← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومما استدل به الجمهور أيضا، ما ورد في بعض روايات حديث المسيء صلاته، وفيها (ثم أقرا بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ) (١) وسبق أن كل ما ورد فيه فإنّه يدل على الفرضية. تنبيه: يذكر الفقهاء احتمالًا وهو كون آية المزمل قد نزلت قبل سورة الفاتحة؛ لأنّها نزلت بمكة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] استدل بالآية من قال بأن قراءة القرآن بغير العربية لا تجوز، وهو قول الجمهور، خلافًا لما نُقل عن أبي حنيفة، ونقل أنّه رجع عنه. ومأخذ الحكم: لعل من المآخذ كونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: (إنا أنزلناه ليقرأ بالعربية). أو يكون من المآخذ مفهوم الصفة في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فتدل على أن غير العربي لا يسمى قرآنا، ولا تصح الصلاة بغير القرآن. قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] يستدل بها على أن المسألة السابقة وهي: عدم جواز القراءة بغير العربية. ومأخذ الحكم: وصف المولى القرآن الذي انزله بكونه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ حيث قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. ومفهوم وصفه بأنّه (عربي) يدل على أن غير العرب لا يسمى قرآنًا، وما ليس بقرآن لا تصح الصلاة به.

стр. 142

قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] الترتيل في القراءة هو: التأني فيها والتمهل وتبين الحروف والحركات. واختلف العلماء في حكمه، فذهب الجمهور إلى استحبابه ونقل الإجماع على ذلك. وقيل: بالوجوب. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿وَرَتِّلِ﴾، والأصل فيه أنّه للوجوب، وأجرى من قال بالوجوب الأمر على إطلاقه، وأكدّ الأمر للوجوب بالتّأكيد الوارد في الآية بقوله ﴿تَرْتِيلًا﴾. وذهب الجمهور هنا إلى أن تأكيد الأمر بالتّرتيل إنّما هو لإفادة تحقيق صفة الترتيل. وصرفوا الأمر من الوجوب بصوارف منها: (١) كون الإجماع وقع على كونه مستحبًا، وقد نقل البعض الإجماع على ذلك. (٢) كون الترتيل من باب الكمالات، فحملوها على الآداب فهو من آداب التّلاوة، والحمل على مكارم الأخلاق والآداب يعتبر صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب عند كثير من العلماء. (٣) لم يذكر الترتيل في حديث المسيء صلاته، وهو في مقام التعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ ذلك. فائدة: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني «استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنّما الذي يكره الهذ، وهو: الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها» (١) وقال أيضا: «والتّحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يُخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات،

стр. 143

فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإنّ من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثمَّنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس» (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: عدم جواز الكلام في الصّلاة. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بالإنصات في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات هو السّكوت، والأمر يقتضي الوجوب، وقد نقل الإجماع على كون الآية في الصّلاة الإمام أحمد وغيره (٢). وقيل: في خطبة الجمعة أيضا. يدل عليهما سبب نزول الآية. ويمكن القول بأن الآية دلت على عدم جواز الكلام، ووجوب السكوت بالأمر في قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ وبالاستلزام من الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ لأنّه يلزم من الاستماع السكوت. • الحكم الثاني: الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام. وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول: عدم جواز القراءة مطلقًا، لا الفاتحة ولا غيرها، سواء كان في الجهرية، أو السّرية، وهو مذهب الحنفية.

стр. 144

الثاني: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به، أي: في السّريّة دون الجهرية، وهو مذهب المالكية والحنابلة. الثالث: أن يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها، ويقرأ فيما جهر الفاتحة فقط، وهو مذهب الشافعي في الجديد والظّاهرية. وكل واحد منهم استدل بالآية. أمّا الفريق الأول: فقالوا: بعدم جواز القراءة مطلقًا، أمّا في حالة الجهر، فظاهر لوجود القراءة المأمور بالاستماع لها والإنصات، والأمر يقتضي الوجوب، وهو نهي عن ضده، وضد الإنصات القراءة، فتكون القراءة منهيًا عنها؛ لأنّه يلزم من الاستماع عدم القراءة. أمّا في حالة الإسرار فعموم اللفظ، فهو يعم الأحوال، أي: سواء كان في حال الجهر، أو الإسرار فعلينا السكوت فبعموم القراءة، فالقراءة موجودة من الإمام وعلينا السكوت سمعناها أو لم نسمعها، وقد يكون مأخذه مفهوم الشّرط مع عموم اللفظ. أمّا أصحاب القول الثّاني: فقالوا: الأمر في الآية بالاستماع، ولا يتحقق إلّا إذا كان مجهورًا به، وهذا لا يكون إلّا في صلاة الجهر؛ لأنّ السّر لا يستمع إليه. قال ابن قدامة: «وهي مختصة بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس من القراءة فيها، يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها» (١). أمّا أصحاب القول الثالث: القائلون أنّه يقرأ فيما أسر الفاتحة وغيرها، وفيما

стр. 145

جهر الفاتحة فقط. فخصصوا الفاتحة من عموم الآية بالسّنة، وقد ورد في الصّحيح قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرا بأمّ القرآن) (١). وأدل منه ما رواه عبادة بن الصّامت (أن النّبي ﷺ صلى الصبح، فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم» قال:، قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) (٢). وأيدوا وجوب القراءة في السرية والجهرية بلحاق الآية حيث قال سبحانه بعدها ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال ابن حزم: «وتمام الآية حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤ - ٢٠٥] قال علي: فإن كان أول الآية في الصّلاة فآخرها في الصّلاة؛ وإن كان آخرها ليس في الصّلاة فأولها ليس في الصّلاة؛ وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًا وترك الجهر فقط» (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] اختلف العلماء في المراد بالصّلاة هنا، هل هي عين العبادة المعروفة أو الدعاء، وقال بكل قول قوم.

