• الحكم الثاني: ليس في الفسوخ واللعان متعة (١).
مأخذ الحكم: لأن الفسخ لا يسمى طلاقاً، ولأنّ المتعة فيه جبر لقلب المطلقة، ففي الطلاق كسر لقلبها، فتعطى ما يطيب به قبلها، أمّا في الفسوخ واللعان فهي مختارة ولا كسر لقلبها.
قال القرطبي: «قال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تُعطي؟ فكيف تأخذ متاعا؟ لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا» (٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: الطلاق للعدة (٣).
وفسّره النبي ﷺ بأن تطلق في طهر لم تجامع فيه، وهو بيان لطلاق السنة.
قال ابن الفرس في تفسير لعدتهن: «معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن … ، والمعنى: في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بالآية؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها، وهو استقبال العدة،
стр. 492
فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر، إلا أنه يستحب أن يكون طهراً لم يجامع فيه؛ لئلا يُلبس على المرأة العدة، فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو بالقرء؟ وقيل: ليكون هو على يقين من نفي حملٍ إن أتت به، فأراد أن ينفيه» (١).
مأخذ الحكم: أمر الشارع بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مع بيان السنة للقرآن.
متممة: قال الموزعي: «وقد استنبط الفقهاء من أمر الله سبحانه بطلاق النساء لعدتهن: أن المرأة التي لا عدة عليها إذا طُلِّقت أنه لا حرج في طلاقها في حال الحيض؛ لأنه لا عدة عليها، فتطلَّق لها، ولا تجب عليها عدة فيطول عليها، والله أعلم» (٢).
وذكر ابن الفرس أن الحامل تطلق «متى شاء؛ لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها، لا تنتظر طهراً، كما تصنع التي تحيض، فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به» (٣).
• الحكم الثاني: لفظ «الإمساك» من صرائح الرجعة، والفراق من صرائح الطلاق (٤).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن بهذه المعاني، وهي ظاهرة فيه، قال الموزعي عن الإمساك «لأنه عُرف في الإمساك ورد به القرآن» (٥).
стр. 493
كتاب الرجعة
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع (١).
مأخذ الحكم: قول الصحابي ابن عبَّاس، حيث استنبط الحكم المذكور من الآية (٢).
قال السيوطي: «وقال بعضهم أول الآية وآخرها خاص، وذلك أن أولها عام في كل مطلَّقة، وآخرها خاص بالرجعية» (٣).
• الحكم الثاني: يستقل الزوج بالرجعة في العدة، من غير ولي ولا رضا المرأة، وأنه بعد العدة بخلاف ذلك (٤).
مأخذ الحكم: ظاهر قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
стр. 494
ومفهوم قوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في مدة التربص ثلاثة قروء، ومفهومه: أنّه بعد ذلك لا بدّ من رضاها وولي وعقد، وكونه أحق بنص القرآن، وتفسير ابن عباس السابق، المذكور في الحكم الأول.
• الحكم الثالث: بقاء الزوجية في حال بقاء الرجعة، وإباحة الوطء (١).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، فلم ينف المولى وصف الزوجية عنه.
فائدة: قال السيوطي: «واستدل خلافهم بقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، والرد لا يكون إلا لما ذهب من إباحة الوطء» (٢).
• الحكم الرابع: لفظ الرد من صرائح الرجعة (٣).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
• الحكم الخامس: للزوج نكاح المختلعة في عدتها بشرط رضاها (٤).
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لعمومه» (٥).
قلت: لعله عموم قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهي لا تريد الإصلاح، بل تريد الفراق خُلعًا، وإن حصل فليس هو ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، ومن ثمّ كانت بائنًا بالخلع كالأجنبية، وهي في العدة، لكن العدة لأجل استبراء رحمها من ماء زوجها الأوّل لتحل لغيره.
стр. 495
قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: لفظ الإمساك من صرائح الرجعة (١).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن لهذا المعنى، في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.
