← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كما قال ابن تيمية: «تأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى» (١). • الحكم الثاني: مشروعية الوكالة. قال السيوطي: «هذا أصل في الوكالة والنيابة» (٢). وقال ابن العربي: «هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة، أذن الله فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترفه فيستنيب من يريحه»، ثمَّ قال: «وهو أقوى آية في الغرض» (٣). والمقصود أنه سبحانه لما أضاف الوَرِق إلى جميعهم، وحلَّ لهم استنابة أحدهم دلَّ على جواز الوكالة. مأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال، بل ورد شرعنا بها. باب الإقرار قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. يستنبط من الآية: نفي إقرار المكره. مأخذ الحكم: دخول أفعال المكره، وأقواله ومنها الإقرار في عموم الآية، حيث ورد لفظ ﴿إِكْرَاهَ﴾ نكرة - وهي مبنية على الفتح - في سياق النفي، فيعم نفي ما يترتب على كل قول أو فعل للمكرَه، ومنه الإقرار.

стр. 387

مع التنبيه إلى أن النهي فيه ورد بصيغة الخبر، والنهي يقتضي الفساد، فيقتضي عدم الاعتداد بما أكره عليه فيها، ومنه الإقرار (١). قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: العمل بالإقرار (٢). مأخذ الحكم: جعل الشارع ما يمليه المدين -الذي عليه الحق، وليس الدائن الذي له- إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه. فالكتب والشهادة إنّما هي بحسب إقراره، وما أُمر بذلك إلا ليعمل به، وإلا لما كان لإملاله معنى. • الحكم الثاني: أن الولي يقبل إقراره عليه (٣). قال ابن الفرس: «وهذا يدلّ على أن كل من أقرَّ بشيء لغيره، فالقول قوله فيه» (٤). مأخذ الحكم: لأنّ الله ما أمره أن يمل في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ إلّا ليقبل قوله. تتمة: قال الطاهر بن عاشور: «ومعنى ﴿بِالْعَدْلِ﴾: أي بالحق، وهذا دليل على أن إقرار الوصيِّ والمقدَّم في حق المولّى عليه ماض إذا ظهر سببه،

стр. 388

وإنَّما لم يعمل به المتأخرون من الفقهاء سداً للذريعة، وخشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء» (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. يستنبط من الآية: جواز الإقرار. مأخذ الحكم: الاستدلال بفعل المولى سبحانه؛ حيث أوقف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وأخذهم عهد الله فيه. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] يستنبط من الآية: جواز إقرار المقِرِّ على نفسه، ووجوب ذلك إذا طالبه صاحب الحق. قال الجصاص: «﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ لأن شهادته على نفسه هو: إقرار بما عليه لخصمه، فدلَّ على جواز إقرار المقرِّ على نفسه لغيره، وأنَّه واجب عليه أن يُقرَّ إذا طالبه صاحب الحق». وقال السيوطي: «قوله تعالى ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال سعيد بن جبير: هو الإقرار» (٢).

стр. 389

مأخذ الحكم: الأمر بالشهادة بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ثمَّ عطف عليها قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، والمعطوف ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق ب ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، قال القرطبي: «هذا هو الظاهر الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ الشهادة المذكورة هي في الحقوق، فيقرُّ بها لأهلها» (١). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. يستنبط من الآية: عدم صحة إقرار المكرَه. قال السيوطي في الإكليل: «واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول أو فعل صدر منه إلا ما استثني» (٢). مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولي. قال القرطبي: «لما سمح الله بالكفر به، وهو أصل الشريعة عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) الحديث (٣)، والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء» (٤).

стр. 390

باب العارية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. يستنبط من الآية: وجوب رد العارية. قال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة، من وديعة، أو قِراض، وقرْض، وغير ذلك» (١). مأخذ الحكم: كون العارية أمانة قبضت بإذن صاحبها، فتدخل في عموم قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾؛ لأنه جمع معرف، والوجوب مستفاد: من إخبار الله بالحكم بقوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]. يستنبط من الآية: مشروعية العارية، والحث عليها. قال السيوطي: «فيه الحث على العارية» (٢). ثمَّ نقل آثاراً. مأخذ الحكم: ذم الله من منع الماعون وتوعده، وهو عدم إعارته،؛ إذ الآية معطوفة على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، والتوعد على الفعل دلالة على تحريمه والنهي عنه، والنهي عن الشيء أمر بضده. كما أنه ورد في سبب نزولها أن المسلمين كانوا يستعيرون من المنافقين الدَّلو، والقدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فنزلت الآية (٣)، وسبب النزول قطعي الدخول.