стр. 146

ومأخذ الحكم وسبب الخلاف فيه: ورود الاسم الشّرعي، وهو الصّلاة هنا في سياق النهي، وعند كثير من الأصوليين أنّه إن ورد في سياق النهي فإنّه مجمل، بخلاف ما لو ورد في سياق إثبات أو أمر فإنّه ينصرف إلى الصّلاة المعهودة المعروفة الشرعية، ولا يحمل على المعنى اللغوي، وهو الدعاء هنا. ولما كان اللفظ عند البعض مجملًا تلمس كل قوم ما يؤيد ما ذهب إليه بأدلة أخرى. فمن قال: بأنّها نزلت في القراءة بالصّلاة الشّرعية المعروفة أيدّ قوله بسبب نزول الآية، وقد روى الشيخان من حديث ابن عباس أنها نزلت في القراءة في الصّلاة (١). وعليه فاستنبط العلماء استحباب التوسط في القراءة في الصّلاة الجهرية بين المبالغة في رفع الصوت والإسرار. وأيدوا قولهم بتفسير الصّحابي، وهو حجة، وقد فسّر ابن عباس الآية بذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: لا تعلن الصّوت بقراءة القرآن إعلانًا شديدًا، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لا تخفض صوتك حتى لا تسمع أذنيك. أمّا من قال: بأن المراد بالصّلاة هنا المعنى اللغوي، وهو الدعاء، فأيدوا قولهم بسبب النزول - كذلك- وقد أخرج البخاري عن عائشة أنها نزلت في الدعاء (٢)، وزاد ابن جرير في رواية في التشهد (٣).

стр. 147

تنبيه: إذا قال الصحابي نزلت الآية في كذا فهل لها حكم الرفع؟ ويترتب على ذلك وقوع التعارض وكيف يدفع؟ يفرق بعض العلماء بين الصيغ الصريحة لأسباب النزول وغيرها، وما كان من الصيغ الصّريحة فإنّ له حكم الرّفع. ومن الصيغ الصّريحة، إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يأتي بالفاء التعقيبية، كأن يقول حديث كذا، أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا، فنزلت الآية. ومن الصيغ المحتملة، قول الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، فهذا يراد به تارة أنّه سبب النزول، وتارة أنّه داخل في معنى الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول عني بهذه الآية كذا. ذكر ذلك شيخ الإسلام ثم قال: «وقد تنازع العلماء في قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه … » (١). وقال الزركشي في البرهان: «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين، أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند، وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع» (٢).

стр. 148

قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] استدل بالآية الكريمة على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب القيام في الصلاة لمن استطاعه باتفاق. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بقوله: ﴿وَقُومُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب. المأخذ الثاني: ذهب الحنابلة إلى الأمر بالصفة على سبيل الندب (وهو هنا الأمر بالقيام على صفة القنوت والخشوع) فالأمر بالصفة على سبيل الندب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، والفعل التي فيه الصفة هو القيام، فيكون واجبًا. أمّا الشافعية فعندهم أن الأمر بالصفة على سبيل الندب لا يمكن الاستناد إليه في إيجاب الفعل التي هي فيه فقد يكون واجبًا أو مندوبًا. • الحكم الثاني: تحريم الكلام بالصّلاة. ومأخذ الحكم: ورد الأمر بالقيام لله قانتاً، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ثمّ إنّ هذا النهي ورد بعد إباحة شرعية فيكون كالنّهي المطلق بلا خلاف، فهو للتّحريم. يدل على النهي والتحريم سبب نزول الآية، كما في حديث زيد بن ابي الأرقم (كنا نتكلم في الصّلاة فيكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه بالصّلاة فنزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] استدل بالآية على أن المرأة تخفض صوتها بحضرة الرجال الأجانب، وإن نابها شيء في الصلاة صفقت.

стр. 149

قال الجصاص: « … والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال» (١). وقال السيوطي: «فيه استحباب خفض المرأة صوتها» (٢). مأخذ الحكم: النهي يقتضي المنع، وهو أمر بضده وهو استحباب خفضه، والله أعلم. ومأخذ آخر: كونه من تفسير السلف، ومنه قول التابعين، وورد عن السدي قوله: «لا ترفعن بالقول» (٣) وقد تكلم المرداودي في التحبير عن الخلاف في حجية قول التابعي، نقل عن الإمام أحمد: «لا يكاد يجيء عن التابعين إلا يوجد عن الصحابة»، ثم نقل عن ابن تيمية قوله: «كلام أحمد يعم تفسيره وغيره». قلت: وذلك لأن العلماء لا يزالون يحتجون بقولهم في التفسير، وهم في التفسير أوثق (٤). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: وجوب الصّلاة، وقد سبق ذلك. ومأخذ الحكم: كونه من إطلاق الجزء وإرادة الكل، فعبر عن الصلاة بجزئها، وهو الركوع والسجود؛ لكونهما أعظم أركانها، فكان ذكرهما جاريًا مجرى ذكر الصّلاة، وكأنه قال: صلوا الصّلاة التي شرعها لكم.

стр. 150

• الحكم الثاني: كون الركوع والسجود ركنين من أركان الصّلاة، وهذا أمر متفق عليه. ومأخذ الفرضية والركنية: الأمر الوارد بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. • الحكم الثالث: الخلاف في تحديد ما يفترض على المصلي السجود عليه من أعضائه السّبعة. أمّا الحنفية: فجعلوا الفرض، وضع الوجه على الأرض، والمراد بالوجه: الجبهة أو الأنف وما عداهما سنة، ورجح بعضهم أن وضع اليدين والركبتين والقدمين واجب. ومأخذهم: أن الأمر في قوله: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ متعلق بالسجود مطلقًا، من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد؛ لما سبق من أنّه زيادة على النّص فلا يجوز. أمّا المالكية: فيرون وجوب السجود على الجبهة في تحصيل الفرض. ومأخذهم: أولًا حديث الأعرابي، وقد جعلوه معيارًا لتحديد الفروض والأركان، ومنه قوله ﷺ (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض) (١). ثانيًا: هذا الحديث مبين للقرآن، ولا خلاف في كون السنة مبينة للقرآن. ثالثا: لعله من باب الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الواجب، فأقل ما ينطلق عليه كونه ساجدًا، وهو وضع جبهته على الأرض.