• الحكم الثاني: تحصل الرجعة بالوطء (٢).
مأخذ الحكم: لأنه أقوى مقاصد النكاح فكان إمساكاً بالمعروف فتحصل به الرجعة.
قال السيوطي: «قال إلكيا: وهذا غلط لأنه قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في الطلاق، ولا طلاق إلا بالقول، فكذلك الإمساك لا يكون إلا بالقول» (٣).
قلت: وذلك لأجل المقابلة، فالطلاق لا يكون إلّا بالقول، فكذا الإمساك، وهذا مذهب الشافعي، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والشهادة إنّما على القول لا الوطء قطعًا.
وأكثر العلماء على أنّ الرجعة تكون بالقول أو بالفعل، ولو كان أدون من الوطء كالقبلة، والنظر لشهوة للفرج.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣٠ - ٢٣١].
استدلَّ بالآيتين على الأحكام الآتية:
стр. 496
• الحكم الأول: تحل المطلقة ثلاثاً بعد نكاح زوج آخر، سواء كانت حرة أم أمة ثم اشتراها (١).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾، وكونها لا تحل إلّا بعد نكاح زوج آخر لمفهوم الغاية في قوله:. ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
• الحكم الثاني: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول: الوطء (٢).
مأخذ الحكم: لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، واسم النكاح لا يطلق على الوطء إلّا في هذه الآية؛ لدلالة حديث رفاعة، وقوله ﵊: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) (٣).
قال السيوطي: «واستدل به سعيد بن المسيب على الاكتفاء بالعقد بلا وطء؛ بناء على أن النكاح حقيقة في العقد» (٤).
قلت: يعتذر له أنّه لم يطلع على حديث رفاعة، وإلّا لفظ النكاح يطلق على العقد.
• الحكم الثالث: يشترط في التحليل والرجعة لزوجها الأول أن يكون في النكاح الصحيح (٥).
مأخذ الحكم من قوله: ﴿زَوْجًا﴾، فلابد من وطء زوج في نكاح صحيح، لا وطء سيد، ولا نكاح بلا وطء، ولا وطء في نكاح فاسد ولا بشبهة.
стр. 497
والنكاح الفاسد، كنكاح ذات محرم، أو نكاح بلا ولي ولا شهود، ووطء الشبهة، أن يطئها يظنها زوجته، وهذان الوطآن لا يصدق فيهما على الواطئ أنه زوج.
كما أن وطء السيد لا يحل؛ لأنّه ليس زوجًا. وكذا الوطء بالملك فيما إذا اشترى مطلقته ثلاثاً، لأنّه ليس نكاحًا.
تتمة: قال السيوطي: أن في الآية رد «على من لم يكتف بنكاح الكافر إذا كانت كافرة، والمراهق، والمجنون؛ لأنه يسمى زوجاً. أي: الكافر والمراهق والمجنون» (١).
• الحكم الرابع: نفاذ الرجعة بالإمساك حال نيَّة الإضرار، مع كونه ظالماً (٢).
قال الموزعي: «وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ذكره على سبيل التغلييب، لا على سبيل الاشتراط فيحقُّ له نكاحها وإن ظنا ألا يقيما حدود الله - سبحانه - وكان له عدد الطلاق، والله أعلم» (٣)
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ظاهره صحة الرجعة مع حصول الإثم بفعله.
وكونه ظالماً: لتطويل العدة عليها بمراجعتها إذا شارفت العدة على الانتهاء، وذكر المولى سبحانه هنا اسم الإشارة (ذلك)؛ ليدل على البعد تعظيمًا له وترهيبًا منه.
стр. 498
قلت: ولعل نفاذ الرجعة يكون عند من قال بأنّه لا مفهوم للشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
ولعل القائل بالمفهوم مؤيد بهذا النص الدال على تحريم هذا الفعل، ووصف فاعله بأنّه ظالم لنفسه، والنهي يقتضي الفساد، والله أعلم.
