مأخذ الحكم: الأخذ بظاهر الآية ومنطوقها، ويبينه ما يأتي:
قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ رفع الإثم والمؤاخذة عن هذا الفعل، وهو هنا الاستقلال بعقد النكاح.
وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ ف (ما) اسم موصول يعم كل فعل، ومنه الاستقلال بعقد النكاح.
وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قيد أول، يدل بمفهوم صفته أن المرأة لا تلي عقد غيرها من النساء.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ دل بمفهوم صفته - أيضا - ما سبق ذكره من أن المرأة إن تصرفت في عقدها بغير المعروف فهي آثمة، ومؤاخذة عليه، فعليها الجناح في ذلك.
وهذا مفهوم لا حجة فيه لمخالفته النص الصريح القاطع في قوله ﵊: (لا نكاح إلا بولي) (١). وكذا ما سبق في قوله: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
قال الموزعي: «ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]» (٢).
стр. 422
قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الخطبة وإباحة التعريض بها في العدة قولاً أو فعلاً (١).
والتعريض: أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلّا أن إرشاده بالمقصود أتم.
أو هو: ما يحتمل الرغبة وغيرها، مثل: ورب راغب منك، إني أريد التزوج، وددت أنّه يتيسر لي امرأة صالحة (٢).
قلت: أما الأفعال فكأن يرسل لها هدية، أو يرسل لها من يتفقد أحوالها من نسائه … الخ.
مأخذ الحكم: رفع الجناح على من فعل ذلك، في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا إثم ولا حرج، وهو أسلوب خبري عن الحكم الشرعي.
وكونه شاملاً للقول والفعل مأخوذمن العموم في قوله ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾، و (ما) اسم موصول يفيد العموم في جميع أنواع التعريض، من أقوال أو أفعال.
تنبيه: قوله ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، و ﴿النِّسَاءِ﴾ اسم جمع عرف بالألف واللام فهو عام، ويراد به هنا خصوص المعتدات.
ويرى الشافعي أن المراد به المعتدة من وفاة زوجها.
стр. 423
يقول الموزعي: «ولعله استأنس بتعقيب ذكر الخطبة بعد ذكر عدتهن» (١) أي: المتوفى عنهن أزواجهن.
وقال: «وذلك عام فيهن ما خلا الرجعية؛ فإنه لا يجوز التعريض بخطبتها؛ لأنها في معنى الرجعية» (٢)
• الحكم الثاني: لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة بأي قول، حال العدة (٣).
مأخذ الحكم:
أولاً: دلت الآية على ذلك بمفهوم المخالفة، وعليه فإن الجناح والإثم مرفوع عمن عرَّض في ذلك، ومفهومه أن الإثم لا يرفع عمن صرح بخطبة المعتدة، ويؤكد هذا المفهوم تفسير بعض أهل العلم قوله تعالى ﴿سِرًّا﴾ بالتصريح بالخطبة.
стр. 424
وعليه فمفهوم قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: جواز المواعدة جهرًا.
وهذا المفهوم غير مراد لأمرين:
الأول: لمعارضته المفهوم السابق من حل التعريض ورفع الجناح عنه، فمفهومه كما سبق أن التصريح غير جائز.
الثاني: أن المواعدة على النكاح سرًا إنما خرجت مخرج الغالب.
ثانياً: قوله ﴿سِرًّا﴾ نكرة أتت في سياق النهي فتعم جميع أقوال التصريح بالخطبة.
تنبيه: قوله ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الاستثناء متصل وذلك بناء على أن السر في الآية معناه المواعدة على النكاح، فيكون من جنس الكلام والقول المعروف وهو التعريض الذي أحله الله تعالى.
ثالثاً: دلَّ مفهوم قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أنه إذا بلغ الكتاب أجله - وهو انتهاء العدة وهي قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ - فإنَّ المعتدة تحل للخُطَّاب، تصريحاً وتعريضاً.
فائدة: ذكر العلماء من علل تحريم التصريح بالخطبة: أنّ الخاطب إذا صرح بالخطبة تحققت رغبته فيها، فربما تكذب في انقضاء العدة، فيكون التحريم سدًا للذريعة، أو يكون التحريم مستفادًا من مفهوم إباحة التعريض، فلا يباح غير ذلك (١).
• الحكم الرابع: تحريم العقد في العدة، سواء كانت حرّة أو أمة (٢).
مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾، وهو يقتضي التحريم. وضمير الجمع للعموم، فيعم كل طالب للنكاح في حال عدة المرأة، والآية في سياق عدة المتوفى عنها زوجها.
وقول: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ اسم جنس مضاف، فيعم أي عقد، سواءً كان على حرة أو أمة.
ودلت الآية بمفهوم الموافقة الأولوي على حرمة عقد النكاح حال العدة، لأنه سبحانه لما نهي عن العزم دلنا على تحريم النكاح.
стр. 425
قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ دلّت الآية بمفهوم الغاية على أنه إذا بلغ الكتاب أجله، وهو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ البقرة: ٢٣٤ فإنها تحل للخُطاب، ويجوز نكاحها.
• الحكم الخامس: جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدة لها (١).
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه ليست زوجة، ليس لها عدة، فالزوجة من عُقد عليها بنكاح صحيح سواء دخل بها أو لا.
قلت: والله أعلم هذا المفهوم خرج مخرج الغالب لا حجة فيه.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم وجوب النكاح مع الترغيب فيه.
مأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد خيَّر الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الواجب» (٢).
• الحكم الثاني: مشروعية نكاح اليتامى، وأن للولي إذا أقسط في اليتيمة أن ينكحها من نفسه (٣).
