ـ قال: ((الديمة: من ذوات الواوفي الأصل، إلا أنهم ألفوا الياء حتى قالوا: دَيَّمَ المطر، وقالوا: كثيب مُدَيَّم؛ إذا سقته الديمة، وحُكِي دام المطر يديم، فيجوز أن يكون له أصل في الياء)) (١).
ـ وقال: ((وقولهم: هذا شر من هذا وخير من هذا، هومن باب أفعل، لأن أصله أشر من هذا وأخير من هذا، إلا أن الهمزة قد حُذِفَت لكثرة الاستعمال)) (٢).
والتغيير الذى يصيب بنية الكلمة بسبب ((الألفة)) و ((كثرة الاستعمال)) سماه العلماء المعاصرون بـ ((بِلى الألفاظ)) وقرروا أن ((كثرة الاستعمال تبلي الألفاظ، وتجعلها عرضة لقص أطرافها، تماما كما تبلى العملات المعدنية والورقية، التي تتبادلها أيدي البشر)) (٣).
- البنية التي قد يتغير معناها تصبح عرضة لدخول حروف عليها:
قال عند قول أبي تمام:
نَزَلَت مُقَدِّمَةُ المَصيفِ حَميدَةً ... وَيَدُ الشِّتاءِ جَديدَةٌ لا تُكفَرُ [بحر الكامل].
((أصحاب اللغة يقولون مقدمة الجيش بكسر الدال، والقياس لا يمتنع فتحها. وقال: جديدة، والمعروف أن يقال: مِلْحفةٌ جديد، وكذلك في جميع الإناث؛ لأنه من جَدَدْتُ؛ أي: قطعت، فيقال: جُبَّة جديد، كما يقال: لحية دهين، وقال بعضهم دَهينة، وكأن جديدًا لما كثر صار في معنى الطري؛ فذهب عنه معنى المجدود؛ أي: المقطوع؛ فَحَسُنَ أن تدخل عليه الهاء، تقول: جاء الربيع محمودا، وصنيعة الشتاء ظاهرة مشكورة لا تكفر)) (٤).
- قد يختلف علماء اللغة في أصول بعض الأبنية:
стр. 177
ألمح التبريزي إلى اختلاف علماء اللغة في أصولية بعض الأحرف في بعض البنى، قال: ((ومُسَحْسِح: كثير الصب. وبعض الناس يذهب إلى أن مسحسحا، مأخوذ من السح، وأصحاب القياس من أهل البصرة يزعمون أن سحسح من غير لفظ سح. ووزن مسحسح على رأي سيبويه ((مُفَعْلِل))، وعلى رأي غيره من أصحاب النظر ((مُفَعْفِل))، وعلى ما ثبت في كتاب العين ((مُفَعْفِع)))) (١).
ـ وقال: ((ووزن مروراة على رأي سيبويه: فَعَوْعَلَة، وألفها أصلية، ووزنها على رأي محمد بن يزيد: فَعَلْعَلة)) (٢).
ـ وقال: ((يقال أسدٌ دِلْهاث، ودُلاهِث؛ أي: جريء. ومن زعم أن الهاء في ((هِبْلَع)) زائدة، جاز أن يدعى أنها في دلهاث كذلك، وأنه من الدلاث)) (٣).
- الأسماء الثنائية الحروف يحكم بأصلية حرفيها وحذف حرف ثالث:
قال عند قول أبي تمام:
حَلَبتُ صَرفَ النَّوى صَرفَ الأَسى وَحَدًا ... بِالبَثِّ في دَولَةِ الإِغرامِ وَالدَّدَنِ [بحر البسيط].
((الددن: اللهووالباطل، جاء به على أصله، وأكثر ما يستعمل بحذف النون، ويُحْكم على أن الدالين من الأصل)) (٤).
وقال: ((التصغير لا يقع إلا على ثلاثي، فيجب أن يُردَّ الثنائي إلى الأصل)) (٥).
والتبريزي في الاقتباسين السابقين ينحاز إلى الفريق القائل بأن أقل أصول اللغة ثلاثة أصول.
والحق القول أن القول بثنائية الأصول (٦) أو ثلاثيتها مجال أخذ ورد بين العلماء. والرأي الذي ((يرجع كل جذور لغتنا الثلاثية إلى جذور ثنائية لا يخلو من وجاهة وله
стр. 178
أمثلة كثيرة تؤيده، وإن كان لا يطرد لنا في كل جذر ثلاثي، أو يسهل علينا تحقيق ذلك فيه)) (١).
ووجاهة هذا الرأي تتمثل في أن البحث في اللغات السامية يشير إلى أن بعضا من كلمات اللغة ثنائي الأصل، يقول المستشرق برجشتراسر في كتابه التطور النحوي ١/ ٣٣: ((وذكر الزمخشري أن التاء في الأخت والبنت أبدلت من الواو؛ وذلك أنه ظن أن مادتهما أخو وبنو، وأن التاء أصلية لام الفعل، قامت مقام الواو، ونحن نعرف أن الأخ والابن من الأسماء القديمة جدا التي مادتها مركبة من حرفين فقط لا من ثلاثة أحرف، وإن التاء وإن لم يسبقها فتحة هي تاء التأنيث، فهي في غير العربية، وخصوصا في الأكادية والعبرية كثيرا ما لا فتحة قبلها)) (٢).
وكثير من ((علمائنا العرب القدامى ومعاجمنا العربية لم تنص صراحة على القول بالأصول الثنائية كنظرية، إلا أن صنيعها في التطبيق يشير إلى ذلك ضمنا؛ إذ تبين مِن تَتَبُّع كلامهم، ومن النظر في معاجمنا الأصيلة وجود علاقة بين فحوى المعنى
стр. 179
العام للأصول الثنائية، وبين الثلاثي المتفرع عن هذه الأصول، مما يدل على أن الثنائية ترددت في أذهانهم كنظرية، ولمسناها في أقوالهم كتطبيق.
وقد جمع ((أمين فاخر)) بتتبع وجهد فائق أمثلة كثيرة لذلك في كتابه: ((ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية، وعلاقتها بالأصول الثنائية)) في دراسة معجمية إحصائية تؤكد ما ذهبنا إليه. وهذه أمثلة قليلة تمثل غيضا من فيض، مما جاء في كتبهم وقواميسهم: فمادة ((عم)) أصل ثنائي يدل على العلو والارتفاع. وفي العين للخليل بن أحمد: العميم: الطويل من النبات، وبه قال ابن فارس (المقاييس٤/ ٥)، والجوهري (الصحاج٢/ ١٦٣))) (١).
ومهما يكن من اطراد هذا الرأي أو تخلفه ((ففيه جانب من صواب وفائدة، وإن خذلتنا التفصيلات أحيانا)) (٢).
- الأسماء الأعجمية قد توافق في بنيتها بنى الأسماء العربية:
الأسماء الأعجمية التي تدخل العربية تنقسم إلى قسمين:
[١] قسم يوافق أبنية الكلمات العربية: فمن الكلمات الأعجمية ما يوافق البنى العربية، مثال ذلك: ـ الشَّاه يقابل: الشاه، الجاه، الباه
ـ الفُرْزَان: الفُرسَان، الذُّكران.
ـ الرُّخُّ (٣): يقابل المُخُّ، الدُّفُّ.
ـ قال التبريزي: ((الشِّطْرَنْج اسم أعجمي، وكذلك: الشاه، والفرزان والرخ، والبيدق)) (٤).
стр. 180
ـ وقال: ((عسقلان: إن كانت عربية فاشتقاقها من العساقيل)) (١). فإن كانت البنية العربية تتميز عن البنى الأعجمية لم يشك التبريزي هاهنا.
ـ قال عند قول أبي تمام:
لَيسَ تُغنى شَيئًا وَلَوكُنتَ قارونَ الغِنى وَاشتَرَيتَ دَربَ النورَه [بحر الخفيف].
((النُّورة: قيل إن هذه اللفظة ليست عربية في الأصل، واشتقاقها يشابه اشتقاق العربي)) (٢).
[٢] قسم لا يوافق الأبنية العربية:
قال: ((الياقوت: كلمة قد استعملتها العرب فهي كلمة أعجمية في الأصل، وليس لها اشتقاق في كلامهم؛ لأنهم لم يحكوا اليقت)) (٣).
وبناء على ما سبق نقرر أن اللفظ الأعجمي قد يوافق في بنيته بنية اللفظ العربي.
- انتقال الصفات إلى الأسماء:
الاسم كلمة تدل بذاتها على شيء محسوس أوشيء غير محسوس يعرف بالعقل، وهوفي الحالتين لا يقترن بزمن (٤). أما الصفة: فهي ما دلت على معنى وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة (٥).
ومن خلال التعريفين نجد أن الصفة تفترق عن الاسم بدلالتها على صفة الشيء. وقد أشار التبريزي إلى إمكانية انتقال الصفة إلى الاسم فقال عند قول أبي تمام:
стр. 181
بِحَوافِرٍ حُفرٍ وَصُلبٍ صُلَّبٍ ... وَأَشاعِرٍ شُعرٍ وَخَلقٍ أَخلَقِ [بحر الكامل].
((والأشاعر جمع أشعر، وهوما ينبت عليه الشعر مما يُقارب الحافر (...) وأصل الأشاعر في الصفات ثم نقل إلى الأسماء؛ فجمع على أفاعل)) (١).
