← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية. وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى» (١). قيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع (٢). • الحكم الثاني: جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة المشركة، وجواز نكاح العبد الحرَّة. مأخذ الحكمين: دلالة التفضيل في الآية. نكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها، لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم وجود حواز نكاحها مطلقاً، قاله السيوطي، ونقل عن الكيا وغيره قوله: «ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي: إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى» (٣)، ثمَّ غلطه بما سبق. • الحكم الثالث: تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك. مأخذ الحكم: دلالة التفضيل في الآية ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، مع تأكيد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.

стр. 457

• الحكم الرابع: تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقاً وهو إجماع (١). مأخذ الحكم: النهي، وهو يقتضي التحريم، وفساد العقد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. استدل بالآية على: عدم جواز نكاح الأمة إلا عند عدم وجود طول الحرَّة (٢). مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة. قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. استدلَّ بالآية على: عدم اشتراط الكفاءة في النسب، ووجوب إنكاح الصالح من العبيد إذا تقدم للخطبة (٣). مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، مع عموم قوله ﴿الْأَيَامَى﴾، وهو جمع عرِّف ب (أل) غير عهدية فيعم، جميع الأيامى، فيعم كل من ليس له زوج من الرجال والنساء، والعبيد والأحرار. فصورة مسألة الكفاءة هنا كما ذكر الموزعي ﵀: ما إذا حمل لفظ الأيامى في الآية على الرجال والنساء، وقلنا بوجوب إنكاحهم، فجاءنا عبد من العبيد الصالحين خاطباً بإذن سيده، فإن الآية تدل على وجوب إجابته، وأن الكفاءة غير

стр. 458

معتبرة إلا في التقوى، وبهذا قال مالك (١). ودلالة الآية ظاهرة على الصورة المذكورة. ومنطوق الآية على هذا التفسير وجوب إنكاح الصالح من العبيد والنساء. ومفهومها عدم وجوب إنكاح من ليس صالحاً منهم. ويؤيد هذا الحكم وهو عدم اعتبار الكفاءة ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. بحسب ما نقل الزهري أنهم قالوا: يا رسول نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله الآية. وقد عمل الصحابة ﵃ بذلك، ومما ورد ذكره في القرآن زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أما ما يتعلق في حكم إنكاح الإيماء فقد سبق بيان حكمة بشروطه عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] استدل بالآية على: عدم جواز إنكاح الكافر.

стр. 459

مأخذ الحكم: التصريح بالحكم الشرعي بقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ونفي الحل من الأساليب والألفاظ الشرعية الدالة على التحريم. باب عشرة النساء قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ومن العشرة المعاشرة، وبيَّن الشارع ما يحل من ذلك بالآية. فاستدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز إتيان الحرث، على أي صفة (١). مأخذ الحكم: أولاً: تفسير الصحابي. قال السيوطي: «قال ابن عباس: أي قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة. أخرجه عبد في تفسيره، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عنه قال: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي،» (٢). ووجه العموم مأخوذ من قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ و ﴿أَنَّى﴾ تستعمل بمعنى: أين، وهي عامّة في المكان، فتشمل القبل والدبر. وبمعنى: كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما سيأتي عن ابن عباس.

стр. 460

• الحكم الثاني: تحريم إتيان الدبر (١). مأخذ الحكم: استدل بمفهوم جواز إتيان الحرث: عدم جواز إتيان الدبر؛ لأنّ الحرث والزرع مكانه القُبل. ويؤكد هذا المفهوم ما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله «هلكت: حولت رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقال ﷺ : (أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة) (٢). تنبيه: استدل ابن عمر بالآية على إباحة الوطء في الدبر. وقال إنما نزلت رخصة فيه (٣). قال السيوطي: «وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري (٤)، وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن ابن القاسم قال ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال ثم قرأ الآية قال أي شيء أبين من هذا؟» (٥). وربما خصوا الرخصة حال كون المرأة حائضة. ومأخذه: ما سبق في عموم ﴿أَنَّى﴾ للمكان، فتشمل القبل والدبر.

стр. 461

تتمة: وتأتي ﴿أَنَّى﴾ بمعنى كيف، أي كيف شاء، مقبلة ومدبرة، قائمة ومضجعة، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس هنا، والأوّل وهو المكان مشترط أن يكون في صمامٍ واحدٍ، كما فسَّره ابن عباس. ثمَّ إن قول الصحابي -ابن عمر- عُورض بقول ابن عباس فلا حجة فيه، وهي من اجتهاده لا روايته؛ لذا قال ابن عباس كما عند أبي داود «إنّ ابن عمر وهم، والله يغفر له» (١). • الحكم الثالث: إباحة العزل (٢). مأخذ الحكم: تفسير الصحابي. قال السيوطي: «أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن العزل، فقال: إنكم قد أكثرتم فإن كان رسول الله ﷺ قال فيه شيئاً فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه شيئاً فأنا أقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فإن شئتم فاعتزلوا وإن شئتم فلا تفعلوا» (٣). مأخذ آخر: بناء على العموم في ﴿أَنَّى﴾ للمكان فيشمل وضعه ما بين الفخذين دون الفرج كذلك. • الحكم الرابع: التسمية عند الجماع (٤). مأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث ورد عن ابن عباس قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: قال: بسم الله عند الجماع أخرجه ابن جرير (٥).