стр. 426
مأخذ الحكم:
أولاً: دلَّ مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على جواز تجويز اليتيمة عند حصول القسط، بمعنى إن لم يخف ألا يقسط، بأن يوفيها حقها، فله التزوج باليتيمة.
والخطاب في قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ للأولياء بحسب سبب نزول الآية، وهو عام بحسب ضمير الجمع في قوله ﴿تُقْسِطُوا﴾ فيعم الأولياء وغيرهم؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سببه.
و ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع معرف بال غير عهدية فيعم كل يتيمة.
ثانياً: دلَّ مفهوم الموافقة على الحكم السابق؛ إذ لو كان لغير الولي أن ينكح اليتيمة إذا أقسط إليها، فكذلك الوالي إذ ليس لنهيه عما هو إلى غيره معنى.
تنبيه: في الآية مفهوم شرط آخر، وهو أنه إن لم يخف ألا يقسط في اليتامى - بأن يعدل بينهن - فليس له أن ينكح غيرهن مما طاب له من النساء. وهذا المفهوم غير معتبر بالإجماع.
يقول ابن العربي: «فإن كل من علم أنه يقسط لليتيمة جاز له أن يتزوج سواها، كما يجوز ذلك له إذا خاف ألا يقسط» (١).
ويقول القرطبي مبينًا سبب عدم اعتبار هذا المفهوم: «فدل على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم» (٢)، وما كان جوابًا لسبب لا مفهوم له.
وبيَّن الموزعي سبب عدم اعتبار المفهوم بقوله: «لو كان كذلك لما جاز لنا أن
стр. 427
ننكح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع عند عدم خوف الجور، ولا يجوز القول بذلك، بل ذلك إرشاد من الله للمتصفين بذلك إلى ما فيه صلاحهم من فراق اليتيمة والتزوج بسواها» (١).
• الحكم الثالث: مشروعية نكاح ما طاب من النساء إلى أربع، وعند الخوف من الجور والظلم فالمشروع واحدة (٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا﴾، وحُمِل على الوجوب، وحمله البعض على الاستحباب. والنكاح تختلف أحكامه بحسب حال الناكح، وتفصيلات ذلك في الفقه.
قال الموزعي: «فحمل أهل الظاهر الأمر في هذا على الوجوب، وحمله جمهور أهل العلم على الاستحباب مطلقاً، وذهب بعض متأخري المالكية إلى تقسيمه إلى واجب ومستحب ومباح، بحسب ما يخشى من العنت .. » (٣)
• الحكم الرابع: مشروعية نكاح العبد إلى أربع نسوة (٤).
مأخذ الحكم: ضمير الجمع في قوله ﴿فَانْكِحُوا﴾ يدل على العموم، ويدخل فيه العبيد.
قال الموزعي: «فالخطاب عام في الأحرار والعبيد، وقد قدمت اندراج العبيد في خطاب الأحرار في قول أكثر أهل العلم» (٥)
стр. 428
وقال بعضهم: لا يجوز له أن ينكح أكثر من اثنتين، وعارضوا العموم بالقياس، فقالوا بتشطير العدد على العبد في النكاح قياسًا على تشطير الحد، فلا يجوز للعبد نكاح أكثر من اثنتين.
• الحكم الخامس: لا يجوز نكاح المشركة والزانية وغيرهما من المحرمات.
مأخذ الحكم: أنَّ ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ اسم موصول، وهو من صيغ العموم، فتعم ما دخلت عليه، وهو كل ما حلَّ من النساء.
ومفهومه يدل على تحريم ما حرم علينا كالمشركة والزانية، أو المحرمات من النسب والرضاع والمصاهرة - كما سيأتي - وهو من مفهوم الصفة.
يقول ابن جرير: «يعني: فانكحوا ما حل لكم منهن، دون ما حرم عليكم منهن» (١).
• الحكم السادس: لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع (٢).
مأخذ الحكم: دلَّ منطوق قوله ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ على جواز نكاح ثنتين وثلاث وأربع.
ودلَّ بمفهوم العدد عدم جواز الزيادة على الأربع، فيحرم ما زاد على الرابعة.
وجاءت السنة مبينة ومؤيدة لهذا المفهوم في قوله ﷺ لغيلان لمّا أسلم وتحته عشرة نسوة: «أمسك أربعًا وفارق سائرهن» (٣).
стр. 429
• الحكم السابع: لا يجوز للرجل التعداد إن خاف ألا يعدل (١).
مأخذ الحكم: دلَّ عليه منطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال الموزعي: «ثمَّ بين سبحانه أن الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أولى وأفضل؛ لخلوه من الجور، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: لا تميلوا ولا تجوروا .... ولا شك أن العدل واجب بالإجماع، وتفاصيله مذكورة في كتب الفقه» (٢)
ودلَّ مفهوم الشرط أنه إن لم يخف العدل، وذلك إذا استطاع أن يعدل بينهن جاز له التعداد، وقوله ﴿فَوَاحِدَةً﴾ جواب شرط أي فتزوج واحدة.
• الحكم الثامن: جواز وطء ما شاء ممن يملك من الإيماء.
مأخذ الحكم: ﴿مَا﴾ في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، اسم موصول يفيد العموم فيعم كل ما يملك من الإيماء، فيجوز له وطء ما شاء دون تحديد العدد.
وقوله ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع مضاف يعم كل أمة سواء كانت مشتراه أو مسترقة بالسبي.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي
وضمير الجمع في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم، فيشمل جميع الأبناء، وأبناءهم وإن نزلوا.