стр. 151

أمّا الشافعية: فمذهبهم وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة إلا الأنف، استدلالاً بالسنة من قوله ﷺ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: اليدين والركبتين والقدمين والجبهة) (١). وكذا الحنابلة إلّا أنّهم يرون الأنف والجبهة عضوًا واحدًا. والأمر وما تصرف منه من ألفاظ الوجوب، وهذه من دلالات السنة وليست من القرآن. أو يقال: إنّ السّنة بينت الإطلاق في السّجود الوارد في القرآن. • الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على حكم الطمأنينة في أفعال الصّلاة. والطمأنينة هي: السكون بقدر الذكر الواجب، فذهب الحنفية إلى كونه واجبًا وليست بفرض. ومأخذهم: أن الفرض إنّما يثبت بالدّليل القاطع، وأمّا الطمأنينة فقد ثبتت بخبر الواحد، كما في حديث المسيء (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) (٢). وهذه زيادة على نص كتاب الله، ولا تجوز الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنّه حينئذ يكون ناسخًا لكتاب الله، ولا يصلح أن يكون ناسخًا. وقالوا: يصلح أن يكون مكملًا فنحمل أمره بالإعادة والطمأنينة على الوجوب، ونفيه للصّلاة في قوله: (فإنّك لم تصل) (٣) على نفي الكمال. أمّا مذهب جمهور أهل العلم، فعلى كون الطمأنينة ركنًا؛ لحديث المسيء

стр. 152

صلاته وغيره من الأحاديث، والأوامر تحمل على الوجوب والفرضية. كما أن قوله ﷺ (ارجع فصل، فإنّك لم تصل) دليل على نفي الصّحة والإجزاء. ولما رأى حذيفة ﵁ رجلاً يصلي ولا يتم الركوع ولا السجود فقال له: (ما صليت، ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ (١). • الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز الائتمام بالإمام الذي تنقل صلاته عن طريق المذياع (٢). مأخذ الحكم: بناء على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد. وبيانه: أن الأمر بالصلاة مطلق غير مقيد بمكان واحد يجتمع فيه، والصّلاة مع الإمام عبر التلفاز متحققة، فتدخل في الإطلاق المذكور في الأمر. ويمكن مناقشة ما سبق، بأنّ الأصل حمل كلام الشارع على المعهود، وقت نزول الخطاب، ولا شك أن المعهود هو الاجتماع في مكان واحدٍ مع الإمام حقيقة، ولا سيما أن من مقاصد الصّلاة الاجتماع لها، وكل ما خالف مقصود العبادة فهو باطل. يقول الشيخ العثيمين: «لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأنّ صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلا بدّ أن تكون في موضعٍ واحدٍ، أو تتّصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما،

стр. 153

وذلك لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كلّ واحدٍ أن يصلّي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضًا، وهذا منافٍ لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحلّ للنساء ولا لغيرهنّ أنْ يصلّي أحدٌ منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز» (١). كما أن الصلاة قد تقع على أحوال لا تصح معها صلاته عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفرداً خلف الصف مع إمكان دخوله في صفّ لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين (٢). • الحكم السادس: استدل بالآية من قال بعدم جواز الصّلاة بالنّظارة (٣)، إن أدّى إلى منع تمكين الأعضاء من السجود على الأرض، ومثلها بعض القبعات. وبيانه: السجود فرض من فروض الصّلاة بلا خلاف، وإنّما الخلاف في كيفية تمكين أعضاء السجود على الأرض (٤)، إن كان قادرًا عليه (٥)، ولا شك أن المصلي قادر على خلع النظارة لتمكين نفسه من السجود.

стр. 154

قال الشيخ محمّد صالح العثيمين ﵀: «أمّا بالنّسبة للنّظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض، فإنّ السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين، وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» (١). مأخذ الحكم: يخرّج الحكم على قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، ولما كان تمكين أعضاء السجود واجبًا، ولا يتمّ إلّا بإزالة ما يمنع من ذلك، فكان إزالة ما يمنع ذلك واجبًا، فيجب نزع النظارة، إن كانت تمنع تمكين الجبهة أو الأنف من الأرض. تنبيه: يأخذ حكم ما سبق العقال، وبعض القبعات، وكل ما يمنع من تمكين الجبهة على الأرض، وكذا الفرش التي تحول دون تمكين الجبهة من السجود (٢). قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الآية استدل بالآية من قال بمشروعية التّسبيح في الركوع. مأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر أنّه قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ (اجعلوها في ركوعكم) (٣).

стр. 155

فتمسك القائلون بالوجوب بالأمر الوارد في الآية على الوجوب، وهو مذهب الحنابلة، ويؤيده أنّ هذا من فعله ﷺ ، وقد أمرنا أن نصلي كما صلى. وصرفه الجمهور من المالكية والشافعية إلى الاستحباب، بحديث المسيء صلاته، حيث لم يعلمه النبي ﷺ التسبيح في صلاته، ولو كان واجبًا لبينه؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. كما أنّه لم يواظب ﵊ على التسبيح في الركوع بلفظ معين، والمواظبة طريق من طرق إثبات الواجبات. ومن الأدلة على عدم مواظبته على التّسبيح قوله ﷺ (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) (١) وغير ذلك كقوله ﷺ (فأما الركوع: فعظموا فيه الرّب ، وأمّا السّجود: فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) (٢) ولم يحد في ذلك حدًّاً معينًا. قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] استدل بالآية من قال بمشروعية التسبيح في السّجود. مأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ ( … فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم) (٣). وفي الآية أمرٌ بقوله: ﴿سَبِّحِ﴾ واختلف هل هو على أصله للوجوب، أو أنّه مصروف إلى النّدب، وما قيل في الآية السابقة يقال هنا.

стр. 156

باب صلاة التّطوع قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] التهجد: التيقظ بعد نومة من الليل. وقد اختلف العلماء في قيام الليل في حق النّبي ﷺ أكان فرضًا عليه أم لا؟ ومأخذ الخلاف: في معنى (النافلة) في قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ بعد الاتفاق على أن معناها اللغوي الزيادة. فقيل: المعنى في الآية ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: فريضة زائدة على ما فُرض على الأمة، وعليه فيكون قيام الليل في حقه واجبًا. ثم اختلفوا في كونه منسوخًا كما سيأتي في آية المزمل، وهؤلاء أيدّوا قولهم بالوجوب بظاهر الأمر في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ وقوله في آية المزمل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقالوا: لو كان المراد بالنّافلة في الآية التطوع لم يخصه بكونه نافلة له؛ لأنّ التطوع له ولأمته. ومن قال بأنّ التهجد مندوب إليه، حمل معنى (النافلة) على النّدب، وقالوا هي حقيقة فيه، وهي من مرادفاته، وجعلوا هذه اللفظة صارفة للأمر الوارد في الآية إلى النّدب؛ لأنّ الفريضة لا تُسمى ندبًا. وأجابوا عن قولهم: لو كان المراد بالنّافلة التطوع لم يخصه الله سبحانه بذلك. فقالوا: إنّ تخصيص الرسول ﷺ بذلك؛ لأنّه ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما يعمله يكون نافلة، أي: زيادة في ثوابه وأجره، وهذا بخلاف غيره من الأمة؛ إذ إنّ النوافل تكون مكفرة وجابرة لما يحصل في الفرض من الخلل والنقص فهذا سرّ التّخصيص.