стр. 391

تنبيه: فُسِّر منع الماعون بالزكاة (١)؛ لأنها في سياق صفات المنافقين، والتحريم للوعيد، وهو ظاهر. باب الغصب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ البقرة، ومثلها آية [النساء: ٢٩]. يستنبط من الآية: تحريم الغصب. قال ابن الفرس: «ذهب قوم إلى أنه نهى الله عنه في هذه الآية عن أكل المال بالباطل على كل وجه، من غصب وسلب، وخيانة، وقمار، وغير ذلك» (٢). مأخذ الحكم: ورود التحريم بصيغته الصريحة بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ففيه تحريم أكل المال بغير وجه شرعي وله صور كثيرة (٣)، منها الغصب؛ لأنه أخذ للمال بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة والخيانة (٤). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. يستنبط من الآية: وجوب رد المغصوب. مأخذ الحكم: بدلالة مفهوم الموافقة، وبيانه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء

стр. 392

الغصب والسرقة والخيانة، ونحو ذلك من المظالم، وكذا أداء العارية» (١). قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]. يستنبط من الآية: تحريم الغصب (٢). مأخذ الحكم: وردت الآية جواباً على إنكار موسى للخضر ﵉ لخرقه السفينة، كما في قوله: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]، وظاهره إفساد لها، والإفساد محرم، فأقره الخضر على هذا، ثمَّ بيَّن له إنما أراد أن يرتكب أخف المفسدتين، لأن ثمَّة مفسدة أخرى غير كون السفينة مخروقة، وهي غصب السفينة، وهي أعظم حرمة لعظم مفسدتها. باب الإجارة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة على الرضاع، واستئجار الظئر - المرضع غير ولدها (٣) - للرضاع. قال ابن الفرس: «ولا خلاف أنه يجوز إجارة الظئر بشيء معلوم» (٤). مأخذ الحكم: نفى الجناح، والمؤاخذة عن الذي يسترضع لولده بالأجرة، فدلَّ على جواز ذلك. ولأن الخطاب فيه بقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ للرجال (٥).

стр. 393

قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. يستنبط من الآية: أن المهر أجرة الاستمتاع بالمرأة. قال الجصاص: «وإنّما سمي المهر أجراً؛ لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان» (١). والمنفعة هنا هي الاستمتاع. ونقل ابن العربي عن مالك قوله: «النكاح أشبه بالبيوع؛ لما فيه من أحكام البيوع، وهو وجوب العوض … الخ» (٢). وقال القرطبي: «الاستمتاع: التلذذ. والأجور: المهور، وسمي المهر أجراً لأنه أجر الاستمتاع. وهذا نصّ على أنَّ المهر يُسمّى أجراً» (٣). مأخذ الحكم: الأمر بإتيان الأجرة، بقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ جزاء الاستمتاع. فائدة: اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ هل هو بدن المرأة أو منفعة البضع أو الكلُّ؟ ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (٤). مأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا ما يقرِّره.

стр. 394

قال ابن عطيَّة: «﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وإن لم يكن سؤلاً ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر» (١). أي في ضمنه الإنكار على الخضر ﵇ ألا يأخذ الأجرة، مع عدم استضافة القرية لهم، كما أنَّ في ضمنه تصويباً من موسى ﵇ لأخذ الأجرة، وهذا يدلُّ على جوازه في شريعته. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤]. يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (٢). مأخذ الحكم: كونه مما قصَّه الشارع لنا، وإقرار المولى وعدم التعقيب بما يدل على عدم الاعتبار بها، وسبق بيان هذا المأخذ في استنباط الأحكام. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٦ - ٢٧]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعيَّة الإجارة (٣). حيث قصَّ سبحانه أنَّ نبياً من أنبيائه آجر نفسه حججاً مسمَّاة، فدلّ على جواز الإجارة. مأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا

стр. 395

ما يقرِّره، ومن ذلك قوله ﷺ .: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (١). تتمة: قال ابن الفرس عن المدَّة في الإجارة: «وأمَّا المدة فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها، بل الأمر مسكوت عنه، فإما أن يكون معلوماً عندهم، ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتاً عنه عندهم أيضاً، كما وقع في الآية، وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية، وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزاً ثمَّ رفع في شريعتنا» (٢). • الحكم الثاني: صحة استئجار الراعي بطعامه وكسوته (٣). مأخذ الحكم: ما سبق من كونه شرعاً لمن قبلنا، بالإضافة إلى دلالة سياق الآية؛ إذ لم يكن لصالح مدين إلا رعيه الغنم، فكان ما علم من حاله قائماً مقام التعيين. تنبيه: اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيراً له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة التزويج عوضاً للإجارة. وقيل إنَّ معنى (على) الباء؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و (على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعاً، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة، كما سبق في آية النساء.

стр. 396

• الحكم الثالث: ليس لمدة الإجارة تقدير محدود، فتجوز لأكثر من سنة خلافاً لبعض العلماء. مأخذ الحكم: قال ابن قدامة: «قول الله تعالى إخباراً عن شعيب أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه» (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. يستنبط من الآية: تحريم إجارة الإماء على الزنا. مأخذ الحكم: التحريم بصيغته الصريحة ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾، ويؤيده سبب نزول الآية حيث كان عبد الله بن أبي سلول يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئاً (٢). تنبيه: قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: اختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل: لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأما إذا أردنه فلا يتصور الإكراه. وقيل: هو متعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقيل: الشرط ملغي، والأول أظهر وأحسن"»، ثمَّ قال: «وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا، وعلى تحريم أخذ العقد، وهو المراد بنهيه ﵊ عن مهر البغي» (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] يستنبط من الآية: مشروعية إجارة الظئر -المرضعة غير ولدها- للرضاع.

