• الخلفية المعرفية Background knowledge (١) .
والعلماء المؤسسون لهذا العلم يطمحون إلى ((آلية بحث علمية تضيء النص في تجسده اللغوي، بحيث تنفتح أمام الذات القارئة، الذات الجماعية في مرحلة تاريخية معينة)) (٢).
ويرى الباحث أن معطيات هذا العلم ومبادئه موجودة عند علمائنا القدماء، وما هذا العلم بمصطلحاته إلا صورة منظمة لفتات متناثر لآراء علمائنا في موضوع التماسك النصي. وهذا ما سيؤيده الكلام التالي.
...
стр. 247
المبحث الثاني: وسائل التماسك النصي
تعددت الوسائل التي ذكرها العلماء للتماسك النصي، فهي حسب نظرية روبرت ديبوجراند وولفجانج دريسلر تتلخص في: السبك أوالتضام، الحبك، أوالتماسك الدلالي أوالتقارن، القصد أوالقصدية، أي: هدف النص، القبول أوالمقبولية أوالتقبلية، وتتعلق بموقف المتلقى من قبول النص، الإخبارية أو
الإعلام؛ أي: توقع المعلومات الواردة فيه أوعدمه، المقامية، وتتعلق بمناسبة النص للموقف، التناص (١).
وأشار G.Yule إلى السبك والحبك وإلى الخلفية المعرفية Background knowledge . وأشار David Crystal إلى ((أن أدوات التماسك تتلخص في: ١ـ العطف، ٢ـ المرجعية بأنواعها القبلية والبعدية، ٣ـ الإبدال، ٤ـ الحذف، ٥ـ التكرار، ٦ـ أدوات معجمية)) (٢).
وقد ذكر د. محمد العبد من هذه الأدوات: ((الإسناد إلى متقدم، الارتباط السببي، التخصيص، الارتباط الزمني، المقابلة، السؤال والإجابة، الإضراب وغيرها من الأدوات)) (٣). ويضيف د. محمد حماسة عبد اللطيف بعضا آخر من أدوات التماسك منها: ((الموقع الإعرابي، الحالة الإعرابية، العلامة الإعرابية ... وهذه مع وسائل أخرى .. وكل ما يؤدي إلى الوضوح وعدم اللبس يؤدي بالضرورة إلى التماسك والترابط)) (٤).
...
стр. 248
المبحث الثالث: نظرات نصية في شرح أبي العلاء والتبريزي
الدراسة التحليلية لشرح أبي العلاء والتبريزي تُظْهر اهتمام هذين العلمين بالتماسك النصي، أوـ كما عبر د. حماسة ـ الاهتمام بـ ((كل ما يؤدي إلى الوضوح وعدم اللبس)) والذي ((يؤدي بالضرورة إلى التماسك والترابط)).
ويمكن مناقشة هذا الاهتمام عندهما في ضوء مصطلحات علم النص بالطريقة التالية:
• القصد Intentionality ، (أي: هدف النص) والمقامية Situationality ، (مناسبة النص للموقف):
تحت هذين المصطلحين يمكن أن نضع ما قام به التبريزي ـ في الغالب ـ من ذكر غرض القصيدة في بدايتها، وفيمن قيلت فيه هذه القصيدة، والموقف الداعي لها. وقد سبق أن أوضحنا أن ((غياب الموضوع عن القصيدة هوـ فيما يبدوـ أبرز الأسباب التي تتسبب في غياب الدلالة عنها؛ إذ إن وضوح الموضوع (أوالغرض) الذي تتحدث عنه القصيدة هوالشفرة الرئيسية لتتبع المسارات الدلالية، وإن زرعت ببعض المتاريس التعبيرية التي تعوق مهمة القراءة والفهم (...) وعلى امتداد مسيرة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى زمن الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، كان الموضوع أوالغرض الشعري حاضرا في القصيدة جنبا إلى جنب مع شكلها)) (١).
إن تحديد هدف النص ومناسبته يساهمان في ((توالي الأفكار))، وهذا التوالي ليس ((عبودية في ذاته، فهوإذعان للعقل العام، وبدءا من اللحظة التي لا تسلسل فيها الأفكار يحكم على الروح بأنها غير عقلانية)) (٢).
وسنبين فيما بعد أن هذا الاهتمام بتحديد الموقف والمناسبة أمر اهتم به مفسروالقرآن الكريم، بمباحثهم المتعلقة بأسباب النزول.
• التناص Intertextuality :
стр. 249
المقصود بهذا المصطلح ((الاستشهاد بالنص؛ أي: الطرق التي يستعملها الناس في الانتفاع بالنصوص المشهورة، أوفي الإحالة إليها)) (١). فموضوع هذا المصطلح ((العوامل التي تجعل استغلال أحد النصوص معتمدًا على معرفة نص سابق أوأكثر من النصوص التي تعرف عليها مستقبل النص في الماضي)) (٢). فقد يحتاج مستقبلوالنص ـ لكي يفهموه ـ إلى ((قدر من الألفة مع نصوص سابقة)) (٣).
ومصطلح التناص مصطلح عام يشمل ((الأشكال التي يتخذها التفاعل بين النصوص. المعارضات الشعرية، والسرقات الشعرية، والاقتباس، والتضمين)) (٤).
أهمية التناص عندهما:
من أكثر الأمور التي اهتم بها أبوالعلاء والتبريزي في باب التماسك النصي ((التناص))، فقد بلغت إشارات أبي العلاء للتناص أكثر من تسعة عشر موضعا (٥)، وعند التبريزي أكثر من سبعين موضعا (٦).
وتأكيد أبي العلاء والتبريزي على إبراز النصوص المتناصة مع شعر أبي تمام في أكثر من موضع دليل على أن ((كل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر)) (٧)، وأن النص ـ كما يقول رولان بارت ـ ((منسوج تماما من عدد من الاقتباسات ومن المراجع
стр. 250
ومن الأصداء))، وأن ((أي نص يقع في نقطة التقاء عدد من النصوص، الذي هو في الوقت نفسه إعادة قراءة لها، وتثبيت لها وتكثيف لها وانتقال منها ولها)) (١).
كما أنها أكدت أصالة شعره، فـ ((أكثر المبدعين أصالة من كان تركيبه الفني ذا طبيعة تراكمية على معنى أن الروافد السابقة قد وجدت فيه مصبا صالحا لاستقبالها، ومن الحقائق التي يجب أن نعترف بها أنه لا وجود لمبدع يخلص لنفسه)) (٢).
هذا التناص فيه نوع من التكرار، وهذا التكرار في الأبيات ـ على حد قول أبي العلاء ـ ((بعضه شرح لبعض)) (٣). والتناص عندهما يسهم في توضيح المعنى، ويمكن الاستناد إليه في فهم المعنى (٤).
وقد أطلق أبوالعلاء على هذا التناص مصطلح ((التَّعَلُّق)) (٥)، ((البناء)) (٦). وتابعه التبريزي في ذلك.
أشكال التناص عندهما: [أ] باعتبار نوع النص المتناص معه:
· تناص مع الآيات القرآنية:
مِن كُلِّ سابِغَةِ الشَبابِ إِذا بَدَت ... تَرَكَت عَميدَ القَريَتَينِ عَميدا [بحر الكامل]
قال أبوالعلاء: ((عميد القريتين: رئيسهما. وعميد: من قولك عمده الحب إذا ذهب بقلبه، وإنما بنى الطائي هذا الكلام على الآية، وهي قوله چ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? چ [الزخرف: ٣١])) (٧).
стр. 251
ومثال ما ذكره التبريزي تناصا مع القرآن قوله عند قول أبي تمام:
أَذكَرتَني أَمرَ داوُدٍ وَكُنتُ فَتًى ... مُصَرَّفَ القَلبِ في الأَهواءِ وَالفِكَرِ [بحر البسيط]
((هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى لما ضرب المثل لداود ﵇: چ? ? ? ? ? ... ? ? ں ں ? چ [ص: ٢٣])) (١).