стр. 157

قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] استدل بها جمهور أهل العلم على استحباب التنفل بالليل. ومأخذ الحكم: مدح المولى كما في سياق الآية فعلهم، ولا خلاف بين العلماء في أن المدح للفعل أو فاعله دائر بين الوجوب والنّدب. ومعلوم أنّه لا واجب من الصّلوات إلّا الخمس، فبقي النّدب. قال القرطبي: «وفي الصّلاة التي تتجافى جنوبهم لأجلها أربعة أقوال: أحدها: التّنفل بالليل، قاله الجمهور من المفسرين وعليه أكثر النّاس، وهو الذي فيه المدح … » (١). قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] استدل العلماء بالآية على استحباب القنوت بجميع ما تحمله من معنى، ومنها: وهو المراد هنا طول القيام، وقيل: الخشوع. ومأخذ الحكم هنا: ورود الصّفة في سياق المدح والثناء، وهو كما سبق يدل على المشروعية، وكون الفعل دائرًا بين الوجوب والنّدب. كما أن الآية دلت على نفي المساواة بين القانت لله والمطيع له وبين الكافر العاصي، بالاستفهام الاستنكاري بقوله: ﴿أَمَّنْ﴾. وسياق الآية قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية.

стр. 158

يقول الزمخشري: «﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه، وهو جرى ذكر الكافر قبله. وقوله بعده ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ومعلوم أنّ نفي الاستواء بين الشيئين يقتضي نفي الاستواء من جميع الوجوه التي يمكن أن يدخلها النّفي (١). قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٤] وقوله تعالى: في آخر السورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] اختلف العلماء في الأمر بقيام الليل في هذه الآية هل هو للوجوب أو النّدب؟ فذهب الجمهور إلى أن قيام الليل واجب على النبي ﷺ . ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾. ثم اختلف هؤلاء على هذا الحكم باقٍ أو أنّه منسوخ؟ ومن قال بالنّسخ جعل الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]. وورد عن عائشة ﵂ قولها: (فإنّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السّورة، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولًا، وأمسك خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة) (٢).

стр. 159

أي: للنّبي ﷺ وأصحابه. أمّا القائلون بأن قيام الليل مندوب إليه، فإن كان قائلًا من قبل بالوجوب، فمأخذ الندب عنده: هو النّسخ السابق، وذلك لأنّ الوجوب إذا نسخ فإنّه يبقى النّدب، كما قرر ذلك كثير من العلماء. وأمّا إن كان غير قائل بالوجوب، فإنّه يرى أن سياق الآية صارف له عن الوجوب وذلك في قوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ومأخذ ذلك: هو أن تفويض التخيير للمكلف يدل على عدم الوجوب؛ إذ التخيير ينافي الوجوب. وأجيب عنه: أن التخيير الذي ينافي الوجوب، هو التخيير بين الفعل والترك، أمّا التخيير بين خصال أو أفعال معينة، فلا ينافي الوجوب، فلا يبعد في العقل أن يقول: أوجبت عليك قيام الليل، وأمّا تحديد القدر الذي تقومه، فذاك مفوض إلى اختيارك. وهذا الحكم في حق النبي ﷺ ، والأصل أن ما خوطب به النبي ﷺ فإنّ أمته مخاطبة به، إلا ما دّل أنّه خاص به؛ ولذا كان الصحابة يقومون الليل حتى تورمت أقدامهم، والصارف للأمة من الوجوب إلى الندب، هو ما ورد عنه ﵊ للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه في اليوم الليلة من الصلوات فأجابه ﷺ بأنها خمس صلوات، ثم قال الأعرابي: والله لا أزيد عليها، وأقره النبي ﷺ وقال: (أفلح إن صدق) (١).

стр. 160

باب صلاة الجماعة والإمامة قال الله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] استدل بالآية على مشروعية الجماعة، على خلاف في كونها سنة مؤكدة، أو فرض كفاية، أو فرض عين، والمعنى: صلوا مع المصلين. ومأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَارْكَعُوا﴾ مع لفظ ﴿مَعَ﴾ وهو من حروف المعاني الدّالة على الجماعة. والأصل حمل الأمر على بابه، وهو حجة لمن قال بوجوب صلاة الجماعة، وسيأتي مأخذ من قال بأنّه على الأعيان في الآية الآتية. قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: ﴿مَعَ﴾ تقتضي المعيّة والجمعيّة؛ ولهذا قال جماعة من أهل التّأويل بالقرآن: إنّ الأمر بالصّلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة فأمرهم بقوله ﴿مَعَ﴾ شهود الجماعة» (١). كما أن ضمير الجمع في قوله: ﴿وَارْكَعُوا﴾ يقتضي ذلك، وأقل الجمع ثلاثة. تنبيه: أطلق المولى الجزء وهو الركوع وأراد الكل وهو الصلاة. وأما تخصيص الركوع بالذكر فللعلماء أقوال: فقيل: إنه خُصَّ تشريفاً له. وقيل: لأن صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع. وقيل: لأن الصلاة تدرك به، فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، فأمر بما يدرك به الركعة. وذكر ابن الفرس تساؤلاً عن الحكمة من تخصيص الركوع من جميع الصلاة بعد الأمر بالصلاة، حيث قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.