و (مَا) الموصولة في قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ تفيد عموم صلته، فيشمل المنكوحة الحرة أو الأمة بملك اليمين، لأن النكاح حقيقة في الوطء عند بعضهم، ومجاز يمكن حمل الكلام عليه عند بعضٍ آخر.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب والرضاعة.
• الحكم الثاني: تحريم منكوحة الآباء بنكاح الشبهة الذي وقع من أبيه.
مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولوي.
قال الموزعي: «ونكاح الشبهة بطريق التنبيه والأولى.» (١).
ولعل الأولوية، لأن النكاح يطلق على الوطء كحقيقة لغوية، وبه دخلت الأمة في التحريم، أما نكاح الشبهة ففيه الوطء والعقد أيضاً فكان أولى بالتحريم لدخوله في معنى النكاح بلا خلاف.
تتمة: قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ قيل: المراد بالنكاح هنا: الوطء، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء، وحمله بعض العلماء على الوطء دون العقد للقرينة المتصلة بالآية نفسها ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء.
والأصل حمل الكلام على حقيقته إلا إذا ورد ما يصرفها عنه، والصارف هنا القرينة المتصلة بهذا اللفظ.
стр. 432
يقول التلمساني: «وذلك أن العرب كانت في الجاهلية تخلف الآباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجدون عليهن عقداً، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ النساء: ١٩ وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد.» (١).
قلت: ويمكن هنا حمل لفظ النكاح على محتملاته من حقيقة ومجاز، وهذا مذهب المعممين، وعليه فتحرم على الابن زوجة الأب غير المدخول بها، وكذا التي وطؤها من غير عقد صحيح، أو من غير عقد أصلاً.
• الحكم الثالث: تحريم نكاح النساء المذكورات، على جهة الإجمال، وسيأتي تفصيل المحرمات، في الأحكام الآتية (٢).
مأخذ الحكم: ورود التحريم بلفظه الصريح ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهو خبر عن الحكم، وهو نص صريح لا إجمال فيه.
قال ابن الفرس: « .... ومن لاحن العرب ومارس اللغة واطَّلع على عرف أهلها علم أنه لا يستراب في أن من قال: حرمت عليك الدار إنما يريد الدخول فيها خاصة، أو الطعام إنما يريد الأكل خاصة، أو النساء إنما يريد الجماع، وهذا صريح عندهم مقطوع به، فكيف يكون مجملا» (٣).
وسب الخلاف يرجع إلى إضافة التحريم لأعيان النساء، والتحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست
стр. 433
مورداً للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين.
فقال قوم: إن الفعل في هذه الآية لا يُدرى ما هو؟ هل النظر أو المضاجعة، أو الوطء، فلا يُدرى أي ذلك حرِّم، ولولا تبيينها بغيرها لما عُلم المرد منه، فهي إذاً مجملة.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المحرم هو نكاحهن، ولهم على ذلك العرف كما سبق (١).
ونقل ابن الفرس عن قوم قولهم: «إن الآية من قبيل المحذوف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يوسف: ٨٢
ثم قال: «وهذا إن أراد أنه مجاز فيلزم أن تسمى الأسماء العرفية مجازاً .... فأما على قول من يرى اللفظ الشامل للحقيقة والمجاز عاماً فتعلقه بالآية في التحريم ظاهر، لكنه قول ضعيف، ومن لم ير ذلك فوجه تعلقه بالتحريم الإجماع» (٢) .. وسيأتي بيان هذا عند تفصيل المحرمات.
• الحكم الرابع: تحريم نكاح الأم، وأم الأب، وأم الأم، وجدتي الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات (٣).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله: (أُمَّهَاتُكُمْ)، وهو جمع مضاف يعم كل أم شرعاً، وهي: كل أنثى لها عليك ولادة، أو انتهى نسبك إليها بالولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي كانت فيها الولادة المباشرة، أو مجازاً وهي التي منها الولادة بواسطة وإن علت، فيدخل فيه أم الأب، وأم الأم، وجدتي
стр. 434
الأب، وجدتي الأم وإن علون، وارثات كنّ أو غير وارثات، كلهن محرمات.
وهذا على قول من يرى أن اللفظ العام يشمل الحقيقة والمجاز، أو أن اللفظ العام يجوز أن يقصد به كلًّا من الحقيقة والمجاز في مكانين مختلفين.
أما القائلون بأن اللفظ الواحد لا يقصد به الحقيقة والمجاز فإن تحريم الجدات -الأمهات مجازاً- إنما كان عندهم بدليل الإجماع.
وقد يتبادر إلى الذهن أن الجمع المضاف يعم، فما وجه العموم في الآية إذا حملت على الأم حقيقة؟
قلت: لعل هذا داخل تحت قاعدة مقابلة الجمع بالجمع، فبيَّن الشارع حكم نكاح كل رجل لأمه، والله أعلم.
• الحكم الخامس: تحريم نكاح البنات، وهنَّ كل أنثى انتسبت إليك بالولادة (١).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، وهو جمع مضاف، فيعم كل أنثى انتسبت إليك بالولادة، كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن، وارثات أو غير وارثات، على القول-كما سبق- بأن اللفظ الواحد يجوز أن يقصد به كلا الحقيقة والمجاز، أو على القول بأن المحرمات من البنات مجازا إنما كان بالإجماع.
وعلى كلا القولين فإن البنات داخلات في التحريم بلا خلاف، وإنما الخلاف واقع في تحريم البنت إن كانت من الزنا.
فذهب فريق من العلماء إلى أنها داخلة في عموم الآية، لأنها أنثى مخلوقة من
стр. 435
مائه، وهذه حقيقة كونها ابنته، ولا تختلف هذه الحقيقة بالحل والحرمة، وقاسوها على المخلوقة من وطء الشبهة.