• الحكم الخامس: لا رجعة للمطلقة قبل الدخول.
مأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه لا عدة عليها، فلا أجل لها تبلغه، والله أعلم» (١)
باب الإيلاء والظهار والكفارة
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: لا بد في الإيلاء من الحلف ألا يطأ زوجته (٢).
لذا عرف العلماء الإيلاء بأنّه: الحلف على ترك وطء المرأة (٣).
فالمُولي هو: الذي يحلف بالله ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر كما سيأتي.
مأخذ الحكم: لأن الجماع داخلٌ في الآية؛ لأنّه سبب نزول الآية.
стр. 499
ولذا ذهب الجمهور على إضمار الجماع، أي: يحلفون على عدم وطء زوجاتهم.
وإلَّا فإنَّ الإطلاق في الآية يشمل الحلف على الجماع وغيره؛ لكون ﴿يُؤْلُونَ﴾، فعل في سياق الإثبات.
قال السيوطي: «قال الكيا: ليس في نظم القرآن ما يدل على الجماع، ولا على الحلف على مدة معلومة فاختلف العلماء. فمنهم من لم يفصل بين اليمين المانعة من الجماع، والكلام، والإنفاق» (١).
• الحكم الثاني: يمهل المولي أربعة أشهر من الإيلاء ثم يطالب بالفيئة، وهي الرجوع عن موجب يمينه، فيطأ زوجته، أو الطلاق، ويكون الطلاق حال امتناعه عن الفيئة (٢).
وقد كان الإيلاء في الجاهلية السنة والسنتين، فوقت لهم الشارع أربعة أشهر (٣).
مأخذ الحكم: لعله اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ بمعنى (على)، فتدل على وجوب المأمور به وهو قوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
أو يقال: إنها لام الاستحقاق؛ لوقوع اللام بين معنى، وهو التربص، وذات تملك، وهو اسم الموصول في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾، ويكون مأخذ الحكم: كونه خبراً باستحقاق المولين من نسائهم التربص أربعة أشهر، ويكون الخبر هنا بمعنى الأمر.
стр. 500
تنبيه: مفهوم قوله: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أن من حلف على دون أربعة أشهر ولو يوماً، فإنه لا يكون إيلاءً.
وقال السيوطي: «وفي الآية رد على من خصص الإيلاء بالمؤبد بخلاف المقيد بوقت أو صفة لإطلاق الآية» (١).
ومأخذه: ما ذكره السيوطي من الإطلاق، فلم تقيد الآية الإيلاء بمؤبد أو غير مؤبد، والذي قصرها على المؤبد أراد قصر الآية على سبب نزولها، كفعل الجاهلية، وربما حلف ألا يطأ امرأته على التأبيد.
• الحكم الثالث: استدل الشافعي بأن من آلى أربعة أشهر فقط لا يكون مولياً (٢).
قال السيوطي: «لأن مدة أربعة أشهر حق خالص له فلا يفوت به حق ولا يتوجه عليه مطالبة» (٣).
أي: أي: فلا يفوت بالأربعة أشهر حق الخيار بين الفيئة والطلاق، ولا يتوجه عليه مطالبة بطلاق.
وقال السيوطي: «خلافاً لأبي حنيفة في قوله بوقوع طلقة» (٤).
أي: إذا تمت الأربع، ولا أثر لفيئته بعدها، ولا يتوقف على القاضي.
ومأخذ الحكم: الخلاف في التقدير في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، فقيل: (فإن فاؤوا فيهن) أو (فيها) وهي قراءة أبي بن كعب، وهو مذهب الحنفية.
стр. 501
وقدَّر الشافعي (فإن فأوا بعدهن) وسيأتي ما يدل عليه من السياق.
وكذا وقع الخلاف في الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ هل هي للترتيب الزماني، أي: زمن المطالبة بالفيء أو الطلاق عقب الأجل المضروب.