- إيقاع الصفة على كل الشيء:
صرح التبريزي أن الصفة تكون لجزء معين من الشيء وقد تطلق على كل الشيء. قال: ((وليل أدعج؛ إذا وصف بشدة السواد، والأصل أن يقال: أدعج العين، ولكن أوقعوا الصفة على كل الشيء، كما تقع على بعضه، يقولون رجل أزرق، وإنما الزرقة للعين)) (٢).
وإيقاع بعض الشيء على كل الشيء من سنن العرب في كلامها، قال الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها: ((باب اقتصارهم على ذكر بعض الشيء وهم يريدونه كلُّه: من سنن العرب الاقتصارُ على ذكر بعض الشيء وهم يريدونه كلُّه, فيقولون: قعد على صَدْر راحلته ومضى (...) وذكروا في هذا الباب قوله جلّ ثناؤه: چ ? ? ? ? ? ? ?? چ [النور: ٣٠])) (٣).
- اللغة تميل نحوالسهولة والتيسير:
قال التبريزي في أحد مواضع شرحه: ((وأصل الدجية أن يكون بالواو؛ لأنه من دجا يدجو، ولكنهم آثروا الياء لخفتها)) (٤).
стр. 182
وقال: ((وهَرَقْتَ تستعمل في المياه، وما جرى مجراها في السيلان، والأصل أرقت؛ فأبدلت الهاء من الهمزة، إلا أن الذي يقول هرقت يقول في اسم الفاعل والمفعول ((مُهَرِيق)) و ((مُهَرَاق))، واستثقلوا الهمزة أن تُثبَت في مُريق ومُراق فلم يقولوا ((مُؤَرِيق)) ولا ((مُؤَراق)) لثقل الهمزة، وأثبتوا الهاء لخفتها)) (١).
في إشارة التبريزي إقرار لحقيقة اتجاه اللغة إلى السهولة والتيسير، فاللغة تميل ((في تطورها نحوالسهولة والتيسير؛ فتحاول التخلص من الأصوات العسيرة، وتستبدل بها أصواتا أخرى، لا تتطلب مجهودا عضليا كبيرا)) (٢).
كما يدل النص الأول على أن الياء أخف نطقا من الواو.
- المضعف الثلاثي يجب فيه إدغام الفاء والعين إذا كان مكسور العين في المضارع:
قال: ((اليَقَق: الأبيض، يقال: يَقَق، ويقِق، وإذا كسرت القاف فهومن الشواذ؛ لأن حق مثل هذا أن يدغم، إذا كُسِر؛ فيقال: يَقُّ. وقد حكى سيبويه: قوم ضَفِفوا الحال)) (٣).
ـ من معاني الأوزان الصرفية عند التبريزي:
تعرض التبريزي أثناء شرحه لعددٍ من معاني الأوزن الصرفية، وفي التالي بعض هذه الأوزان وبعض معانيها التي ذكرها التبريزي.
[١] الفُعَالة: تدل على ما يسقط عن الشيء أويبقى منه. قال: ((الحُشاشة بقية النفس ... والفُعالة تجيء فيما يسقط عن الشيء أويبقى منه، فالذي يسقط نحوالحُلاقة والجُزَارة، والذي يبقى نحوالغُدارة والصُّبابة)) (٤).
стр. 183
وإشارة التبريزي هنا أن ((الفُعَالة)) تجيء فيما يسقط عن الشيء أو يبقى منه تقر قياسية هذا الوزن، وإمكانية استغلاله وطرده، وهو بهذا يسبق الأستاذ أحمد محمد الحوفي في المطالبة بقياسية هذا الوزن في بحث قيم له بعنوان ((وزن فُعالة الدال على نفايات الأشياء وبقاياها ومتناثراتها)) تقدم به للجنة الأصول بالمجمع سنة ١٩٧٨م.
وقد قدم الأستاذ الحوفي عددًا كبيرا من الألفاظ التي جاءت على هذا الوزن بعد مسح دقيق للسان العرب وأساس البلاغة والقاموس المحيط وتاج العروس، واستخرج منها واحدا وسبعين لفظا، منها على سبيل المثال (١):
• الثُّمالة: البقية من الطعام والشراب في البطن.
• الجُفافة: ما ينتثر من الحشيش والقت ونحوه.
• الحُتامة: ما يبقى على المائدة من طعام أو ما سقط منه إذا أكل.
• الحُسافة: ما تناثر من التمر الفاسد، أو سُحالة الذهب والفضة.
• السُّباطة: الكناسة تطرح بأفنية البيوت.
• الشُّفافة: بقية الماء في الإناء.
• العُفافة: بقية اللبن في الضرع بعد أن امتص أكثره.
• القُرامة: ما يلتزق من الخبز بالتنور.
• الهُتامة: ما تكسر من الشيء.
وفي نهاية البحث قدم الدكتور الحوفي اقتراح لكلمات مقيسة لتأدية المعنى نفسه، منها:
• الجُزارة: ما تبقى بعد الذبح والسلخ والجزر.
• الجُلادة: ما يتخلف من تجليد الكتب.
• الحُصادة: ما يتبقى في الحقل بعد الحصاد.
• الطُّباعة: بقية الورق والحبر بعد الطبع.
• العُجانة: البقية بعد عجن العجين (٢).
стр. 184
[٢] انْفَعَل (١): تدل على المطاوعة. قال: ((منجمش منفعل من التجميش، وقال بعضهم الجمش قرص خفيف ... واستعمله هنا على فعله فانفعل)) (٢).
[٣] فاعَل: من معانيها أنها تدل على المشاركة. قال: ((ناوَشَ من المناوشة، وهي أول القتال، واشتقاقها من نُشْتُ الشيء إذا تناولته، كأن كل واحدٍ ينوشُ الآخر، وهوفعل لا يقع إلا من اثنين مثل المضاربة والمقاتلة)) (٣).
ـ أوزان تستضيف معاني أوزان أخرى:
- فَعَل بمعنى مُفْعَل:
قال التبريزي عند قول أبي تمام:
أَرَجٌ أَقامَ مِنَ الأَحِبَّةِ في الثَّرى ... وَصَرًى أريقَت بِالدُّموعِ الذُرَّفِ [بحر الكامل]
((صَرًى يعني به الخمر، وهوفَعَل بمعنى مُفْعَل)) (٤).
- فَعَل دالة على مفعول:
وردت في اللغة ((صيغ تدل على مفعول، منها: فَعَل بفتح الفاء والعين، كالقَنَص والسَّلَبَ والكَرَع، فالسلب بمعنى المسلوب، والنفض بمعنى المنفوض، والخَبَط: الورق المخبوط)) (٥). ويؤيد هذا قول التبريزي: ((رَفَد بفتح الراء والفاء ما رُفِدَ، كما أن القَبَض ما قُبِضَ والنَّقَض ما نُقِض)) (٦).
- فِعْل بمعنى مفعول:
стр. 185
من الصيغ التي تنوب عن مفعول الوزن فِعْل. قال التبريزي: ((القِطر النُّحاس، وربما قيل: القِطر الرصاص، وإنما اشتقاقه من قَطَر يَقْطُرُ، كأنه من قولهم قطرته فهوقِطْر، كما يقال: ذَبحتُ والمفعولُ ذِبْح وطحنتُ والمفعول طِحْن)) (١).
ونلاحظ أن طِحْنًا بمعنى مطحون، ورِعْيًا بمعنى مرعي، وطِرحًا بمعنى مطروح ((هذه في الحقيقة أسماء تدل على المفعول لا صفات، فالطحن: هوالدقيق (...) ومن الصفات قولهم: شيء بِدع؛ أي: مبتدع، وقولهم: رجل نِكْل للذي يُنكِّل به أعداؤه. وقد يفيد الدلالة على القدر كقولهم (هذا شِبْعه) أي: قدر ما
يشبعه، وهو ملء هذا؛ أي: قدر ما يملؤه)) (٢).
- كل مُفْتَعل من المضاعف، يحتمل أن يجعل لفاعل ومفعول:
قال عند قول أبي تمام:
أَصغى إِلى البَينِ مُغتَرًّا فَلا جَرَما ... أَنَّ النَّوى أَسأَرَت في قَلبِهِ لَمَما [بحر البسيط]
((ولفظ مغتر يحتمل أن يكون فاعلا ومفعولا، وكذلك كل مُفْتَعل من المضاعف يحتمل أن يجعل لفاعل ومفعول)) (٣).
...
ـ الجموع عند التبريزي:
من الأمور المثيرة للاهتمام أن التبريزي كان مهتما جدًا بذكر مفرد الجموع التي كانت تقابله، فلا يكاد يمر ((جمع)) ذكره أبوتمام حتى يكون أول شيء يفعله مع هذا الجمع ذكر مفرده. والذي يمكن أن يقال تعليلا لهذا الاهتمام أن في ذكر المفرد نوع تحديد للمعنى، فقد تكون الكلمة جمعًا ولها مفردان مختلفان في المعنى؛ فيؤدي عدم التنبيه إلى لبس في المعنى، أوقد يكون في ذكر مفردي الجمع إثراء لمعني البيت.