стр. 462

قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: للمرأة حقوق وواجبات، وعليها حقوق وواجبات (١). مأخذ الحكم: أولاً: تفسير الصحابي. قال السيوطي: «أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إني أحب أ، أزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي، لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وما أحب أن أستوفي جميع حقي عليها لأنّ الله يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾» (٢). ثانياً: اللام في قوله: ﴿وَلَهُنَّ﴾ و (على) في قوله: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من صيغ الوجوب. فائدة: قدّم المولى سبحانه حقوق المرأة على حقوق الرجل من باب الاهتمام والتأكيد. • الحكم الثاني: وجوب طاعة المرأة للرجل (٣). مأخذ الحكم: تفسير التابعي، قال السيوطي: «وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال طاعة يطعن الأزواج الرجال ولا يطيعونهن» (٤).

стр. 463

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الآية: ٢٣١]. استدلَّ بالآية على وجوب الإمساك بمعروف (١). مأخذ الحكم: الأمر بصيغة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، و ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. ثمَّ النهي عن الإمساك على جهة الإضرار، بقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، مع وصف الفاعل بكونه ظالماً لنفسه بهذا الفعل. والإمساك بمعروف يكون بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، أو فالواجب التسريح. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. استدلَّ بالآية على أن من خاف الجور في العدل ألَّا يزيد على زوجة واحدة أو يعود إلى التسري (٢). مأخذ الحكم: جواب الشرط والأمر بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾، أي: فعليه أن ينكح واحدة. ومفهوم الشرط أنه إن لم يخف الجور جاز له أخذ أكثر من واحدة.

стр. 464

قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب المعاشرة بالمعروف (١). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال السيوطي: «وفيه وجوب ذلك من توفية المهر، والنفقة، والقسم، واللِّين في القول، وترك الضرب، والإغلاظ بلا ذنب، واستدل بعمومه من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها» (٢). • الحكم الثاني: استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس (٣). مأخذ الحكم: الحث على الإمساك بقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ إذْ رتب الخبير العليم الخير الكثير على الإمساك، والمعاشرة بالمعروف الصبر على ما تكرهه النفس بعد ذلك. وقد ذكر المفسرون أن «عسى» من الله واجبة، وفسِّرت بأنها واقعة. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].

стр. 465

استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب رعاية المرأة، وحفظها، وتأديبها (١). مأخذ الحكم: ورود الأمر بصيغة الخبر، في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال القرطبي: «وقوَّام: فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرِّجال على النساء هو على هذا الحدّ؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز» (٢). تتمة: ومن التأديب ما ذكر في الآيات من وعظ الزوجات عند خوف نُشُوزهن، والأمر بهجرهن وضربهن عند ظهور النشوز وتحققه والإصرار عليه، لا عند خوفه. قال الموزعي: «فإنَّ ظهور أماراته لا يبيح الضرب؛ لاحتمال خُلف الأمارات والخطأ فيها، فقد يكون ذلك منها لغمّ وضيق صدر. ونقل عن بعضهم جواز الجمع بين الوعظ والهجران والضرب؛ لأن الواو تقتضي الجمع، لا الترتيب، وحمل خوف النشوز على ظهوره والعلم به تجوُّزاً، كما في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ﴾ [البقرة: ١٨٢]، والأول أصحُّ .... » (٣). • الحكم الثاني: وجوب طاعة المرأة لزوجها. مأخذ الحكم: ورود الأمر بصيغة الخبر في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.

стр. 466

قال القرطبي: «هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها، في حال غيبة الزوج» (١). وقال الرازي: «وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى: أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة»، ثمَّ قال: «واعلم أنَّ المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾، والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة» (٢). • الحكم الثالث: مشروعية التدرج في تأديب الزوجة. مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وقد صرح بعض العلماء بأن الأوامر في الرتب الثلاث للندب، والصارف من الوجوب نهيه ﷺ عن الضرب بقوله ﷺ : (لا تضربوا إماء الله) (٣) ثم ترخيصه بذلك (٤). قال الدكتور عبد اللطيف الصرامي: «وأيضاً هل الصارف له في جميعها: أن كلاً منها فيه إرشاد وتأديب لحق الزوج فله اسقاطه، ولا يلزم باستيفائه» (٥).