стр. 397

قال ابن الفرس: «﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي جميع ما يعان به الصبي، وذلك نفقته، وكسوته، والأجرة على إرضاعه باتفاق» (١). وقال الموزعي: «وأوجب الله للوالدات المطلقات إيتاء الأجور على أب الطفل إذا أرضعن له الأم ولدها، وإطلاق الآية يتناول ما إذا كان مع الأب من يرضعه له بغير أجرة، فالأجرة واجبة للأم، وهو كذلك» (٢). تتمة: قال شيخ الإسلام: «وليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة» (٣). ولعله يقصد فيما يقع على الأعيان، إذ الإجارة لا يعقد على العين، وإنّما يعقد على المنفعة، واللبن عين من الأعيان، والأصل عدم جواز العقد عليه، إلا أنه جاز رخصة. قال ابن قدامة: «لأن غيره لا يقوم مقامه، والضرورة تدعوا إلى استيفائه، وإنَّما جاز هذا في الأدميين دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه» (٤). وقيل: إن الأجرة على الإرضاع هي مقابل خدمة الصبي، وحمله ووضع الثدي في فيه، واللبن تبع؛ لأن المولى سبحانه علَّق الأجرة بفعل الإرضاع لا باللبن. تتمة: الأصل أن استجار الظئر - المرضع - يجوز إذا كان بأجر معلوم، ووقت معلوم، وصبي معلوم، وقدر معلوم.

стр. 398

ولما كان قدر الحلب أمر لا يُقدَّر، أو لا يمكن معرفة المقدار، وليس فيه قصدٌ للغرر ولا القمار جاز. قال ابن عبد البر: «فصار كالمتعارف عند الناس» (١). باب الهبة قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج، شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف (٢). مأخذ الحكم: لأن العفو عن حقها وتمليكه للزوج بلا عوض، هو معنى الهبة. فقد أثبت الشارع في الآية للمطلقة التي فُرِض لها مهر مسمَّى، ثمَّ طُلِّقت من غير مسيس: نصف المهر، ثمَّ أجاز لها هبته والعفو عنه. • الحكم الثاني: جواز الهبة إن كان الصداق عيناً، والإبراء إن كان ديناً (٣). • الحكم الثالث: جواز هبة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم؛ لأنه أباح تمليك نصف الصداق ولم يفرق بين ما يحتمل القسمة، وما لم يحتمل (٤). مأخذ الحكمين: العموم، بصيغة (ما) الموصولة، في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فيشمل العين والدين، وما يحتمل القسمة وما لا يحتمل، فأباح تمليك

стр. 399

نصف الصداق ولم يفرق بين العين والدين. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. يستنبط من الآية: مشروعية الهبة (١). قال السيوطي: «فيه جواز هبة الزوجة الصداق للزوج، وقبوله ذلك» (٢). مأخذ الحكم: علَّق المولى سبحانه جواز الأكل بالشرط، وهو طيب النفس، تعليق الجزاء بشرطه، فدلَّ على أنه سبب له. وهو حكم معلّق على وصف مشتق مناسب فدلَّ على أنَّ ذلك الوصف سبب لذلك الحكم (٣). تتمة: إذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات قياساً عليه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. يستنبط من الآية: مشروعية التصدق بالدِّية، والإبراء منها (٤). قال القرطبي: «﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصله: (أن يتصدقوا) فأدغمت التاء في الصاد، والتصدق الإعطاء، يعني إلَّا أن يُبرئ الأولياء ورثة المقتول [القاتلين] مما أوجب الله لهم من الدَّية عليهم، فهو استثناء ليس من الأول» (٥)، أي يعود إلى الأخير فقط، وهو وجوب أداء الدية.

стр. 400

وفي بيان العلاقة بين الهبة - الواردة في عنوان الباب - والتصدق الوارد في الآية، يقول ابن حجر: «والهبة - بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة - تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن عليه، والصدقة هي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة … وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطلق من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض» (١). وعليه فالآية تدل على مشروعية الهبة بمعنييه العام والخاص جميعاً، فهو إبراء، وهبة الدين ممن عليه، وهي كذلك تمليك للحق (الدية) بلا عوض، وإن كان ظهورها بالمعنى العام أظهر. مأخذ الحكم: دلالة الاستثناء، حيث دلّت الآية على وجوب الدية على من قتل خطأ بقوله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، وهو أمر بصيغة المصدر، وتقدير الآية: وعليه أداء دية، ثمَّ استثنى من هذا الوجوب حال التصدق والإبراء، فلا يجب الأداء حال الإبراء. باب الفرائض قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ

стр. 401

مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١١ - ١٢]. ذكرت الآية سببين من أسباب الميراث: الرحم بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. والسبب الثاني: النكاح، بقوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ الآية. ويستنبط من الآية أحكام الفرائض: نصيب الذكر والأنثى حال التعصيب بالغير ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ونصيب البنتين أو الأختين الثلثان، وإن كانت واحدة فالنصف … الخ بشروط مفصلة نصاً واستنباطاً في كتاب الله. مأخذ أحكام الفروض المذكورة في الآية: أولاً: الأمر بلفظ (الوصية)، وبلفظ (الفرض) وهي من أساليب أخبار الشارع عن هذا الحكم، الذي هو الوجوب. قال ابن عطيَّة: «وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظ (أمر) كيف تصرفت .. » (١) وقال القرطبي: «﴿فَرِيضَةً﴾ نُصب على المصدر المؤَكد، إذ معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم … » (٢).

стр. 402

ثانياً: بيان كون هذه القسمة هي من حدود الله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، والقيام بحدوده واجب، لذا قال سبحانه بعدها ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وهذه أساليب تهديد ووعيد لا تقال إلا على من فعل محرماً، ومنها ترك الواجب، فدلَّ على كونها واجبة. ثالثاً: ربط الجزاء بالشرط، وهو متعدد في الآية، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، مما يوجب ربط الجزاء بشرطه. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. يستنبط من الآية: ثبوت الإرث بالمحالفة والمؤاخاة عند عدم وجود ورثة (١). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾. تنبيه: قيل نسخت هذه الآية وحكمها بآية الأنفال الآتي ذكرها، فصار الميراث بالرحم (٢). قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].

стр. 403

يستنبط من الآية الأحكام الآتية: قال الموزعي: «وتسمَّى آية الصيف؛ لأن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين: آية في الشتاء، وهي الأولى (١)، وآية في الصيف وهي هذه. والمراد بالكلالة في الآية الأولى هو من لا ولد له ولا ولد ابن، ولا أب ولا جد، أو من عدا الولد وولد الابن والأب والجد. وما أعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم. وأما المراد بها في هذه الآية، فقد اختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، وعظم شأن ذلك عليهم .... وهذه الكلالة هي التي عظم على الصحابة أمرها .. » (٢). ومن الأحكام المستنبطة منها، ما ذكره السيوطي بقوله: «فيها: أن من مات عن أخت لأبوين، أو لأب، ولا ولد له، ولا والد فلها النصف. وأنَّ للأختين الثلثين. وأنَّ الأخ كذلك يستغرق المال. وأنَّ الإخوة إذا اجتمعوا رجالاً ونساء فللذكر منهم مثل حظ الإنثيين. وأنَّ الولد والوالد يحجب الإخوة والأخوات» (٣). مأخذ الأحكام: أولاً: كونها بيان الحكم من الله وفتياه سبحانه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾.

стр. 404

ثانياً: ربط الجزاء بشرطه كما سبق. ثالثاً: بيان أنَّ من خالف هذا فهو من الضالين، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وفيه ذم للمخالفين، وهذا يقتضي وجوب العمل بما قسمه الله. قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. يستنبط من الآية: توريث ذوي الأرحام (١). قال الموزعي: «قال المفسرون أو أكثرهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، فكانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر، فنسخ الله ذلك، بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ … وقد أعلمنا بانقطاع الموالاة بين المؤمنين والكافرين، فلا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾» (٢). وقال ابن الفرس: «وذهب أيضاً قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات، وعلى هذا يبنى اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب الله ولا سنة من ذوي الأرحام، وليس بعصبة، كأولاد البنات، وبني الأخوات، وبنات الإخوة، والعمة، والخالة .... » (٣). مأخذ الحكم: بيّنت الآية بمنطوقها أولوية بعضهم ببعض، على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيدخل الأولوية بالإرث على غيرهم.

стр. 405

باب الوصايا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز الوصية للوالدين. اختلف العلماء في الحكم المذكور (١): فقيل: منسوخ، واختلفوا في ناسخه (٢). وقيل: محكم خاص بمن لا يرث من الوالدين، كالكفار والأقربين المحجوبين. واختلف أصحاب القول بأنه محكم، هل الوصية لهم واجبة، أو مندوبة؟. مأخذ الحكم: من قال واجبة لقوله: ﴿كُتِبَ﴾ و ﴿حَقًّا﴾، وهما من أساليب الإخبار عن الواجب (٣). ومن قال مندوبة لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال ابن الفرس: «لأنّ الواجب لا يقال