وذهب فريق آخر إلى عدم حرمة نكاح الرجل ابنته من الزنا، لعدم دخولها في الآية، بحجة أنها لا تسمى بنتاً شرعاً (١)، بدليل أن نسبها لا يثبت في الوارثين، ولا تستحق النفقة، فليست داخلة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ النساء: ١١، ولا في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٣٣، وإذا لم تكن داخلة في عموم الآية المحرمة، فهي داخلة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ النساء: ٢٤
وذكر ابن الفرس وجهاً من الآية للقائلين بعدم حرمتها فقال: «واحتج من لم يحرم بأن الله تعالى إنما حرم على الإنسان البنت المضاف إليه، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فأضاف التحريم إلى هذا الاسم المشتق، فكأنه قال: حرمت البنت لبنوتها، وهي الصبية الحاصلة من الزنا غير مضافة إلى الزاني، فلم تدخل في آية التحريم.» (٢).
قلت: لعل هذا على القول بأن مفهوم اللقب إن كان مشتقاً فإنه حجة (٣).
واستدل كل واحد من الفريقين بالسنة باعتبارها مبينة للقرآن، وبأدلة أخرى ليس هذا مجال الاستطراد بها (٤).
стр. 436
• الحكم السادس: تحريم الأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم (١).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم الأخوات من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإن اسم الأخت حقيقة يتناول الأصناف الثلاثة، لأن الأختية تعني المجاورة، إما في الرحم وإما في الصلب.
• الحكم السابع: تحريم نكاح العمات، وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الأجداد من قبل الأب، ومن قبل الأم، قريباً كان الجد أو بعيداً مجازاً (٢).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة فيعم العمات وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأب وإن علو، كما سبق.
• الحكم الثامن: تحريم نكاح الخالات وهن كل من ولده جدك أو جدتك من قبل الأم وإن علو- فيدخل فيها أخوات الأم من الجهات الثلاث حقيقة، وأخوات الجدات وإن علون مجازاً (٣).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم الخالات - على ما سبق - فكلهن محرمات.
стр. 437
• الحكم التاسع: تحريم نكاح بنت الأخ (١).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾، وهو جمع معرف بالإضافة، فيعم كل من لأخيك عليه ولادة، فيعم جهات الأخ الثلاثة.
• الحكم العاشر: تحريم نكاح بنت الأخت (٢).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ جمع معرف فيعم كل من لأختك عليه ولادة، فيعم جهات الأخت الثلاثة.
• الحكم الحادي عشر: تحريم الأم بالرضاعة (٣).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. فقوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ) جمع مضاف-كما سبق- فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون.
• الحكم الثاني عشر: تحريم نكاح الأخوات من الرضاعة (٤).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، ويدخل في الأخوات وهي كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى.
وأطلق سبحانه الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق
стр. 438
الإرضاع يحرم، وعليه يحصل التحريم برضاع الكبير، كما سيأتي في باب الرضاع.
• الحكم الثالث عشر: أمهات الزوجات (١).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهو جمع مضاف فيعم، فتحرم على الزوج أم زوجته، وجدتها، سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم من نسب أو رضاع، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ عطفا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وتحريم الجدات كما سبق، إما أن يكون بعموم اللفظ لحقيقته ومجازه، أو أن تحريمهن كان بالإجماع.
وقد يكون التحريم بمفهوم الموافقة المساوي، إذا قلنا: إن الأم في الآية بمعنى الأصل.
تنبيه: أطلق تحريم أمهات الزوجات ولم يقيده بالدخول كما فعل مع البنت الربيبة -كما سيأتي -، وقد وقع خلاف العلماء هل يحرمن بالعقد على البنات أو بالدخول عليهن؟، ومن قال بالدخول فكان مأخذه القياس على البنت، فكما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها فكذلك الأم لا تحرم إلا بالدخول على بنتها. وأخذ جمهور أهل العلم بمقتضى الإطلاق، ولم يشترطوا الدخول بهن.
ونقل الموزعي عن بعض المتأخرين أن منشأ اختلاف الفريقين هو الأصل المشهور في الصفة إذا تعقبت جُملاً عطف بعضها على بعض هل يعود إلى الجميع أو يختص بالأخيرة؟.
وأعتقد أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ -وهي الصفة هنا- عائد إلى الجميع على قول. وغير عائد على قول.
стр. 439
ثم قال، أي الموزعي: «وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاص بالربائب.» (١)
ومما يؤيد ما رجحه الموزعي ما قرره أهل اللغة وهي من القواعد التفسيرية أن الضمير يعود-وذلك في قوله: ﴿بِهِنَّ﴾ - إلى أقرب مذكور وهن الربائب.
• الحكم الرابع عشر: تحريم نكاح الربيبة (٢).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾، وهو جمع مضاف فيعم، كل ربيبة سواء كانت في حجر الزوج، أو ليست في حجره، وسواء دخل بأمها أولا. كما أن اللفظ يشمل بنات الربيبة، وبنات الربيب، وانعقد الإجماع على تحريمهن.
فقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد يدل مفهوم صفته على أنّهن إذا لم يكن في الحجور لا يحرمن.
وذهب جمهور أهل العلم على أنه لا مفهوم له في هذه الآية، لخروجه مخرج الغالب، فإن الغالب الموجود من أحوال الناس أن الربائب لا يكن إلا في حجور أزواج أمهاتهن (٣).
قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قيد يدل بمفهوم صفته أنه إن لم يكن دخل بأمها فله أن ينكحها فلا جناح ولا إثم عليه، وهذا مفهوم معمول به، وجاءت تكملة الآية منطوقة به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
стр. 440
• الحكم الخامس عشر: تحريم زوجات الأبناء (١).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى عموم قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، وهو جمع مضاف فيعم زوجة الابن، وابن الابن، وابن البنت من النسب وإن نزلوا، سواء دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل.
وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ﴾ مفهومه بالصفة يقتضي عدم تحريم ما وطئه الابن بملك اليمين، لأن لفظ الحليلة مخصوص بالمنكوحة، لكن الإجماع دل على عدم اعتبار هذا المفهوم، وألحق ما وطئها الابن بملك اليمين بالمنكوحة (٢).
وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قيد دل بمفهوم صفته على أن زوجة الابن من التبني لا تحرم (٣).
ويؤيد هذا المفهوم الإجماع (٤)، والنص كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
كما أن الآية قيدت بمفهوم الصفة - أيضاً - حليَّة زوجة الابن من الرضاع.
يقول ابن القيم: «ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذاً قُيِّد بكونه ابن الصلب؟ وقَصْد إخراجِ التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع» (٥).
стр. 441
قلت: واعتبار هذا المفهوم خلاف بين أهل العلم، وقد نقل كثير من أهل العلم الاتفاق والإجماع على تحريم حليلة ابن الرضاع، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (١).
وبهذا الحديث يدفع المفهوم الدال على حليلة ابن الرضاع، ومعلوم أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يعارضه منطوق.
يقول الخطابي: «وفي هذا الحديث بيان حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب، وأن المرتضعيْن من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد» (٢).
• الحكم السادس عشر: تحريم الجمع بين الأختين (٣).
مأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عطفاً على قوله في أول الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾
قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ تنحل الجملة إلى مصدر، وهو (الجمع) فيحرم الجمع بين الأختين، و (الجمع) اسم جمع معرف بأل غير عهدية فيعم، ويشمل نكاحهن معاً أو مترتبات.
وضمير الجمع في قوله: ﴿تَجْمَعُوا﴾ يشمل كل ناكح سواء كان حراً أو عبداً.
وقوله: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾ مثنى عرف بأل وهو يفيد العموم، فتشمل الحرائر بالاتفاق سواء كن شقيقتين أو لأب أو الأم، واختلفوا في الأختين بملك اليمين هل
стр. 442
يجوز الجمع بينهما في الوطء.
تتمة: تفيد الآية بمفهومها المخالف عدم دخول غير الأختين، أما بمفهومها الموافق فدلت على حرمة الجمع بين سائر المحارم.
ويرى بعضهم أن تحريم الجمع بين سائر المحارم إنما كان بالقياس (١).
وقد وردت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وورد في مراسيل أبي داود: (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة) (٢).
وتكاد تكون العلة أو الحكمة المذكورة في الحديث محل اتفاق، وقد وردت في أحاديث آخر منها حديث ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة، وقال: إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) (٣)، وهذه العِلَّة توجد عند الجمع بين ذوات الرحم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الاستثناء في الآية راجع إلى الجملة الأخيرة، ومعلوم أن الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى الجميع عند الجمهور إلا إذا دلّ دليل على قصره على الجملة الأخيرة.
ومما يستدل على رجوع الاستثناء للجملة الأخيرة قول ابن عباس ﵄: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين» (٤).
стр. 443
• الحكم السابع عشر: تحريم نكاح ذوات الأزواج (١).
قال السيوطي: «فيها تحريم المحصنات، وهنَّ ذوات الأزواج» (٢).
مأخذ الحكم: إضافة التحريم إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
حيث ذكر المولى المحرمات من النساء بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. ثم عطف عليهم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
(وَالْمُحْصَنَاتُ) جمع عرف بالألف واللام غير العهدية فيعم جميع المحصنات، وهن الزوجات، ويدخل في ذلك الحرائر والإماء.
• الحكم الثامن عشر: جواز نكاح ملك اليمين (٣).
مأخذ الحكم: أن الاستثناء من الحرام حلال.
وبيانه: أن (إِلَّا) في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ استثناء متصل فأخرج الإماء من الحكم السابق فيحل نكاحهن.
وقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع مضاف، فيشمل كل من دخلت تحت ملك اليمين، سواء كانت مسبية، أو مشتراة، أو غير ذالك، وثنية كانت أو كتابية، وسواء كن أخوات أو غير أخوات
والآية نزلت في المسبيات فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ
стр. 444
يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقي عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل عليه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)، أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن (٢)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
• الحكم التاسع عشر: جواز نكاح المتعة (٣).
مأخذ الحكم: نص قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا مبني على القول بأن الآية نزلت في نكاح المتعة، حيث أباح سبحانه المتعة مقابل إتيانهن أجرة الاستمتاع، ويؤيد هذا الحكم -جواز المتعة - القراءة الشاذة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) (٤).
القول الثاني: إن الآية محكمة، ولا علاقة لها بالمتعة، وتأويلها بمعنى: ما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فريضة، وهو قول جمهور المفسرين.
أما القراءة الشاذة فهي لا تثبت قرآناً، ولا تبلغ بيان السنة، لكن إن حملناها على أنها تفسير صحابي محتمل لبيان المتعة، وتفسير الصحابي حجة إلا أن سباق
стр. 445
الآية وسياقها يمنع هذا الاحتمال، وذلك لأن سياق الآية بيان المحرمات، وكان آخر المحرمات المتزوجات من النساء إلا ما ملكت اليمين، ثم قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي تلذذتم به منهن في النكاح الصحيح ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن.
ثم قال بعدها ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلى آخر الآيات التي تبين أن المعنى بهذه الآيات إنما هو النكاح الدائم لا المتعة.
