسْد بالسين أجود، وغيره يقولها بالزاي، ويجب أن يكون الأصل بالسين؛ لأن الدال إذا وقعت قبلها السين الساكنة فبعض العرب يحولها إلى الزاي، وكذلك الصاد، وكذلك قالوا في المثل: لم يُحْرَمْ مَنْ فُزْدَ له؛ إذا سكنوا صاد ((فُصِدَ)) على لغة ربيعة)) (٢). وإشارة أبي العلاء السابقة تقع عند علماء الأصوات تحت قانون المماثلة، وتحديدا ما يسميه علماء الأصوات ((التأثر المُدبِر الجزئي في حالة الاتصال))؛ ((أي: تأثير حرف لاحق على حرف سابق عليه تأثيرا جزئيا)) (٣). قال علماء الأصوات: ((في اللهجات العربية القديمة تتحول الصاد قبل الدال إلى زاي. مثل: ((يَزْدُق)) في ((يصدق)))) (٤). وإشارة أبي العلاء السابقة تدل على وجود قوانين صوتية تحكم تجاور الأحرف داخل بنية الكلمة. وقانون المماثلة الصوتي يقدم تفسيرا علميا مقبولا يمكن من خلاله تفسير إبدال بعض الحروف بغيرها في بعض الكلمات، فمثلا: ((اتصل، اصطبر، اضطرب،

стр. 152

يمَّحي))، يمكن تفسيرها بالمماثلة التأخرية التي يتأثر فيها المتقدم بالمتأخر، و ((ازداد، ادهن، ادكر، اظلم، فزد)) يمكن تفسيرها بالمماثلة التقدمية التي يتأثر فيها المتأخر بالمتقدم. ولا ينبغي أن نهمل الجانب الصوتي في المباحث الصرفية؛ لأنها ((مبنية في أساسها على ما يقرره علم الأصوات من حقائق وما يرسمه من حدود، وكل دراسة صرفية تهمل هذا النهج الذي نشير إليه لابد أن يكون مصيرها الإخفاق والفشل، كما هو الحال في كثير من مباحث الصرف في اللغة)) (١). ومن يتأمل بعمق صنيع النحاة يجد أن ((النحو لا يفتأ يستخدم معطيات الصوتيات والصرف المختلفة في عرض الأغلب الأعم من تحليلاته وفي الرمز لعلاقاته وأبوابه)) (٢). ـ حذف حرف من الكلمة لضعفه ولطول الكلمة: ألمح أبوالعلاء إلى جواز حذف حرف من الكلمة بسبب ضعفه وبسبب طول الكلمة. قال عند قول أبي العلاء: إِلَيكَ سَرى بِالمَدحِ قَومٌ كَأَنَّهُم ... عَلى المَيسِ حَيّاتُ اللِصابِ النَضانِضُ [بحر الطويل] ((ونَضانِض: جمع ((نَضْناض))، وهوالكثير الحركة من الحيات، والقياس يوجب أن يقال: ((نَضَانِيض)) بالياء؛ ولكنه حذف لضعف الحرف؛ ولأن الاسم طويل يمكن أن يخفف منه)) (٣). والحروف الضعيفة هي: ((الياء والواووالألف)) وكان ((الخليل يسمِّيها الحُروف الضَّعيفةَ الهوائيَّة)) (٤). و ((سمِّيت ضعيفةً لانتقالها من حال إِلى حال عند التصرُّف باعتلال)) (٥).

стр. 153

وإذا رجعنا إلى ((أصول الكلمات العروبية السامية جميعا ومنها لغتنا العربية ... وجدنا أن العناية فيها تنصب على الحروف الساكنة، وهي التي تراعى في كتابة هذه اللغات جميعا دون الحروف اللينة أوحروف المد وهي: ألف، وواو، وياء)) (١). ـ حكم التصريف: من المصطلحات التي ذكرها أبوالعلاء أثناء شرحه مصطلح ((حكم التصريف)). ومن خلال سياق الكلام الذي ورد فيه هذا المصطلح يجوز أن يكون المقصود به عنده: ((القوانين والقواعد المتعلقة بأصلية حرف في كلمة أوزيادته))، أوهي: ((قوانين متعلقة بالحرف داخل بنية الكلمة)).قال عند تحليله الصرفي لكلمة ((أندلس)): ((فإن ادعى مدعٍ أنها ((فَنْعَلِل))؛ فقد خرج عن حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة. وعند سيبويه أنها إذا كان بعدها أربعة أحرف فهي من الأصل، كهمزة إصطبل)) (٢). ـ ارتباط وزن الكلمة بالحروف الأصلية والزائدة والمرتبطة بدورها بمعنى الكلمة وزن الكلمة يتحدد بمعرفة الحروف الأصلية والزائدة. وتحديد الأصلي والزائد من حروف الكلمة مرتبط بمعنى الكلمة. فعند مناقشته لكلمة ((مُتَاع))، قال أبو العلاء: ((الـ ((مُتَاع)) من قولهم: أتاع الرجل؛ إذا قَاء. فهذا يدل على أن الميم في المُتاع زائدة، وأن وزنه ((مُفْعَل)). ويجوز أن يكون على ((فُعَال)): يكون من مَتَع النهار)) (٣). وقال في موضع آخر: ((ارجحنَّت: في معنى ثقلت. ووزن ((ارجحنَّ)) عند سيبويه ((افعلَلَّ))، وقال غيره: وزنه ((افْعَلَنَّ)) كأنه عنده من الرجحان ومن رجح)) (٤).