· تناص مع أحاديث نبوية: مثال ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام:
وبَلاقِعًا حتى كأنَّ قطينها ... حَلَفُوا يمينا أخلقتك غموسا [بحر الكامل]
((هذا المعنى مبني على الحديث المروي، وهوقولهم: ((الأيمان الكاذبة تترك الديار بلاقعَ)) (٢) ...)) (٣).
· تناص مع أبيات شعرية: قال أبوتمام:
بِمَجامِعِ الثَّغرَينِ ما يَنفَكُّ مِن ... جَيشٍ أَزَبَّ وَغارَةٍ شَعواءِ [بحر الكامل]
قال أبوالعلاء ((شبه الجيش بالأزب، وهوكثير الشعر، وإنما يريد كثرة الرماح، وهذا مأخوذ من قول الأول:
فلوأنا شَهدناكم نصرنا ... بذي لجَبٍ أزب من العوالي [بحر الوافر])) (٤).
· تناص مع الأمثال:
стр. 252
لا تُغضِبَنَّكَ مُنهِضاتي إِنَّها ... مَذخورَةٌ لَكَ في السِّقاءِ الأَوفَرِ [بحر الكامل]
قال التبريزي: ((... وقوله: ((مذخورة لك في السقاء الأوفر)) هذا مثل تستعمله العرب، يقولون للرجل إذا فعل شيئا: حقنته في السقاء الأوفر (١) أي: إنك قد وضعته في موضعه واحتفظته)) (٢).
· تناص مع أقوال مستعملة:
وَلِذاكَ كانوا لا يُرأَّسُ مِنهُمُ ... مَن لَم يُجَرَّب حَزمُهُ مرؤوسا [بحر الكامل]
قال التبريزي: ((هذا البيت مبني على قولهم فلان قد آل وإيل عليه؛ أي: ساس وسيس)) (٣).
[ب] باعتبار الاتجاه التاريخي للتناص:
· تناص قبلي: أي تناص مع شعر شاعر سابق على أبي تمام، ومثال ذلك:
قال أبوتمام:
لا تُذيلَن صَغيرَ هَمِّكَ وَانظُر ... كَم بِذي الأَثلِ دَوحَةً مِن قَضيبِ [بحر الخفيف]
قال أبوالعلاء: ((.. والمعنى: لا تذيلن صغير همك؛ أي: لا تهمل نظرك فيه، فإن كان خيرا فإنه يتثمر وتعظم المنفعة به، وإن كان مما يحذر فإنه لا يؤمن أن يغلب ويتفاقم. وهذا المعنى قصده ((نَهْشَل بن حَرِّيّ (٤) في قوله:
стр. 253
قالَ الأَقارِبُ لا تَغرُركَ كَثرَتُنا وَأَغنِ شَأنَكَ عَنّا أَيُّها الرَّجُلُ
عَلَّ بَنِيَّ يَشُدُّ اللَهُ أَزرَهُمُ وَالنَّبعُ يَنبُتُ عيدانًا فَيَكتَهِلُ
[بحر البسيط])) (١).
· تناص داخلي: أي تناص في شعر أبي تمام نفسه:
ما عَهِدنا كَذا نَحيبَ المَشوقِ ... كَيفَ وَالدَّمعُ آيَةُ المَعشوقِ [بحر الخفيف]
قال أبوالعلاء: ((أنكر على نفسه النحيب، ثم قال كيف؟ وكأنه مريد للقاء؛ أي: فكيف لا أنتحب والمعشوق قد بكى؟ وهذا يناسب لقوله:
سَرَت تَستَجيرُ الدَمعَ خَوفَ نَوى غَدِ .... ِ [بحر الطويل]
· تناص بعدي: أي أخذ شاعر بعد أبي تمام لمعنى بيته، مثال ذلك:
بِمَجامِعِ الثَّغرَينِ ما يَنفَكُّ مِن ... جَيشٍ أَزَبَّ وَغارَةٍ شَعواءِ [بحر الكامل]
قال أبوالعلاء ((شبه الجيش بالأزب، وهوكثير الشعر .. وقد شرح أبوالطيب
هذا المعنى في قوله:
صَدَمتَهُم بِخَميسٍ أَنتَ غُرَّتُهُ ... وَسَمهَرِيَّتُهُ في وَجهِهِ غَمَمُ (٢) [بحر البسيط])) (٣).
стр. 254
وقال التبريزي عند قول أبي تمام:
وَإِنَّ المَدحَ في الأَقوامِ ما لَم ... يُشَيَّع بِالجَزاءِ هُوالهِجاءُ [بحر الوافر]
((أخذه ابن الرومي فقال:
إذا ما المدح سار بلا ثواب ... من الممدوح فهولهُ هجاءُ [بحر الوافر])) (١).
[ج] باعتبار المعنى:
· تناص عكسي أوضدي: أى أن أبا تمام عكس المعنى مع شاعر آخر، ومثال ذلك:
تَرى قَسَماتِنا تَسوَدُّ فيها ... وَما أَخلاقُنا فيها بِسودِ [بحر الوافر]
قال التبريزي: ((هذا المعنى عكس ما قاله الضبي (٢):
كأنَّ دَنانِيرًا علَى قَسماتِهم ... وَإن كانَ قَد شَفَّ الوُجُوهَ لِقاءُ [بحر الطويل])) (٣).
· تناص توافقي: أي وافق فيه أبوتمام غيره. مثال ذلك قول التبريزي عند قول أبي تمام:
وَكانَ بِهِ سَواء حينَ تَهمِي ... عَزالِيهِ الظَّواهِرُ وَالغُيوبُ [بحر الوافر]
((الظواهر جمع ظاهرة، وهي ما ارتفع من الأرض، والغيوب جمع غيب، وهوما كان منخفضا يوارى ما فيه ويغيبه، والمعنى أن المطر استوت فيه الوهاد والربى، وهو نحو قول عَبِيد ....
فَمَن بِنَجوَتِهِ كَمَن بِمَحفِلِهِ ... وَالمُستَكِنُّ كَمَن يَمشي بِقِرواحِ [بحر البسيط])) (٤).
стр. 255
• الخلفية المعرفية Background knowledge :
من وسائل التماسك النصي إبراز الخلفية المعرفية للنص لكي يستطيع القارئ متابعته، وهذا ما كان يقوم به أبوالعلاء والتبريزي. ففي اللحظة التي يغمض فيها النص بسبب عدم وضوح الخلفية المعرفية يتدخلان للإيضاح:
ومثال ذلك:
ـ قال أبوتمام:
أَجَل أَيُّها الرَّبعُ الَّذي خَفَّ آهِلُه ... لَقَد أَدرَكَت فيكَ النَّوى ما تُحاوِلُه [بحر الطويل]
قال أبوالعلاء: ((هذا لايمكن أن يكون إلا على كلام متقدم؛ لأن ((أجل)) في معنى نعم، ولا معنى لقولك هذه الكلمة إلا وقد سبقها كلام من غيرك، فكأنه ادعى أن الربع كلمه وشكا إليه؛ فقال له: أجل أيها الربع)) (١).
ـ قال أبوتمام:
نَورُ العَرارَةِ نَورُهُ وَنَسيمُهُ ... نَشرُ الخُزامى في اخضِرارِ الآسِ [بحر الكامل]
قال أبوالعلاء ((وإنما ذكر الآس؛ لأنه يوصف بدوام الخضرة)) (٢).
ـ قال أبوتمام:
لَوأَنَّ أَسبابَ العَفافِ بِلا تُقًى ... نَفَعَت لَقَد نَفَعَت إِذًا إِبليسا [بحر الكامل]
((لأنه كان يتعبد مع الملائكة، إلا أنه لم يتق فصارت عاقبة أمره إلى ما كان)) (٣).