стр. 161

وأجاب بما سبق من كون معنى الركوع: الصلاة، أو كون صلاة بني إسرائيل لم يكن فيها ركوع، ثم قال: «وفيه عندي جواب ثالث: أن يكون أراد بالركوع هنا التواضع لله تعالى والتذلل له والانقياد، فيكون ركوعاً لغوياً لا شرعياً» (١). وعليه فليس فيه دليل على المسألة. أما القائلون بأن صلاة الجماعة مندوب إليها فجعلوا الأمر مصروفاً بصوارف منها: ما ورد في السّنّة من قوله ﵊: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (٢) وفي رواية (بسبع وعشرين درجة) (٣) وكلاهما في الصّحيحين. قالو: التّفاضل لا يكون إلّا بين شيئين اشتركا في معنى، وتفاضلا فيه، بحيث يكون لأحدهما مزّية على الآخر، وهذا يقتضي كون صلاة المنفرد فيها فضلٌ يقصر عن صلاة الجماعة، وإذا ثبت أن فيها فضلًا، ثبت إجزاؤها والاعتداد بها. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] استدل بها العلماء على وجوب صلاة الجماعة. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ مع حرف: «مع» في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ الدّالة على المعيّة والجماعة -كما سبق - وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ﴾.

стр. 162

قال الشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطي: «آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة; لأنّ الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمرٌ لازم; إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف; لأنه عذر ظاهر» (١). وصلاة الخوف دلّت بطريق الأولى على وجوب الصلاة حال الأمن، فقد سنّ المولى صلاة الخوف جماعة، وسوّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، وكذلك مفارقة الإمام قبل السّلام جاز عند الجمهور، وكذا تخلفه عن متابعة الإمام - كما يتأخر الصّف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كانت العدو أمامهم-. فقالوا: هذه الأمور تبطل الصّلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصّلاة، وتركت المتابعة الواجبة في الصّلاة؛ لأجل فعل مستحب، مع أنّه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدهم صلاة تامة، فعلم أنها واجبة (٢). تنبيه: استدل العلماء بخصوص هذه الآية على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان؛ وذلك لأنّه أمره أولًا بالصّلاة في الجماعة بقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ ثم أعاد هذا الأمر مرّة ثانيّة في حق الطائفة الثّانيّة بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فلم يسقطها بفعل الطائفة الأولى. استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة خلف المذياع (٣).

стр. 163

مأخذ الحكم: بناء على أن حرف (مع) في قوله: ﴿مَعَكَ﴾ يقتضي المعيّة والجمعيّة. تنبيه: سبق في المسألة السابقة -عند مناقشة القول بالجواز- بيان وجه الجمع. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] استدل بها العلماء على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، والمسجد هنا على ظاهره، وهو: المسجد المعروف. وقد قيل في معنى الآية: «اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة أمرًا بالجماعة لها ندباً عند الأكثرين، وحتماً عند الأقلين»، قاله الماوردي (١). وقيل معناه: إذا كان جواركم مسجدًا فأقيموا الجماعة فيه، ولا تتجاوزوا إلى غيره، إذا حضرت الصلاة، فصلوا في كل مسجد، ولا يقل أحدكم: أصلي في مسجدي قاله ابن عباس. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ مع دلالة العندية في قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وهو ظرف مكان، ومنطوقه الأمر يدل على وجوب الصّلاة في المساجد. قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] استدل بها على وجوب صلاة الجماعة. ومأخذ الحكم: أن الأمر بالسّعي إلى الشّيء لا يكون إلا لوجوبه، وكذا الأمر بترك البيع المباح لأجله، فهذا يدل على وجوبه، والجمعة لا تكون إلا جماعة، وفي بيوت الله كما سيأتي.

стр. 164

تنبيه: القول بالوجوب يتضمن المشروعية، وكل واجب فهو مشروع، وما سبق وهو مأخذ القائلين بالوجوب، وسبق في الآية الأولى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بيان مأخذ القائلين بصرف الأمر إلى الاستحباب، وعليه فصلاة الجماعة لا خلاف في مشروعيتها، وهي دائرة بين الوجوب والنّدب. وختامًا: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لا ينبغي له أن يترك حضور المسجد إلا لعذر، كما دلّت على ذلك السنن والآثار» (١). والصّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدّين وعلاماته، وفي تركها بالكلّيّة أو في المسجد محو لآثار الصّلاة بحيث إنّه يفضي إلى تركها، ولو كان الواجب فعل الجماعة فقط، دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع للمطر ونحوه، وترك الشّرط وهو لأجل السّنة، ومن تأمل الشّرع المطهر علم أن إتيان المسجد لها فرض عين إلّا لعذر (٢). استدل بالآية من قال بوجوب حضور الجماعة على كل من سمع النداء، ولو بمكبر الصوت (٣). مأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ للوجوب وهو معلّق على شرط، وهو الأذان ليوم الجمعة، في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، والمقصود من النّداء هو إسماع غيرٍ؛ بدلالة قوله ﷺ (من سمع النّداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر) (٤)، فيجري العام في قوله: ﴿نُودِيَ﴾ على عمومه، أي سواء كان السماع

стр. 165

بمكبر الصوت أو بدونه. ووجه كونه عاماً: أن الفعل هنا ينزل منزلة النكرة، وهو مثبت وفي سياق شرط فيعم. أما والوجوب على كل من سمع النداء فهو مأخوذ من دلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فيعم كل من سمع النداء. نوقش: بأن الأمر في الآية محمول على الأذان المعتاد في زمن التشريع. قال الشيخ العثيمين: «فالظاهر أن هؤلاء لا يلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت، وأنه لولا المكبر ما سمعوا، فالظاهر أنه لا يجب عليهم حضور الجماعة في الحال؛ لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له، ولا يقول قائل إن عموم قول النبي ﷺ : (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) يتناول ما سمع بواسطة المكبر وما سمع بدونه، فبعض المكبرات يكون صوته عالياً يسمع من بعيد، وبعضها دون ذلك، والمرجع في هذا إلى ما كان معروفاً في عهد الرسول ﷺ وهو السماع بدون مكبر» (١). قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] استدل بالآية من قال بعدم صحة الصّلاة خلف الإمام الفاسق. ومأخذ الحكم: نفي المساواة بين الشيئين يقتضي العموم، إلّا ما خصه الدّليل، فيقتضي نفي المساواة بينهما من جميع الوجوه، ومنها الإمامة؛ ولذا لو صحّ