стр. 406

فيه أنه معروف، ويستوي فيه المتقي وغيره» (١). قلت: لعله نظر إلى أن المعروف يقع في الغالب على الزائد المتفضل من الأعمال، كقولهم: «اصنع معروفًا، واحمل عني». لكن العلماء لم يسلموا دلالة المعروف هنا على الندب؛ لأن المعروف معناه هنا العدل الذي لا شطط فيه، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا خلاف في وجوب الرزق والكسوة. وذكر المعروف هنا ليؤكد وجوب الوصية، إذا كان جميع أوامر الله معروفًا غير منكر، فضد المعروف المنكر، وما ليس بمعروف منكر. ومن قال بالندب أكدوه بتقييد الشارع الحق بالمتقين ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ والواجبات لجميع الناس، ولا يختص المتقون فيها عن غيرهم. وأجيب: بأنّه للتأكيد. • الحكم الثاني: تستحب الوصية للأقربين من غير الورثة (٢). مأخذ الحكم: أن الواجب إذا نسخ بقي الاستحباب، ذكره الموزعي في تيسير البيان (٣)، وهذا على القول بكون الآية منسوخة. وأما تأكيد الاستحباب من خارج الآية؛ فلأن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم وصية، أي تركت من غير نكير، ولو كانت واجبة لأنكر على تاركه. كما أنها عطية، لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأحياء.

стр. 407

• الحكم الثالث: أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية، فإن إثم التبديل لا يلحقه (١). • الحكم الرابع: أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة، وأن ترك الوصِي والوارث قضاءه (٢). قلت: إن كان يعلم أنهم غير أمناء، فعليه توثيق وصيته، وإلّا فهو آثم؛ لأنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مأخذ الحكمين: منطوق الآية ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ومفهومه: عدم الإثم على من لم يبدله. • الحكم الخامس: أن الموصى إليه بشيء خاص لا يكون وصياً في غيره (٣). مأخذ الحكم: لقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فإن زاد فقد بدَّل، بل اعتبره ابن الفرس: من أعظم التبديل (٤). • الحكم السادس: أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية من جهة العمد أو الخطأ ردها إلى العدل، وأن قوله: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ خاص بالوصية العادلة دون الجائرة (٥). مأخذ الحكم: دليل التخصيص آية النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وسياق الآية ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ

стр. 408

عَلَيْهِ﴾ أي: لا يلحقه إثم التبديل المذكور. وقال ابن عباس ﵄: «وإن كان أوصى في ضرار لم تجز وصيته، كما قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾» (١). • الحكم السابع: إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها خلافاً لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه (٢). مأخذ الحكم: أن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الوصية وتقديمها على قسمة التركة (٤). مأخذ الآية: أما المشروعيَّة فمن دلالة الإشارة، وأما تقديمها على التركة فمن دلالة العبارة، ومنطوق الآية الصريح.

стр. 409

فائدة: قال ابن الفرس: «فليس في الآية دليل على تبدية الوصية على الدين، أو الدين على الوصية، ولكنه فهم بالسنة أن الدين أولى بالتقديم؛ لأن أداء الدين فرض، والوصية إنما هي تطوع، والفرض أولى من التطوع، ولو قال تعالى: (من بعد وصية يرصِي بها ودين) لتوهم أنَّ ذلك يجب باجتماعهما، فعدل إلى لفظ (أو). ويحتمل أن يقال: ذكر الله الوصية قبل الدين؛ لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه يموت كثير من الناس ولادين عليهم، ولا يموت الإنسان غالباً إلا وقد وصى بوصية. ويحتمل أن يقال: إن بيان الوصية كانت الحاجة إليه أكثر؛ لأن قضاء الدين من التركة مشهور، وقدَّم ذكر الوصيَّة لذلك» (١). • الحكم الثاني: عدم جواز الإضرار بالوصية، وعدم نفوذها (٢). مأخذ الحكم: مفهوم الحال من قوله في آخر الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، فهو تقييد للوصية بعدم الإضرار بالورثة، أي جائزة حال كونها غير مضار بالورثة (٣). والتحريم يؤخذ من سياق الآيات التاليات، حيث بيَّن سبحانه أن تلك القسمة وما يتبعها من أحكام الوصيَّة والدين ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وهذه أساليب تهديد ووعيد لا تقال إلا على من ارتكب محرماً.

стр. 410

تتمة: قال ابن الفرس: «ولم يخصص القدر الذي يجوز أن يوصي به من المال، كما لم يخصص قدر الدين، بل ظاهر العموم جواز الوصية بالقليل والكثير؛ لأن الخبر الصحيح من وصية سعد دلَّ على أنَّ الزيادة على الثلث غير جائزة، فيخصص العموم بذلك إذا كان هناك وارث معيَّن .. » (١). وقال الموزعي: وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: يحتمل أن يريد غير مضار في الوصيَّة والدَّين، فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي بدين ليس عليه، فيكون دليلاً على تحريم الوصية بما زاد على الثلث. ويحتمل أن يريد غير مضار في الدين فقط. وهذا يرجع إلى قاعدة أصوليَّة، وهي الصفة إذا تعقبت جملاً، فهل تعمُّها، أو تختص بالأخير؟ والأول مذهب مالك والشافعي وأصحابهما، والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ولكن قد دلَّ حديث سعد على رجوعه إلى الوصية أيضاً» (٢). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. نقل السيوطي وغيره عن مكي قوله: هذه الآية أشكل ما في القرآن إعراباً وحكماً (٣).