• الإعلامية أوالإخبارية أوالإعلام Informativity :
стр. 256
المقصود بالإعلامية ((مدى ما يجده مستقبلوالنص في عرضه من جدة وعدم توقع)) (١). فموضوع هذا المصطلح ((مدى التوقع الذي تحظى به وقائع النص المعروض في مقابل عدم التوقع أوالمعلوم في مقابل المجهول)) (٢).
فكلما بعد النص عن المألوف سواء على مستوى التعبير أومستوى التراكيب حقق قدرا أعلى من الإعلامية. ومن العجيب أن أبا العلاء والتبريزي كانا على وعي بما سماه النصيون الإعلامية.
وتظهر الإعلامية عندهما على أشكال، منها:
ـ بيان تردد المعنى عند أبي تمام وعند غيره من الشعراء (٣).
ـ بيان الانتقال الاستعاري فقط بدون التنبيه على التفرد:
مثل قول التبريزي عند قول أبي تمام:
عاقَدتُ جودَ أَبي سَعيدٍ إِنَّهُ ... بَدُنَ الرَّجاءُ بِهِ وَكانَ نَحيفا [بحر الكامل]
((استعار البدن للرجاء؛ وإنما هو للناس)) (٤).
ومثل:
إِلى مَلِكٍ لَم يُلقِ كَلكَلَ بَأسِهِ ... عَلى مَلِكٍ إِلّا وَلِلذُلِّ جانِبُه [بحر الطويل]
قال التبريزي: ((كلكل بأسه: أي: صدره، استعاره للبأس، وأصله للحيوان)) (٥).
ـ بيان الانفرادات التي انفرد بها أبوتمام على مستوى الاستعارة أوعلى مستوى المعنى:
مثال ذلك:
стр. 257
عُرفٌ غَدا ضَربًا نَحيفًا عِندَهُ ... شُكرُ الرِّجالِ وَإِنَّهُ لَجَسيمُ [بحر الكامل]
قال التبريزي: ((استعار الضرب للعُرف، ولم يستعمل ذلك قبل الطائي)) (١).
• من وسائل التماسك التي أبرزها أبوالعلاء والتبريزي:
[١] الضمير:
يلعب الضمير دورا مهما في النص اللغوي؛ إذ يسهم في ((الخفة)) ودفع
((الإلباس)) (٢) من ناحية، ومن ناحية ثانية ((يعمل على تلاحم الناتج الدلالي عندما يتردد الدال مشيرا إلى شيء سابق في السياق، سواء أكانت الإشارة إلى سابق ملفوظ أومفهوم، أوقائم على التضمين أوالالتزام)) (٣). فبالضمائر ((تتحول الصياغة إلى سبيكة متلاحمة العناصر نتيجة لعوامل الربط الظاهرة والمستترة، المنفصلة والمتصلة، والتي تعمل على تعليق ذهن المتلقي وشغله بما يواجهه من ضمائر)) (٤).
والبحث عن ((حركة الضمائر على سطح النص)) من مفاتيح النص الشعري، ومن ((الوسائل الإجرائية أو المفاتيح التي قد تفيد في بعض النصوص)) (٥).
وقد عقد ابن هشام بابا في كتابه ((مغني اللبيب)) سماه: ((روابط الجملة بما هي خبر عنه))، وذكر عشرة أنواع لهذه الروابط ((أحدها الضمير وهوالأصل ولهذا يربط به مذكورا كزيد ضربته ومحذوفا مرفوعا نحو:چ ? ? ? چ [طه ٦٣])) (٦)
стр. 258
وكان من ديدن أبي العلاء والتبريزي توضيح المرجعية التي تعود إليها الضمائر، إذا أحسا أن القارئ سيتردد في هذا.
قال التبريزي عند قول أبي تمام:
سَقَتهُ ذُعافًا عادَةُ الدَّهرِ فيهِمُ ... وَسَمُّ اللَّيالي فَوقَ سَمِّ الأَساوِدِ [بحر الطويل]
((الهاء في سقته للربع)) (١).
وقال عند قول أبي تمام:
إِذا تَباعَدَتِ الدُُّنيا فَمَطلَبُها ... إِذا تَوَرَّدتَهُ مِن شِعبِهِ كَثَبُ [بحر البسيط]
((.. والهاء في شعبه للممدوح)) (٢).
وقال عند قول أبي تمام::
سَبَقَت خُطا الأَيّامِ عُمرَيّاتُها ... وَمَضَت فَصارَت مُسنَدًا لِلمُسنَدِ [بحر الكامل]
((عُمرَيّاتُها: قديماتها، والهاء في عُمرَيّاتُها راجعة على مساعي الممدوح)) (٣).
وقال عند قول أبي تمام:
أَنهَبتَ أَرواحَهُ الأَرماحَ إِذ شُرِعَت ... فَما تُرَدُّ لِرَيبِ الدَهرِ عَنهُ يَدُ [بحر البسيط]
((الهاء في أرواحه: راجعة إلى المنهزم)) (٤).
[٢] الإشارية: من روابط الجملة بما هي خبر عنه ـ كما قال ابن هشام ـ اسم الإشارة. والإشارة يمكن أن تحقق ((دورا مماثلا لدور الضمائر (...) ومن ثم لاحظنا أن الضمائر واسم الإشارة لهما ذكر كثير في القرآن المكي خاصة)) (٥).
стр. 259
وقد اعتبر د. تمام حسان أسماء الإشارة والأسماء الموصولة قسمين من أقسام الضمائر التي ((تلعب دورا هاما جدا في علاقة الربط؛ فعودها إلى مرجع يغني عن تكرار لفظ ما رجعت إليه ومن هنا يؤدي إلى تماسك أطراف الجملة)) (١).
واعتمد أبوالعلاء على هذا النوع من الربط عند قول أبي تمام:
مَتى يُرعي لِقَولِكَ أَويُنيبُ وَخِدناهُ الكَآبَةُ وَالنَحيبُ
وَما أَبقى عَلى إِدمانِ هَذا وَلا هاتا العُيونُ وَلا القُلوبُ
[بحر الوافر]
((أشار بـ ((هذا)) إلى النحيب، وبـ ((هاتا)) إلى الكآبة)) (٢).
[٣] المبتدأ وخبره:
تحدث علماؤنا الأقدمون ـ في باب المبتدإ والخبر ـ عن نوع من التماسك بينهما. و ((نجد سيبويه ـ على سبيل المثال ـ قد تحدث عن التماسك لكن على مستوى الجملة؛ فيتحدث عن قوة التماسك بين المبتدأ والمبني عليه؛ و ((أن المبني عليه هوهو)) أوكما قال المبرد: ((فالخبر هوالابتداء في المعنى)))) (٣).
وكانت من وسائل الشرح عند التبريزي أن يذكر العلاقات النحوية بين أجزاء الجملة ومنها علاقات الابتداء والخبرية، ولا يذكر شيئا آخر معتبرا هذا توضيحا وبالتالي تماسكا. قال عند قول أبي تمام:
وَأَنتَ وَقَد مَجَّت خُراسانُ داءَها وَقَد نَغِلَت أَطرافُها نَغَلَ الجِلدِ
стр. 260
وَأَوباشُها خُزرٌ إِلى العَرَبِ الأُلى لِكَيما يَكونَ الحُرُّ مِن خَوَلِ العَبدِ
لَيالِيَ باتَ العِزُّ في غَيرِ بَيتِهِ وَعُظِّمَ وَغدُ القَومِ في الزَّمَنِ الوَغدِ
وَما قَصَدوا إِذ يَسحَبونَ عَلى المُنى بُرودَهُمُ إِلّا إِلى وارِثِ البُردِ
وَراموا دَمَ الإِسلامِ لا مِن جَهالَةٍ وَلا خَطَإٍ بَل حاوَلوهُ عَلى عَمدِ
فَمَجّوا بِهِ سَمُّا وَصابًا وَلَونَأَت سُيوفُكَ عَنهُم كانَ أَحلى مِنَ الشَهدِ
ضَمَمتَ إِلى قَحطانَ عَدنانَ كُلَّها وَلَم يَجِدوا إِذ ذاكَ مِن ذاكَ مِن بُدِّ
[بحر الطويل]
((أنت: مبتدأ وخبره: ((ضَمَمتَ إِلى قَحطانَ عَدنانَ كُلَّها)))) (١).