стр. 154

والنصان السابقان يشيران إلى أهمية تصريفات الكلمة في معرفة الحرف الأصلي والزائد. وهذا ما أثبته النحاة؛ إذ قالوا: ((الحرف الذي يلزم تصاريف الكلمة هوالحرف الأصلي، والذي يسقط في بعض تصاريف الكلمة هوالزائد، نحو: ضارب ومضروب)) (١). ـ الإعلال والإبدال: الإعلال: ((هوتغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب، والحذف، والإسكان. وحروفه الألف، والواو، والياء.)) (٢). أوهو: ((تغيير حرف العلة للتخفيف، بقلبه، أوإسكانه أوحذفه. فأنواعه ثلاثة: القلب والإسكان والحذف)) (٣). أما الإبدال: ((فهوجعل مطلق حرف مكان آخر (...) فكل إعلال يقال له إبدال ولا عكس)) (٤). فالإعلال مختص بحروف العلة والهمزة؛ لأنها تقاربها بكثرة التغيير (٥). ومن اللغويين من حصر حروف الإبدال في قوله ((طال يوم أنجدته)) (٦). - إبدال الياء من الواو استثقالا للتشديد مع الواو: أشار أبوالعلاء إلى أن الياء قد تبدل من الواو، معللا ذلك الإبدال بـ ((استثقال التشديد مع الواو)). قال: ((الحُيَّل جمع حائل، وهي التي لم تَحْمل. والحُوَّل بالواوأجود؛ لأنه من ذوات الواو؛ فتظهر في جمعه، كما يقال: صائم وصُوَّم، وقائم وقُوَّم. وقد قلبت إلى الياء استثقالا للتشديد مع الواو، كما قالوا: صُيَّم في جمع صائم، ونُُيَّم في جمع نائم)) (٧). - إبدال الياء من حرف مضعف لخفتها وفرارا من التقاء ساكنين:

стр. 155

يمكن للياء أن تبدل من حرف مضعف في كلمة لخفة الياء , وفرارا من التقاء ساكنين. قال عند قول أبي تمام: بِأَحاظي الجُدودِ لا بَل بِوَشكِ الجِدِّ لا بَل بِسُؤدَدِ الأَجدادِ [بحر الخفيف] ((الأحاظي جمع ((حظ)) على غير قياس؛ كأنهم جمعوا ((حَظًّا)) على ((أَحُظّ))، وجمعوا ((أَحُظًّا)) على ((أَحَاظ))، ثم أبدلوا الياء من الحرف المضعف؛ لأنها أخف، وفروا مع ذلك من جمع بين ساكنين)) (١). - إبدال الياء من اللام: يرى أبوالعلاء إمكانية إبدال الياء من اللام، فقال عند قول أبي تمام: مُعاوِدَ الكِبرِ وَالسُّمُوعَلى ... أَعيادِهِ باذِخًا عَلى جُمَعِهْ [بحر المنسرح] ((... كان في بعض النسخ: ((مُعَاوِدَ الكِبْر والتَّدَلِّي))، فإن صح ذلك فإنه أراد ((التَّدلُّل))؛ فأبدل من اللام الياءَ؛ لأن ذلك يُفْعَل في ((التَّفَعُّلِ))؛ إذا كان من ذوات التضعيف، نحو: تَظَنَّيْتُ، وتَقَضَّى البازي)) (٢). وأصل ((تظني وتقضي)): ((تظنن، وتقضض))، وقلب الحرف الأخير استثقالا لتوالي ثلاثة أمثال (٣). - قلب الهمزة من الواو في أول الكلمة: يمكن للهمزة أن تقلب للواو أول الكلمة بشرطين: [أ] أن تكون مضمومة. [ب] كونها في أول الاسم. قال أبوالعلاء: ((أُسامة (...) يحمل على أن الهمزة فيه واوقلبت ((لضمتها، وكونها في أول الاسم؛ فكأنه وسامة)))) (٤).

стр. 156

وقد علل ابن عصفور هذا القلب والإبدال بقوله: ((وإنَّما فعلتَ ذلك، لثقل الضَّمَّة والكسرة في الواو. وذلك أنَّ الضَّمَّة بمنزلة الواو، والكسرة بمنزلة الياء. فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع واوان. وإذا كانت مكسورة فكأنه قد اجتمع لك ياء وواو. فكما أنَّ اجتماع الواوين، والياء والواو، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمَّة، والواو والكسرة.)) (١). - قلب الهمزة المزيدة للتأنيث ياء بين بين (٢): قبل أن نذكر نص أبي العلاء الذي يدل على العنوان السابق نمهد بقولنا: إن الصرفيين عند دراستهم لمواضع قلب الهمزة ياء يقولون: إبدال الواو والياء من الهمزة يتحقق في ناحيتين: ((الناحية الأولى: الجمع الذي على وزن: مفاعل وما شابهه، بشرط أن تكون الهمزة عارضة بعد ألف تكسيره، وأن تكون لام مفرده إما همزة أصلية، وإما حرف علة أصليا؛ واوا أو ياء)) (٣). و ((الناحية الثانية اجتماع همزتين في كلمة واحدة)) (٤). ونص أبي العلاء الذي معنا يفهم منه وجود موضع آخر تقلب فيه الهمزة ياء، وقبل ذكر الموضع نقدم نص كلام أبي العلاء أولا، قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: أَنتَ الَّذي لا تُعذَلُ الدُنيا إِذا ... النائِباتُ صَفَحنَ عَن حَوبائِهِ

стр. 157

وَإِذا رَأَيتَ أَسى امرِئ أَوصَبرَهُ يَومًا فَقَد عايَنتَ صورَةَ رائِهِ [بحر الكامل] ((هذا شيء استعمله الطائي وغيره (١)، فأما مذهب سيبويه في ذلك فإذا حمل عليه كان (٢) كالعيب؛ لأنه (أي سيبويه) لا يجعل ((همزة حوبائه)) وما كان مثلها إذا خففت في هذا الموضع ياء خالصة ولكن يكون بين بين، وياء رايه ياء خالصه لا يجوز قلبها إلى الهمزة في هذا الموضع فيقع الاختلاف في الرَّوِي، فأما غير سيبويه فلا يبعد في مذهبه أن يجعل همزة حوبائه ومثلها إذا خفف ياء وهو مذهب ضعيف)) (٣). من خلال النص السابق يفهم التالي: تقلب الهمزة ياء بين بين إذا كانت: ١ ـ همزة بعد ألف تأنيث ممدودة.