стр. 411

وقال ابن العربي عند استنباط أحكامها: «وقد كنت أردت بسطه، فلما ذكرت طوله قبضت عنه العنان، وأحلت على مسائل الفقه بالبيان» (١). قلت: ويسعني ما وسعه، واكتفي بما ذكره، وهو أنه يستنبط من الآية: بيان وقت الوصيَّة - غير وقت البدار إلى السنية (٢)، وهي عند الموت؛ لأنه رائد المنيّة ومظنتها، وعند السفر للمخافة فيه (٣). قال الطريفي: نزلت الآية في الوصية لمن حضره الموت وهو في أرض غير أرضه، وبين سكان ليسوا من أهله، ومعه ماله ونفقته ومركبه، ومن خلفه مال وعيال، فيحتاج إلى أن يوصي، بأن يدفع ذلك إلى عدلين من المسلمين أو من غيرهم» (٤). مأخذ الحكم: الأمر بصيغة المصدر في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. تنبيه: قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، لا مفهوم له عند بعض العلماء؛ لأنه خرج مخرج الغالب، ولذا فالحكم يكون لكل من حضره الموت لسبب مرض أو غيره، فله أن يوصي من عنده. فائدة: قال الموزعي: «ووقَّت الله سبحانه ليمين الوصِيين اللذين ارتيب منهما بعد الصلاة، وهي صلاة العصر عند أكثر أهل العلم؛ لاتفاق أهل الملل على

стр. 412

تعظيمها، والتغليظ بالوقت مشروع، قال النبي ﷺ : (من حلف على يمين كاذبة بعد العصر، لقي الله وهو عليه غضبان) (١)» (٢). قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠]. يستنبط من الآية: مشروعية الوصية. مأخذ الحكم: مفهوم الحال، وهو أن قبل ذلك يستطيعون التوصية، وفي ضمنه مشروعية ذلك. باب الوديعة قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. يستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة. وبيان ذلك: أنَّ الأمانة ترد لمعان عدَّة منها: ما افتراضه الله على عباده من صلاة وزكاة وصوم .. الخ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وترد ويراد بها أداء الودائع والديون، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وهذا هو المراد، وإن كان داخلاً في عموم الأول (٣).

стр. 413

مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لام أمر، ومعنى الآية كما يقول ابن العربي: «إن أسقط الكتاب والإشهاد والرَّهن، وعَوَّل على أمانة المعامل، فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه» (١). وأداء الأمانات واجب غير مصروف، وقد تضافر على تأكيد وجوبه الكتاب والسنة والإجماع. يقول القرطبي: « … وهذا أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون … » (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. يستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة (٣). قال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة من وديعة، وقِراض، وقرْض، وغير ذلك» (٤). مأخذ الحكم: إخبار المولى بالحكم، في قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، والأمر للوجوب. قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية، قال: «يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٥)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان،

стр. 414

من حقوق الله على عباده، من الصلوات والزكوات، والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيِّنة على ذلك. فأمر الله بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة» (١). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. يستدل بالآية على رد الوديعة. قال الرازي: «أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة له؛ لأنه خيانة لعطيته، وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمتها، فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً، فصارت وديعة، والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس؛ إذ الخيانة ضد الأمانة» (٢). مأخذ الحكم: ذكر الرازي قبل كلامه السابق ستة أسباب قيلت في نزول الآية، ثم ذكر كلامه السابق، وختمه بقوله: «وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣).

стр. 415

ويؤخذ من كلامه السابق: أن الوديعة أمانة، فدخلت في عموم وجوب رد الأمانة؛ لأن النهي عن الخيانة أمر بأداء الأمانة؛ إذ الخيانة ضد الأمانة، والنهي عن الشيء أمر بضده.

стр. 416

كتاب النكاح قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ البقرة: ٢٢١ استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: اعتبار الولي في النكاح (١). مأخذ الحكم: أسند نكاح النساء إلى الرجال الأولياء، وذلك برفع التاء في قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٢). قال ابن العربي عن هذا الاستدلال: وهي مسألة بديعة، ودلالة صحيحة (٣). تنبيه: يرى بعض المفسرين عدم دلالتها على المسألة؛ لأنّ المراد النهي عن اتباع هذا الفعل، والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك. قال الموزعي: " وربَّما استدلَّ بهذه الآية من يقول باشتراط الولي في النكاح؛ اعتقاداً منه أن الخطاب مع الأولياء، ولا دلالة فيه؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإن سلم فالخطاب وارد بالمنع للأولياء من إنكاح المشرك، ومنع الوليِّ لا يوجب له ولاية " (٤).