стр. 166

الإئتمام بالفاسق لكان مساويًا للمؤمن العدل. وقد قيل: إنّ المراد بالفاسق هنا الكافر. لكن أجيب عنه: بأنّه عامّ في كل فاسق. باب صلاة المسافر قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز صلاة النافلة في السّفر على الرّاحلة حيثما توجهت به. مأخذ الحكم: تفسير الصّحابي، وقد ذهب ابن عمر ﵄ أن الآية نزلت في ذلك. ويستفاد من صيغة العموم (أين) عمومُ الجهات. وروى البخاري عن ابن عمر أنه قال: (كان النبي ﷺ يُصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل، إلّا الفرائض ويوتر على الراحلة) (١). وقيل: إنّ الآية منسوخة، استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. • الحكم الثاني: استدل بعضهم بالآية فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ. مأخذ الحكم: أن الآية وإن كانت صيغتها صيغة خبر، إلا أن معناها معنى الأمر، وجعلوا هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وجاء حديثٌ - وفيه كلام عند الحفاظ - يدل على الحكم السابق من حديث

стр. 167

عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر ليلة مظلمة فتحرّى قوم القبلة، وعلَّموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنّهم قد أخطأوا ففرّقوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١). قال ابن الفرس: « .. والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التّخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اختلفوا في الجاهل والنّاسي كالخلاف في المجتهد يخطئ» (٢). ثم قال في نهاية الكلام على هذه الآية: «مجموع ما يتحصل من هذه الآية من الأقوال إحدى عشر قولا» (٣). وذكر القرطبي أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي نزلت فيه على خمسة أقوال. يُراجع لمن أراد المزيد (٤). قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: أن المسافر فرضه أن يولي وجهه شطر المسجد، وهذا شأن كل من لم يعاين الكعبة، وكان بعيدًا عنها. قال القرطبي: «وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها … » (٥).

стр. 168

ومأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وهو يقتضي أن هذا هو الواجب عليه وفرضه. • الحكم الثاني: استدل بالآية من قال إن المسافر فرضه أن يتوجه إلى الكعبة. ومأخذ الحكم: الأمر الوارد مع العموم في قوله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ وهو يقتضي العموم في المكان. وكذا على القول بأنّ الآية ناسخة للآية السّابقة وهي قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: اتفق الفقهاء على مشروعية القصر للمسافر. ومأخذ الحكم: رفع الجناح عن الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية. قال الموزعي: «ورفعُ الجُناح عن المصلِّي إذا قَصَرَ الصلاةَ يدلُّ على جواز القصرِ، ولا يدلُّ على وجوبه، لأن رفعَ الجُناح موضوعٌ لإباحة الشيء، لا لوجوبه» (١). وذهب الجمهور إلى أن القصر رخصة؛ إذ إن نفي الجناح فيه رفع الإثم، وعدم الحرج، وليس من معانيه الإلزام أو الإيجاب - كما سبق - وهذا يعني أن للمسافر إتمام الصّلاة، وترك الرخصة وأكدوا هذا الحكم بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت

стр. 169

لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن النّاس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (١). أمّا الحنفية فذهبوا إلى أن القصر عزيمة، وهو الواجب على المسافر، وتمسكوا بقول عائشة ﵂: (فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر) (٢). فدلّ على أن فرض المسافر هو ركعتان؛ فإنّ أداها فقد أدّاها أربعًا، وقد زاد في الصّلاة ما ليس منها، والزّيادة في الصّلاة تبطلها. وكذا قول عمر بن الخطاب: (وصلاة السّفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ (٣). وقالوا: إنّ معنى الرّخصة لا ينطبق عليه؛ لأنّ الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي بعارض إلى تخفيف ويسر، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر. وذهب بعض أهل العلم إلى أن القصر سنة، ليس برخصة ولا عزيمة، جمعًا بين الأدلة واقتداءً برسول الله ﷺ . وذهب بعضهم إلى أن القصر والإتمام فرضان، فأيهما فَعل فقد فعل الواجب، كالمخيَّر.

стр. 170

• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال بأن القصر يكون عندما يبرز من بيوت بلده، وهو باتفاق المذاهب الأربعة. مأخذهم: إنّ معنى الضّرب في الأرض لا يتحقق إلّا بذلك. وهل يشترط أن يكون السفر طويلًا أولًا؟ خلاف بين العلماء. مأخذه: الإطلاق الوارد في الآية، فقد أطلق القصر على الضّرب ولم يقيده بكون طويلًا أو قصيرًا. قال الموزعي: «فأخذ بإطلاقه آخرون، وهم أهل الظاهر، فجوزوا القصر، في كلِّ سفر، طويلًا أو قصيرًا، وقيده الجمهور من أهل العلم بالمعنى الذي أبيح له القصر، وهو المشقة الزائدة على مشقة الحضر، ثم اختلفوا … » (١). أي في تقدير المسافة، يراجع في ذلك إلى كتب الفقه. • الحكم الثالث: ذهبت الحنفية إلى جواز القصر في سفر المعصية. ومأخذهم: العموم في الآية، والمعنى: لا جناح عليكم القصر في السفر. أمّا الجمهور فقالوا: بعدم جواز القصر في سفر المعصية؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وسفر المعصية فيه تعدٍّ على حرمات الله، وهو منهي عنه فلا يجوز لفاعله أن يتمتع برخصة السفر؛ ولذا قالوا: الرخص لا تناط بالمعاصي. ولأنّ في التخفيف عن العصاة عونًا لهم على المعصيّة، والمولى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

стр. 171

• الحكم الرابع: استدل بالآية من قال بأن القصر في السفر إنّما يكون للخائف، فمن كان آمنًا فلا قصر له، فسبب القصر: السفر والخوف. ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فدلّ بمفهومه المخالف أنّه لا قصر في حال الأمن. وأيدّوا ما ذهبوا إليه بما روي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ أنّها كانت تقول في السفر (أتموا صلاتكم، فقالوا: إنّ رسول الله ﷺ كان يقصر، فقالت: إنّه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟) (١). وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الخوف، وقد أجابوا عن الأثر المروي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ بأنّه ضعيف، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث يعلى بن أمية ﵁، وقوله: قلت لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا، قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (٢) وهذا نص في المسألة؛ ولذا قالوا: لا عبرة بمفهوم المخالفة لهذا النّص، ولكونه خرج مخرج الغالب، إن كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، وما خرج مخرج الغالب لا حجة في مفهومه. تنبيه: ذهب قوم إلى أن الشرط في قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط للتّعليق بالحكم الذي بعده. قال الموزعي: «فهو ابتداء كلام متصل بما بعده، منقطع عما قبله. وروي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ

стр. 172

الصَّلَاةِ﴾ هذا القدر، ثم بعد حول سألوا رسول الله ﷺ عن صلاة الخوف فنزل ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ثم قال وروي مثله عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال: إنّه روى نحوه عن ابن عباس ﵄ أيضا» (١). قال القرطبي: «فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد منه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن» (٢). خاتمة لباب صلاة المسافر سبق القول في باب المواقيت عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أن هذه الآية هي أصل مواقيت الصلاة، وذكرنا أن قوله ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي: محدود الأوقات، وأنه لا يجوز إخراجها عن وقتها متعمدًا في شيء من الأحوال، وطرد هذا الأصل الحنفية في حق المسافر. فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر في وقت إحداهما؛ لأنّ الآية دلّت على كون الصّلاة فرضًا مؤقتًا، فلا يجوز تركه إلا بما ورد الشرع به، كالوقوف بعرفة، وفي الجمع بين الصّلاتين تغيير للوقت المنهي عنه في وقت إحداهما. ومأخذ الحنفية: أن لكل صلاة وقتًا محددًا ثبت بأدلة قطعية، كالقرآن والسّنّة المتواترة والإجماع، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة إلّا بأدلة مثلها، لا بضرب من الاستدلال، أو بخبر الآحاد.

стр. 173

أما الجمهور فجاز عندهم تخصيص هذه الأدلة بما تبث في السنة، كما في حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري قوله (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء) (١) وغيرها من أحاديث. ومن المسائل المتعلقة بالمسافر، وتستنبط من آيات المواقيت، ما نقل عن الحنفية أيضًا أنهم قالوا: إنّ المسافر إذا سافر بعد دخول الوقت جاز له قصر الصلاة. ومأخذهم: أن المصلي أدّى الصّلاة في وقتها المحدد دون تفريط فهو ممتثل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وصلاة المسافر تمامها ركعتان. أمّا الجمهور فقالوا: بل يصليها تامّة؛ لأنّه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فعلّق الوجوب بدلوك الشمس، فالأمر بإقامة الصلاة هو للوجوب؛ فإذا وجبت الصّلاة أوّل الوقت، وجبت تامّة، وأداؤها قصرًا لا يصحّ، ولا يسقط التّمام الثّابت في الذّمة. ومن المسائل المتعلقة بصلاة المسافر، ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز الجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما للمسافر؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. مأخذ الحكم: أن المولى أوجب الصلاة في وقتها، وأمر بالمحافظة على ذلك.

стр. 174

وقالوا: في الجمع بين الصلاتين تفريط بوقت إحداهما، وهذا لا يجوز، وفيه مخالفة لأمر الله . وذهب الجمهور إلى الجواز، ومأخذهم: تخصيص الآية بالسّنة. ولم يقبل الحنفية تخصيص الآية بما ورد من فعله وقوله ﵊؛ لكونها آحاد، والجمهور على جواز ذلك، وكونه من قبيل البيان، والمبيِّن لا يشترط أن يكون مساويًا أو أقوى من المبيَّن. باب صلاة الجمعة قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: وجوب صلاة الجمعة، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على كونها على الأعيان، وللوجوب مآخذ: المأخذ الأول: وجوب المشي إليها، وما ذاك إلا للصلاة واستماع الخطبة، والأمر ظاهر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهو يقتضي الوجوب. تنبيه: السعي صفة لما فوق المشي العادي، ما لم يصل إلى حدّ السّرعة المنهي عنها، والأمر بهذه الصّفة مندوب إليه، لكنه يقتضي إيجاب المشي؛ لأنّ الأمر بالصّفة على سبيل النّدب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، وهذا مذهب الحنابلة، ومثله الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، وتلك الصفة مندوب إليها، لكنها تقتضي إيجاب الاستنشاق. ويرى عدد من العلماء أن المراد بالسّعي هنا: التسبب والعمل، لا السعي على

стр. 175

الأقدام، ونسبه القرطبي إلى الجمهور (١)، والمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتّطهر، والتوجه إليه؛ لأنّ السعي بالأقدام مكروه؛ لقوله ﵊ (إذا أقيمت الصّلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون) (٢). قلت: ويؤيد هذا القراءة الشاذة (فامضوا إلى ذكر الله) (٣). وقد ذكر ابن الفرس أن السعي في كلام العرب لفظ يحتمل الجري، كقوله ﵊ (فلا تأتوها وأنتم تسعون) ويحتمل المشي من غير جري كالآية (٤). واحتج ابن شهاب بما كان يقرأ به عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ من قراءة (فامضوا إلى ذكر الله)، ثم ذكر خلاف العلماء في حمل القراءة التي لم تثبت في المصحف هل تجري مجرى الخبر مطلقًا سواء أسندت أم لا؟ أو يشترط إسنادها إلى النّبي ﷺ ، ثم ذكر أن البعض حمل احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر على جهة التّفسير من عمر، وهو من أهل اللسان، ففسر السّعي بأنّه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء (٥). المأخذ الثّاني: النّهي عن البيع، بصيغة الأمر التي معناها النهي ﴿وَذَرُوا﴾ والأمر بترك البيع لأجل تحقيق السّعي لصّلاة الجمعة، ويقتضي الأمر هنا وجوب ما ترك من أجله، وهي: صلاة الجمعة. قال القرطبي: «والدليل على وجوبها أنها تحرِّم البيع، ولولا وجوبها ما حرَّمته؛