стр. 158

٢ ـ مكسورة. ٣ ـ وسط الكلمة. ٤ ـ تحتل مكان الروي في آخر البيت. وينبه أبو العلاء إلى أن قلب الهمزة إلى ياء بين بين، أي: ((بين مخرج الهمزة ومخرج الحرف الذي من حركتها)) (١). وهو يقبل هذا المذهب، أي مذهب سيبويه، ويضعف المذهب القائل إن الياء خالصة. ولعل قلب الهمزة في هذا الموضع ياء بين بين وليست خالصة هو الذي منع الصرفيين من ذكر هذا الموضع ضمن المواضع التي تقلب فيها الهمزة ياء صريحة. ـ الممدود والمقصور: ترددت أقوال لأبي العلاء عن الممدود والمقصور، يمكن باستقرائها أن نستخلص منها بعض الملحوظات: ـ أن أبا العلاء يوافق النحاة على ((أن الكلمة تُقْصر وهي ممدودة)) (٢). ـ أن الاسم الممدود المؤنث قد لا يكون له مذكر مستعمل. قال: ((صنعاء اسم قديم (...) ويجوز أن تكون كلمة موضوعة لم يستعمل منها مذكر، ويحتمل أن يكون أصلها أن تجري على أفعل وترك استعماله، كما قالوا: درع حصداء، ولم يقولوا: حديد أحصد)) (٣). ـ من الكلمات ما يمد ويقصر في منثور الكلام. قال: ((والهيجاء اسم مشتق من الهَيْج، ويمد ويقصر)) (٤). ـ قد يكون الاسم بمعنى معين ممدودا، وبمعنى آخر مقصورا. قال: ((الصفاء من المودة ممدودا، والصفا من الأرض مقصور)) (٥).

стр. 159

ـ يرى أبوالعلاء إمكانية مد المقصور، موافقًا في ذلك الكوفيين ومخالفا البصريين، إذ ((ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز مدُّ المقصور في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبوالحسن الأخفش من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز)) (١). والكوفيون إذ يبيحون مد المقصور يقيدون ذلك بضرورة الشعر كما يفهم من كلام أبي بركات الأنباري في النص السابق. ونفهم من كلام أبي العلاء أنه لا يُقصِر مد المقصور على ضرورة الشعر فقط بل يجوز أن يقع في النثر أيضا، إلا أن ترك المد ((أحسن)) في كليهما، ومد المقصور في الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور. قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام: هَذا أَمينَ اللهِ آخِرُ مَصدَرٍ ... شَجِيَ الظَّماءُ بِهِ وَأَوَّلُ مَورِدِ [بحر الكامل] ((... مد الظماء، وهو مهموز مقصور، وذلك جائز، إلا أن ترك المد أحسن، وهوفي الشعر أسوغ منه في الكلام المنثور)) (٢). بل إن أبا العلاء يشير إلى أن القياس يسمح بذلك. قال عند قول أبي تمام: أَمُحَمَّدُ بن سَعيدٍ ادَّخِرِ الأُسى ... فيها رُواءُ الحُرِّ يَومَ ظِمائِهِ [بحر الكامل] ((ومد الظماء وهومهموز مقصور (...) وقد فعل ذلك في غير هذا الموضع، والقياس يطلق ذلك، وما هوأشد منه)) (٣). ودعما لأبي العلاء يقول أ/ عباس حسن: ((والأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيحه في الضرورة الشعرية ونحوها؛ لأن الشعر وملحقاته محل التيسير. بشرط ألا يؤدي المد إلى خفاء المعنى أولبسه؛ فيصح: غناء في غنى ـ نهاء في نهى ـ بلاء في

стр. 160

بلى (...) ولا يصح هذا في نوع النثر الذي لا يلحق بالشعر في الضرورة، دون النوع الآخر الذي يلحق به)) (١). ومما نحب أن نلفت الانتباه إليه أن الشائع في أكثر الكتب النحوية أن الضرورة خاصة بالشعر وحده. لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق. ومن هؤلاء ابن بَرِّيٍّ (٢) الذي يرى أن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده، بل تشمل السجع والفواصل أيضا. يقول: ((اعلم أن للسجع ضرورة الشعر، وأن له وزنًا يضاهي ضرورة الوزن الشعري في الزيادة والنقصان والإبدال وغير ذلك)) (٣). ـ تخفيف الهمزة عند أبي العلاء: من المصطلحات التي تتردد عند النحاة مصطلح ((التخفيف)). وهذا المصطلح يطلق عندهم وقد يراد به: ١ـ جعل الحرف ((المشدد)): غير مُشدَّد. قال ابن عقيل: ((إذا خففت ((إنَّ)) فالأكثر في كلام العرب إهمالها)) (٤). ٢ـ أوتسكين حرف متحرك. قال صاحب النحوالوافي في باب الممنوع من الصرف: ((فليس من المعدول ((فَخْذ)) بسكون الخاء تخفيف ((فَخِذ)) بكسرها)) (٥). ٣ـ حذف حرف. قال أبوالبركات الأنباري: ((الجزم حذف، والحذف تخفيف)) (٦).

стр. 161

٤ـ جعل الهمزة الساكنة المضموم ما قبلها واوا، والمفتوح ما قبلها ألفا، والمكسور ما قبلها ياء (١). تلك بعض المعاني التي يطلقها النحاة على مصطلح التخفيف، وهي معان على سبيل المثال لا الحصر (٢). وقد استعمل أبوالعلاء التخفيف في شرحه بمعناه الأول (٣) والثاني (٤) والرابع.

стр. 162

ويُفْهم من المادة التي جمعها الباحث أن تخفيف الهمزة قد يكون وسيلة لإثراء المعنى، قال عند قول أبي تمام: وَاستَيقَنوا إِذ جاشَ بَحرُكَ وَارتَقى ... ذاكَ الزَّئيرُ وَعَزَّ ذاكَ الزارُ [بحر الكامل] ((الزار: جمع زارة، وهي الأجمة، وهذا تجنيس متقارب، وقد يُحتمل أن يقال: أصل ((الزأرة)) بالهمز، ويجعل من الزئير)) (١). فكلمة: زارة ـ بدون تخفيف للهمزة ـ الأجمة: الشجر الكثير الملتف، وإذا قلنا إنها من زئير الأسد اختلف معنى البيت، وقد برع أبو العلاء كما سنبين في الباب التالي في استغلال البنية لتقديم معان مختلفة للبيت. والتخفيف جائز عنده في مواضع ولا يجوز في مواضع. ـ قال: ((سُؤْر الشيء بقيته، وأصله الهمز، والتخفيف جائز)) (٢). ـ قال: ((أصل ((استخذا)) الهمز، يقال: استخذأت له إذا ذللت، والتخفيف في هذا وما يجري مجراه جائز)) (٣). وأبوالعلاء لم يُطْلِعْنا على مواضع ((جواز تخفيف الهمزة وعدمه)). ولكن من خلال ما ذكره يمكن أن نضع حدًّا لهذا الجواز، فنقول استنباطا: يجوز تخفيف الهمزة في حالتين: أـ عدم وجود لفظ مشابه حروفا وضبطا للفظ الذي خُفِّفت همزته. ب ـ وإذا خُفِّف اللفظ وظهر له مشابه له وجب وجود قرينة تمنع التباس المعنى بين اللفظين، وقد تكون هذه القرينة سياقية أوعروضية أوصرفية. ومثال ذلك التالي: قال عند قول أبي تمام: لَمّا حَلَلتَ الثَّغرَ أَصبَحَ عالِيًا ... لِلرومِ مِن ذاكَ الجِوارِ جُوارُ [بحر الكامل]