[٤] المفعولية:
الفعل ((قال)) يكون ((بمعنى النطق والتلفظ؛ فينصب مفعولا به واحد، نحو: چ ? ? چ [هود ٦٩]، [أو يكون] جملة سدت مسد المفعول به، اسمية كانت، نحو قول الرسول: ((الدين المعاملة))، أو فعلية، نحو: قال أعرابي: ((تصفوالنفوس بسماع الأحاديث الراقية)) ...)) (٢). وسد الجملة مسد المفعول به مع الفعل قال فيه نوع تماسك أبرزه التبريزي في قول أبي تمام:
وَغابِطٍ في نَداكَ قُلتُ لَهُ وَرُبَّ قَولٍ قَوَّمتُ مِن ضَلَعِه
نَعَتُّ سَيفًا أَغفَلتُ قائِمَهُ وَظَبيَ قُفٍّ سَهَوتُ عَن تَلَعِه
[بحر المنسرح]
((وهذا البيت في موضع مفعول قلت)) (٣).
[٥] البدلية:
البدل في العربية ((يقوم بوظيفة التماسك النصي)) (٤).
وقد أشار النحاة إلى أن الغرض الأصيل للبدل هو ((في الغالب تقرير الحكم السابق وتقويته بتعيين المراد، وإيضاحه، ورفع الاحتمال عنه؛ لأن هذا الحكم ينسب
стр. 261
أولا للمتبوع فيكون ذكر المتبوع تمهيدا للتابع الذي سيجيء، وتوجيها للنفس لاستقباله بشوق ولهفة. فإذا استقبلته وعرفته استقبلت معه الحكم وعرفته أيضا؛ فكأن الحكم قد ذكر مرتين؛ وفي هذا تقوية للحكم وتوكيد، ولأجل تحقيق هذا الغرض لا يصح أن يتحد لفظ البدل والمبدل منه إلا إذا أفاد الثاني زيادة بيان وإيضاح)) (١).
ومما أشار إليه النحاة أيضا ((أن البدل في حكم تكرير العامل)) (٢). والتكرار ((له أثره الواضح في النص والتواصل، وذلك راجع إلى عملية التخزين والاسترجاع التي تدور في ذهن المرسل والمستقبل للمفاهيم والأحداث التي يدور حولها الخطاب النصي)) (٣).
وهذا ما لجأ إليه أبوتمام وأبرزه التبريزي عند قوله:
وَالمَركَبُ المُنجي فَمَن يَعدِل بِهِ يَركَب جَموحًا غَيرَ ذاتِ لِجامِ
يَتبَع هَواهُ وَلا لَقاحَ لِرَهطِهِ بَسلٌ وَلَيسَت أَرضُهُ بِحَرامِ
[بحر الكامل]
((قوله: يتبع هواه، بدل من قوله: يركب جموحا، وهذا بدل الفعل من الفعل، وهو مناسب لبدل التبيين؛ لأن معنى قوله: ((يتبع هواه)) جائز أن يشتمل عليه قوله ((يركب جموحا))، مثل هذه الآية:چ ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ... ? ? چ [الفرقان ٦٨، ٦٩]؛فجعلچ ٹچ بدلا من چ ٹچ)) (٤).
ـ وقوله: ما خَطبُهُ ما دَهاهُ ما غالَهُ ... ما نالَهُ في الحِسانِ مِن خُرُدِه
السالِباتِ امرَءًا عَزيمَتَهُ بِالسِّحرِ وَالنافِثاتِ في عُقَدِه
[بحر المنسرح]
стр. 262
((السالبات: بدل من خرده)) (١).
[٦] لما الظرفية:
من وسائل التماسك التي أبرزها التبريزي ((لَمَّا)) الظرفية الزمانية، والتي من خواصها أنها ((بمعنى حين، مبنية على السكون في محل نصب، وتسمى أحيانا حرف وجود لوجود، وسماها بعضهم حرف وجوب لوجوب؛ ولذا فهي تحتاج إلى متعلق وإلى جملتين في الغالب، وأن يكون فعل كل منهما ماضيا)) (٢).
قال أبوتمام:
فَلَمّا تَراءَت عَفاريتُهُ سَنا كَوكَبٍ جاهِلِيِّ السَّناءِ
وَقَد سَدَّ مَندوحَةَ القاصِعاءِ مِنهُم وَأَمسَكَ بِالنافِقاءِ
طَوى أَمرَهُم عَنوَةً في يَدَيهِ طَيَّ السِّجِلِّ وَطَيَّ الرِّداءِ [بحر المتقارب]
((طوى في أول البيت متصل بـ ((لَمّا تَراءَت)) لأن ((لما)) تفتقر إلى فعلين)) (٣).
• التماسك الدلالي بلا رابط:
أحيانا يظهر التماسك الدلالي بين بيتين أوأكثر، بحيث تتوقف دلالة بيت سابق على دلالة بيت لاحق أوالعكس؛ فقد يكون ((البيت لشدة تماسكه دلاليا بالذي يليه، خاليين من الروابط اللفظية؛ لكي تربطهما الدلالة)) (٤).
стр. 263
وهذا ما يمكن أن نسميه بالتماسك السياقي الذي عبر عنه عبد القاهر الجرجاني بقوله: ((أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يُعلَّق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك)) (١).
وقد صرح التبريزي بأهمية توالي الأبيات في إيضاح بعضها بعضا فقال:
((.. ومثل هذا كثير يتفق في الشعر، يكون البيت يحتمل وجوها، فإذا سمع البيت الذي يليه قصره على واحد من تلك الوجوه)) (٢).
وكثيرا ما نقرأ عند التبريزي العبارات التالية: ((والبيت الذي بعده يوضحه)) (٣)، وقوله: ((وأتبع ذلك بقوله ـ البيت التالي ـ)) (٤)، وقوله: ((ويقوى هذا البيت الذي بعده)) (٥)، وقوله: ((والبيت الذي بعده يدل عليه)) (٦)، وقوله: ((وهذا تفسير قوله ـ الأبيات التالية ـ)) (٧)، وقوله: ((وقد بين الطائي غرضه بقوله ..)) (٨).
ومثال ذلك:
أَلحَقنَ بِالجُمَّيزِ أَصلَكَ صاغِرًا وَالشيحُ يَضحَكُ مِنكَ وَالقَيصومُ
طَبَقاتُ شَحمِكَ لَيسَ يَخفى أَنَّها لَم يَبنِها آءٌ وَلا تَنّومُ
يا شارِبًا لَبَنَ اللِّقاحِ تَعَزِّيًا الصبرُ مَن يَقنيهِ وَالحالومُ
وَالمُدَّعي صورانَ مَنزِلَ جَدِّهِ قُل لي لِمَن أَهَناسُ وَالفَيّومُ
[بحر الكامل]
стр. 264
قال التبريزي: ((هذه الأبيات كلها كالشرح للبيت الذي فيه ذكر الجميز)) (١).