стр. 467

باب الصداق قال تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز النكاح بغير صداق (١). مأخذ الحكم: لما أجاز المولى طلاق الزوجة، بقوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وأوجب لها المتعة، فدلَّت «الآية بطريق التضمن والالتزام على أن النكاح بغير صداق جائز؛ لأنه لا يصح الطلاق إلا من زوج، ولا تجب المتعة إلا لزوجة»، كما قاله الموزعي (٢). ونبَّه الموزعي إلى أن (أو) في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ بمعنى الواو، وقال: «وإنما حملوا ﴿أَوْ﴾ على غير حقيقتها، لأنّ الله سبحانه جعل تعليق الحكم على أحدهما بخلافه هنا، فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]» (٣). تنبيه: مفهوم الشرط يقتضي أن الإثم والمؤاخذة واقع إن طلق المرأة، وقد مسَّها وفرض لها، وامتنع من إعطائها ما فرض لها.

стр. 468

يقول أبو حيان: «ومفهوم الشرط غير مراد، وإنما خص بالذكر لأنها حالة قد يتوهم فيها أنه لمكان الاستبدال، وقيام غيرها مقامها، له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهو أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنه لا يأخذ منها شيئا إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه في بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه واستباحة بضعها» (١). قلت: ويستثنى من ذلك حال الخلع، باعتبار كونه طلاقاً. ويستدل بتخصيص حكم المفوضة هنا -وهي التي تزوجها شخص بدون مهر- بوجوب المتعة، وبتخصيص المطلقة المفروض لها قبل المسيس بنصف الفرض، استدللنا بمخالفة تخصيص أحكامهن على اختلاف أحكامهن، وعليه فلا مهر للمفوضة، فيسقط مهرها إن كان قبل المسيس، ولعلة يدخل في مفهوم التقسيم. • الحكم الثاني: وجوب المهر بالفرض أو المسيس. مأخذ الحكم: يستدل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لأنه لو كان واجباً بالعقد-كما يقول الشافعي في أحد قوليه- لما سقط بالطلاق، أي: لو وجب المهر بالعقد لما سقط كله بالطلاق، بل يتنصّف، ولقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولم يقل فنصف المهر. • الحكم الثالث: جواز النكاح بلا تسمية مهر وبدون اشتراط نفيه، وإسقاطه (٢). فإن اشتُرط ذلك كان النكاح باطلًا، وهذا المسمى بنكاح التفويض.

стр. 469

مأخذ الحكم: لترتب صحة الطلاق عليه، فنفى الجناح عن الزوج عن الطلاق ما لم يمس أو يفرض لها مهرًا. • الحكم الرابع: لا يجب بالطلاق فبل الفرض والمسيس شيء سوى المتعة (١). مأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والأصل في الأمر أنه للوجوب، إلا أن ذلك محمول على الاستحباب عند جمع من العلماء. وذكر السيوطي أنَّ الصارف عن الوجوب قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٢). قلت: وبيانه: أن الواجبات لا تختص بالمحسن دون غيره، ثم إنّ المحسن من غير المحسن لا يعلم ذلك إلّا الله، فلما علق المتعة على صفة لا يعلمها إلّا هو سبحانه، دلّ على أنّ الله لم يُوجب الحكم بها على العباد، إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره. وكذلك فإنّ المتعة غير مقدّرة ولا معلومة، والفرائض لابدّ أن تكون مقدّرة معلومة (٣). وأجيب: بأن تقييدها بالمحسنين تأكيد للوجوب؛ لأنّ كل واحد يجب أن يكون من المحسنين، وليس لأحد أن يقول: أنا لست بمحسن. ثم إنّه لا يمنع الإيجاب على المحسنين نفيه عن غيره، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو هدى لهم ولغيرهم.

стр. 470

قال الموزعي: «وأما المحسنون والمتقون فأراد بهم المؤمنين، المحسنين بالإيمان، المتقين للشرك» (١). • الحكم الخامس: يراعى في المتعة حال الزوج يساراً وإعساراً (٢). مأخذ الحكم: قال السيوطي بعد أن ذكر الحكم السابق: «وفيها رد على من قال يراعي فيها حال الزوجة أو حالهما» (٣). قلت: من قال يراعى حال الزوجة استدل بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإنّه إن لم يُعتبر ذلك، لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء، والعرف يغاير ذلك. • الحكم السادس: كون الطلاق بعد الفرض وقبل الوطء يشطر المهر. فيعود الزوج نصفه سواء كان الفرض في العقد أم بعده (٤). مأخذ الحكم: تقدير لفظ (على)، والمعنى: فعليكم نصف ما فرضتم، و (على) من ألفاظ الوجوب، لفظًا أو تقديرًا، أو المعنى: فالواجب نصف ما فرضتم، أو لهنّ نصف. وقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ مطلق سواء كان الفرض في العقد أو بعده، وكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَرَضْتُمْ﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي سياق إثبات فتكون مطلقة. • الحكم السابع: تملك المرأة المهر بمجرد العقد (٥).