стр. 163

((يقال جاورتهم جِوارًا، والجُوار بضم الجيم اسم، والأحسن على مذهب الطائي: أن تُخفف همزة ((جُؤَار)) وتُجْعل واوا؛ لأن الجُؤَار بالهمزة ليس من لفظ الجِوار، الذي هومجاورة؛ فإذا خففتَ الهمزة وضممت جيم الجِوار، الذي هواسم للمجاورة؛ فالتجنيس كامل، وإن كسرت الجيم فهومخالف بالحركة لا غير)) (١). ـ قال عند قول أبي تمام: وَمَقدودَةٍ رُؤدٍ تَكادُ تَقُدُّها ... إِصابَتُها بِالعَينِ مِن حَسَنِ القَدِّ [بحر الطويل] ((... والجيد: ((رُؤْد)) بالهمزة، بالهمز، وهي المُتثنِّية، و ((الرُّد)) بغير همز: الطَّوَّافة في بيوت جاراتها، وكان يكون ذمًّا، إلا أن تُخَفَّف الهمزة)) (٢). وقال: لَمّا قَرا الناسُ ذاكَ الفَتحَ قُلتُ لَهُم ... وَقائِعٌ حَدِّثوا عَنها وَلا حَرَجا [بحر البسيط] ((أراد قرأ الناس، من قراءة الكتاب؛ فخفف الهمزة، ولايحسن أن يحمل على غير هذه اللفظة [؛ لقرينة السياق] من قِرَى الضيف، ولا من قرا الشيء؛ إذا تتبعه)) (٣). ـ قال عند قول أبي تمام: وَثَناياكِ إِنَّها إِغريضُ ... وَلِآلٍ تومٌ وَبَرقٌ وَميضُ [بحر الخفيف] ((... يقال للؤلؤة العظيمة تُؤْمَة والجمعُ تُؤَم. وهذا الوجه أجود من أن تُجعَل ((تُومُ)) جمع تُؤَام على تخفيف الهمزة؛ لأن ذلك قليل)) (٤).

стр. 164

ورد الكلمة لأصل مهموز أوغير مهموز مرتبط بالمعنى، فكلمة ((هَدَّى)) قد يكون أصلها هَدَى أوهَدَأ حسب المعنى والسياق. كما أن الجمع يرد الكلمة لأصلها المهموز (١). ـ من أنواع الهمزات همزة التعجب (٢): الهمزة: ((حرف من حروف المعاني، وهي أنواع: همزة المضارعة، همزة الوصل، همزة القطع، الهمزة المنقلبة، همزة التعدية.، حرف النداء، همزة التسوية، همزة الاستفهام ...)) (٣). ولم يذكر المصدر السابق من ضمنها ما أسماه أبوالعلاء بهمزة التعجب. قال: ((وأصل همزة التعجب أن تدخل على الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها، مثل: ضرب وعلم وكَرُم، ودخولها على ما في أوله الهمزة قليل، إلا أنه قد جاء وكثر)) (٤).

стр. 165

فأبوالعلاء يحدد من ضمن أنواع الهمزات همزة التعجب، وهذا المصطلح لم يتردد كثيرا في المراجع النحوية. ـ قطع ألف الوصل في الأسماء: قال عند قول أبي تمام: إِمراتُهُ نَفَذَت عَلَيهِ أُمورُها ... حَتّى ظَنَنّا أَنَّهُ إِمراتُها [بحر الكامل]. ((تُقطع ألف الوصل في ((امراة))، وذلك قليل إلا أنه قد جاء في مثل قول الأنصاري: إِذا جاوَزَ الإِثنَينِ سِرٌّ فَإِنَّهُ ... بِنَشرٍ وَتَكثيرِ الحَديثِ قَمين (١) [بحر الطويل])) (٢). ...

стр. 166

المبحث الثاني: الدراسة الصرفية لشرح التبريزي قام الباحث بتقسيم المادة الصرفية عند أبي العلاء إلى مجموعتين رئيسيتين: - الأولى: كل ما قاله عن الاشتقاق، وما قاله متعلقا بالبنى والأوزان. - الثانية: كل ما كان متعلقا بالحرف صوتا وإعلالا وإبدلا وغيره. وسنقسم المادة الصرفية عند التبريزي تقسيما قريبا من التقسيم السابق. وسنحاول من خلال هذا التقسيم مناقشة المادة الصرفية عنده، على أن يكون التركيز على المادة الصرفية التي لم يأت لها ذكر عند أبي العلاء في شرحه هنا أوالتي توسع فيها التبريزي قليلا. ـ المجموعة الأولى: دراسة المادة الصرفية المتعلقة بالبنى الصرفية عند التبريزي: ـ مفهوم البنية عند التبريزي: من الأمور اللافتة للنظر عند التبريزي مفهوم البنية. وهو مفهوم يستحق أن نقف عنده دراسة وتحليلا. وبداية وقبل الشروع في هذا التحليل نقف على المعنى اللغوي الذي تذكره المعاجم اللغوية لكلمة ((بنية)). ((البُِنية)) ـ بكسر الباء وضمها ـ ((البِناء))، وتجمع على ((بُِنى))، بضم الباء وكسرها. قال الزمخشري: ((بناؤك من أحسن الأبنية، وبنيت بُِنْيَةً عجيبةً. ورأيتُ البُِنى فما رأيت أعجب منها)) (١). وفي مختار الصحاح: ((البُنَى بالضم مقصور ((البناء))، يقال: بُنْيَة وبُنًى، وبِنية وبِنًى)) (٢). أما المعجم الوسيط فيذكر أيضا مع المعنى السابق أن البنية معناها: ((الصيغة)). قال: ((البِنْية ما بُنِي، ج: بِنًى ... ومنه بنية الكلمة؛ أي: صيغتها)) (٣).