ـ قال أبوتمام:
غَرَّبَتهُ العُلى عَلى كَثرَةِ النا سِ فَأَضحى في الأَقرَبينَ جَنيبا
فَليَطُل عُمرُهُ فَلَوماتَ في مَر ومُقيمًا بِها لَماتَ غَريبا
[بحر الخفيف]
((تفسير لقوله: ((فَأَضحى في الأَقرَبينَ جَنيبا)))) (٢).
...
стр. 265
الباب الثاني
منهجا أبي العلاء والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على:
· تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء.
· تحرير مصطلح ((منهج)) المستخدم في هذا الباب.
· الفصل الأول: منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثاني: منهج التبريزي في شرح ديوان أبي تمام.
· الفصل الثالث: مقارنة بين منهجي أبي العلاء والتبريزي.
стр. 266
تمهيد: أهمية الحديث عن المنهج والوقوف على مناهج العلماء .
إن الحديث عن مناهج العلماء والمفكرين في كتاباتهم وأقوالهم ليس من باب العبث الفكري، ولا من قبيل الثقافة الذهنية المجردة، بل هو حديث من الأهمية بمكان. وهو أمر يجب أن يتجه إليه الباحثون في مختلف الفنون؛ إذ أن ((الكشف عن هذه المناهج لدى مفكري الإسلام تعتبر في رأينا ـ بالإضافة إلى قيمته التاريخية ـ أفضل مدخل للتراث الإسلامي في جملته. فهو الذي يوضح الخطوات القياسية أو الاستقرائية التي اتبعها المفكرون والعلماء المسلمون في مختلف أوجه النشاط التي مارسوها)) (١).
وقد أقر علماؤنا ونصوا على أن هناك ((مناهج خفية)) سن لنا ((آباؤنا وأسلافنا طرقها)) (٢)؛ يجب التنقيب عنها وتجليتها.
وقد يكون من أوجه القصور التي يمكن أن توجه لنا ـ نحن الباحثين ـ عدم الوقوف على مناهج العلماء والمفكرين. فها هو الشيخ محمود شاكر يحدثنا عن تجربته التي قاساها وعانى لايَها في سبيل تحديد منهج يتذوق به الكلام العربي، وكيف أنه قام بتطبيق هذا المنهج على كتابه ((المتنبي)) الذي كان مفاجأة مثيرة لجمهرة الأدباء والقارئين، وذلك لأنه ـ كما يقول ـ ((مكتوب على منهج وجدوه فريدا متميزًا، مباينا مدبه كل المباينة لجميع المناهج الأدبية المختلفة المألوفة)) (٣).
ثم نجده يُنْحي باللوم، ويشد بالنكير على هؤلاء الذين لم يجدوا من وقتهم ((ساعات للتأمل والأناة والصبر، للبحث عن هذا المنهج الغريب غير المألوف الذي وجدوه
стр. 267
أمامهم مطبقا في كتاب كامل، وأحس به كل منهم إحساسا خفيا دعاه إلى المعارضة أو الثناء. وهذا خذلان كبير، غفر الله لنا ولهم، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتهم)) (١).
وعدم الالتفات إلى هذا المنهج، وعدم الوقوف عليه جعله يقول في موضع آخر: ((فهذا، كما ترى، منهج متشعب مطبق على أصناف الكلام العربي، قراءة له أو بيانا عنه. وببديهة العقل لم يكن من عملي، ولا هو من عمل أي كاتب مبين عن نفسه، أن يبدأ أول كل شيء فيفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يُقبل منه بل يُرد عليه = ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وهاأنذا قد طبقته. هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول، وهو أن يكتب مطبقا منهجه، وعلى القارئ والناقد أن يستشف هذا المنهج ويتبينه، محاولا استقصاء وجوهه الظاهرة والخفية، مما يجده مطبقا فيما كتب الكاتب)) (٢).
إن البحث عن مناهج العلماء المختلفة والوقوف عليها يقودنا إلى نفس الثمرة التي يسعى إليها الفيلسوف المنهجي ((الذي يتجاوز حدود التخصص المعين، ويستقرئ المناهج المختلفة للعلوم محاولا الاتجاه نحو التعميم، حتى يقدم لنا صورة إجمالية للمناهج التي يسلكها العقل الإنساني، للكشف عن حقيقة العلوم)) (٣).
كما أن الوقوف على مناهج العلماء والمقارنة بينها يمكن من الحصول على منهج ((متفق عليه)) لتفسير النصوص الأدبية منها وغير الأدبية، والوقوف على فهم سليم لها.
****
стр. 268
تحرير مصطلح ((منهج)) المستخدم في هذا الباب
المقصود بكلمة ((منهج)) في هذا البحث هوالمعنى العام، بدون التقيد بوصف معين لهذا المنهج (١). والمعنى العام لكلمة ((منهج)) هو: ((الخطوات المحددة لفعل شيء ما))، أوهو: ((مجموعة الخطوات المنظمة لفعل شيء ما)). وهذا هوالمعنى اللغوي الذي ذكر في المعاجم اللغوية العربية والإنجليزية الحديثة، والمعنى العام الذي ذكر في المعاجم الفلسفية المتخصصة.
[١] جاء في ((أساس البلاغة)): ((نَهَجْتُ الطريقَ: بيَّنتُه، وانتهجتُه: استبنتُه، ونهج الطريقُ وأنهج: وضح)) (٢).
[٢] وجاء في مختار الصحاح: ((المنهج والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه)) (٣).
[٣] وجاء في المعجم الوسيط: ((... المنهاج (= المنهج) الخطة المرسومة [محدثة]، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعليم ونحوهما)) (٤).
[٤] وجاء في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية: ((المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة)) (٥).
стр. 269
[٥] وفي معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: ((المنهج بوجه عام وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة)) (١).
[٦] وجاء في معجم OXFORD : معنى ((منهج (method) :
١) النظام.
٢) طريقة فعل شيء ما)) (٢).
[٧] وجاء في معجم WEBSTER : معنى ((منهج (method) :
١) طريقة لفعل أي شيء (بطريقة منظمة).
٢) نظام متبع عند تنفيذ الأشياء والأفكار)) (٣).
[٨] وجاء في معجم A DICTIONARY OF PHILOSOPHY : ((المنهج ـ بمعناه العام ـ وسيلة ما لتحقيق هدف ما، أوهوطريقة محددة لتنظيم النشاط)) (٤).
وبذلك نتبين أن المقصود بالمنهج في هذا البحث هو: الطريقة المتبعة لفعل أوتوضيح شيء ما. وأن المنهج ليس سوى ((خطوات منظمة يتبعها الباحث في معالجة الموضوعات التي يقوم بدراستها إلى أن يصل إلى نتيجة معينة)) (٥)؛ وأن ما سيقوم به الباحث خلال الصفحات التالية هوتوضيح منهج أبي العلاء والتبريزي؛ أي: طريقتهما المتبعة في شرح ديوان أبي تمام.
*******
стр. 270
الفصل الأول
منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام
ويشتمل على العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج: ((توثيق الرواية)).
ـ العنصر الثاني: توظيف قرينة السياق.
ـ العنصر الثالث: توظيف الخصائص والسمات الأساسية للبيئة اللغوية الفصيحة المستقرة في عصره.
ـ العنصر الرابع: توظيف خصائص الصنعة الشعرية
ـ العنصر الخامس: تأويل البيت كل التأويلات الممكنة في غياب القرينة المحددة لمعنى معين.
ـ العنصر السادس: الاهتمام بالجوانب الدلالية للكلمة المشروحة.
ـ العنصر السابع: الشرح بالإعراب.
ـ العنصر الثامن: دعم الشرح وتأييده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال العربية وأقوال الأدباء.