стр. 471

مأخذ الحكم: قوله: ﴿لَهُنَّ﴾ وهي لام التمليك، وذلك حال الفرض لها -كما سبق- سواء دخل أو لا؟ • الحكم الثامن: لو اشترت المرأة بالمهر شيئاً، لم يرجع الزوج في نصف ما اشترت، بل في نصف ما أخذت (١). مأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل. • الحكم التاسع: لو زاد المهر زيادة متصلة، لم يكن للزوج فيها نصيب (٢). مأخذ الحكم: لظاهر قوله ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، حيث قيّد النصف في المفروض. • الحكم العاشر: لا تقرر الخلوة المهر مطلقاً (٣). مأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فإنَّ المسَّ في كتاب الله: الجماع، ومفهومه: أن غير الجماع لا يوجب المهر، والخلوة ليست جماعًا. قال ابن مسعود ﵁: «لها نصف الصداق ما لم يجامعها وإن جلس بين رجليها» (٤) وهو قول ابن عباس ﵄، وذهب بعض العلماء إلى أن الخلوة تنزل منزلة المسّ؛ لأنّها مظنته. قلت: وقد ورد عن عمر ﵁ قوله: «ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم» (٥)،

стр. 472

وهو قول علي ﵁؛ ولأنّها مظنة الجماع، ولا يطلع عليه أحد. • الحكم الحادي عشر: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج (١). مأخذ الحكم: لضمير النسوة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وذلك شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف. وسبق الحكم في باب الهبة. • الحكم الثاني عشر: جواز ترك الزوج نصفه لها (٢). مأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسَّر عليٌّ قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بالزوج (٣). • الحكم الثالث عشر: جواز عفو الولي عن الصداق مطلقاً، أو الأب فقط (٤). مأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسره ابن عباس وغيره بالولي (٥)، فهو مبني على القول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، ودليل الجواز ظاهر التخيير في الآية ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وإذا جاز له العفو بعد الفرض، فإنّه يجوز قبله. وسبب الخلاف هو فيمن ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إذ إنّ الزوج يملك عقد النكاح قبل الطلاق، والولي يملكها بعد الطلاق.

стр. 473

ومن قال بأنه الزوج أيّده أنه مقابل عفو الزوجة، فيكون العفو من الجانبين، ولو كان الولي لكان من جانب واحد، الزوجة ووليها. كما أن الولي ليس له الحق في العفو عن مهرها. ومن قال إنّ الذي بيده عقدة النكاح الولي، قال: لأنّه ذكر العفو بعد الطلاق، والذي يملك عقد النكاح بعد الطلاق هو الولي. • الحكم الرابع عشر: عفو الزوج أولى من عكسه (١). إن كان ما قبله في الولي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مأخذ الحكم: لضعف جانب المرأة وما حصل لها من الكسر بالطلاق. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب الصداق (٢). مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو للوجوب، ويؤكده تفسير ﴿نِحْلَةً﴾ بفرضية وقد سمى المولى سبحانه الصداق فريضة كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ومن المآخذ: تفسير الصحابي، وقد فسَّرت عائشة ﵂ قوله ﴿نِحْلَةً﴾ بالواجبة (٣)، وتفسير الصحابي حجة.

стр. 474

وخصَّ بعض العلماء من وجوب إيتاء الصداق للمرأة النبي ﷺ بقولة تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. تنبيه: ضمير الجمع في ﴿وَآتُوا﴾ يفيد العموم، والخطاب للأزواج وسياق الخطاب يؤيده، وهو الظاهر، وقيل: للأولياء، لبيان ما كانت تعتاده العرب. والأمر على كل التقديرات، سواء كان الخطاب للأزواج أو الأولياء فإنه يقتضي الوجوب كما سبق، فلا يجوز المواطأة على ترك الصداق بالاتفاق. وقولة ﴿النِّسَاءَ﴾ اسم جمع معرف بأل يفيد العموم، سواء كانت تثيباً أو بكراً، وسواء كانت حرة أو أمة. • الحكم الثاني: جواز كون الصداق منفعة (١). مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، فهو جمع مضاف يعم كل صداق سواء كان مالاً، أو منفعة، كما سيأتي. • الحكم الثالث: إباحة الله لنا ما طابت عنه نفوسهن من الصداق (٢). مأخذ الحكم: كون الأمر في قوله ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وارداً بعد حظر. والمقصود بالحظر هنا ما كان حقه التحريم، وإن لم يرد به التحريم، وأخذ مال غيرٍ حقه التحريم والمنع. قال الزركشي: «ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرما فقط بل

стр. 475

المراد ذلك، أو أنه كان من حقه التحريم» (١). وكذا وصف المأكول بكونه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، يدل على حلِّه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: استدل بالآية على جواز المغالاة في المهور (٢). قال ابن الفرس: «فأجاز الجمهور، ومنعه قوم» (٣). مأحذ الحكم: أن الله مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح (٤). نوقش: إن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وإن أتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. استدلَّ بالآية على أن الصداق لا يكون إلا مالاً، فلا يصح كونه منفعة (٥). مأخذ الحكم: تقييد الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوز بغير أموال، وقد أخذ بهذا المفهوم بعض أهل العلم.