стр. 186
والتبريزي أثناء معالجته للجموع عند أبي تمام كان يقدم لنا بعض الحقائق الصرفية، سنحاول أن نجملها في النقاط التالية:
[١] في الجموع قد يدخل الباب على الباب:
في بعض الأحيان يكون قياس الكلمة أن تجمع على وزن معين، فنجدها مجموعة على وزن آخر. قال التبريزي:
عند قول أبي تمام:
خَلائِقٌ فيهِ غَضَّةٌ جُدُدٌ ... لَيسَت بِمَنهوكَةٍ وَلا لُبُسِ [بحر المنسرح].
((لُبُس جمع لَبِيس، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فليس بابه أن يجمع على ((فُعُل))، ولكنه قد يدخل البابُ على الباب، كما قالوا: قتيل وقُتلاء، وأسير وأسراء، وإنما القياس قَتْلى وأسرى)) (١).
[٢] فَعْل ليس بابه أن يجمع على أفعال:
قال التبريزي: ((وفَعْل ليس بابه أن يجمع على أفعال، ولكنه قد جاء في مواضع، مثل: زَنْد وأزناد، وفَرْخ وأفراخ)) (٢). وقال: ((وأشخاص جمع شخص، وليس باب فَعْل أن يجمع على أفعال، وربما جاء كالنادر)) (٣).
وهذا هو مذهب الجمهور حيث ذهبوا إلى أن جمع فعل على أفعال لا ينقاس عليه. وذهب الفراء إلى أنه قياسي فيما فاؤه همزة مثل: ألف وآلاف، وفي فَعْل صحيح العين معتل الفاء بالواو، مثل: وهم وأوهام (٤).
[٣] فَعُول بابه أن يجمع على فُعُل:
قال: ((.. والذُّبل جمع ذَبُول؛ لأن فعولا بابه أن يجمع على فُعُل)) (٥).
стр. 187
[٤] ما كان وصفا على أفعل فبابه أن يجمع على فُعْل. مثل: ((أحمر حُمْر)) (١).
ويجوز في الشعر فقط ضم عين ((فُعْل)) في الجمع بشرط أن يكون صحيح اللام والعين غير مضعف، مثل: نجلاء، نُجُل (٢).
[٥] قلما يجيء فَعيل مجموعا على فُعُول. قال: ((... وحكى النحويون قوم ظروف في جمع ظريف، وهومن شواذ الجمع (...) وقلما جاء فعيل مجموعا على فُعُول، وقد حكى في عسيب النخلة عُسُوب)) (٣).
[٦] الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء جاز فيه التأنيث والتذكير:
قال: ((.. الفلا جمع فلاة، وهي القفر من الأرض، وإذا كان الجمع بينه وبين واحده هاء التأنيث جاز فيه التذكير والتأنيث، مثل: أرطاة وأرطى، وسِدرة، وسِدر)) (٤).
[٧] الكلمة التي آخرها ((ات)) يُرَجَّحُ كونها جمعا بقرينة إجراء تائها مجرى تاء الجمع:
قال عند قول أبي تمام:
بِلادٌ أَفقَدَتنيها هَناتٌ ... يُشَيِّبُ كَرُّها مَن لا يَشيبُ [بحر الوافر].
((يقال: أصابتهم هَنات وهنوات [؛ أى: خُطوب]، وقد يحتمل أن تكون هناة واحدة، إلا أن الذي يقوي أنها جمع إجراؤهم تاءها مجرى تاء الجمع (٥)، قال البُرْجُ ابن مِسْهر (٦):
فَنِعْمَ الحيُّ كَلْبٌ غير أَنّا ... رَأَيْنا في جِوَارِهم هَنَاتِ
стр. 188
ونِعْمَ الحيُّ كَلْبٌ غيرَ أَنَّا ... رُزِئْنا مِنْ بنين ومن بَنَاتِ [بحر الوافر])) (١).
[٨] الجمع يُظْهِر أصل الكلمة. قال عند قول أبي تمام:
الوارِدينَ حِياضَ المَوتِ مُتأَقَةً ... ثُبًا ثُبًا وَكَراديسًا كَراديسا [بحر البسيط].
((ثُبًى جمع ثُبةٍ، وهي الجماعة من الناس ليست بالكثير، ويقال في جمعها ثُبَات وثُبُون وقالوا: ثُبًا؛ فدل ذلك على أن أصلها ثُبْيَة أوثُبْوَة)) (٢).
[٩] من الجموع ما يدل على الواحد والجمع، ومنها ما هو قليل الاستعمال، ومنها ما يوجبه القياس ولكنه غير مستعمل أونادر الاستعمال.
ـ قال: ((والنحويون يذهبون إلى أن شمالا يكون واحدا وجمعا)) (٣).
ـ قال: ((طيور جمع طير، وطير جمع طائر، وقلما يقولون طيور، إلا أنه قد جاء، وربما استعملوا الطير في معنى الواحد)) (٤).
ـ قال: ((الأرية واحدة الأري وهوالعسل، وقلما تستعمل هذه الكلمة مُوحَّدة)) (٥).
ـ قال: ((والزيانب جمع زينب، هكذا يوجب القياس، فأما الشعر القديم فقلما يوجد فيه الزيانب)) (٦).
[١٠] الاسم الذي وزنه فِعْلة يجمع بحذف الهاء:
قال: ((ريمة القياس أن يجمع على رِيم، مثل: سِدْرة وسِدر، وكلام سيبويه يدل على أن مثل هذه الأشياء يجوز أن تجمع على حذف الهاء)) (٧).
стр. 189
[١١] جواز مجيء الجمع في موضع مفرده حملا على الجنْس:
قال عند قول أبي تمام:
فَأُقسِمُ لَوسَأَلتِ دُجاهُ عَنّي ... لَقَد أَنباكِ عَن وَجدٍ عَظيمِ [بحر الوافر]
((هكذا يروى على توحيد ((الدُّجى)) والمعروف أنها جمع ((دُجْية)) ولكن المحدثين يستعملونها في معنى الواحد، وذلك جائز يحمل على معنى الجنس)) (١).
[١٢] أقل الجمع: قال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَطولُ مُقامِ المَرءِ في الحَيِّ مُخلِقٌ ... لِديباجَتَيهِ فَاغتَرِب تَتَجَدَّدِ [بحر الطويل]
((الديباجتان الخدان (...) ويجوز أن يكون الطائي عنى الخدين؛ لأنهما في معنى الوجه، وقد يحتمل أن يكون جعل الديباجتين مثلا، ولم يرد الخدين، ولكنهما جريا مجرى البُرْدَيْن والثَّوْبَيْن؛ فيكون الواحد والجمع في معنى الواحد؛ لأنه إذا قيل فلان مُخْلق البُرْد أوالبُرْدَين، فالمعنى، أنه مخلق الثياب)) (٢).
يفهم من هذا الشرح أن أقل الجمع عند التبريزي هو ((اثنان)) فإن كان ما فهم الباحث سليما فإن كلام التبريزي يحمل على ((أقل الجمع اللغوي)) لا ((النحوي)) إذ إن ((أقل الجمع النحوي ـ لا اللغوي ـ ثلاثة من مفرده)) (٣).
جاء في المزهر: ((وقال الجُوَينِي: الظاهرُ أن التثنية وُضِعَ لفظُها بعد الجمع لِمَسِيس الحاجة إلى الجمع كثيرًا؛ ولهذا لم يُوجد في سائر اللغات تثنية، والجمع موجود في كل لغة؛ وَمِنْ ثمَّ قال بعضهم: أقلُّ الجمع اثنان، كأَن الواضع قال: الشيءُ إما واحدٌ وإما كثير لا غيرُ، فجعل الاثنين في حدِّ الكثرة)) (٤). فالمشهور عند النحاة ((أن أقل الجمع ثلاثة)) (٥).
стр. 190
[١٣] بعض الكلمات التي بها حرف زائد إذا جُمِعَت جمع تكسير حذف الحرف الزائد، وقد يعوض عن الحرف الزائد أولا يعوض.
قال: ((الغضنفر: من صفات الأسد، والنون فيه زائدة، ولوجمع جمع التكسير، لقيل: ((غضافير))، على مذهب من يُعِّوض، و ((غضافر)) على من أبى العِوَضَ، وكذلك في التصغير غُضَيْفِر، وغُضَيْفِير)) (١).
[١٤] اشتراك فاعل وفعيل في الواحد:
قال التبريزي: ((يشترك فاعل وفعيل في الواحد، كما يقولون علماء جمع عالم، وحقيقته أنه جمعُ عليم، مثل كبير وكبراء)) (٢).
ـ علاقات بين صيغ صرفية:
- صيغ متعاقبة:
من الصيغ التي أشار التبريزي إلى تعاقبها صيغتا ((فَعيل)) و ((فُعَال)). قال: ((الطُّوال العُراض: يريدون الطويل العريض، وفَعِيل وفُعال يتعاقبان)) (٣).
والمراد بالتعاقب هنا أن إحدى هاتين الصيغتين تخلف الأخرى وتؤدي نفس المعنى، ويؤكد هذا ابن جني إذ يقول: ((فَعِيل وفُعَال كثيرا ما يصطحبان)) (٤). ويعلق على قول المازني: ((فَعِيل، وفُعَال أختان في باب فعُلت)) بقوله: ((هما لعمري كذلك، إلا أن فعيلا هو الأصل , وإنما يُخرَج به إلى فُعَال إذا أريد المبالغة وطُوَال وعُرَاض أشد مبالغة من طويل, وعريض وفَعِيل وفُعَال كلاهما من أبنية المبالغة، فإذا أرادوا الزيادة في المبالغة ضعّفوا العين فقالوا: كُرّام، وحسان، ووضاء، وهم يريدون: كريما، وحسنا، ووضيئا)) (٥).