فائدة: على القول بأن الآية في حكم المتعة، فإن الحكم منسوخ بالاتفاق، واختلف العلماء في الناسخ لهذه الآية:
فقال قوم: إن الناسخ لها ما جعله الله بين الزوجين من الطلاق كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآيتان [البقرة: ٢٢٨ - ٢٢٩].
كما نسخت بما فرضه الله من الميراث بين الزوجين، والعدة والصداق للمرأة، وذلك باعتبار وقوع التعارض الذي هو شرط النسخ بين ما يكون في النكاح الصحيح من وقوع الطلاق، وفرض الميراث، ووجوب العدة، وبين خصائص المتعة، التي يتزوج فيها الرجل المرأة على كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، على أن لا ميراث بينهم، ولا طلاق ولا عدة وهذه لوازم الزوجية، فإذا انتفت تلك اللوازم علمنا بأنها ليست بزوجة، لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، وإذا لم تكن زوجة كان وطؤها سفاحاً، واعتداءً، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
стр. 446
وقال قوم: إن الناسخ لها السنة، لقوله ﷺ : (ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه) (١) وفي رواية ما يفيد أن إباحتها بالسنة، لقوله ﷺ : (أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) (٢).
قال الموزعي: «وبتحريم المتعة قال جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأجمع عليه فقهاء الأمصار بعد الخلاف، ولم يخالف فيها إلا الرافضة» (٣).
• الحكم العشرون: إباحة نكاح الحر للإيماء بثلاثة شروط (٤).
عند عدم استطاعة الطول. ومأخذه: مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
(١) نكاحها بإذن سيدها. ومأخذه: الأمر بقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾
(٢) عند خشية العنت، وفسر بالزنا. ومأخذه: منطوق قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾
تنبيه: شدَّد الشارع في نكاح الإيماء، فمنع من وجد طولاً، بقوله: ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، و ﴿طَوْلًا﴾ نكرة في سياق النفي، تفيد العموم، فتدخل فيها معاني الطول، ويحمل اللفظ الشامل هنا عليها. و (من) في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾، تبعيضية،
стр. 447
وقيدت بضمير خطاب الجمع هنا، والمراد به المسلمون. ثمَّ قال سبحانه: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾، وهو جمع مضاف بأل غير عهدية يعم كل محصنة عفيفة من الحرائر، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، شريفة في نسبها أو ضعيفة. كل ذلك إن لم يستطع نكاح الحرة، كما في المسألة الآتية.
• الحكم الحادي والعشرون: من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة (١).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة.
• الحكم الثاني والعشرون: لو استطاع أن ينكح الحرة الكتابية، فإنه يجوز له - أيضاً - نكاح الأمة المسلمة (٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الوصف في قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإنه صف للمحصنات، ومفهومه أنه لو استطاع أن ينكح الحرة الكتابية، فإنه يجوز له - أيضاً - نكاح الأمة المسلمة. ويعضد هذا المفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].
يقول الموزعي: «ومفهوم تقييد المحصنات بالمؤمنات يقتضي أيضًا أنه لو قدر على نكاح حرة كتابية أنه لا يحل له نكاح الأمة. وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيح عندهم، وهو مذهب أبي حنيفة عدم الجواز؛ لأنه لا يخاف العنت بنكاح الحرة الكتابية، فغلب بالقياس على المفهوم. والمختار عندي الجواز، تقديمًا للمفهوم المعضود من قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ
стр. 448
مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] على القياس» (١).
قلت ولعل قصده بالمفهوم من تقييد المحصنات الذي يقتضي عدم جواز نكاح الأمة المسلمة، بجامع سد حاجة الرجل على مفهوم المخالفة بصفة المحصنات بالمؤمنات، والقاضي بحل الأمة المسلمة، ولو استطاع نكاح الحرة الكتابية.
• الحكم الثالث والعشرون: جواز نكاح ما شاء مما ملكت يمينه من المؤمنات، إن لم يستطع إلى الحرة.
مأخذ الحكم: عموم قوله ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مَا﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيعم ما دخل عليه، ووصف بصلته وهو ما كان بملك اليمين.
وعموم قوله ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، فهو جمع مضاف، فيعم جميع ما يملك المسلم من إماء سواء كن مسلمات، أو كافرات، مسشتراة أو مسترقات.
وخُصَّ منه المؤمنات بقوله ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾، أنه ليس له أن ينكح أمته الكافرة، بمفهوم الصفة. ومن باب أولى أمة غير المسلم.
يقول الشنقيطي: «فمهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن، ولو كن كتابيات» (٢).
стр. 449
• الحكم الرابع والعشرون: يشترط ويجب إذن السيد في نكاح الأمة (١).
قال الموزعي: «وقد أجمع أهل العلم على اعتبار هذا الشرط كما قدمته، فلا يحل نكاح أمة إلا بإذن سيدها، وكذلك أجمعوا على أن العبد مثل الأمة، فلا يجوز نكاحه إلا بإذن سيده» (٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وحمله الجمهور على الوجوب، فيشترط في نكاح الأمة إذن سيدها.
وهذا الشرط محل اتفاق - كما سبق - فلا يحل نكاح أمة إلا بإذن سيدها، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فلو نكحت الأمة بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد وباطل.
يقول القرطبي: «والأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ، ولم يجز بإجازة السيد، لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة» (٣).
ويؤيد هذا الحكم بدلالة الإشارة من قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إذ لو لم يكن لإذن سيده فائدة لما أمر الله سبحانه السيد بإنكاحه.
تتمة: قد يؤخذ حكم فساد النكاح من مفهوم المخالفة بتقييد نكاحهن بإذن أهلهن، وهو مفهوم صفة معتبر بالإجماع كما سبق.