стр. 476

وذهب بعضهم إلى عدم اعتباره لما ورد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا من جواز جعل الصداق منفعة، في قول شعيب ﵇ لموسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. قُرن الأجور هنا: بالمهور (١). استدل بالآية على عدم جواز دخول الرجل على امرأته قبل أن يقدم لها من المهر شيئاً. قال ابن الفرس: «فانتزع جماعة من أهل العلم، منهم: مالك ومن تابعه، من لفظ: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أنه لا يجوز أن يدخل إلَّا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به» (٢). مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، أنه إذا أتاها الأجر، فإنها تحل له. فائدة: قال ابن الفرس: «واختلفوا هل له أن يدخل بالهدية والرهن والحمالة والحوالة أم لا؟ وظاهر الآية: أنه لا يجوز الدخول إلى بإتيان الأجور؛ وذلك كله ليس من الأجور، فلم يجز الدخول» (٣).

стр. 477

قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. استدل الفقهاء بهذه الآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز عرض الرجل ابنته للرجل الصالح (١). مأخذ الحكم: كون شريعة من قبلنا هل هي شريعة لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه. وقد جاء في شرعنا ما يدل عليها في المرأة التي عرضت نفسها للنبي ﷺ كما في قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقد استحب الفقهاء عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بهذه الواهبة وإقرار النبي ﷺ وقد أصبح عرض الرجل ابنته للرجل الصالح سنة قائمة، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته على أبي بكر، وعثمان ﵃. الحكم الثاني: جواز جعل الصداق منفعة (٢). مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعًا لنا، وقد ثبت في شرعنا وقد سبق في باب الإجارة. مع دلالة حرف (على) على الحكم، وقد اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيراً له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة

стр. 478

التزويج عوضاً للإجارة. وقيل إنَّ معنى (على) بمعنى (الباء)؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و (على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعاً، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. يستدل بالآية على وجوب المهر. وقال الموزعي: «وقد اتفق أهل العلم على أن الصداق لا تجوز المواطأة على تركه» (١) مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية على أن الحل مشروط بإيتاء أجورهن، وهو الصداق، ومفهوم شرطها عدم الإحلال عند عدم المهر. والخطاب للنبي ﷺ وأمته تشاركه فيه، لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ يكون له ولأمته، إلا ما ورد دليل الخصوص. وخصَّ الله -جل وعلا- الزواج له بغير صداق حالاً ومآلاً، أي لا يجب المهر عليه لا بموت ولا بدخول، ولعل هذا داخل في تخصيص آخر الآية لأولها، إذ إن المخصص هنا قوله في آخر الآية ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن المآخذ لفظ الفرض في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، وقد نقل السيوطي عن قتادة قوله في تفسير الآية: «من الولي والصداق

стр. 479

والشاهدين، وألا يزاد على الأربع» (١). قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. استدلَّ بالآية على وجوب الصداق (٢). مأخذ الحكم: شرط المولى سبحانه لجواز نكاح نساء المشركين المهاجرات، دفع ما أنفق المشركون عليهن من صداق، بقوله ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومفهوم الشرط عدم جواز نكاحهن إذا لم يعط الكافر ما أنفق من مهر. قال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]. استدلَّ بالآية على وجوب دفع مهر المرأة المسلمة المهاجرة لزوجها الكافر (٣). مأخذ الحكم: الأمر في الآية الأولى بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والأمر يقتضي الوجوب، وفي الآية الثانية بقوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾. قال الموزعي في قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: «كأنه- والله أعلم- يريد فلم يعفو عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: من مهورهن، إذا فاتت امرأة مشركة أتتنا مسلمة قد أعطاها مئة من مهرها، وفاتت امرأة مسلمة إلى الكفار، وقد أعطاها مئة، حسبت مئة المسلم بمئة المشرك، فقيل:

стр. 480

تلك العقوبة، ونكتب بذلك إلى أصحاب عهود المشركين، حتى يعطى المشرك ما قصصناه من مهر امرأته بالمسلم الذي فاتته امرأته إليهم، ليس له غير ذلك». واختلف العلماء في كون هذا الحكم عاماً، أو خاصاً بصلح الحديبية، وعلى القول بكونه خاصاً فلا يجب في زمننا أن يُدفع إليهم شيء، ولا يجب أن يدفعوا إلينا شيئا. ووجه من قال بأنه خاص بصلح الحديبية، لأن الله جعله عوضاً لما شُرط من ردِّ النساء، فلمَّا ردَّ الله سبحانه هذا، أوجب ردَّ ما أنفقوا في مهورهن (١). باب القَسْم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب القسم والتسوية فيه (٢). مأخذ الحكم: الأول: الأمر بالواحدة عند خوف عدم العدل، بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾، أي: فانكحوا واحدة، والعدل في التعدد يقتضي التسوية. ثانيا: تعليل المولى بالواحد بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: تجوروا