стр. 191
- الفَعَالة والفُعولَة يشتركان في المصادر كثيرا:
قال: ((يقال ثوب خَلَق بيِّن الخُلُوقَة والخَلاقة؛ والفَعَالة والفُعولَة يشتركان في المصادر كثيرا، كقولك: وَحْف بين الوَحافة والوُحُوفة (١)، وعبل بين العَبالة والعُبُولة (٢) في حروف ليست بمحصاة)) (٣).
- فَعِل وفَعيل يشتركان كثيرا: قال التبريزي عند قول أبي تمام:
فَكَم لي مِن هَواءٍ فيكِ صافٍ ... غَذِيٍّ جَوُّهُ وَهَوًى وَبِيِّ [بحر الوافر]
((... ومن روي ((عَذِيٍّ)) بالعين غير معجمة، فإنه يأخذه من الأرض العَذِيَّة والعَذَاة، وهي الأرض الطيبة التراب، إلا أن التشديد في ((العَذِي)) و ((العَذِية)) غير مستعمل، والقياس يجيزة؛ لأن ((فَعِلا)) و ((فَعِيلا)) يشتركان كثيرا)) (٤).
ـ المصادر عند التبريزي:
أورد التبريزي مجموعة ملحوظات على المصادر منها:
[١] قد يتحول المصدر إلى اسم:
قال التبريزي: ((الزَّغْف: من صفات الدروع، يقال: دِرْع زغف، قيل: إنها الواسعة، وقيل: اللينة، وكأن هذا الاسم مصدر في الأصل)) (٥).
وقال عند قول أبي تمام:
أَظُنُّ دُموعَها سَنَنَ الفَريدِ ... وَهى سِلكاهُ مِن نَحرٍ وَجيدِ [بحر الوافر]
((السنن: التسابق، وهومصدر في الأصل)) (٦).
стр. 192
وانتقال الكلمة من المصدرية إلى الاسمية له في اللغة شواهد متعددة (١)، ويلاحظ على تلك الألفاظ المنتقلة أنها لا تتخلى تماما عن مصدريتها؛ إذ نجد لهذه المصدرية بعض التأثير على الكلمة المنقولة، من هذا التأثير:
- عدم تثنية الكلمة أو جمعها، وإطلاقها على المفرد والجمع، مثل:
ـ قال ابن منظور: (([قال] الجوْهَري: آذَانُ حَشْرٌ لا يُثَنَّى وَلا يُجْمَع لأَنه مَصْدَر في الأصل)) (٢).
ـ وجاء في المصباح المنير: ((الحيوانُ كل ذي روح ناطقًا كان أَو غير ناطق مأخوذ من الحياة يستوي فيه الواحد والجمع لأنه مَصدر في الأصل)) (٣). وجاء فيه أيضا: ((الضيف معروف، ويطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ لأنه مصدر في الأصل)) (٤).
- استواء التذكير والتأنيث، مثل: (([قال] الجَوهري: رجلٌ ضَنىً وضَنٍ مثلُ حَرىً وحَرٍ. يُقَالُ: تَرَكْته ضَنىً وضَنِيًا، فَإِذَا قُلْتَ ضَنىً اسْتَوى فِيهِ المُذَكَّر والمُؤنَّث وَالجَمعُ لأَنه مَصْدَرٌ فِي الأَصل)) (٥).
- صرف الكلمة الممنوعة من الصرف، مثل: ((وإسْحَاقُ: علم أعجمي، ويُصْرَفُ إن نُظِر إلى أنه مَصْدَر في الأصْلِ.)) (٦).
стр. 193
ويلاحظ أيضا على الكلمات المنقولة من المصدرية إلى الاسمية أن المعاني المنقول إليها معاني محسوسة في معظمها، مثل:
ـ والسَّطْرُ: الخَطُّ، وهو في الأَصْلِ مَصْدَرٌ، وهو الكِتَابَةُ (١).
ـ والكَنْز: واحِدُ الكُنوز، وهو في الأَصْل مَصْدرٌ (٢).
ـ الطَّرْد: مَا يُرْسل من البضاعة وَغَيرهَا فِي الْبَرِيد وَنَحْوه من نَاحيَة إِلَى أُخْرَى وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر ثمَّ أطلق على المطرود (٣).
ـ الشَّقُّ: وَاحِدُ الشُّقوق وَهُوَ فِي الأَصل مَصْدَرٌ (٤).
[٢] المصدر يقع على القليل والكثير وعلى الواحد والجمع:
قال التبريزي: ((المصدر يقع على القليل والكثير، فإذا دخلت الهاء كان للمرة الواحدة، كقولك: الضرب، يجوز أن تعني به ما قل وما كثر؛ فإذا قلت الضربة فهي واحدة)) (٥).
وقال التبريزي: ((الوَحْش: يجوز أن تقع على الواحد وعلى الجمع؛ لأنه في مذهب المصدر)) (٦).
ويقع المصدر على القليل والكثير لأنه ((في دلالته الأساسية الأولى خالٍ من التقييد، بخلافه إذا دل على المرة أو الهيئة؛ فإنه يكون في ((المرة)) مقيدًا ـ مع الحدث ـ بالدلالة على أن هذا الحدث مرة واحدة، وفي ((الهيئة)) يكون مع الحدث مقيدًا بوصف خاص)) (٧).
стр. 194
[٣] إذا تشابه اسم ومصدره في نفس الحروف فلابد من التفريق بينهما بتغيير ضبط الكلمة أمنا للبس:
قال التبريزي عند قول أبي تمام:
إِلَيكَ جَزَعنا مَغرِبَ الشَّمسِ كُلَّما ... هَبَطنا مَلا صَلَّت عَلَيكَ سَباسِبُه [بحر الطويل]
((جزعنا أصله من جَزَعتُ الوادي إذا قطعته إلى الجانب الآخر، ومنه قيل جِزع الوادي. وهذا كثير في المصادر والاسم، تقول: جَزَعتُ جَزْعًا، وطحنت طَحْنًا، وذبحت ذَبْحًا؛ فيكون المصدر مفتوحًا ويكسر الاسم من ذلك؛ فتقول: الجِزْع والذِّبْح والطِّحْن)) (١).
[٤] المصدر وسيلة للتفرقة بين المعاني المختلفة للفعل الواحد.
قال: ((والوجيب: صوت حركة القلب، فرقوا بين وَجَب القلبُ ووجَبَ الحَائِطُ بالمصدر)) (٢).
[٥] قد يقوم المصدر مقام اسم الفاعل:
قال عند قول أبي تمام:
تَقي جَمَحاتي لَستُ طَوعَ مُؤَنِّبي ... وَلَيسَ جَنيبي إِن عَذَلتِ بِمُصحِبي [بحر الطويل]
((وقوله: ((لستُ طوع مؤنبي))؛ أي: لستُ مُطِيعَه، فجعل مصدر ((طاع يطوع)) قائما مقام اسم الفاعل، كما يقال: رجلٌ زَوْرٌ؛ أي: زائر)) (٣).
- زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى:
стр. 195
من الأمور التي اتفق عليها اللغويون أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وفي هذا يقول العلامة ابن جني: ((إذا كانت الألفاظ أدلة المعاني، ثم زيد فيها شيء؛ أوجبت القسمة له زيادة المعنى به)) (١).
وقد أشار التبريزي إلى هذا قائلا: ((حُسَّان مثل حَسَن؛ إلا أنه أشد مبالغة منه)) (٢).
وجاء في شرح شافية ابن الحاجب: ((يجيء فُعَال ـ بضم الفاء وتخفيف العين ـ مبالغة فعيل في هذا الباب كثيرًا، لكنه غير مطرد، نحو: طويل، وطُوال، وشجيع وشُجاع، ويقل في غير هذا الباب كعجيب وعُجَاب، فإن شددت العين كان أبلغ كطُوَّال)) (٣).
- لا يشترط أن يتفق القياس والسماع، فقد يجيز القياس لفظا مفقودا في المسموع
قال التبريزي: ((يقال غدا الشيء، وأغداه غيره، جائز على القياس، وهومفقود في المسموع)) (٤).
وقال: ((أصل الغث من قولهم: ((لحم غث))؛ إذا لم يكن سمينًا، و ((حديث غث))؛ إذا لم يكن عليه طلاوة، فاستعار ((الغثاثة)) هاهنا في الأشياء كلها، وإنما المعروف أن يستعمل في الحديث، يقال: أغث الحديثُ إذا صار غثا، والقياس لا يمنع أن يقال غث يَغِث)) (٥).
وكثير من أعلام اللغة يقرون ((بعربية)) ما يأتي على ((القياس)) من ألفاظ اللغة، فقد عقد ابن جني بابا في خصائصه سماه ((باب في أن ما قيس على كلام العرب فهومن كلام العرب))، ومن نفيس ما قاله في هذا الباب قوله: ((ليس كل ما
стр. 196
يجوز في القياس يخرج به سماع، فإذا حذا إنسان على مُثُلهم، وأمَّ مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعًا، ولا أن يرويه رواية)) (١).