стр. 271
الفصل الأول
منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام
عناصر منهج أبي العلاء في شرح ديوان أبي تمام:
المنهج عند أبي العلاء يتلخص في جملة من العناصر الآتية:
ـ العنصر الأول من عناصر المنهج ((توثيق الرواية)):
ختم الله شرائعه بشريعة الإسلام على يد خاتم رسله محمد ﷺ . وقد أحب المسلمون نبيهم وأحبوا سنته، وحرصوا على رواية هذه السنة وتطبيقها. ومع اتساع الفتوحات، ودخول الناس في دين الله أفواجًا كثر الحاقدون على الشريعة الغراء، وكثر دس الأحاديث المكذوبة والموضوعة في السنة
المطهرة؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور ((علماء الحديث)) الذين ((اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواه، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية)) (١).
وكان نتيجة هذا التمحيص والتدقيق في مرويات الحديث النبوي ظهور علم من أجل علوم المسلمين ألا وهو علم الحديث، حرر فيه علماؤه
((القواعد لقبول الحديث، وهي قواعد هذا الفن، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطا لدينهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها دقة)) (٢).
وكان تأثير قواعد علماء الحديث على غيرهم من علماء الفنون الأخرى تأثيرا عظيما، جعل الشيخ أحمد شاكر يقول في مقدمة شرحه الباعث الحثيث: ((وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية؛ فقلدهم علماء اللغة، وعلماء الأدب، وعلماء التاريخ وغيرهم؛ فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده، كما تراه في كتب
стр. 272
المتقدمين السابقين، وطبقوا قواعد هذا العلم عند إرادة التوثق من صحة النقل في أي شيء يرجع فيه إلى النقل)) (١).
وما تأثير منهج المحدثين على أبي العلاء وتلميذه التبريزي ببعيد، فأبو العلاء توفي في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا (٤٤٩هـ) والتبريزي في بداية القرن السادس (٥١٢هـ) وهي فترة متأخرة عن بدايات الكتابة في الحديث النبوي التي بدأت على يد الإمام الشافعي (٢٠٤هـ) في كتابه الرسالة، ثم جمع الترمذي (٢٧٩هـ) بعض بحوث هذا العلم في خاتمة جامعه، ثم وضع كتاب مستقل في علم أصول الحديث على يد القاضي أبو محمد الرامهرمزي المتوفى ٣٦٠هـ (٢).
وإذا ضممنا إلى ما سبق ما أثبتناه في ترجمة أبي العلاء والتبريزي من سماعهما للحديث وروايتهما له تأكد لدينا هذا التأثر.
ويزداد تأكدنا من تأثرهما بمنهج المحدثين من خلال شرحهما، فأولى الخطوات التي قام بها أبوالعلاء في شرحه هي ((توثيق الرواية))، الذي يتمثل في ذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للبيت قيد الشرح، والتنبيه على الضعيف
منها (٣)،
والاعتماد في الرواية على الثقات والمقابلة بين المرويات، فلم يكن أبوالعلاء يكتفي بشرح البيت فقط، بل يقوم بذكر هذه الروايات المختلفة، ويحاول أن يجمع بين هذه الروايات في الشرح طالما أن المعنى العام والسياق يسمحان بذلك.
ويمكن أن نقسم هذه الروايات إلى الأقسام الآتية:
١) رواية فردية: أي ذكر رواية أخرى للفظة واحدة في البيت.
стр. 273
٢) رواية ثنائية: أي ذكر روايتين لأحد ألفاظ البيت، أولفظتين فيه.
٣) رواية ثلاثية: أي ذكر ثلاث روايات لأحد ألفاظ البيت أوللفظين، أوثلاثة ألفاظ.
٤) رواية رباعية: أي ذكر أربع روايات للفظة أوعدة ألفاظ.
٥) رواية مختلفة لمعظم ألفاظ البيت.
وذكر أبي العلاء للروايات المختلفة للأبيات التي يشرحها في أي شرح يشرحه أمر ملحوظ، حتى يمكن اعتبار هذا صفة في شروحه، فـ ((أبو العلاء أكثر الشراح ذكرا لرواية أخرى، وأكثرهم كذلك احتيالا على وجه آخر في تخريج المعنى)) (١).
وما كان لأبي العلاء أن يكون ملما بهذه الروايات المختلفة إلا إذا كان على علم ومعرفة بنسخ ديوان أبي تمام المختلفة، وهذا ما نراه في شرحه على الديوان (٢).
стр. 274
ونذكر هنا الإحصاء الآتي (١):
العدد الإجمالي لأبيات ديوان أبي تمام ... عدد الأبيات التي شرحها أبوالعلاء ... عدد الروايات الفردية ... عدد الروايات الثنائية ... عدد الروايات الثلاثية ... عدد الروايات الرباعية ... البيت بأكمله
٧٤٩٦
إذن المجموع الكلي للروايات: (١٥٨) رواية؛ أي إن أبا العلاء قام بتوثيق ما يقرب من خُمْسِ ديوان أبي تمام.
ومن الواضح أن أبا العلاء ـ في ذكره لهذه الروايات وجمعه بينها في شرحه ـ متأثر بالجو العلمي الذي خلقته البيئة الإسلامية في عصره عامة وأسلوب القراء وأهل الحديث النبوي خاصة، الذين كانوا يحرصون على توثيق الرواية عن رسول الله ﷺ وذكر كل الروايات المتعلقة بالحديث الواحد، أوكل القراءات المتعلقة بالآية الواحدة، والذين يحرصون أيضا على الجمع بين الروايات بدلا من إهمالها.
ولم يقتصر الأمر مع أبي العلاء على مجرد توثيق الرواية، بل تعداه إلى توثيق ترتيب القصائد في الديوان، وكان يعتمد في ذلك على العلماء الثقات الموثوق برأيهم. يقول أبوالعلاء عند بداية قصيدة لأبي تمام أولها:
كانَت صُروفُ الزَمانِ مِن فَرَقِكْ ... وَاِكتَنَّ أَهلُ الإِعدامِ في وَرَقِكْ [بحر المنسرح]
((وهذه القصيدة أثبتت في القافيات؛ ورأي العلماء المتقدمين الذين يوثق بهم أن تجعل في الكافيات، وإنما صيرها على (القاف) قوم متأخرون في زمان الصولي وطبقته)) (٢).
стр. 275
وتعدى الأمر إلى توثيق من يعتمد عليهم عند شرح الألفاظ، قال أبوالعلاء: ((شُبَانة: اسم لم يذكر أهل اللغة الموثوق بهم له اشتقاقا)) (١).
وما قام به أبو العلاء في شرحه أمر استقر عليه علماء المناهج، إذ قرروا أنه ((من الضروري للباحث في التاريخ أن يتحرى نصوص هذه الأصول، ويتثبت من حرفية ألفاظها وعباراتها المخطوط منها والمطبوع، قبل أن يستخدم المعلومات الواردة بها)) (٢).
*****
ـ العنصر الثاني من عناصر المنهج توظيف قرينة (٣) السياق:
الاحتفاء بالقرائن أمر اعتنى به العلماء على اختلاف مشاربهم، من فقهاء، ومفسرين، وأصوليين، وبلاغيين، ونحويين.
فنجد الفقهاء مثلا يقررون قاعدة ((إذا قويت القرائن قدمت على الأصل))، بمعنى ((أن القرائن التي تحتف بالأحكام قد تقوى؛ فتقدم على الأصل)) (٤).
ونجد من بين المفسرين من يقول: ((إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلاف مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته)) (٥).
стр. 276
وعند الأصوليين نجد الشافعي في رسالته عند حديثه عن الاجتهاد وأدلته ما يستفاد منه اهتمامه بالقرائن القرائن العقلية وإيضاحه أن الله ((نصب لنا من العلامات والدلائل ما يعين على معرفة ما خفي)) (١).
وللبلاغيين كلام طويل عن القرائن يؤكدون فيه أنه ((ليس للسامع أن يفهم المعنى المجازي ويعدل عن الحقيقة إلا إذا تبين له أن القائل قد نصب قرينة تصرف اللفظ عن أصله)) (٢).