стр. 481

وتظلموا، يقال: عال يعول إذا جار، ويأتي مزيد بسط في باب النفقات. قال الموزعي: «ولا شك أن العدل بين الأزواج واجب بالإجماع، وتفاصيله مذكورة في كتب الفقه» (١). • الحكم الثاني: القسم والتسوية خاص بالزوجات دون ملك اليمين (٢). مأخذ الحكم: لأن العطف في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إنما هو على قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: إن حاف ألا يعدل فواحدة، فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة، فانتفى بذلك أن يكون للإيماء حق الوطء، أو في القسم؛ إلا أن حق ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرفيق (٣). قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم وغيره لزوجها (٤). مأخذ الحكم: لما ورد في سبب النزول، ومن ذلك يقول بأنها: «نزلت في النبي ﷺ وسودة بنت زمعة؛ وذلك إذا أسنَّت سودة فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت الآية» (٥).

стр. 482

• الحكم الثاني: وجوب العدل في القسم والتسوية بالكون عندهن والمبيت (١). مأخذ الحكم: لأن الله نهى عن الميل لإحداهما، وهذا يقتضي التسوية بينهن؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بضده، والنهي عن الميل أمرٌ بالعدل، ولا يتصور العدل إلا مع متعدد كما سبق، فيكون أمراً بذلك. قال ابن الفرس: «والأمر بالعدل بين النساء في جميع الأشياء المقدور عليها، فعلى الإنسان أن يعدل بينهن بالكون عندهن» (٢). باب الخلع قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم أخذ مال الزوجة على سبيل الإكراه والمضارة (٣). مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾، وهي من الألفاظ التي يخبر الشارع فيها عن أحكام التحريم. • الحكم الثاني: جواز أخذ مال الزوجة إذا كان النشوز من جهتها (٤). مأخذ الحكم: لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ونفي الجناح عن الفعل من الأساليب الدالة على الجواز.

стр. 483

• الحكم الثالث: جواز الخلع بقدر ما أصدقها وأكثر منه (١). مأخذ الحكم: العموم الوارد بصيغة اسم الموصول ﴿فِيمَا﴾ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فيعمّ القليل والكثير. وقال الموزعي: "لا يجوز الخلع بأكثر من المهر المسمى؛ لتخصيص الأخذ بالذي آتيناهن في المواضع كلها" (٢). • الحكم الرابع: لفظ المفاداة من صرائح الخلع (٣). مأخذ الحكم: لورده في القرآن في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. • الحكم الخامس: منع الخلع لغير الضر منها ومنه، أو لضرر أحدهما فقط (٤). مأخذ الحكم: لمفهوم قوله: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال ابن قدامة: «هذا صريح في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها الجنة» (٥). وأما منعه لضرر أحدهما فقط؛ لتعليق الحكم بخوفهما معاً.

стр. 484

• الحكم السادس: القول بأن الخلع فسخ لا طلاق (١). مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه تعالى ذكر الطلاق مرتان، ثم ذكر الخلع، ثم قال فإن طلقها فدلَّ على أن الخلع ملغى غير محسوب وإلا كان الطلاق أربعاً». ثمَّ قال: «ورد: بأن ذكر المفاداة حكم على حياله فلا فرق بين ذكره بين الطلقتين والثلاثة وفي غير ذلك» (٢). قلت: وقوله: «على حياله»، أي: مستقل - وعليه قد يكون فسخًا، وقد يكون طلاقًا؛ إذ القصد هنا الذكر فقط لا الترتيب. • الحكم السابع: لا يقتصر الخلع على السلطان (٣). مأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ولم تقيدها عند السلطان. • الحكم الثامن: عدم جواز خلع الأجنبي (٤). مأخذ الحكم: لأن المولى خصَّ الافتداء بالزوجة، في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فلا يصح أن يكون العوض من أجنبي لا من الزوجة، كأن يقول رجل لآخر: طلق أو خالع امرأتك ولك ألف درهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 485

استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم الإضرار بالزوجة ليلجئها إلى الافتداء (١). مأخذ الحكم: النهي عن عضل المرأة من قبل الزوج، والنهي يقتضي التحريم. كان ابن عباس ﵄ يقول في هذه الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، «النشوز، وسوء الخلق». • الحكم الثاني: إباحة الإضرار والتضييق على المرأة إن كان النشوز منها (٢). مأخذ الحكم: الاستثناء من النفي إثبات، ومن التحريم الحل. قال الموزعي: «لأن المستثنى نقيض المستثنى منه، فيكون المعنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» (٣). وقال السيوطي: «واستدل قوم بظاهر الآية على جواز الإضرار إذا حصل منها ما ذكر، والتضييق عليها حتى تفتدي، وقال آخرون: إنما هي مبيحة للأخذ دون الاضرار، فالاستثناء على هذا منقطع» (٤). وحمل تفسير الفاحشة على النشوز، وقيل: الزنا، وقيل: غير ذلك. ونبَّه الموزعي إلى الموضع الآخر الذي يجوز فيه أخذ الزوج بعض ما أتاها وهو عند ما يخافا ألا يقيما حدود الله، كما في سورة البقرة، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال -أي الموزعي-: «وأما إذا لم يأتين الفاحشة، ولم يخافا ألا يقيما حدود الله، فلا يحل