стр. 176

لأنّ المستحب لا يُحرِّم المباح» (١). تنبيه: اتفق العلماء على تخصيص عموم ضمير الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ بالمرأة والمريض والصّبي. واختلفوا في المسافر والعبد هل يخرجان من العموم السابق؟ وتفصيل ذلك كتب الفقه. تنبيه آخر: النّداء هنا لصلاة الجمعة، وهذا معلوم بالإجماع، واختلفوا بدل عليه اللفظ؟ قال ابن العربي: «وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وذلك يفيده؛ لأنّ النّداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة؛ فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة» (٢). تنبيه ثالث: حرّم بعض العلماء السّفر يوم الجمعة إذا زالت الشّمس، إذ إنّ ظاهر الآية أنّه ليس بين الزوال قدر يراعى، وقد أمر الله تعالى عند النّداء بالسّعي إلى الجمعة، وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسّعي وعصى. • الحكم الثاني: مشروعية الأذان لصّلاة الجمعة، وقد سبق في باب الأذان والإقامة. • الحكم الثالث: وجوب السّعي للجمعة عند سماع النّداء للمقيم والرّاحل. قال المهلب: نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع

стр. 177

النّداء، وإن كان خارج المصر. قال ابن الفرس: وهو أصحّ الأقوال (١). ومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ يعمّ الرّاحل والمقيم وقد علق بالسّماع، والشّرط اللغويّ يثبت المشروط عند ثبوته؛ ولأنّه سبحانه جعل النداء علمًا لها. تنبيه: لا يشترط في وجوب صلاة الجمعة سماع الندّاء على من كان في البلد، بلا خلاف؛ لأنّه أمر بالسّعي للجمعة بمجرد النّداء. • الحكم الرابع: أنّ الأذان الذّي يتعلق به ترك البيع ووجوب السّعي، هو الأذان الثّاني، الذّي يرفع حين يجلس الإمام على المنبر، وهو قول الجمهور. مأخذ الحكم: أنّ الأحكام تنزل على العرف الشّرعيّ أثناء التّنزيل، والنّداء الثّاني هو الذّي كان مشروعًا حين نزول الآية فتعلق الحكم به. • الحكم الخامس: يجب إقامة الجمعة جماعة، واختلفوا في العدد الواجب. ومأخذ القائل بأنهم ثلاثة: أن الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ أقله ثلاث، وقيل: إنّ الآية تقتضي مناديًا، وذاكرًا وهو المؤذن والإمام والإثبات يسعون، فقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لا يتناول المثنى، بل هو خطاب للجمع الذّي يسمعون النّداء. تنبيه: قال ابن القصار بعد ذكر الأقوال في العدد الواجب قال: «ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه، فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية، وأمروا بالسّعي إليها، وهم قول لهم بيع وشراء، فيجب طلب قدم هذه صفتهم، وليسوا إلا من كان لهم مسجد وسوق يطلق عليهم اسم جماعة، فالجمعة واجبة عليهم، كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين» (٢).

стр. 178

• الحكم السادس: وجوب الخطبة ووجوب السماع لها. مأخذ الحكم: تفسير الصحابي الجليل ابن عباس ﵄ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بخطبة الإمام والصّلاة معه، والأمر بالسّعي لها في الآية للوجوب، فتكون الخطبة واجبة أداءً على الإمام استماعًا على المأموم. • الحكم السابع: تحريم البيع وقت الأذان للجمعة، وعدم صحته وسيأتي في كتاب البيع. ومأخذه النّهي: وهو يقتضي التحريم والفساد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] استدل بالآية على عدد من الأحكام: • الحكم الأول: اشتراط قيام الإمام على المنبر إذا خطب ووجوب ذلك عليه. مأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿قَائِمًا﴾ حال، أي: حال قيامه خطيبًا، وفيها بيان للهيئة التي يجب أن يكون عليها خطيب الجمعة أثناء خطبته. وبينت ذلك سنته ﵊ ومواظبته على ذلك. تنبيه: ظاهر الآية أن القيام للخطبة كلها، فلا يجلس بين الخطبتين، وبه أخذ قوم، والجمهور على الجلوس بينهما، لفعل النبي ﷺ وهو بيان للمراد بالآية. • الحكم الثاني: اشترط الخطبة في انعقاد صلاة الجمعة، فلا تصح الصّلاة إلا بها، وهو قول الجمهور. ومأخذ الحكم: ذمّ المولى من ترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعًا. كما أنّ النّبي ﷺ لم يصلها إلا بخطبة، ومواظبته ﷺ على ذلك دليل وجوبها.

стр. 179

باب صلاة الخوف قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢] سبق في باب صلاة المسافر، ذكر قول العلماء في أن قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وسبب نزولها. أمّا ما يتعلق بصلاة الخوف من أحكام مستنبطة من هذه الآية فمنها: • الحكم الأول: أجمع العلماء على مشروعية صلاة الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وقوله في آية البقرة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] كما سيأتي في الآية الثانية. ومأخذ الحكم من الآيتين: تعليق الصّلاة بالخوف، بأداة الشرط (إِنْ) والسياق في الخوف من العدو حال القتال، والمشروط يثبت عند ثبوت الشرط. ومأخذ آخر: الأمر بصيغة (ليفعل) في قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وهذا أمر بأداء فريضة الصّلاة، في حال الشّدة والبأس وتشريع منه - سبحانه - لصلاة الخوف. • الحكم الثاني: مشروعية إقامة صلاة الخوف باقية إلى يوم القيامة وهو قول

стр. 180

الجمهور، خلافًا لمن قال لا تشرع إلّا مع النّبي ﷺ . مأخذ القائل إنّها لا تشرع إلا مع النبي ﷺ مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، ومفهوم الشرط يقتضي تخصيصه ﷺ . وأجيب عنه: بأن اشتراط كونه ﷺ فيهم إنّما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بيّن لهم بفعلك؛ لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره. قال الشّيخ الشنقيطي: «وردّ عليهم بإجماع الصحابة بعده ﷺ وبقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم» (٢). وقال ﵀ قبل ذلك: «والاستدلال على خصوصها به ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، استدلال ساقط، وقد أجمع الصحابة ﵃ والمسلمون على ردّ مثله في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]». وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في كتاب الزكاة. • الحكم الثالث: استدل بالآية على مشروعية إقامة صلاة الخوف جماعة، على خلاف بين العلماء، فمن قائل: إنّها واجبة، وقائل: إنّها مستحبة. ومأخذ القائل بالوجوب هو: قوله ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فالأمر في قوله ﴿فَلْتَقُمْ﴾ مع حرف المعية ﴿مَعَكَ﴾ الذي يقتضي الجمعية، وسبق ذكر شيء من ذلك في باب صلاة الجماعة.
следующие страницы →