стр. 450
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٣٠].
أجمع المسلمون على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية الحرة التي تشتهى فيما عدا الوجه والكفين، وعلى تحريم النظر إليهما - الوجه والكفين - عند خوف الفتنة (١). ومما خصوه من هذا التحريم بالسنة الإباحة أو الندب لرؤية الخاطب من أراد نكاحها.
مأخذ الحكم: أمر الله لنبيه ﷺ بقوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والمأمور به: غض البصر، وحفظ الفرج.
ثمَّ خُصَّ غض البصر، بقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة لما أراد أن يتزوج: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (٢).
وخُصَّ حفظ الفرج، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]
قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
واستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: الأمر بنكاح الأيامى (٣).
وقال السيوطي: «فيه الحث على النكاح، وأنه مجلبة للرزق» (٤).
стр. 451
والأيامى جمع أيم، وهو من لا زوج له، وهو جمع معرف بأل فيشمل الذكر والأنثى. وقيل من لا زوج لها من النساء.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، والأمر على الوجوب، فأوجب الله علينا أن ننكح الأيامى.
وقد أكدت السنة وبينت هذا الوجوب بقوله ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (١).
تنبيه: قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ يفيد أن الأيامى هنا وصف مختص بالأحرار، ولا يدخل في ذلك العبيد والإماء بدليل ذكر الله لهم بعد ذلك، فاصلاً بينهم وبين الأيامى بالضمير ﴿مِنْكُمْ﴾.
• الحكم الثاني: للسلطان إجبار من يمتنع من الأولياء من إنكاح أمته.
مأخذ الحكم: بمقتضى الأمر والإيجاب السابق، فإذا توقف الولي عن إقامة هذا الواجب، فإن للسلطان القيام به، لأنه مما لا يتم الواجب إلا به، وهو مقدور للسلطان، فيجب على السلطان إجبار الولي. والله أعلم.
كما أن ضمير الجمع في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ يفيد العموم وهو خطاب لجميع الأولياء والسادة، ولعله يدخل السلطان حال امتناع أحدهما من القيام بموجب هذا الأمر.
• الحكم الثالث: إنكاح الصالحين من العبيد والإماء (٢).
стр. 452
مأخذ الحكم: عطف المولى الصالحين من العبيد والإماء على الأيامى بخطاب الأمر ﴿وَأَنْكِحُوا﴾، فقال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ واختلف العلماء في مقتضى هذا الأمر.
فقيل: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيجب على السادات تزويج العبيد الصالحين إذا طلبوا النكاح، استدلالاً بظاهر الأمر، ودلالة الاقتران مع الأيامى.
وقيل: يحتمل أن يكون الأمر للندب، لقوة الصارف في المملوكات.
وذكر الموزعي أن من الصوارف هنا القياس فقال: «ولأنه لا فرق بينهم وبين الإماء، ولا يجب على السادات إنكاح إمائهم اتفاقًا، فكذلك العبيد» (١).
ثمَّ قال: «وتخصيص الله بهذا الحكم ذوي الصلاح يقتضي إخراج ذوي الفساد والمشركين، سواء قلنا بالوجوب، أو الاستحباب، وهذ بيِّن، إذ ليس للمشرك على المسلم حق، ولاسيما المملوك، ولما فيه من عدم اكتراثه بالمعصية، وعدم إلزامه لأحكام الإسلام» (٢).
• الحكم الرابع: إثبات الولاية للأولياء (٣).
مأخذ الحكم: دلَّت الآية على الحكم بدلالة الإشارة.
وبيان ذلك: أن الآية سيقت لبيان حكم إنكاح الأيامى، على خلاف سبق - في مشروعيه النكاح - في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ هل هو أمر إيجاب أو ندب، وأخذ من هذا السياق بدلالة الإشارة إثبات الولاية للأولياء؛ لأن الله سبحانه «لم يأمرهم
стр. 453
أن يفعلوا شيئاً لا يستحقونه، ولو كانت عقدة النكاح بيد النساء لما ورد الأمر مضافاً إلا لهن» (١).
تنبيه: دلالة الإشارة تنسحب أيضاً على منع أن ينكح العبد بغير إذن سيده؛ لأنه سبحانه أمر السيد بإنكاح العبيد، بينما سياق الآية كان لبيان ما يتوجه على السادات للعبيد، وهو وجوب أو ندب إنكاح العبيد والإماء الصالحين.
• الحكم الخامس: لا ولاية للمؤمن على الأيم الكافر (٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الحصر، في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، فإنه يدل الحكم المذكور، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
هكذا قرره بعض العلماء، والذي يظهر أنه لا مفهوم له، لظهور فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عداه، وتلك الفائدة هي احتمال كون التقييد مختصاً بوصف الأحرار، بدليل ذكر الله سبحانه للعبيد والإماء بعد هذا التقييد، فكان فاصلاً بينهما (٣).
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب أن يستعف كل من لم يستطع النكاح (٤).
стр. 454
مأخذ الحكم:
أولاً: الأمر في قوله تعالى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾، وهو يقتضي الوجوب.
ثانياً: العموم الوارد بقوله ﴿الَّذِينَ﴾، وهو اسم موصول يفيد العموم بصلته على دخول جميع من لم يجد نكاحاً. فيشمل الأحرار والعبيد.
وسواء كان بالعقد، أو ملك اليمين، لقوله: ﴿نِكَاحًا﴾، وهي نكرة في سياق النهي فتعم كل نكاح.
تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن الاستعفاف مستحب؛ باعتبار أن ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، للتعليل.