ويقول أبوالبركات الأنباري في ((لمع الأدلة في أصول النحو)) في مطلع الفصل الحادي عشر الذي عنونه بـ ((في الرد على من أنكر القياس)) ما نصه:
((اعلم أن إنكار القياس في النحولا يتحقق؛ لأن النحوكله قياس، ولهذا قيل في حده: النحوعلم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، فمن أنكر القياس؛ فقد أنكر النحو، ولا نعلم أحدًا من العلماء أنكره لثبوته بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة)) (٢).
وقد رأى مجمع اللغة الأخذ ((بعربية)) ما يأتي على ((القياس)) من ألفاظ اللغة استنادا ((على ما قاله ابن جني وعلى أدلته في كثير من المسائل الأخرى)) (٣).
- تسكين الفتحة عند العرب مرفوض، بل التسكين للضمة والكسرة:
ذكر التبريزي في أحد المواضع أن تسكين العرب للحرف المفتوح مرفوض وإنما التسكين للضمة والكسرة.
ـ قال عند قول أبي تمام:
أَذكَرتَنا المَلِكَ المُضَلَّلَ في الهَوى ... وَالأَعشَيَينِ وَطَرفَةً وَلَبيدا [بحر الكامل]
((وأكثر الرواية: ((وطَرْفَة))؛ يعني طرفة بن العبد، والرواة كالأصمعي وغيره يقولون: طَرَفَة؛ بتحريك الراء .. ولا ينبغي أن يُحمل على أن الطائي سَكَّنَ الراء؛ إذ كان ذلك مستنكرا؛ لأنهم لا يقولون في شَجَرَة شَجْرة، ولا في حَجَر حَجْر؛ لأن تسكين الفتحة عندهم مرفوض، وإنما يسكنون الضمة والكسرة؛ فيقولون في
عَضُد: عَضْد، وفي نمِر: نَمْر)) (٤).
****
стр. 197
ـ المجموعة الثانية: دراسة كل ما هومتعلق بالحرف صوتا وإعلالا وإبدلا وغيره
سنبدأ هنا بدراسة المادة الصرفية عند التبريزي والمتعلقة بالحرف، وسنبدأ بمواضع الإعلال والإبدال.
- المادة الصرفية المتعلقة بالإعلال والإبدال عند التبريزي:
• إبدال الهمزة من الهاء، والهاء من الهمزة:
قال التبريزي: ((هيهات يوقف عليها بالهاء إذا فتحتها؛ وإذا كسرتها يوقف عليها بالتاء، ويجوز هيهاتًا، وتبدل الهمزة من الهاء، فيقال: أيهات، ويقال: أيها)) (١).
وقال: ((هرقت تستعمل في المياه وما جرى مجراها في السيلان، والأصل: أرقت؛ فأبدلت الهاء من الهمزة)) (٢).
• قلب الواوياء:
من المواضع التي أشار إليها التبريزي، وتقلب فيها الواوياءً المواضع التالية:
قال ((الدنيا: هي ((الفُعْلَى)) من الدنو، وإذا كانت ((الفُعْلَى)) أُنثى ((الأفعل))، وكانت من ذوات الواوقلبت إلى الياء؛ تقول هذا الأشهى وهذه الشُّهيا، وكذلك هذا الأعلى، وهذه العُليا، وقالوا: القُصْيا والقصوى، فاستعملوها بالواووالياء، ومجيئها بالواويُحْسب من الشذوذ، لأن عادة مثلها أن تقلب)) (٣).
وقال التبريزي: ((ويجب أن تكون ((مَلِيٌّ)) من ذوات الواو؛ لأنه يقال: مضت مُلاوة من الدهر، فهومن هذا، ولكن الواووقعت طرفا وقبلها ياء؛ فقلبت إلى الياء، كما قالوا: عَلِيٌّ وهومن العلو)) (٤).
стр. 198
وقد ذكر النحاة من مواضع قلب الواوياء ((أن تجتمع هي والياء في كلمة واحدة بشرط ألا يفصل بينهما فاصل، وأن يكون السابق منهما أصيلا؛ أي: غير منقلب عن غيره، وساكنا سكونا أصليا غير عارض. فإذا تحققت هذه الشروط وجب قلب الواوياء، وإدغامها في الياء، سواء أكانت الياء هي السابقة؛ نحو: سيد وميت وأصلهما، سيود، ميوت كما سبق" أم كانت الواوهي السابقة؛ نحو: طيّ، وليّ، وأصلهما: طوي، ولوي؛ بدليل: طويت ولويت (...) فالواوفي الأمثلة السالفة قلبت ياء، وأدغمت في الياء)) (١).
• إبدال التاء بالدال والياء بالنون:
ألمح التبريزي إلى أنه في بعض الكلمات يمكن أن تبدل التاء بالدال والياء
بالنون، فقال عند قول أبي تمام:
تَصَدَّت وَحَبلُ البَينِ مُستَحصِدٌ شَزرُ ... وَقَد سَهَّلَ التَوديعُ ما وَعَّرَ الهَجرُ [بحر الطويل]
((تصدت: تعرضت، وكأنه مأخوذ من صَدِّ الجَبَل، وهوناحيته؛ فيكون الأصل على هذا الوجه تَصَدَّدت؛ فأبدلت من إحدى الدالات تاءٌ كما قالوا: تَظَنَّيْتُ في معنى تَظَنَّنْْتُ)) (٢).
• جواز قلب الهمزة واوا إذا فُتِحت وقبلها ضمة:
قال: ((لَبُؤَة يجوز أن تجعل همزتها واوا؛ لأنها مفتوحة وقبلها ضمة؛ فنقول: لَبُوة)) (٣).
• القِسِيّ لم يحكَ فيها الضم:
قال ((القِسي جمع قَوْس على القلب، وكل ما كان على هذا النحومثل: دُلِيّ وثُدِيّ جاز ضَمُّ أوله وكسره إلا القسي؛ فإنه لم يُحْكَ بالضم)) (٤).
• من مواضع الإعلال بالنقل:
стр. 199
قال عند قول أبي تمام:
أَسائِلَ نَصرٍ لا تَسَلهُ فَإِنَّهُ ... أَحَنُّ إِلى الإِرفادِ مِنكَ إِلى الرَّفدِ [بحر الطويل].
((لا تسله: يجوز أن يكون من سأل يسأل، فألقى حركةَ الهمزة على السين وحذفها (أي: حذف الهمزة))) (١).
- من المواضع التي يَصِحُّ فيها الحرف المعتل (الواو والياء):
ذكر التبريزي بعض الموضع التي يصح فيها حرف العلة، منها التالي:
قال: ((إذا بنوا ((اِفْتَعَل)) في معنى ((تفاعل)) صح فيه الحرف المعتل؛ فيقولون: اعتَوَر القومُ المكانَ، مثل: تعاوروه، واجتوروا مثل تجاورُوا؛ وكذلك ازدوج النَّوْر، مثل تزاوج؛ أي: كان أزواجا. وإذا بنوا افتعل من المعتل، ولم يكن في معنى تفاعل؛ فإنه يجيء معتلا، كقولك: اقتات الطعام، ولا يجوز اقتوت؛ كذلك اعتاد الأمر، ولا يقال اعتود)) (٢).
وقال عند قول أبي تمام:
أَحسِن بِأَيّامِ العَقيقِ وَأَطيِبِ ... وَالعَيشِ في أَظلالِهِنَّ المُعجِبِ [بحر الكامل].
((.. وقال: أطْيِب، فصحح الياء؛ لأن التعجب شأنه ذلك، يظهر فيه التضعيف، ويصح المعتل، إذا بنيته بناء الأمر، فأما إذا بنيته على ((ما أفْعَلَه))؛ فإنه يصح مُعْتله، ولا يظهر مُضَعَّفَه، تقول: ما أقوله للحق، وما أعزه، وما أشده؛ فتدغم. فإذا صرت إلى لفظ ((أفعِلْ به))، قلتُ: أقوِلْ به، وأعزز، ولم يقولوا: أعزَّ بفلان ألبتَّة)) (٣).
ـ وقال: ((صِيان الشيء وصوانه: ما صِينَ به، وهومن ذوات الواو، وإنما قلبت ياء في صيان لانكسار ما قبلها، وكأنَّ الصيان في الحقيقة مصدر سُمِّي به الشيء؛ لأن المصادر تنقلب فيها الواوياء؛ إذا كان ما قبلها مكسورا (...). وإذا لم يعتل الفعل
стр. 200
صحت الواو في المصدر، كقولك: عاودتُه عِوادًا ولاوذتُ به لِوَذًا؛ فأما: الخِوان الذي يُؤكل عليه، والحِوار إذا أريد به ولدُ الناقة، في لغة من كسر الحاء، فإن الواوتثبت فيهن مع كسرة ما قبلها؛ لأنهن غير جوار على فِعْل)) (١).
- التصرف في الحرف وسيلة لتوضيح خبرية الجملة من إنشائيتها:
قد يكون التصرف في الحرف وسيلة للتفرقة بين خيرية الجملة وإنشائيتها، ودليل ذلك قال عند قول أبي تمام:
تَاللهِ نَدري أَالإِسلامُ يَشكُرُها ... مِن وَقعَةٍ أَم بَنوالعَبّاسِ أَم أُدَدُ [بحر البسيط]
((... ((أَالإسلام)): أدخل همزة الاستفهام على ألف الوصل، التي مع لام التعريف؛ وإذا فعلوا ذلك مَدُّوا مَدَّة تقوم مقام الحرف؛ ليفرقوا بين الاستفهام والخبر)) (٢).