ومن النحويين الأفذاذ من وضع نظرية للقرائن وقام بتقسيمها إلى القرائن المادية، والقرائن العقلية، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالية (معنوية / لفظية)، وحالية (٣).
ويمثل أبو العلاء النموذج الأدبي الذي اعتمد على القرائن في شرحه، فقد اعتمد على قرينة السياق؛ وقد كانت الوسيلة الأنجع لبيان ما غمَض من شعر أبي تمام؛ فقد استخدم هذه القرينة في ستة ومائتين موضعًا (٢٠٦)، من مجموع ثلاثين وثمانمائة بيتا (٨٣٠) شرحها أبوالعلاء (؛ أي: بنسبة ٢٥ ? تقريبا).
ويمكن أن نُصَنِّفَ القرائن المستخدمة في تلك المواضع إلى نوعين من قرينة السياق:
١) مجموعة مواضع يمكن أن نضعها تحت عنوان: ((قرينة السياق اللغوي Linguistic Context)) ، أو ((قرينة السياق الداخلي للحدث اللغوي Verbal Context)) .
стр. 277
٢) ومجموعة المواضع الأخرى تحت عنوان ((سياق الحال))، أو ((السياق الاجتماعي)) أو ((السياق الثقافي))، أو ((السياق غير اللغوي))، أو ((السياق المقامي Context of Situation)) (١) .
ويمكن أن نضع تحت قرينة السياق اللغوي مجموعة من القرائن الفرعية التي قام البحث باستخلاصها وتصنيفها وهي:
١) القرينة النحوية.
٢) القرينة الصرفية.
стр. 278
٣) القرينة العروضية.
٤) القرينة الصوتية.
٥) قرينة استعمال الشاعر.
٦) قرينة الصنعة الشعرية.
٧) قرينة الاستعمال اللغوي.
٨) قرينة التناص.
٩) القرينة البلاغية.
ويمكن أن نضع تحت قرينة سياق الحال القرائن الفرعية الآتية:
١) القرينة الشرعية.
٢) القرينة الثقافية.
٣) القرينة الطبيعية.
٤) القرينة العقلية.
قرينة السياق اللغوي عند أبي العلاء:
استخدم أبوالعلاء قرينة السياق في شرحه، وقد بلغ عدد المرات التي استخدم فيها هذه القرينة ـ بدون تصريح أوإشارة إلى أية نواح صرفية أونحوية أوعروضية ـ أربعين موضعا.
في بعض هذه المواضع كان يذكر المعنى مباشرة بدون ذكره القرينة:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَحَيَّرَ في آرامِها الحُسنُ فَاغتَدَت ... قَرارَةَ مَن يُصبي وَنُجعَةَ مَن يَصبو [بحر الطويل]
((معنى ((تَحَيَّرَ)) في هذا الموضع أقام)) (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَمُّ التَّواضُعِ وَالدُّنيا بِسُؤدُدِهِ ... تَكادُ تَهتَزُّ مِن أَطرافِها صَلَفا [بحر البسيط]
((((الصلف)): قلة الخير، وهوهاهنا التيه)) (٢).
стр. 279
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام عند رثائه خالد بن يزيد الشيباني:
أَلَم يَكُ أَقتَلَهُم لِلأُسودِ ... صَبرًا وَأَوهَبَهُم لِلظِّباءِ [بحر المتقارب]
((قولهم ((صبرا))؛ أي: يصابرهم في الحرب حتى يقتلهم، وليس هو من قولهم قتل فلان صبرا، إذا قدم فضُربت عنقه في غير الحرب)) (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
وَالفَتى مَن تَعَرَّقَتهُ اللَّيالي ... وَالفَيافي كَالحَيَّةِ النَّضناضِ [بحر الخفيف]
((قوله ((والفتي)): كلام محمول على حذف، كأنه قال: الفتي المحمود)) (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
كُلوا الصَّبرَ غَضًّا وَاشرَبوهُ فَإِنَّكُم ... أَثَرتُم بَعيرَ الظُّلمِ وَالظُّلمُ بارِكُ [بحر الطويل]
((أراد ((بالصبر)): عصارة شجرة مُرَّةً)) (٣).
وفي بعض الأحيان ينص أبوالعلاء على استخدامه للسياق اللغوي الذي يسميه ((الغرض))، و ((المعنى)).
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لي عَبرَةٌ في الخَدِّ سا ... ئِرَةٌ وَبَيتٌ سائِرُ [بحر: مجزوء الكامل]
((يعني بـ ((بيت)) هاهنا أبياتا كثيرة؛ لأنه شائع في الجنس، (...) وقد يمكن أن يعني بـ ((بيت سائر)) بيتا واحدا على منهاج الكلام، ولكن الشاعر لم يرد ذلك، ,إنما يرجع إلى الغرض لا ظاهر اللفظ)) (٤).
стр. 280
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام يمدح الواثق:
أَحذاكَها صَنَعُ اللِسانِ يَمُدُّهُ ... جَفرٌ إِذا نَضَبَ الكَلامُ مَعينُ [بحر الكامل]
((... ((والجفر)) بئر واسعة الفم، يقول بعضهم إنها تكون غير مطوية، وهي مع ذلك قليلة الماء، وقد ذكرها هاهنا في معنى يدل على الغزارة)) (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ ... نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَونَثرٌ مِنَ الخُطَبِ [بحر البسيط]
((والأبين في غرض الشاعر أن يكون ((فتح الفتوح)) منصوبا مبينا لقوله ما حل بالأوثان (٢))) (٣).
ـ وقال عند قول أبي تمام يمدح المعتصم بالله ويذكر حريق عمورية وفتحها:
ما رَبعُ مَيَّةَ مَعمورًا يُطيفُ بِهِ ... غَيلانُ أَبهى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ [بحر البسيط]
((وفي بيت الطائي حذف يدل عليه المعنى (...) فكأن المعنى: ((ما ربع مية في نفس غيلان أبهى من هذا الربع الخَرِب في أعين المسلمين)))) (٤).
وهناك الكثير من تلك القرينة السياقية الخالصة (٥).
стр. 281
• مواضع استخدام القرينة النحوية:
اعتمد أبوالعلاء على القرينة النحوية كقرينة سياق لغوي، وكان عدد مرات اعتماده على هذه القرينة اثنتي عشرة مرة.
ومن ذلك قول أبي العلاء عند قول أبي تمام:
أَطَلَّ عَلى كُلَى الآفاقِ حَتّى ... كَأَنَّ الأَرضَ في عَينَيهِ دارُ [بحر الوافر]
((... ومن روى ((كِلا الآفاقِ))، بكسر الكاف، وهويريد كل الآفاق فروايته خطأ؛ لأن ((كلا)) يستعمل للاثنين لا للجمع، ولم يأت في المسموع كلا القوم، ولا كلا الأصحاب، وإنما يقال: كلا الرجلين، وكلا الفرسين)) (١).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
تَرى حَبلَهُ غَرثانَ مِن كُلِّ غَدرَةٍ ... إِذا نُصِبَت تَحتَ الحِبالِ الحَبائِلُ [بحر الطويل]
((... ومن أنشد ((عُرْيَان)) فهو جدير بالتصحيف؛ لأن ((الغَرْث)) أحسن في الاستعارة هاهنا من ((العري))؛ ولأن ((عريانًا)) يجب أن يصرف إذ كان لا مانع له من الصرف)) (٢).