قال الموزعي: «يحتمل أن تكون ﴿حَتَّى﴾ للتعليل، والمعنى: وليطلب العفة الذين لا يجدون نكاحاً بالاكتساب؛ لكي يغنيهم الله من فضله، فحينئذ يحصل الوعد من الله بالغنى في طلب النكاح للعفة، ويكون الأمر على الاستحباب والظاهر أن الأمر للوجوب وأن ﴿حَتَّى﴾ للغاية … » (١).
• الحكم الثاني: مشروعية النكاح (٢).
مأخذ الحكم: دلالة المفهوم في قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ إذ هو بيان الغاية التي يستعفف بها، فأمر الله سبحانه عباده المؤمنين الذين لا يجدون نكاحًا أن يستعففوا، فيحفظوا فروجهم عن الزنا إلى أن يغنيهم الله من فضله، ويكون مفهوم الغاية: أن الله سبحانه إذا أغناه، فلا يستعفف، بل يطلب النكاح. وهذا هو الشاهد هنا على مشروعية النكاح.
стр. 455
وقد جاءت السنة مبينة لهذا المفهوم بقوله ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (١).
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
استدلَّ بالآية على مشروعية النكاح، بشرط إيتاء الصداق.
مأخذ الحكم: الإخبار بالحكم الدال على الجواز والإباحة بقوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
وسيأتي حكم الصداق في بابه.
باب الكفاءة والخيار
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم نكاح المشركات مطلقاً، وقد خص منه في سورة المائدة الكتابيات (٢).
مأخذ الحكم: أخذ بعموم ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾.
стр. 456
وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية. وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى» (١).
قيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع (٢).
• الحكم الثاني: جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة المشركة، وجواز نكاح العبد الحرَّة.
مأخذ الحكمين: دلالة التفضيل في الآية.
نكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها، لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم وجود حواز نكاحها مطلقاً، قاله السيوطي، ونقل عن الكيا وغيره قوله: «ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي: إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى» (٣)، ثمَّ غلطه بما سبق.
• الحكم الثالث: تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك.
مأخذ الحكم: دلالة التفضيل في الآية ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، مع تأكيد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
стр. 457
• الحكم الرابع: تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقاً وهو إجماع (١).
مأخذ الحكم: النهي، وهو يقتضي التحريم، وفساد العقد.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
استدل بالآية على: عدم جواز نكاح الأمة إلا عند عدم وجود طول الحرَّة (٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
استدلَّ بالآية على: عدم اشتراط الكفاءة في النسب، ووجوب إنكاح الصالح من العبيد إذا تقدم للخطبة (٣).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، مع عموم قوله ﴿الْأَيَامَى﴾، وهو جمع عرِّف ب (أل) غير عهدية فيعم، جميع الأيامى، فيعم كل من ليس له زوج من الرجال والنساء، والعبيد والأحرار.
فصورة مسألة الكفاءة هنا كما ذكر الموزعي ﵀: ما إذا حمل لفظ الأيامى في الآية على الرجال والنساء، وقلنا بوجوب إنكاحهم، فجاءنا عبد من العبيد الصالحين خاطباً بإذن سيده، فإن الآية تدل على وجوب إجابته، وأن الكفاءة غير
стр. 458
معتبرة إلا في التقوى، وبهذا قال مالك (١).
ودلالة الآية ظاهرة على الصورة المذكورة.
ومنطوق الآية على هذا التفسير وجوب إنكاح الصالح من العبيد والنساء.
ومفهومها عدم وجوب إنكاح من ليس صالحاً منهم.
ويؤيد هذا الحكم وهو عدم اعتبار الكفاءة ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
بحسب ما نقل الزهري أنهم قالوا: يا رسول نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله الآية.
وقد عمل الصحابة ﵃ بذلك، ومما ورد ذكره في القرآن زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
أما ما يتعلق في حكم إنكاح الإيماء فقد سبق بيان حكمة بشروطه عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]
استدل بالآية على: عدم جواز إنكاح الكافر.
стр. 459
مأخذ الحكم: التصريح بالحكم الشرعي بقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ونفي الحل من الأساليب والألفاظ الشرعية الدالة على التحريم.
باب عشرة النساء
قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
ومن العشرة المعاشرة، وبيَّن الشارع ما يحل من ذلك بالآية.
فاستدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز إتيان الحرث، على أي صفة (١).
مأخذ الحكم: أولاً: تفسير الصحابي.
قال السيوطي: «قال ابن عباس: أي قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة. أخرجه عبد في تفسيره، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عنه قال: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي،» (٢).
ووجه العموم مأخوذ من قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ و ﴿أَنَّى﴾ تستعمل بمعنى: أين، وهي عامّة في المكان، فتشمل القبل والدبر.
وبمعنى: كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما سيأتي عن ابن عباس.
стр. 460
• الحكم الثاني: تحريم إتيان الدبر (١).
مأخذ الحكم: استدل بمفهوم جواز إتيان الحرث: عدم جواز إتيان الدبر؛ لأنّ الحرث والزرع مكانه القُبل.
ويؤكد هذا المفهوم ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله «هلكت: حولت رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقال ﷺ : (أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة) (٢).
تنبيه: استدل ابن عمر بالآية على إباحة الوطء في الدبر. وقال إنما نزلت رخصة فيه (٣).
قال السيوطي: «وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري (٤)، وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن ابن القاسم قال ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال ثم قرأ الآية قال أي شيء أبين من هذا؟» (٥). وربما خصوا الرخصة حال كون المرأة حائضة.
ومأخذه: ما سبق في عموم ﴿أَنَّى﴾ للمكان، فتشمل القبل والدبر.