وفي هذا دليل على أن اللغة تتحاشى الإفساد المعنوي واللبس وتتمسك بأوضح ((خصائصها؛ وهو: التبيين؛ وأساسه الضوابط السليمة المتميزة التي لا تداخل فيها ولا اختلاط)) (٣).
- حذف ألف أنا:
قال: ((الأجود في الوصل أن تحذف الألف من ((أنا)) وقد جاء إثباتها، وكان محمد بن يزيد يتشدد في إجازته، وغيره يجعله من الضرورات، وقد رُوِي إثباتها عن نافع المدني)) (٤).
والذي عليه الجماعة من القراء أن ألف ((أنا)) تحذف وَصْلاً وتثبت وقْفًا، وكان نافع يُثْبت ألف ((أنا)) وَصْلاً ((قبلَ همزةٍ مضمومةٍ أو مكسورة أو مفتوحة)) (٥).
...
стр. 201
- عادة العرب في تخفيف الهمزة:
يوضح التبريزي طريقة العرب في تخفيف الهمزة فيقول: ((عادة العرب إذا خففوا الهمزة في مثل ((يلؤُم)) أن يلقوا الحركة على اللام، ويحذفوا الهمزة؛ فيقولوا: ((يَلُم)) وفي ((يسْأم)): يَسَم، وفي ((يَنْئِم)): يَنِم. وبعضهم يقول: يَلُوم، ويسام ويَنِيم الليث، وذلك رديء، قليل في كلامهم)) (١).
وقال عند قول أبي تمام:
فَكَّت أَكُفُّ المَوتِ غُلَّ قَصائِدي ... عَنهُ وَضَيغَمُها عَلَيهِ يَزيرُ [بحر الكامل]
((قوله: ((يَزِيرُ)) يُقال: زأرَ الأسدُ ويزأَر، فقوله: ((يَزِيرُ)) على لغة من قال يَزئِر، والمستعمل في كلام العرب أنهم إذا ألقوا حركة الهمزة على ما قبلها طرحوها من الكلمة، والقياس أن يقولوا إذا خففوا الهمزة في يَزْئِر يزر، وإذا خففوا من يزأرُ قالوا يَزَرُ، كما قال كُثَيِّر:
لا أَنزُرُ النائِلَ الخَليلَ إِذا ... ما اعتَلَّ نَزرُ الظؤورِ لَم تَرِمِ [بحر المنسرح]
يريد لم تَرأم، والقياسُ يدلُّ على جواز قولهم يَزِيرُ في يزئر، وذلك أنهم لما ألقوا حركة الهمزة على الزاي بقيت ساكنة فجعلوها ياءً، كما جعلوها كذلك في بِئْر وذِئْبٍ، وقد حكوا: أمرٌ مثير، في معنى: مُثْئِر)) (٢).
****
стр. 202
المبحث الثالث:
دراسة المادة النحوية في شرح أبي العلاء .
سيتركز الحديث في دراستنا للآراء النحوية عند أبي العلاء الموجودة في شرحه على ديوان أبي تمام في النقاط التالية:
[أ] دراسة المادة النحوبة المتعلقة بالمنصوبات:
• المتعدي واللازم عند أبي العلاء:
ونظفر لأبي العلاء في هذا الباب بالمادة التالية:
(١) الأفعال التي تتعدى بحرف الجر يمكن أن يفْصِل بينها وبين حرف الجر فاصل:
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَماذا عَلَيها لَوأَشارَت فَوَدَّعَت ... إِلَينا بِأَطرافِ البَنانِ وَأَومَتِ [بحر الطويل]
((فرق بين ((أشارت)) و ((إلينا)) بقوله: ((فودعت))؛ وذلك جائز)) (١).
(٢) هناك أفعال تتعدى بحرف الجر تارة وبدونه تارة أخرى:
قال: ((وأكثر ما اسْتُعْمِلَتْ ((نظرت)) مع ((إلى))، وقد تستعمل متعدية بغير حرف الخفض، يقال: نظرت الرجل، في معنى: نظرت إليه، قال ابن قيس:
ظاهِراتُ الجَمالِ وَالسَّر ويَنظُرنَ كَما يَنظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ [بحر الخفيف])) (٢).
وقد أوضح الأستاذ عباس حسن أن المفعولات التي تأتي مع هذا النوع من الأفعال ـ في حالة عدم وجود الحرف ـ هي: ((مفعولات للفعل الموجود، وإن هذا الفعل نصبها مباشرة؛ فلا حاجة إلى اعتبارها منصوبة على نزع الخافض ـ كما يرى بعض النحاة دون بعض ـ لما في هذا العدول عن الإعراب الواضح، المساير لظواهر الألفاظ ومعانيها، إلى الإغراب والتعقيد من غير داعٍ)) (٣).
стр. 203
(٣) الإشارة إلى قياسية التضمين في تحويل الفعل اللازم إلى متعد والعكس:
ـ قال عند قول أبي تمام:
هُما أَظلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أَجلَيا ... ظَلامَيهِما عَن وَجهِ أَمرَدَ أَشيَبِ [بحر الطويل]
((جعل (أظلم) هاهنا متعديا، وذلك قليل في الاستعمال، وهوفي القياس جائز)) (١).
والتضمين ((هو أن تُشرب لفظا معنى لفظ، وإذا كان فعلا أو مصدرا أعطي حكمه، فعُدي بما يعدى إليه)) (٢).
• ((أن المخففة)) من الثقيلة:
أشار أبوالعلاء إلى جواز نصب ((ما)) بعد ((أَنْ)) المخففة من الثقيلة.
وقد أشار النحاة إلى أنه ((إذا خُفِّفَت أَنْ المفتوحة بقيت على ما كان لها من العمل، لكن لا يكون اسمها إلا ضمير الشأن محذوفا، وخبرها لا يكون إلا جملة)) (٣).
ولكن أبا العلاء أجاز نصب الاسم الواقع بعدها، قال عند قول أبي تمام:
وَضَرَبتَ أَمثالَ الذَّليلِ وَقَد تَرى ... أَن غَيرُ ذاكَ النقضُ وَالإِمرارُ [بحر الكامل]
((... أراد ((أنَّ)) المشددة فخفَّف، فإذا خففت، فالأجودُ أن ترفع ما بعدها، والنصب جائز)) (٤).
وقول أبي العلاء أنَّ ((أنْ ترفع ما بعدها وهو الأجود)) هو ترجيح لمذهب سيبويه والكوفيين، الذي يقول ((إنها لا تعمل شيئا لا في ظاهر ولا في مضمر، وتكون حرفا
стр. 204
مصدريا مهملا كسائر الحروف المصدرية)) (١). وهو بهذا يخالف الجمهور الذي يقول: ((إنها تعمل جوازا في مضمر لا ظاهر)) (٢).
[ب] دراسة المادة النحوية المتعلقة بالمجرورات:
• الإضافة عند أبي العلاء:
أشار أبوالعلاء في مواضع من شرحه إلى بعض أحكام الإضافة، وهو في بعضها يقر ما يقره النحاة، ونلمح منه خروجا على بعضها في البعض الآخر، ومن أمثلة الاتفاق:
[١] إضافة بعض الشيء إلى كله:
ـ قال عند قول أبي تمام:
لُعابُ الأَفاعي القاتِلاتِ لُعابُهُ ... وَأَريُ الجَنى اشتارَتهُ أَيدٍ عَواسِلُ [بحر الطويل]
((الجنى: اسم عام يقع على كل ما اجتني؛ فجائز أن يسمى الأرْي (٣) جنى؛ لأنه يجنى من مواضع النحل، ولعموم الجَنَى في اللفظ حَسُنَت إضافة الأري إليه؛ لأن بعض الشيء يضاف إلى كله)) (٤).
والنحاة قيدوا هذه القاعدة النحوية بأن تكون الإضافة محضةً على معنى ((مِن))، وذلك بأن يكون ((المضاف إليه جنسا عامًا يشمل المضاف، ويصح إطلاق اسمه على المضاف، وإن شئت فقل: أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، مع صلاحية المضاف لأن يكون مبتدأ خبره المضاف إليه من غير فساد للمعنى)) (٥).
стр. 205
[٢] الإضافة المحضة تفيد التعريف أوالتخصيص للمضاف والإضافة غير المحضة ليس لها تأثير على المضاف:
نص النحاة على نوعين من الإضافة: النوع الأول: الإضافة المحضة أوالمعنوية، ((وهي التي تكون خالصة من تقدير الانفصال)) (١)، أوهي ((ما كان فيها الاتصال بين الطرفين قويا، وليست على نية الانفصال لأصالتها ولأن المضاف ـ في الغالب ـ خال من ضمير مستتر يفصل بينهما)) (٢). والثانية: الإضافة غير المحضة، أواللفظية؛ لأنها في تقدير الانفصال)) (٣).