أو للترتيب الذكري، فتفيد الترتيب المفصل (الفيء والطلاق) على المجمل، فيجوز أن يكون خلال الأجل المضروب، فإذا انقضى الأجل دون فيئة، وقع الطلاق.
• الحكم الرابع: اشترط العزم، والتلفظ بالطلاق، لا مجرد انتهاء المدة (١).
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «وفي لفظ العزم (٢)، ما يدل على قصد الطلاق وإنشائه. وكذا قوله ﴿سَمِيعٌ﴾ بمسموع، وهو النطق بالطلاق، ومضي المدة ليس بمسموع» (٣).
وقال الموزعي: «ومفهومه: أن من لم يعزم الطلاق في المدَّة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاء المدَّة أن يخالف حكمه حكم العازم على الطلاق إذا لم يُطلِّق بلسانه، ولم يعزم عليه، وأبو حنيفة لا يفرق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمة الطلاق بعد مضي المدَّة، لكنَّ مفهوم الخطاب عنده ليس بحجة» (٤)
• الحكم الخامس: عدم صحة الإيلاء من الأجنبية. كأن يضيف الإيلاء إلى النكاح، فيقول: إن تزوجتك فوالله لا أقربك (٥).
مأخذ الحكم: مفهوم الصفة في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهي ليست من نساءه،
стр. 502
فلا تكون محلًا للإيلاء.
تنبيه: أجاز الحنفية إضافة الطلاق والإيلاء، وتعليقه على النكاح؛ لأنّ المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشّرط.
أمّا الشافعية فلا يصح عندهم الإيلاء المضاف إلى النكاح (التعليق) حتى يقع، والمرأة التي عُلق إيلاؤها على نكاحها ليست زوجة عند حصول الإيلاء.
فالحنفية يجعلون التعليق يؤخر انعقاد الإيلاء حتى يوجد المعلق، والشافعية يمنعون ترتب الحكم عليه حتى يوجد الشرط المعلق عليه.
• الحكم السادس: صحة الإيلاء من الكافر، وبأي يمين كان، ومن غير المدخول بها، والصغيرة، والخصي، وأن العبد يضرب له الأربعة أشهر كالحر (١).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾، فهو اسم موصول، وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿يُؤْلُونَ﴾، فدخل الكافر والخصي والعبد.
وأما كونه بأي يمين فللإطلاق في الآية، فتدخل فيه كل يمين منعت جماعًا، ودخلت الصغيرة في عموم ﴿نِسَائِهِمْ﴾.
قال الموزعي: «وعموم الآية أيضاً يقتضي صحة الإيلاء من الرتقاء، والقرناء، والصغيرة، والمريضة المضناة، وفي ذلك خلاف بين الفقهاء» (٢)
تنبيه: قال الموزعي «وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء» (٣)
стр. 503
• الحكم السابع: امتناع تقديم الكفارة على الحنث (١).
مأخذ الحكم: ذكر السيوطي أن محمد بن الحسن هو المستدل بالآية على الحكم المذكور، ثُمَّ بيَّن مأخذه فقال: «لأنه حَكَم للمولى بأحد الحكمين: الفيء أو الطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة لبطل الإيلاء بدونها، ففيه إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله» (٢).
• الحكم الثامن: لا يلزم المولي كفارة إن رجع قبل انقضاء الأشهر الأربع (٣).
قال السيوطي: «واستدل الحسن وبعض أصحابنا بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على أنه لا يلزمه كفارة اليمين» (٤).
مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقتضي عفوه عن تلك اليمين.
تتمة: قيل: المراد غفور لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف، أي: الإثم المترتب على هذا. وقيل: لأنّه لم يكن أنزلت الكفارة في المائدة، والحنث موجب للكفارة.
• الحكم التاسع: من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يجري عليه هذا الحكم، وأن الحكم خاص بالمولي (٥).
مأخذ الحكم: لظاهر الآية؛ لأنّ المولى جعله للمولي، وهو الحالف، وهذا غير حالف.