стр. 167

وقد ورد مصطلح البنية عند أبي العلاء والتبريزي. أما عند أبي العلاء فالمقصود بها ((حروف الكلمة وضبطها)) (١)؛ أي: صيغتها. ويوافقه في ذلك المحدثون من علماء اللغة، إذ قرروا أن النظام الصوتي ((يتألف في كل لغة من عدد محدود من الأصوات، بحيث تكون مجتمعة كتلا صوتية تترابط أجزاؤها بعلاقات ووشائج معينة تنشأ من تجاور الأصوات ومواقعها وكونها في هذا الموقع أو ذاك، أو في هذا المقطع أو ذاك، ومن ثم فإن مجموعة العلاقات هذه هي التي تشكل البنية الأساسية لما نسميه الكلمة)) (٢). أما مفهوم البنية عند التبريزي فهو أوسع من ذلك، فهو يشمل أيضا ((التراكيب))، أي: تجاور كلمتين أوأكثر. قال التبريزي عند قول أبي تمام: إِن رُمتَ تَصديقَ ذاكَ يا أَعوَرُ الد ... دَجالُ فَالحَظهُمُ وَلا تَذُبِ [بحر المنسرح] ((جعل ((أعور)) معرفة بالنداء، ثم نعته بالدجال، وبعض العرب يستوحش من هذه البنية، واستعمالها في كلامهم قليل، لا يكاد يوجد: يا غلامُ العاقلُ، أقبل)) (٣). ومن الأمور المهمة التي يستنبطها الباحث من كلام التبريزي هنا أنه سمى هذا التركيب: ((يا (أداة نداء) + منادى + نعت مشتق)) بنية، وأن استخدام هذه البنية قليل. وهذا يعنى الآتي: ١ـ أن مفهوم البنية عنده لا يقتصر على لفظٍ مفرد، بل يتسع ليشمل ((تركيبا))، وبالطبع من الممكن أن يشمل هذا ((التركيب)) جملة. ٢ـ وأن هناك من البنى ما هو ((قليل الاستعمال مستوحش))، ومنها ((كثير الاستخدام مقبول)). ٣ـ وأن هذا ((الاستيحاش)) ـ أوعدم الأنس ـ أمر نفسي ذهني. ٤ـ وأن هناك من البنى العربية ما هو كثير الاستعمال، ومنها ما قليل الاستعمال.

стр. 168

٥ـ وأن مصطلح البنية ليس مصطلحا حديثا، بل هو قديم، وأقدم من استخدمه قبل التبريزي على وجه التقريب هو المبرد المتوفى عام ٢٨٥هـ في كتابه المقتضب عند حديثه عن الهمزة حيث قال: ((وَلم يجز أَن تَجْتَمِع همزتان فِي كلمة سوى مَا نذكرهُ فِي التقاءِ الْعَينَيْنِ اللَّتَيْنِ بِنْية الأُولى مِنْهُمَا السّكُون)) (١). ـ الأبنية الصرفية عند التبريزي: سبق أن أوضحنا ـ عند حديثنا عن المادة الصرفية عند أبي العلاء ـ أن ألفاظ اللغة عند اللغويين تنتظمها ((أبنية)) محددة ومعلومة عندهم. وتلك الأبنية تكونت وتحددت لديهم بعد استقراء وإنعام للنظر طويلين لهذه الألفاظ. وهذه هي نفس الحقيقة التي نستشفها ونستنتجها بشكل أوضح مما هي عليه عند أبي العلاء من مواضع كثيرة من شرح التبريزي: ـ قال: ((بَهرام: عندهم المريخ، وبعض الناس يقوله بفتح الباء، ولا يخرجه إلى أمثلة العرب؛ لأن ((فَعلالا)) في المضاعف قليل جدا، ومن الناس من يكسر الباء ليخرج إلى باب ضِرْغام وسِرْداح)) (٢). ـ وقال: ((عَقَرْقُس: على وزن سَفَرْجُل بضم الجيم، وهواسم موضع أجنبي، وهو يشابه في الوزن قولهم كنَهْبُل لضرب من الشجر، وفيه اختلاف، فقوم يجعلون نونه زائدة، وقوم يجعلونه بناء من الأُصُول، وكلا الوجهين يحتمله القياس، ولوأن عقرقُس اسم عربي لم يحكم على أحد قافيه بالزيادة في مذهب أصحاب التصريف)) (٣). وبدراسة المواضع التي تحدث فيها التبريزي عن البني الصرفية يمكن أن نخرج ببعض الحقائق والملحوظات التالية: - أولى هذه الحقائق أن هذه الأبنية ((متفق عليها))؛ بمعنى: أن قبول اللغويين لبنية معينة ليس ناتجا عن علة معينة، أولسبب معين، وإنما قبولهم لبنية

стр. 169

معينة يكون بسبب الاتفاق الذي وقع في اللغة حول هذه البنية. فقد توجد أكثر من بنية يمكن أن تكون مقبولة، ولكن اللغة قبلت بعضها ولم تقبل الأخرى (١). قال التبريزي: ((وليس في كلام العرب مثل ((دَمَقْس)) في الرباعي (...) [و] تركهم أن يبنوا مثل دمقس إنما هو اتفاق وقع في اللغة، لا أن اجتنابهم ذلك لعلة)) (٢). ـ وقال: ((فِعُّل بكسر الفاء وضم العين مثال لم ينطق به)) (٣). ويؤكد ما ذهبنا إليه تلك المناظرة التي أوردها السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر بين ابن ولاد وبين ابن النحاس وفيها ((قال ابن النحاس لأبي العباس: كيف تبني مثال افعلوت من رميت، فقال له أبو العباس: ارمييت، فخطأه أبو جعفر وقال: ليس في كلام العرب افعلوت ولا افعليت؛ فقال أبو العباس: إنما سألتني أن أمثل لك بناء ففعلت)) (٤). - هذه الأبنية المستقرة والمعلومة والمحددة عند اللغويين كانت بمثابة ((المعيار والقرينة)) الذين يعرف بهما ما يوافق الأسماءَ العربية من الأسماء الأعجمية (٥). ـ قال عند قول أبي تمام:

стр. 170

يَقولُ في قُومَسٍ صَحبي وَقَد أَخَذَت ... مِنّا السُّرى وَخُطا المَهرِيَّةِ القودِ [بحر البسيط]. ((قُومَسٍ: اسم أعجمي، يوافق من العربية لفظ القَمْس، من قولهم: قَمَسَ في الماء؛ إذا غاص)) (١). ـ وقال: ((يقال مَنْجَنيق ومِنْجَنِيق، بفتح الميم وكسرها، وليست هذه الكلمة بالعربية في الأصل، وإذا جمعتها العرب قالوا: مجانيق؛ فحذفوا النون)) (٢). ـ وقال: ((ودمشق اسم أعجمي، وافقت حروفه حروف الدِّمَشْقة، وهي السرعة في السير، يقال: ناقة دمشق؛ أي: سريعة (...) وأدخلوا الهاء عليها في شذوذ؛ فقالوا: دِمَشْقَة)) (٣). ـ وقال عند قول أبي تمام: بِصاغِرَةِ القُصوى وَطِمَّينِ وَاقتَرى ... بِلادَ قَرَنطاووسَ وابِلُكَ السَّكْبُ [بحر الطويل] ((... ويروى ((بصارخة))، وهي موافقة للأسماء العربية)) (٤). - كما كانت معرفته بالأبنية وسيلة لمعرفة الأصل العربي للكلمات التي يُدعى عدم عربيتها: قال: ((وأصحاب التفسير يزعمون أن [مشكاة] أصلها حبشي، فأما لفطها فيدل على أنها مِفْعَلة من شكوت)) (٥). - تلك الأبنية المستقرة تحدد الطريقة التي يمكن أن يكون عليها اسم أعجمي لورغبنا في النطق به.

стр. 171

ـ قال: ((وليس في كلام العرب مثل دَمَقْس في الرباعي، وهواسم أعجمي، والقياس إذا نطقت به العرب أن يكسر أوله؛ ليخرجوه إلى بناء هو لهم، مثل قولهم: أرض دِمَثْرة؛ أي: سهلة، وناقة دِرَفْسة؛ أي: ضخمة شديدة)) (١). ـ وقال: ((وبعض النحويين يحكي أن من العرب من يقول: حَضْرَمُوت؛ ليجعلوا بناءه كبناء عَضْرفُوت وحذرفُوت)) (٢). - هذه الأبنية التي ترسخت وثبتت عند اللغويين تولدت عنها قوانين وقواعد تظلل تلك الأبنية، وتوجب أن تكون كل الكلمات المشتقة ـ إذا رغبنا في اشتقاقات جديدة ـ تحت طوع هذه القواعد، وفي دائرتها ولا تخرج عليها. ـ قال: ((ويَرَمْرَم (٣) (...) إذا حمل هذا الاسم علي موجب الاشتقاق فهو من اليَرَم بُني على فَعَلْعَل)) (٤). ـ وقال التبريزي عند قول أبي تمام: لَم يُسَوَّد وَجهُ الوِصالِ بِوَسمٍ ال ... حُبِّ حَتّى تَكَشخَنَ العُشّاقُ [بحر الخفيف] ((.. ((تَكَشخَنَ)) كلمة عامية لا تعرفها العرب، وإذا حُمِلَت على القياس فالصواب: تَكشَّخَ؛ لأنك إذا بنيتَ ((تَفَعَّل)) من سَكْران فالوجهُ أن تقولَ: تَسَكَّرَ، وأما مثل تسكرن من السكران وتَعطَّشن من العطشان فمعدوم قليل، وهذا الكلام على أن تفتح الكاف من الكَشْخان، فإن كانت مكسورة قوي ثبات النون في الفعل؛ لأن فِعْلان يحكم على نونه بالزيادة إذ كان فَعْلال قليلا في الكلام، وليس فِعْلال كذلك)) (٥).

стр. 172

- وهذه الأبنية منها ما هو خاص بالاسم، ومنها ما هو خاص بالفعل، ومنها ما هوقليل نادر ومنها ما هوشائع حاضر. ـ قال: ((الفِرِنْد: رونق الشيء، وأصله فارسيٌّ معرب، وحُكي بالفاء والباء فِرِنْد وبرند، وإذا كان أعجميًّا فلا اشتقاق له وبناؤه بناء قليل؛ لأن النون إن جُعلت أصلا فهو ((فِعِلٌّ))، وإنما يجيء هذا البناء بتشديد اللام، وتضعيف الآخر كما قالوا: فَرَسٌ ضِبِرٌّ وطِمِرٌّ، وغيث حِمِرٌّ يقشرُ الأرض، فأمّا مثل: الدِّمِقْس فليس في كلامهم)) (١). ـ وقال: ((ولما بنى الفعل من القلنسوة قال: قَلْنَس، فأثبت النون، و ((فَعْنل)) بناء قليل)) (٢). - وأيضا هناك قانون صوتي يمنع تجمع أحرف معينة عند تكوين بنية الكلمة، كأن تجتمع الحروف ((الكاف، والذال، والجيم)) في كلمة، أوتجتمع بالكلمة أحرف من حروف الحلق.

стр. 173

ـ قال عند قول أبي تمام: راحٌ إِذا ما الراحُ كُنَّ مَطِيَّها ... كانَت مَطايا الشَوقِ في الأَحشاءِ [بحر الكامل]. ((و ((الكذج)): كلمة لم تستعملها العرب، ولا استعملت الكاف والذال والجيم فيما يعرف من الثلاثي)) (١). ـ وقال: ((ولهيعة مشتق من اللهع، وهوالتَّشَدُّق في الكلام ... وقليل في كلامهم أن تجيء الهاء بعد العين؛ لأنهما حرفا حلق)) (٢). وقد تنبه الخليل من قبل أبي العلاء والتبريزي بوجود هذه القوانين الصوتية مستندًا في ذلك على ((ثقافته اللغوية وخبرته الصوتية في معرفة التجمعات الصوتية المسموح بها وغير المسموح بها في اللغة العربية)) (٣)؛ لذلك نجده في كتابه العين ينبه على وجود أبنية مستعمله وأخرى مهملة، وهذا الإهمال بسبب ((عدم استعمال العرب له أو لأن القوانين الصوتية تأباه)) (٤). - وفي بعض المواضع أشار التبريزي إشارات يُفْهَمُ منها أن معظم الألفاظ تتخذ من مكوناتها الداخلية ما تحتاط به من التباس معناها بمعنى لفظة أخرى مشابهة لها. ـ قال عند قول أبي تمام: راحٌ إِذا ما الراحُ كُنَّ مَطِيَّها ... كانَت مَطايا الشَوقِ في الأَحشاءِ [بحر الكامل]. ((... الراح الأولى الخمر، وهي من ذوات الياء، لقولهم: ((رِياح)) في معنى ((راح))، ومنها اشتقاق ((الأريحيّ والأريحية)) ... وكأنهم إذا استعملوا الشيء بالواووالياء؛ فرقوا بإبدال إحداهما من الأخرى؛ ليكون ذلك أقل للبس؛ لأنهم لوقالوا: ((رجل أروحي))؛