أشار أبوالعلاء في مَوْضِعَين إلى تأثير المضاف إليه على المضاف من حيث التعريف والتخصيص. وأشار إلى قاعدة مهمة تحكم تأثير المضاف إليه على المضاف فقال: ((وإنما يحسن الانفصال إذا كان المضاف إليه يمكن فكه من الأول وإضافته إلى المضمر، مثل أن يقال مررت برجل كريم الأب؛ فكريم نكرة؛ لأنه يحسن أن تقول مررت برجل كريم أبوه)) (٤).
ـ وقال عند قول أبي تمام:
أَدنَيتُ رَحلي إِلى مُدنٍ مَكارِمَهُ ... إِلَيَّ يَهتَبِلُ اللَّذ حَيثُ أَهتَبِلُ [بحر البسيط]
((يجوز ((مُدْني مكارِمهِ)) على الإضافة، و ((مُدْنٍ مكارمه)) بالتنوين، وإذا أضيف فهونكرة؛ لأن إضافته غير محضة)) (٥).
стр. 206
[٣] موافقة أبي العلاء لمَن أجاز إضافة أفعل إلى ما هو ليس ببعضه؛ لأن الإضافة يتسع فيها جدا:
ـ قال عند قول أبي تمام:
غَدَوتُ بِهِم أَمَدَّ ذَوِيَّ ظِلًّا ... وَأَكثَرَ مَن وَرائي ماءَ وادِ [بحر الوافر]
((كان أبوالفتح عثمان بن جني يذهب إلى أن ((أكثر)) في هذا البيت غير مضاف إلى ((من))، ويجعل موضع ((من)) نصبا بفعل مُضمر، وإنما فر من أن يضيف ((أكثر)) إلى ((من))؛ لأن موضوع النحويين المتقدمين أن ((أفعل)) لا يُضاف إلا إلى ما هوبعضه، كقولك فلان أفضلُ الناس، وحسن ذلك لأنه بعضهم، ولوقيل العقاب أشد الناس لاستحال؛ لأن العُقاب ليست من الناس، ولهذا أحالوا قول من يقول: فلان أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، إنما ينبغي أن يقال: فلان أفضل بني أبيه، وهذا قول مُتقدم، وقد أجاز المتأخرون فلان أفضل إخوته، أى: أفضل الإخوة الذين هومنهم، والإضافة يتسع فيها جدًّا، وإلى قول من أجازه أذهب)) (١).
وإجازة المتأخرين ((فلان أفضل إخوته)) ـ كما قال الأشموني المتوفى
٩٠٠هـ ـ مشروطة ومقننة بألا يكون منوي بها معنى ((من))، أما ((المنوي فيه معنى ((من))، فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه، فلذلك يجوز: يوسف أحسن إخوته، إن قصد الأحسن من بينهم، أو قصد حسنهم، ويمتنع إن قصد أحسن
стр. 207
منهم)) (١). ويزيد الأستاذ عباس حسن الصورة وضوحا فيقرر أنه ((إذا لم تكن الدلالة على التفضيل باقية، أو كانت عامة يقصد منها الزيادة على المضاف إليه وعلى غيره فإن المضاف إليه لا يكون مفضولا، ولا يشترط في المضاف حينئذ أن يكون بعضًا منه؛ فقد يكون بعضًا أو لا يكون؛ ومثال ما ليس بعضا: يوسف أفضل إخوته. تريد: أنه فاضل فيهم، ولا تريد التفضيل، ولا أنه يزيد عليهم في
الفضل)) (٢).
[٤] جواز حذف الهاء من الكلمة إذا أضيفت:
من لطيف إشارات أبي العلاء إشارته إلى إمكانية حذف الهاء من الكلمة؛ لأن العرب يجترئون على ذلك.
وَيَومٍ أَمامَ المُلكِ دَحضٍ وَقَفتَهُ ... وَلَوخَرَّ فيهِ الدينُ لَانهالَ كاثِبُه [بحر الطويل]
((.. وتستعمل ((الكاثبة)) في الإنسان، وهي الكَتد أونحوه، ولا يعرف إلا بالهاء، فإن كانت اللفظة يراد بها ذلك؛ فيجوز أن يكون حذف الهاء لمكان الإضافة؛ لأنهم يجرؤون على حذفها مع المضاف، كما قالوا: إلاحُ الرجل، يريدون إلاحته، وقام وُلاها؛ أي: وُلاتها)) (٣).
والنص السابق يثير بعض الملحوظات:
١ـ أن أبا العلاء يسمى تاء التأنيث المربوطة في ((كاثبة، وإلاحة (٤)، وولاة)) هاءًا، وهو أمر لا نسلم فيه لأبي العلاء؛ إذ ((لا توجد علاقة صوتية بين التاء والهاء، وإنما تطور المسألة أن التاء سقطت حين الوقف على المؤنث؛ فبقي المقطع السابق
стр. 208
عليها مفتوحا ذا حركة قصيرة، وهذا النوع من المقاطع تكرهه العربية في أواخر الكلمات؛ فتتجنبه بإغلاق المقطع، عن طريق امتداد النفس بهاء السكت)) (١).
٢ـ بناء على النقطة السابقة يمكن تفسير حذف التاء المربوطة من كلمة ((كاثبة)) الموجودة في قافية البيت السابق تفسيرا صوتيا كما يلي: عند الوقوف على الكلمة سقطت التاء؛ فبقي المقطع السابق عليها مفتوحا ذا حركة قصيرة تكرهه اللغة العربية في أواخر الكلمات؛ فتتجنبه بإغلاق المقطع بهاء السكت الساكنه، ثم دخلت عليها هاء ضمير الغَيبة الساكن؛ فالتقى ساكنان فحذف أحدهما تخلصا من التقاء ساكنين.
...
ومن المواضع التي نلمح فيها اختلافا التالي:
ـ أوجه إعرابية في المضاف إليه:
يرى النحويون أن الإضافة إذا كانت على معنى ((مِنْ)) جاز في المضاف إليه أوجه أخرى؛ فيجوز ((أن يعرب بدلا أوعطف بيان، وتزول بوجودهما الإضافة، وتكون حركة آخره تابعة لحركة المتبوع الذي كان مضافا في الأصل، كما يجوز أيضاـ إن كان نكرة ـ نصبه على الحال أوالتمييز، بعد الاستغناء عن الإضافة)) (٢). فالنحويون يقيدون جواز إعراب المضاف إليه بدلا أوعطف بيان: أن تكون على معنى ((مِنْ)). ومن الضوابط التي وضعها النحاة لهذه الإضافة ((ضابط مؤلف من شقين: الأول: أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، والثاني: أن يكون المضاف إليه صالحا للإخبار به عن المضاف)) (٣).
стр. 209
ولكن يبدوأن الأمر أوسع من ذلك عند أبي العلاء، فهولا يتقيد بأن تكون الإضافة بمعنى ((مِنْ)) لإعراب المضاف إليه بدلا أوعطف بيان.
ـ قال عند قول أبي تمام:
وَما اللَّيثُ كُلُّ اللَّيثِ إِلّا ابنُ عَثرَةٍ ... يَعيشُ فُواقَ ناقَةٍ وَهوراهِبُه [بحر الطويل]
((والرواة مجمعون على إضافة ((فُوَاق)) (١) إلى ناقة مع بيان الزحاف، ولو رواه راو ((فواقًا ناقة))؛ فنصب الفواق ونونه لجاز في العربية)) (٢).
ولا يجوز أن تكون ((فواقًا ناقة)) على معنى من؛ إذ إن الفواق فترة زمنية، ولا تكون جزءا من الناقة (٣).
[ج] دراسة المادة النحوية المتعلقة بالتوابع:
• البدل عند أبي العلاء:
مما أوضحه أبوالعلاء في باب البدل أن الحرف إذا كان متصلا بالضمير ثم أبدل منه وجب أن يعاد مع الحرف.
قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بِالمُجتَبى وَالمُصطَفى وَالمُستَرى ... لِلحَمدِ وَالحالي بِهِ وَالكاسي [بحر الكامل]
((جاء بالباء في قوله: ((بِالمُجتَبى))؛ لأنه بدل من الهاء في قوله ((به))، وإذا كان الحرف متصلا بالضمير ثم أبدل منه وجب أن يُعادَ الحرف مع الاسم، كقولك: مررنا بهم بالقوم الصالحين، ونزلنا عليهم على خيار الناس)) (٤).
стр. 210
ونلاحظ هنا أن أبا العلاء يوجب هذه الإعادة في الوقت الذي يضعه نحاة آخرون في نطاق الجواز، معللين ذلك بـ ((المجاراة للمبدل منه)) (١).
• مادة النعت عند أبي العلاء:
(١) المصادر التي يُنْعَتُ بها تجيء على حذف المضاف:
قال: ((المصادر التي ينعت بها [إنما تجيء] على حذف المضاف، كقولك: رجلٌ فطر؛ أي: ذوفطر، وصومٌ؛ أي: ذو صوم)) (٢).
ويؤيد النحاة أبا العلاء في قوله السابق بقولهم في هذا الأمر: ((تقول: رأيت في المحكمة قاضيًا عدلا، وشهودًا صدْقًا، ونظامًا رِضًا، وجموعًا زَوْرًا بين المتقاضين (...) تريد: قاضيًا عادْلا، وشهودًا صادقين، ونظامًا مرضيًّا، وجموعًا زائرة بين المتقاضين (...) فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت، ثم حُذف وحلّ المصدر محله، وأعرب نعْتًا مكانه. والأصل: قاضيًا صاحبَ عدل ـ شهودًا أصحاب صدق ـ نظامًا داعيَ رضا ـ جموعًا أصحاب زَوْر)) (٣).