стр. 504
وصنيعه لا يسمى إيلاءً، بل يعد من سوء العشرة، ويتيح لها طلب الفرقة عند بعض الفقهاء؛ لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، إذا لم يكن هناك عذر يمنعه من قربانها.
• الحكم العاشر: الحاكم لا يطلق على الزوج، حال امتناعه من الفيئة بعد التربص، وإنّما يضيق عليه ويحبس حتى يطلقها بنفسه، وهذا الإكراه معتبر؛ لأنّه إكراه بحق (١).
مأخذ الحكم: لأن الله جعل الفيء والطلاق للمولى لا لغيره، كما في ظاهر نص الآية.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٢ - ٤].
قال الموزعي: «والظهار أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كما ذكر الله تعالى … فكنوا بالظهار عمَّا يستهجن ذكره، وأضافوا الظهر إلى الأم؛ لأنها أم المحرمات» (٢).
واستدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الظهار (٣).
стр. 505
مأخذ الحكم:
الأول: ذمَّ الشارع له، ووصفه بأنه منكر من القول وزوراً.
الثاني: ختم الآية بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ مشعر بقيام سبب الإثم، فدلّ على التحريم.
قال ابن الفرس: «إخباره تعالى أنه معفو عنه، ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين» (١).
الثالث: ايجاب الكفارة يدل على التحريم، وكونه كبيرة.
قال ابن القيم: «ومنها: أن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور، وكلاهما حرام … ، وختم سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ وفيه إشعار بقيام سبب الإثم، الذي لولا عفو الله ومغفرته لآخذ به» (٢).
• الحكم الثاني: لا يختص الظهار بقوله: «كظهر أمي» بل يشمل تشبيه الزوجة بظهر من تحرم عليه على التأبيد، كجدته، وعمته، وخالته، وأخته، ونحو ذلك (٣).
مأخذ الحكم: أطلقت الآية تحريم المظاهرة من نساء الزوج، ولم تخص الأم دون غيرها، ومن قصره على الأم فقد خصَّ بلا دليل.
وكونه منكراً وزوراً، سواء كان على الأم أو على كل ذات محرم.
قال ابن القيم: «والفرق بين جهة كونه منكراً، وجهة كونه زوراً، أن قوله: أنتِ
стр. 506
عليَّ كظهر أمي، يتضمن إخباره عنها بذلك، وإنشاءه تحريمها، فهو يتضمن إخباراً وإنشاء، فهو خبر زور، وإنشاء منكر، فإن الزور هو: الباطل خلاف الحق الثابت، والمنكر: خلاف المعروف» (١).
• الحكم الثالث: عدم صحة الظهار من الأمة (٢).
مأخذ الحكم: أن الله أناط حكم الظهار بالنساء في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ومطلقه ينصرف إلى الزوجات. قال الموزعي: «لأنها من جماعة النساء كالزوجة» (٣). وقال ابن الفرس: «لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء» (٤).
• الحكم الرابع: صحة ظهار العبد والكافر (٥).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ فيشمل الكافر، وكونه مخاطباً مكلفاً.
قال الموزعي: «وعموم الخطاب يقتضي أن يصح الظهار من كل زوج مكلَّف، فيصح الظهار من الحر والعبد، ومن المسلم والكافر، ومن الخصي والمجبوب، وهو كذلك» (٦).
قال السيوطي: «واستدل مالك بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ على أن الكافر لا يدخل في هذا الحكم» (٧).
стр. 507
• الحكم الخامس: وجوب الكفارة على المظاهر بالإجماع (١).
مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فعليه تحرير رقبة، والمقدَّر كالملفوظ، وكذا قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وقوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
وكذا ختم الآية: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: محارمه، فأمر باجتنابها.
تتمة: قال الموزعي: «وقد أجمع أهل العلم على أنها على الترتيب، كما بينها الله تعالى» (٢).