стр. 417

• الحكم الثاني: تحريم نكاح المشركات (١). مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾، وهو يقتضي التحريم، وضمير الجمع يفيد العموم، فلا يحل للمسلم حرًا كان أو عبداً أن ينكح المشركات. و ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ لفظ جمع عرف بالألف واللام فهو يفيد العموم، فيعم كل مشرك سواء كانت كتابية أو غير كتابية. ويدخل في عموم المشركات، الحرائر والإماء، والآية وإن كان لها سبب نزول إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسبب النزول ما ورد في قصة أبي مرثد الغنوي عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة سراً، ليخرج رجلاً من أصحابه، وكانت له امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها عناق، فجاءته فقال لها: إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنها مشركة، ومعلوم أن كفار مكة الذين يعبدون الأصنام وثنيون (٢). تنبيهان: الأول: يخرج من تعريف المشركة من كانت تؤمن بنبيٍّ، ومقرون بكتاب سماوي، وهم أهل الكتاب، وهو قول جمهور أهل العلم (٣)، وقد نصّ القرآن على حل نسائهم، في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].

стр. 418

ومما يؤيد عدم تناول تحريم المشركات لأهل الكتاب قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] وغيرها من الآيات مما خالف بين المشركين وأهل الكتاب. يقول ابن قدامة: «وسائر آي القرآن يفصل بينهما» (١). ثم إن الاستدلال بعموم الآية على تحريم أهل الكتاب باعتبار أنّهم مشركون يقولون (عزير ابن الله) و (المسيح ابن الله) وكذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] معارض بخصوص الآية المحللة لنكاح أهل الكتاب، والخاص يجب تقديمه. أو يقال إن عموم النصّ يقتضي حرمة نكاح جميع المشركات إلا أنه خص منهن الحرائر من الكتابيات بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهن الحرائر، وبقيت الإماء منهن على ظاهر العموم. ويؤيد عدم حل إماء أهل الكتاب، مفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النساء: ٢٥ فإن لم تكن مؤمنة فلا يحل نكاحها. الثاني: دلّ مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ على حل نكاح المشركات إن آمنّ وهو ظاهر. قال الموزعي: " وأجاب الحنفية بأن المراد بالمحصنات العفائف، وقد فسره بذلك غيرُ ابنِ عمر ﵄. وبأن المفهوم ليس بدليل عندهم. وبأن التقييد للاستحباب؛ لأنها خيرٌ من الحُرَّة الكتابية، وقد أبيح نكاحها، وإن كانت دونها. وبأن الخطاب واردٌ على التغلييب، لا على التقييد، والغالب على الإماء الإسلام.

стр. 419

وبقول مالك والشافعي أقول؛ لما فيه من الاحتياط، والتحريم أولى؛ لظهور التقييد على التغليب في سائر آي القرآن " (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم العضل على الأولياء. والعضل: المنع من الزوج (٢). مأخذ الحكم: سبب النزول بيَّنَ حكم التحريم الثابت بالنّهي بقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وقد روى البخاري عن معقل بن يسار قوله: إنّها نزلت فيه، «قال: زوجت أختاً لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجها إياه» (٣). • الحكم الثاني: اشتراط الولاية في النكاح (٤). مأخذ الحكم: دلت الآية على اشتراط الولي في النكاح بدلالة الإشارة. وبيان ذلك: أن خطاب النهي في قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء بإجماع المفسرين، وإنما يؤمر بألا يعضل المرأة -لأن النهي عن شيء أمر بضده- من له سبب إلى العضل، فدل على أنه لا يتم نكاحها إلا بالولي.

стр. 420

يقول الشافعي: «وهذا أبين ما في القران أن للولي مع المرأة في نفسها حقاً» (١). فالآية إذاً لم تسق لاشتراط الولي، بل لتحريم عضل الأولياء لمولياتهم، ودل بطريق الإشارة إلى أن للولي حقاً في نفس المرأة. قلت: وربما كانت من دلالة الالتزام؛ إذ يلزم من النهي عن العضل أن له حقاً فيه، وإلا لم يكن للنهي فائدة. قال السعدي: «لأنّه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلّا عن أمر هو تحت تدبيرهم ولهم حق فيه» (٢). • الحكم الثالث: المرأة إذا اختارت الولي غيره ما اختارته هي (٣). مأخذ الحكم: لأنه سبحانه أضاف النكاح في قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ لهن، وهو فعل مضاف إليهن، وإذا نُهي عن المنع وجب ألا يكون له حق فيما نهى عنه من منع المرأة (٤). وشرط أن يكون كفئًا؛ لأجل إعفافها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. استدل بالآية على جواز استقلال المرأة بعقد النكاح على نفسها، دون حاجة إلى ولي إلا أن تفعل بغير المعروف من تزوج غير الأكفاء (٥).

стр. 421

مأخذ الحكم: الأخذ بظاهر الآية ومنطوقها، ويبينه ما يأتي: قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ رفع الإثم والمؤاخذة عن هذا الفعل، وهو هنا الاستقلال بعقد النكاح. وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ ف (ما) اسم موصول يعم كل فعل، ومنه الاستقلال بعقد النكاح. وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قيد أول، يدل بمفهوم صفته أن المرأة لا تلي عقد غيرها من النساء. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ دل بمفهوم صفته - أيضا - ما سبق ذكره من أن المرأة إن تصرفت في عقدها بغير المعروف فهي آثمة، ومؤاخذة عليه، فعليها الجناح في ذلك. وهذا مفهوم لا حجة فيه لمخالفته النص الصريح القاطع في قوله ﵊: (لا نكاح إلا بولي) (١). وكذا ما سبق في قوله: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. قال الموزعي: «ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]» (٢).