стр. 486

للأزواج الأخذ؛ كما بينه سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فحرمه الله تحريما مطلقا … » (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]. استدل بالآية على منع الخلع مطلقاً (٢). مأخذ الحكم: أولاً: كون الآية ناسخة لآية البقرة. ووجه النسخ: أنَّ قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، نكرة في سياق النهي، فيعم حال الخلع؛ لأنه أخذ له. تتمة: وذكر السيوطي أنَّ هناك من عكس، وقال بأن آية البقرة ناسخة لآية النساء في حكم الخلع. «وقال آخرون: لا ناسخ ولا منسوخ، بل هو الأخذ بطيب نفسها» (٣). وذكر كثير من العلماء أنَّ الآية محكمة؛ لإمكان الجمع، وعدم تعذره، فآية النساء تحريم الأخذ من مال الزوجة مطلقاً، فيعم الأخذ بطيب النفس وبغير طيب نفس، لكنه مخصوص بتحريم ما لم تطب بها نفسه، بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].

стр. 487

تنبيه: ليس لمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ مفهوم معتبر؛ لأنه إنَّما خُصَّ الاستبدال «لأنها حالة قد يتوهم فيها أنَّه لمكان الاستبدال وقيام غيرها مقامها له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهي أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنَّه لا يأخذ منها شيئاً إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه عن بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه، واستباحة بضعها» (١). باب الطلاق قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. استدل بالآية على أن لفظ التسريح من صرائح الطلاق (٢). مأخذ الحكم: لوروده في القرآن، قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم المطلقة بالطلقة الثالثة (٣). مأخذ الحكم: للإخبار عن الحكم بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهو من أساليب التحريم.

стр. 488

• الحكم الثاني: أن الرجل إذا طلق زوجته طلقتين ثم تزوجت من غيره، ثم رجعت إليه، فإن هذا الزواج يهدم ما سبق من الطلقتين، بحيث لو طلقها مرة أخرى فإنها لا تحسب طلقة ثالثة (١). مأخذ الحكم: عموم الآية إذ لا فرق بين أن يتخلل الطلاق نكاح غيره أم لا. ووجه العموم من الآية: أن قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ فعل في سياق النهي فيعمّ؛ إذ الأفعال كما سبق نكرات، والمعنى: عدم الإحلال بعد الثلاث. والجمهور على عدم الهدم فالمرأة إذا عادت إلى زوجها، وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإنّها ترجع على ما بقي من الطلاق. أمّا إذا رجعت إلى زوجها الأوّل بعد أن أتم عدد الطلقات، وتزوجت بآخر بنكاح صحيح وجامعها ثم طلقها، ورجعت إلى الأوّل، فإنّها ترجع بالعدد الكامل من الطلقات، فله أن يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ثم إذا طلق الثالثة بانت منه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] استدل بالآية على الأحكام الآتية: الحكم: الأول: وقوع طلاق الهازيء وعتقه ونكاحه وجميع تصرفاته (٢). مأخذ الحكم: سبب نزول الآية ذلك. أورد السيوطي في الدر المنثور عن عبادة بن الصامت قوله: «كان الرجل على

стр. 489

عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله: ﷺ (ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعبٍ فهن جائزات: الطلاق، والعتاق، والنكاح) (١). وسبب النزول قطعي الدخول. • الحكم الثاني: تحريم الطلاق زيادة على العدد المشروع (٢). مأخذ الحكم: قول الصحابي وتفسيره، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن رجلاً قال له: طلقت امرأتي ألفاً. قال ثلاث تحرمها عليك، وبقيتهن وزر أتخذت آيات الله هزؤا (٣). قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول. قال السيوطي: «قال إلكيا: وعموم قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يدل على جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول» (٤).

стр. 490

مأخذ الحكم: أباح سبحانه الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. ذكره الجصاص؛ ولأنّ النهي في طلاق الحائض خشية تطويل العدة، وهذه لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ .. • الحكم الثاني: يجوز الطلاق قبل الفرض والمسيس. مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بعدم الجناح، الدال على الجواز. • الحكم الثالث: وجوب المتعة للمطلقة، وتكون بحسب الوسع. مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا﴾، والحق الواجب. قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب المتعة لكل مطلقة قبل الدخول وبعده، رجعية أو مختلعة، أو بائنة بثلاث، حرة أو أمة (١). مأخذ الحكم: الوجوب لكون قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ خبر بمعنى: الأمر، و ﴿مَتَاعٌ﴾ مصدر ناب عن فعله، أي: متعوا المطلقات متاعًا؛ ولأنّه ختم الآية بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وفيهما من الأساليب الدالة على الوجوب ﴿حَقًّا﴾، و ﴿عَلَى﴾، وكلاهما يدلان على الوجوب، ودخلت الرجعيَّة والمختلعة والبائنة في العموم من صيغة العموم في الجمع المعرَّف في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾.