(٢) التوابع فضلات يصح الاستغناء عنها إلا النعت:
يقر النحاة ((أن التوابع الأربعة فضلات يصح الاستغناء عنها؛ إذ ليس واحد منها يؤدي في جملته معنى أساسيا تتوقف عليه فائدتها الأصلية إلا النعت؛ فإنه قد يتمم ـ أحيانا ـ الفائدة الأساسية)) (٤). ويتم النعت ((الفائدة الأساسية بالاشتراك مع الخبر، مع أن الأصل في الخبر أن يتمم هذه الفائدة وحده. لكنه في بعض الأحيان لا يتممها إلا بمساعدة لفظ آخر كالنعت)) (٥).
стр. 211
والنعت لا يصح الاستغناء عنه كما أثبتنا إلا في حالة ما إذا حذف وفهم بدلالة قرينة السياق أو غيرها، كما يؤيد هذا قول أبي العلاء تعليقا على قول أبي تمام:
وَالفَتى مَن تَعَرَّقَتهُ اللَّيالي ... وَالفَيافي كَالحَيَّةِ النَّضناضِ [بحر الخفيف]
((والفتى: كلام محمول على حذف، كأنه قال: الفتى المحمود؛ لأن الفتي قد يكون مقيما لا يبرح موضعه، ولم تزل العرب تصف الإنسان بالتطوح والاغتراب)) (١).
وقد ذهب الأستاذ عباس حسن إلى قياسية حذف النعت المرتبط بقرينة، فقال:
((قد يحذف النعت أحيانًا حذفًا قياسيًا إذ كان معلومًا بقرينة تدل عليه بعد حذفه؛ كقوله تعالى: چ گ گ گ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ں ں ? ? ... ? ? ? چ [الكهف ٧٩]، والأصل: كل سفينة صالحة؛ بقرينة قوله: چ ? ? چ؛ فهي تدل على أنها قبل هذا خالية من العيب، أي: صالحة للانتفاع بها، وبقرينة أخرى؛ هي: أن الملك الغاصب لا يغتصب ما لا نفع فيه)) (٢). ولكن ننبه على أنه بالرغم من جواز حذف النعت وقياسيته مع وجود القرينة إلا أنه يقل هذا الحذف؛ ((لأنه جيء به فِي الأَصل لفائدة إِزالة الاشتراك أَو العُمُوم فَحَذفهُ عكس المقصُود)) (٣).
...
• المحال الإعرابية للجملة عند أبي العلاء:
لقد لاحظنا عند أبي العلاء ((بوجه خاص نضجا لغويا كبيرا؛ إذ كان مسيطرا على المادة مالكا لناصيتها، حتى إننا وقعنا على شبه عظيم بينه وبين ابن هشام في مُغني اللبيب، برغم تأخره في الزمن، واختصاصه في المادة. ولعل من أبرز ما نذكره في هذا المقام أن أبا العلاء لم يتقيد في مباشرته النحوية لشعر أبي تمام بالتقسيم الثنائي النظري للجملة المركبة عند العرب؛ فهم يرون أن من الجمل ما له محل من الإعراب، ومنها ما ليس له محل من الإعراب. غير أننا لا نجد لهذا التقسيم صدي
стр. 212
في عمله؛ فجميع الجمل عنده ذات محل من الإعراب، على أساس أن كل جملة إنما يؤتى بها في الحقيقة لتؤدي وظيفة مهمة في الكلام البشري. وهذا ـ والحق يقال ـ تعديل في مفهوم الجملة المركبة لم يشهده النحوالعربي إلا
حديثا)) (١).
ومن الأمثلة على المحال الإعرابية عند أبي العلاء:
قال عند قول أبي تمام:
أُسائِلُكُم ما بالُهُ حَكَمَ البِلى ... عَلَيهِ وَإِلّا فَاترُكوني أُسائِلُه [بحر الطويل]
((وقوله: أُسائله موضوع موضع الحال)) (٢).
وقال عند قول أبي تمام:
لُعابُ الأَفاعي القاتِلاتِ لُعابُهُ ... وَأَريُ الجَنى اشتارَتهُ أَيدٍ عَواسِلُ [بحر الطويل]
стр. 213
((واشتارته: في موضع النصب على الحال، كأنه قال: وأرى الجنى مشتارة له أيد عواسل، والعواسل التي تأخذ العسل)) (١).
وقال عند قوله:
وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتِّبَةً ... ما كانَ مُنقَلِبًا أَو غَيرَ مُنقَلِبِ [بحر البسيط]
((الوجه أن يروى مرتبة بكسر التاء، ويكون قوله: ما كان منقلبا في موضع بدل من مرتبة)) (٢).
****
[د] ملحوظات نحوية عند أبي العلاء:
١ـ جواز الإضمار قبل الذكر؛ إذا دلَّ المعنى على ذلك (٣). وجواز الحذف بدلالة السياق (٤).
٢ـ أجاز أبوالعلاء أن ((يوضع ((كل)) في موضع ((كلا)))) (٥).
٣ـ جواز حذف المبتدأ في جملة صلة الموصول:
بِأَبي وَإِن حَسُنَت لَهُ بِأَبي ... مَن لَيسَ يَعرِفُ غَيرَ ما أَرَبي [بحر الكامل]
((يجوز أن تكون ما في معنى الذي ويكون: ((هو)) مقدر، كأنه قال: غير الذي هو أربي)) (٦).
٤ ـ يقر أبوالعلاء بوقوع التطور النحوي:
стр. 214
ـ قال عند قول أبي تمام:
اُنظُر وَإِيّاكَ الهَوى لا تُمكِنَن ... سُلطانَهُ مِن مُقلَةٍ شَوساءِ [بحر الكامل]
((كان النحويون المتقدمون يرون أن ((إياك)) ينبغي أن تُسْتعمل مع الواومثل قولهم: إياكَ وزيدًا، وينكرون مجيئها على غير ذلك إلا أن تُستعمل بـ ((أن)) كقولك: إياك أن تقومَ، وإياك أن تذهبَ، والواوعندهم مُرادة، كأنه قال: إياك وأن تذهب، ولكن الواوحُذفت كحذف الباء مع ((أن)) في مواضع كثيرة، وكذلك تُحذف معها حروف الخفض، يُقال نهيتُكَ أن تفعل؛ أي: عن أن تفعل، وأمرتُك أن تفعل، والمراد بأن تفعل)) (١).
٥ـ التعبير بالمفرد عن المثنى كثير في العربية، وكذلك التعبير بالمفرد عن الجمع:
أـ قال عند قول أبي تمام:
إِذا كانَتِ النُعمى سَلوبًا مِن امرِئٍ ... غَدَت مِن خَليجَي كَفِّهِ وَهيَ مُتبَعُ [بحر الطويل]
((إنما أراد من ((خليجي كفيه))؛ فدل عليهما بالكف الواحدة، ومثل هذا كثير)) (٢).
ب ـ قال عند قول أبي تمام:
إِنَّ الأَسِنَّةَ وَالماذِيَّ مُذ كَثُرا ... فَلا الصَّياصي لَها قَدرٌ وَلا اليَلَبُ [بحر البسيط]
((وقوله: مذ كثرا، جعل الأسنة والماذيَّ كالاثنين، وإن كان كل واحد منهما يقع على جمع، وهومثل قول الأسود بن يعفر (٣):
إن المنيّةَ والحتُوفَ كلاهما ... يُوفي المخارمَ يرقبان سوادي [بحر الكامل]
стр. 215
فجعل الحتوف كالواحد)) (١).
والاقتباسان السابقان يُوقفاننا على ملمح طريف في اللغة العربية ألا وهو:
من المألوف أن تعبر اللغة بالمفرد عن المفرد، وبالمثنى عن المثنى، وبالجمع عن الجمع، ومن غير المألوف أن نعبر بالمفرد عن المثنى، وبالمفرد عن الجمع، وبالمثنى عن المفرد، وبالمثنى عن الجمع، وبالجمع عن المفرد وبالجمع عن المثنى. ويمكن أن نعبر عما سبق بصورة أوضح من خلال الجدول التالي:
م ... الأسلوب المألوف ... الأسلوب غير المألوف ... مثال
١ ... التعبير بالمفرد عن مفرد ... التعبير بمفرد عن مثنى ... الاقتباس الأول لأبي العلاء
٢ ... التعبير بمفرد عن جمع ... ٹ ٹ چ ? ? ? چ [غافر: ٦٧]، أي أطفالا (٢).
٣ ... التعبير بالمثنى عن مثنى ... التعبير بالمثنى عن مفرد ... ٹ ٹ چ ? ? ? ? ... ? ہ چ [ق: ٢٤]، وهو خطاب لمالك خازن جهنم (٣).
٤ ... التعبير بالمثنى عن جمع ... ٹ ٹ چ ں ں ? ? ? چ [الحج: ١٩]
٥ ... التعبير بالجمع عن الجمع ... التعبير بالجمع عن المفرد ... ٹ ٹ چ ? ? ? ژ ژ چ [التوبة: ١٧]، وإنما أراد المسجد الحرام
٦ ... التعبير بالجمع عن المثنى ... ٹ ٹ چ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ چ [البقرة: ٨٧] (٤).