стр. 422

قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الخطبة وإباحة التعريض بها في العدة قولاً أو فعلاً (١). والتعريض: أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلّا أن إرشاده بالمقصود أتم. أو هو: ما يحتمل الرغبة وغيرها، مثل: ورب راغب منك، إني أريد التزوج، وددت أنّه يتيسر لي امرأة صالحة (٢). قلت: أما الأفعال فكأن يرسل لها هدية، أو يرسل لها من يتفقد أحوالها من نسائه … الخ. مأخذ الحكم: رفع الجناح على من فعل ذلك، في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا إثم ولا حرج، وهو أسلوب خبري عن الحكم الشرعي. وكونه شاملاً للقول والفعل مأخوذمن العموم في قوله ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾، و (ما) اسم موصول يفيد العموم في جميع أنواع التعريض، من أقوال أو أفعال. تنبيه: قوله ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، و ﴿النِّسَاءِ﴾ اسم جمع عرف بالألف واللام فهو عام، ويراد به هنا خصوص المعتدات. ويرى الشافعي أن المراد به المعتدة من وفاة زوجها.

стр. 423

يقول الموزعي: «ولعله استأنس بتعقيب ذكر الخطبة بعد ذكر عدتهن» (١) أي: المتوفى عنهن أزواجهن. وقال: «وذلك عام فيهن ما خلا الرجعية؛ فإنه لا يجوز التعريض بخطبتها؛ لأنها في معنى الرجعية» (٢) • الحكم الثاني: لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة بأي قول، حال العدة (٣). مأخذ الحكم: أولاً: دلت الآية على ذلك بمفهوم المخالفة، وعليه فإن الجناح والإثم مرفوع عمن عرَّض في ذلك، ومفهومه أن الإثم لا يرفع عمن صرح بخطبة المعتدة، ويؤكد هذا المفهوم تفسير بعض أهل العلم قوله تعالى ﴿سِرًّا﴾ بالتصريح بالخطبة.

стр. 424

وعليه فمفهوم قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: جواز المواعدة جهرًا. وهذا المفهوم غير مراد لأمرين: الأول: لمعارضته المفهوم السابق من حل التعريض ورفع الجناح عنه، فمفهومه كما سبق أن التصريح غير جائز. الثاني: أن المواعدة على النكاح سرًا إنما خرجت مخرج الغالب. ثانياً: قوله ﴿سِرًّا﴾ نكرة أتت في سياق النهي فتعم جميع أقوال التصريح بالخطبة. تنبيه: قوله ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الاستثناء متصل وذلك بناء على أن السر في الآية معناه المواعدة على النكاح، فيكون من جنس الكلام والقول المعروف وهو التعريض الذي أحله الله تعالى. ثالثاً: دلَّ مفهوم قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أنه إذا بلغ الكتاب أجله - وهو انتهاء العدة وهي قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ - فإنَّ المعتدة تحل للخُطَّاب، تصريحاً وتعريضاً. فائدة: ذكر العلماء من علل تحريم التصريح بالخطبة: أنّ الخاطب إذا صرح بالخطبة تحققت رغبته فيها، فربما تكذب في انقضاء العدة، فيكون التحريم سدًا للذريعة، أو يكون التحريم مستفادًا من مفهوم إباحة التعريض، فلا يباح غير ذلك (١). • الحكم الرابع: تحريم العقد في العدة، سواء كانت حرّة أو أمة (٢). مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾، وهو يقتضي التحريم. وضمير الجمع للعموم، فيعم كل طالب للنكاح في حال عدة المرأة، والآية في سياق عدة المتوفى عنها زوجها. وقول: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ اسم جنس مضاف، فيعم أي عقد، سواءً كان على حرة أو أمة. ودلت الآية بمفهوم الموافقة الأولوي على حرمة عقد النكاح حال العدة، لأنه سبحانه لما نهي عن العزم دلنا على تحريم النكاح.

стр. 425

قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ دلّت الآية بمفهوم الغاية على أنه إذا بلغ الكتاب أجله، وهو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ البقرة: ٢٣٤ فإنها تحل للخُطاب، ويجوز نكاحها. • الحكم الخامس: جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدة لها (١). مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه ليست زوجة، ليس لها عدة، فالزوجة من عُقد عليها بنكاح صحيح سواء دخل بها أو لا. قلت: والله أعلم هذا المفهوم خرج مخرج الغالب لا حجة فيه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. يستنبط من الآية الأحكام الآتية: • الحكم الأول: عدم وجوب النكاح مع الترغيب فيه. مأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد خيَّر الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الواجب» (٢). • الحكم الثاني: مشروعية نكاح اليتامى، وأن للولي إذا أقسط في اليتيمة أن ينكحها من نفسه (٣).
следующие страницы →