стр. 491

• الحكم الثاني: ليس في الفسوخ واللعان متعة (١). مأخذ الحكم: لأن الفسخ لا يسمى طلاقاً، ولأنّ المتعة فيه جبر لقلب المطلقة، ففي الطلاق كسر لقلبها، فتعطى ما يطيب به قبلها، أمّا في الفسوخ واللعان فهي مختارة ولا كسر لقلبها. قال القرطبي: «قال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تُعطي؟ فكيف تأخذ متاعا؟ لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا» (٢). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ١ - ٢]. استدل بالآيتين على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: الطلاق للعدة (٣). وفسّره النبي ﷺ بأن تطلق في طهر لم تجامع فيه، وهو بيان لطلاق السنة. قال ابن الفرس في تفسير لعدتهن: «معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن … ، والمعنى: في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بالآية؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها، وهو استقبال العدة،

стр. 492

فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر، إلا أنه يستحب أن يكون طهراً لم يجامع فيه؛ لئلا يُلبس على المرأة العدة، فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو بالقرء؟ وقيل: ليكون هو على يقين من نفي حملٍ إن أتت به، فأراد أن ينفيه» (١). مأخذ الحكم: أمر الشارع بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مع بيان السنة للقرآن. متممة: قال الموزعي: «وقد استنبط الفقهاء من أمر الله سبحانه بطلاق النساء لعدتهن: أن المرأة التي لا عدة عليها إذا طُلِّقت أنه لا حرج في طلاقها في حال الحيض؛ لأنه لا عدة عليها، فتطلَّق لها، ولا تجب عليها عدة فيطول عليها، والله أعلم» (٢). وذكر ابن الفرس أن الحامل تطلق «متى شاء؛ لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها، لا تنتظر طهراً، كما تصنع التي تحيض، فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به» (٣). • الحكم الثاني: لفظ «الإمساك» من صرائح الرجعة، والفراق من صرائح الطلاق (٤). مأخذ الحكم: لوروده في القرآن بهذه المعاني، وهي ظاهرة فيه، قال الموزعي عن الإمساك «لأنه عُرف في الإمساك ورد به القرآن» (٥).

стр. 493

كتاب الرجعة قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع (١). مأخذ الحكم: قول الصحابي ابن عبَّاس، حيث استنبط الحكم المذكور من الآية (٢). قال السيوطي: «وقال بعضهم أول الآية وآخرها خاص، وذلك أن أولها عام في كل مطلَّقة، وآخرها خاص بالرجعية» (٣). • الحكم الثاني: يستقل الزوج بالرجعة في العدة، من غير ولي ولا رضا المرأة، وأنه بعد العدة بخلاف ذلك (٤). مأخذ الحكم: ظاهر قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.

стр. 494

ومفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في مدة التربص ثلاثة قروء، ومفهومه: أنّه بعد ذلك لا بدّ من رضاها وولي وعقد، وكونه أحق بنص القرآن، وتفسير ابن عباس السابق، المذكور في الحكم الأول. • الحكم الثالث: بقاء الزوجية في حال بقاء الرجعة، وإباحة الوطء (١). مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، فلم ينف المولى وصف الزوجية عنه. فائدة: قال السيوطي: «واستدل خلافهم بقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، والرد لا يكون إلا لما ذهب من إباحة الوطء» (٢). • الحكم الرابع: لفظ الرد من صرائح الرجعة (٣). مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. • الحكم الخامس: للزوج نكاح المختلعة في عدتها بشرط رضاها (٤). مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لعمومه» (٥). قلت: لعله عموم قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهي لا تريد الإصلاح، بل تريد الفراق خُلعًا، وإن حصل فليس هو ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، ومن ثمّ كانت بائنًا بالخلع كالأجنبية، وهي في العدة، لكن العدة لأجل استبراء رحمها من ماء زوجها الأوّل لتحل لغيره.

стр. 495

قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: لفظ الإمساك من صرائح الرجعة (١). مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. • الحكم الثاني: تحصل الرجعة بالوطء (٢). مأخذ الحكم: لأنه أقوى مقاصد النكاح فكان إمساكاً بالمعروف فتحصل به الرجعة. قال السيوطي: «قال إلكيا: وهذا غلط لأنه قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في الطلاق، ولا طلاق إلا بالقول، فكذلك الإمساك لا يكون إلا بالقول» (٣). قلت: وذلك لأجل المقابلة، فالطلاق لا يكون إلّا بالقول، فكذا الإمساك، وهذا مذهب الشافعي، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والشهادة إنّما على القول لا الوطء قطعًا. وأكثر العلماء على أنّ الرجعة تكون بالقول أو بالفعل، ولو كان أدون من الوطء كالقبلة، والنظر لشهوة للفرج. قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣٠ - ٢٣١]. استدلَّ بالآيتين على الأحكام الآتية:
следующие страницы →