стр. 174

لالتبس بالنسب إلى أروح، إذا قلت: ((هذا أروح من هذا، وهذا ظليم أروح))؛فيؤثرون الفرق في كثير من الكلام؛ إذا وجدوا سبيلا إليه)) (١). ـ وقال: ((وأصحاب النقل يرون أن تصغير الضحى ضُحَيّ، فإذا قيل لهم: لِمَ لَمْ تُظْهِروا الهاء في مصغر الثلاثي، كما قالوا: رُحَيَّة، وقُدَيْمة؟ قالوا: أرادوا أن يفرقوا بين تصغير ضحى، وتصغير ضحوة، وقد يجوز مثل ذلك)) (٢). ـ وقال: ((الطلل: ما شخص من آثار الديار. وكذلك قالوا: تطاللتُ إذا تطاولت، وقال بعضهم: تطاللتُ إذا كنت جالسا، وتطاولت: إذا كنت قائما)) (٣). ـ وقال: ((العنق يذكر ويؤنث، وقال قوم: إذا حركت النون، فالوجه التأنيث، وإن أسكنت فالوجه التذكير)) (٤). ـ قال: ((الأجود أن يستعمل الأمهات بالهاء فيمن يعقل، والأمات فيما لا يعقل)) (٥). ونصوص التبريزي السابقة تشير إلى أن اللغة تتخذ من الوسائل ما تأمن به اللبس فـ ((ما دامت المباني الصرفية تعبر عن معانٍ صرفية أو تتخذ قرائن لفظية على معانٍ نحوية , فِلا بُدَّ أن يكون أمن اللبس بين المبنى والمبنى غاية كبرى تحرص عليها اللغة في صياغتها للمباني الصرفية , ولا بُدَّ لضمان أمن اللبس على المستوى الصرفي أن تقوم القيم الخلافية بدور التفريق بين المباني من ناحية الشكل ليكون هناك فارق بين المعنى الصرفي وأخيه , أو بين الباب النحوي وأخيه)) (٦). - ومما أشار إليه أن البنية الخماسية الأصول لا مذهب لها في الاشتقاق:

стр. 175

قال: ((صَهْصَلِق: شديد الصوت، والصادان في صهصلق أصليتان، وأصحاب الاشتقاق يذهبون إلى أن الخماسي الذي كل حروفه أصول لا مذهب له في الاشتقاق؛ لأن الفعل لا يتصرف منه)) (١). والذي عليه العلماء أن الأصول الخماسية مخصوصة بالأسماء، ولا يشتق منها فعل، وتعليل ذلك أن ((أنَّ الفعل مُعَرَّض للزوائد من أوله وآخره؛ كقولهم: دحرجتُه فتدحرَجَ، فلو بنيتَ من الخماسيّ لكان تقديره: سَفَرْجَلتُهُ فتسَفَرْجلَ؛ وهو ثقيل كما ترى. كما أن الضمائر تلحق بالأفعال، وتصير معها بمنزلة الشيء الواحد، نحو: ضربنا وضربتم؛ فإذا جاء الخماسيّ فعلاً، ولحقته الضمائر، أفرط في الطول؛ فكان تقديره: سَفَرْجَلْتُم؛ وهو ثقيل)) (٢). - الألفة وكثرة الاستعمال تؤثر على بنية الكلمة وحروفها: من لطيف إشارات التبريزي إلى أن ((الألفة)) و ((وكثرة الاستعمال)) تؤثر على بنية الكلمة وحروفها:

стр. 176

ـ قال: ((الديمة: من ذوات الواوفي الأصل، إلا أنهم ألفوا الياء حتى قالوا: دَيَّمَ المطر، وقالوا: كثيب مُدَيَّم؛ إذا سقته الديمة، وحُكِي دام المطر يديم، فيجوز أن يكون له أصل في الياء)) (١). ـ وقال: ((وقولهم: هذا شر من هذا وخير من هذا، هومن باب أفعل، لأن أصله أشر من هذا وأخير من هذا، إلا أن الهمزة قد حُذِفَت لكثرة الاستعمال)) (٢). والتغيير الذى يصيب بنية الكلمة بسبب ((الألفة)) و ((كثرة الاستعمال)) سماه العلماء المعاصرون بـ ((بِلى الألفاظ)) وقرروا أن ((كثرة الاستعمال تبلي الألفاظ، وتجعلها عرضة لقص أطرافها، تماما كما تبلى العملات المعدنية والورقية، التي تتبادلها أيدي البشر)) (٣). - البنية التي قد يتغير معناها تصبح عرضة لدخول حروف عليها: قال عند قول أبي تمام: نَزَلَت مُقَدِّمَةُ المَصيفِ حَميدَةً ... وَيَدُ الشِّتاءِ جَديدَةٌ لا تُكفَرُ [بحر الكامل]. ((أصحاب اللغة يقولون مقدمة الجيش بكسر الدال، والقياس لا يمتنع فتحها. وقال: جديدة، والمعروف أن يقال: مِلْحفةٌ جديد، وكذلك في جميع الإناث؛ لأنه من جَدَدْتُ؛ أي: قطعت، فيقال: جُبَّة جديد، كما يقال: لحية دهين، وقال بعضهم دَهينة، وكأن جديدًا لما كثر صار في معنى الطري؛ فذهب عنه معنى المجدود؛ أي: المقطوع؛ فَحَسُنَ أن تدخل عليه الهاء، تقول: جاء الربيع محمودا، وصنيعة الشتاء ظاهرة مشكورة لا تكفر)) (٤). - قد يختلف علماء اللغة في أصول بعض الأبنية:

стр. 177

ألمح التبريزي إلى اختلاف علماء اللغة في أصولية بعض الأحرف في بعض البنى، قال: ((ومُسَحْسِح: كثير الصب. وبعض الناس يذهب إلى أن مسحسحا، مأخوذ من السح، وأصحاب القياس من أهل البصرة يزعمون أن سحسح من غير لفظ سح. ووزن مسحسح على رأي سيبويه ((مُفَعْلِل))، وعلى رأي غيره من أصحاب النظر ((مُفَعْفِل))، وعلى ما ثبت في كتاب العين ((مُفَعْفِع)))) (١). ـ وقال: ((ووزن مروراة على رأي سيبويه: فَعَوْعَلَة، وألفها أصلية، ووزنها على رأي محمد بن يزيد: فَعَلْعَلة)) (٢). ـ وقال: ((يقال أسدٌ دِلْهاث، ودُلاهِث؛ أي: جريء. ومن زعم أن الهاء في ((هِبْلَع)) زائدة، جاز أن يدعى أنها في دلهاث كذلك، وأنه من الدلاث)) (٣). - الأسماء الثنائية الحروف يحكم بأصلية حرفيها وحذف حرف ثالث: قال عند قول أبي تمام: حَلَبتُ صَرفَ النَّوى صَرفَ الأَسى وَحَدًا ... بِالبَثِّ في دَولَةِ الإِغرامِ وَالدَّدَنِ [بحر البسيط]. ((الددن: اللهووالباطل، جاء به على أصله، وأكثر ما يستعمل بحذف النون، ويُحْكم على أن الدالين من الأصل)) (٤). وقال: ((التصغير لا يقع إلا على ثلاثي، فيجب أن يُردَّ الثنائي إلى الأصل)) (٥). والتبريزي في الاقتباسين السابقين ينحاز إلى الفريق القائل بأن أقل أصول اللغة ثلاثة أصول. والحق القول أن القول بثنائية الأصول (٦) أو ثلاثيتها مجال أخذ ورد بين العلماء. والرأي الذي ((يرجع كل جذور لغتنا الثلاثية إلى جذور ثنائية لا يخلو من وجاهة وله

стр. 178

أمثلة كثيرة تؤيده، وإن كان لا يطرد لنا في كل جذر ثلاثي، أو يسهل علينا تحقيق ذلك فيه)) (١). ووجاهة هذا الرأي تتمثل في أن البحث في اللغات السامية يشير إلى أن بعضا من كلمات اللغة ثنائي الأصل، يقول المستشرق برجشتراسر في كتابه التطور النحوي ١/ ٣٣: ((وذكر الزمخشري أن التاء في الأخت والبنت أبدلت من الواو؛ وذلك أنه ظن أن مادتهما أخو وبنو، وأن التاء أصلية لام الفعل، قامت مقام الواو، ونحن نعرف أن الأخ والابن من الأسماء القديمة جدا التي مادتها مركبة من حرفين فقط لا من ثلاثة أحرف، وإن التاء وإن لم يسبقها فتحة هي تاء التأنيث، فهي في غير العربية، وخصوصا في الأكادية والعبرية كثيرا ما لا فتحة قبلها)) (٢). وكثير من ((علمائنا العرب القدامى ومعاجمنا العربية لم تنص صراحة على القول بالأصول الثنائية كنظرية، إلا أن صنيعها في التطبيق يشير إلى ذلك ضمنا؛ إذ تبين مِن تَتَبُّع كلامهم، ومن النظر في معاجمنا الأصيلة وجود علاقة بين فحوى المعنى

стр. 179

العام للأصول الثنائية، وبين الثلاثي المتفرع عن هذه الأصول، مما يدل على أن الثنائية ترددت في أذهانهم كنظرية، ولمسناها في أقوالهم كتطبيق. وقد جمع ((أمين فاخر)) بتتبع وجهد فائق أمثلة كثيرة لذلك في كتابه: ((ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية، وعلاقتها بالأصول الثنائية)) في دراسة معجمية إحصائية تؤكد ما ذهبنا إليه. وهذه أمثلة قليلة تمثل غيضا من فيض، مما جاء في كتبهم وقواميسهم: فمادة ((عم)) أصل ثنائي يدل على العلو والارتفاع. وفي العين للخليل بن أحمد: العميم: الطويل من النبات، وبه قال ابن فارس (المقاييس٤/ ٥)، والجوهري (الصحاج٢/ ١٦٣))) (١). ومهما يكن من اطراد هذا الرأي أو تخلفه ((ففيه جانب من صواب وفائدة، وإن خذلتنا التفصيلات أحيانا)) (٢). - الأسماء الأعجمية قد توافق في بنيتها بنى الأسماء العربية: الأسماء الأعجمية التي تدخل العربية تنقسم إلى قسمين: [١] قسم يوافق أبنية الكلمات العربية: فمن الكلمات الأعجمية ما يوافق البنى العربية، مثال ذلك: ـ الشَّاه يقابل: الشاه، الجاه، الباه ـ الفُرْزَان: الفُرسَان، الذُّكران. ـ الرُّخُّ (٣): يقابل المُخُّ، الدُّفُّ. ـ قال التبريزي: ((الشِّطْرَنْج اسم أعجمي، وكذلك: الشاه، والفرزان والرخ، والبيدق)) (٤).

стр. 180

ـ وقال: ((عسقلان: إن كانت عربية فاشتقاقها من العساقيل)) (١). فإن كانت البنية العربية تتميز عن البنى الأعجمية لم يشك التبريزي هاهنا. ـ قال عند قول أبي تمام: لَيسَ تُغنى شَيئًا وَلَوكُنتَ قارونَ الغِنى وَاشتَرَيتَ دَربَ النورَه [بحر الخفيف]. ((النُّورة: قيل إن هذه اللفظة ليست عربية في الأصل، واشتقاقها يشابه اشتقاق العربي)) (٢). [٢] قسم لا يوافق الأبنية العربية: قال: ((الياقوت: كلمة قد استعملتها العرب فهي كلمة أعجمية في الأصل، وليس لها اشتقاق في كلامهم؛ لأنهم لم يحكوا اليقت)) (٣). وبناء على ما سبق نقرر أن اللفظ الأعجمي قد يوافق في بنيته بنية اللفظ العربي. - انتقال الصفات إلى الأسماء: الاسم كلمة تدل بذاتها على شيء محسوس أوشيء غير محسوس يعرف بالعقل، وهوفي الحالتين لا يقترن بزمن (٤). أما الصفة: فهي ما دلت على معنى وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة (٥). ومن خلال التعريفين نجد أن الصفة تفترق عن الاسم بدلالتها على صفة الشيء. وقد أشار التبريزي إلى إمكانية انتقال الصفة إلى الاسم فقال عند قول أبي تمام:
следующие страницы →