وفي النص السابق إشارة مهمة إلى كيفية استغلال العلامة الإعرابية في رد الرواية المصحفة، وبذلك يقدم أبو العلاء استخداما آخر للعلامة الإعرابية، غير كونها كاشفة عن المعاني ومميزة بينها، ألا وهو إمكانية استخدامها كأداة للحفاظ على النص من التحريف.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
стр. 282
وَكَأَنَّما آثارُها مِن مُزنَةٍ ... بِالميثِ وَالوَهَداتِ وَالأَخيافِ [بحر الكامل]
((... ومن روى ((مُزْنِه)) على الجمع فهي رواية ضعيفة؛ لأن قوله ((آثارها)) تشهد بتوحيد ((مُزْنَةٍ)))) (١).
اعتمد أبو العلاء هنا على إحدى القرائن اللفظية وهي الربط بالضمير العائد الذي تبدو فيه المطابقة على متأخر لفظا.
****
• مواضع استخدام القرينة الصرفية:
وقد استخدمها أبوالعلاء في اثني عشر موضعا، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
لَقَد أَخَذَت مِن دارِ ماوِيَّةَ الحُقبُ ... أَنُحلُ المَغاني لِلبِلى هِيَ أَم نَهبُ [بحر الطويل]
((الحُقْب: الدهر، واختلفوا في تفسيره، فقالوا ثلاثون سنة، وقالوا ثمانون (...) والصحيح أن الحقب برهة طويلة لا حد لها، وأُنِّثَ على معنى البرهة والمدة؛ لأن تذكير الحُقب غير حقيقي، وهذا أوجه من أن يقال الحقب جمع حِقبة؛ إذا أراد بها السنة؛ لأن ((فِعْلَة)) قلما تجمع على ((فُعْل)))) (٢).
والقرينة الصرفية التي لجأ أبو العلاء هنا يمكن أن نسميها بقرينة الاستعمال الصرفي؛ فهو لم يلجأ لقرينة صرفية من داخل بنية الكلمة لتحديد معناها بل لجأ للاستعمال الصرفي لتحديد المعنى المناسب والأوجه.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
خَفَّت دُموعُكَ في إِثرِ الحَبيبِ لَدُن ... خَفَّت مِنَ الكُثُبِ القُضبانُ وَالكُثُبُ [بحر البسيط]
стр. 283
((.. أصل ((الخفوف)) من قولهم: خَفَّ القوم؛ إذا تحركوا، وهوراجع إلى الخفة التي هي ضد الثقل، إلا أنهم يفرقون بالمصادر بين الأفعال التي أصلها واحد في الاشتقاق؛ فيقولون: خَفَّ الشيء خِفَّةً، إذا كان خفيف الزِّنَة، وخَفَّ القوم خفوفا إذا ارتحلوا، وخف في حاجته؛ إذا أسرع)) (١).
وعبارة أبو العلاء ((يفرقون بالمصادر بين ....))، إشارة إلى أسلوب اللغويين في شرح معاني الألفاظ، حيث درجوا على ذكر مصدر الفعل بعد الفعل ليكون هذا وسيلة لتحديد لمعناه، ورفع الالتباس عنه إذا اشترك معه فعل آخر في أصل الاشتقاق مثلما أشار أبو العلاء هنا.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ضَمِنَت لَهُ أَعجاسُها وَتَكَفَّلَت ... أَوتارُها أَن تُنقَضَ الأَوتارُ [بحر الكامل]
((... و ((الأعجاس)): جمع عَجْس، وهوحيث يقبض الرامي من القوس، يقال: عَجْسٌ، وعِجْس، وعُجْس، والأحسن أن يكون أعجاس جمع عِجْس بكسر العين أوعُجْس بالضم؛ لأن ((فَعْلا)) لا يجمع على أفعال كثيرا)) (٢).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
ما سَرَّني بِخِداجِها مِن حُجَّةٍ ... ما بَينَ أَندَلُسٍ إِلى صَنعاءِ [بحر الكامل]
((... يقال: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها ناقصَ الخَلْق، وإن كانت شهورها تامة، وخدجت إذا ألقته لغير تمام، وقال قوم: خدجت وأخدجت سواء؛ وهذا القول أشبه بكلامهم؛ لأن فَعَلَ وأفعل يشتركان كثيرا. و ((الأندلس)) بناء مستنكر إن فتحت الدال وإن ضمت، وإذا حملت على قياس التصريف، وأجريت مجرى غيرها من العربي فوزنها ((فَعْلَلُلُ))،وهذا بناء مستنكر، ليس في كلامهم مثل ((سَفْرَجَل)) ولا
стр. 284
((سَفْرَجُل))، فإن ادعى مدع أنها ((فَنْعَلُل)) فقد خرج من حكم التصريف؛ لأن الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف من الأصول لم تكن إلا زائدة)) (١).
لكن في العربية ((فَيْعَلُول)) لا يمتنع أن تختلس مدته هكذا ((فَيْعَلُل))؛ فتكون أندلس معربة على هذا الوجه، ولا يدعي أحد أنها غير عربية.
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِذا غازَلَ الرَوضُ الغَزالَةَ نُشِّرَت ... زَرابِيُّ في أَكنافِهِم وَدَرانِكُ [بحر الطويل]
((... ((الزرابي)) جاء ذكرها في القرآن، وهي الطنافس ونحوها، وأجدر بأن تكون عربية الأصل)) (٢).
وحكم أبي العلاء بجدارة لفظة طنافس بأن تكون عربية الأصل لابد أن يكون ناتجا عن قياس ذهني قام به لألفاظ مشابهة في اللغة العربية، وإلا ما ساغ له أن يطلق هذا الحكم وهنا يبرز أهمية التعمق في دراسة اللغة التي تحدثنا عنها في الباب الأول.
****
• مواضع استخدام القرينة العروضية:
وقد استخدم أبوالعلاء هذه القرينة في أربعة عشر موضعا، ومن ذلك:
ـ قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
جَديرٌ بِأَن يَستَحيِيَ اللَهَ بادِيًا ... بِهِ ثُمَّ يَستَحيي النَّدى وَيُراقِبُه [بحر الطويل]
((و ((يستحيي)) الثانية رفعها لمكان القافية؛ ولأنه لا يمكن فيها غير ذلك، ولوجعلها في موضع نصب لكان قد أسكن الياء في موضع التحريك وذلك ردىء، والكوفيون
стр. 285
يرون أن الناصب إذا لم يصحب الفعل فرفعه جائز، ورفعه يستحيي أوكد لرفع
((يراقبه))؛ لأن المرفوع يكون تابعا لمثله)) (١).
هذا الاقتباس أعمل فيه أبو العلاء ثلاثة قرائن: قرينة صوتية، ونحوية، وعروضية.
أـ فأما القرينة الصوتية فعدم ظهور الضمة على آخر ((يستحيي)) لـ ((الثقل)) الذي يُعنى ((به في النحو مانع من موانع ظهور الحركة الإعرابية على آخر الكلمة وذلك في الكلمات التي آخرها ياء لازمة مكسور ما قبلها، إذ لا تظهر الضمة ولا الكسرة على هذه الياء نظرا لثقل النطق بهما)) (٢). مما يفسح المجال لاحتمال وضع الفتحة.
ب ـ والقرينة النحوية تتمثل في العلامة الإعرابية، فعدم وجود الفتحة نفسها على الياء الثانية، مع إمكانية ظهورها يؤكد أن الكلمة في حالة رفع.
ج ـ وأما القرينة العروضية فهي ((مكان القافية)) التي أوجبت ((رفع يسحيي)) كما قال أبو العلاء.
والنص السابق أيضا يعطينا لمحة من أبي العلاء عن سلطان القافية في البيت الشعري وأنها مع الوزن لهما ((دور فعال في صياغة الجملة)) (٣).
ـ وقال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
أَوما تَراها ما تَراها هِزَّةً ... تَشأى العُيونَ تَعَجرُفًا وَذَميلا [بحر الكامل]
((.. ومن روى ((تَشأى العُيونَ أولقًا))؛ صار في البيت زحافٌ يكره، وهوالذي يسمى الوقص (٤))) (٥).