• الحكم السادس: تحريم الوطء إلى ما بعد أداء الكفارة بالإجماع (٣).
مأخذ الحكم: ظاهر النص؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فاشترط سبحانه العتق قبل الوطء، وكذا صيام الشهرين المتتابعين.
وقيل الإطعام مفهوم الأولى، حيث إنه سبحانه اشترط عدم الوطء مع الصيام الذي يطول زمنه، فاشتراطه مع الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى (٤).
ومأخذ من قال بجواز الوطء قبل الإطعام خاصة: سكوت الآية عن ذلك، وما سكت الله عنه فهو عفو، بل وتقييده العتق والصيام قبل المسيس، وسكوته عن الإطعام لفائدة مقصودة، ولا فائدة إلا تقييد ما قيَّده، وإطلاق ما أطلقه.
• الحكم السابع: تجب الكفارة بالعود لا بنفس الظهار (٥).
стр. 508
مأخذ الحكم: تعليق الله الكفارة بالعود بقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، وهو قول الجمهور.
قال الموزعي: «وتكون اللام بمعنى (في) أي: فيما قالوا، كما في قوله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة، وكما في قوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]» (١).
تتمة: اختلف الجمهور في العود، بم يكون:
فقيل: بالعزم على الجماع، وقيل: بالعزم على الإمساك، وقيل: عليهما، فمتى انفرد أحدهما دون الآخر لم تجب الكفارة، وقيل: العود هو الوطء نفسه (٢).
تنبيه: من قال تجب الكفارة بمجرد الظهار، قالوا: المراد بالعود في الآية هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر، أي: من عاد إلى الظهار بعد تحريمه في الإسلام فعليه الكفارة.
باب اللعان
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
قال السيوطي في الإكليل: «هذه أصل اللعان» (٣).
стр. 509
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: شرط اللعان سبق قذف (١).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وسياقها أنها في معنى الشرط؛ لذا جاء الجواب مقترناً ب «الفاء» ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾
• الحكم الثاني: لا يكون اللعان إلا بين زوجين (٢).
قال السيوطي: «واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب، والمحدود في القذف، والأعمى والأخرس ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة» (٣).
وقال الموزعي: «فيدخل فيها كل من كان يصلح له الخطاب من ذوي التكليف، فيصح من كل زوج يصح طلاقه ويمينه، سواء كانا حرين، أو عبدين، مسلمين أو كافرين، أو أحدهما حراً والآخر عبداً، أو أحدهما كافراً، والآخر مسلماً … » (٤).
مأخذ الحكم: العموم في صيغة اسم الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿يَرْمُونَ﴾.
• الحكم الثالث: لا يقام اللعان مع وجود البينة (٥).
قال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ من قال: لا لعان
стр. 510
إذا أقام البينة على زناها» (١).
مأخذ الحكم: مفهوم الحصر، وهو إن كان لهم شهداء غير أنفسهم فلا لعان.
• الحكم الرابع: للعان صيغة، وهي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين أربعاً، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (٢).
مأخذ الحكم: الأمر بذلك كما هو نص الآية بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ كالجواب للشرط -كما سبق- أو على تقدير «عليه» أي: فعليه أن يشهد أربع شهادات.
• الحكم الخامس: اللعان شهادة لا يمين (٣).
مأخذ الحكم: تسمية الشارع له بالشهادة في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
قال السيوطي: «فاستدل به من لم يجز إبدال (أشهد) ب (أحلف) أو (أقسم) ونحوه» (٤).
ولم يقبل أبو حنيفة لعان الكافرين أو العبيد؛ لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج، وهم مستثنون من الشهادة بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال ابن الفرس: «فسماهم شهداء بذلك؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه،
стр. 511
وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ فدل على أن اللعان شهادة، والعبد لا تجوز شهادته، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الاستثناء منقطع، والمعنى فيه: ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة، وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟» ا. هـ (١).
واستدل ابن العربي بالاستقراء على أنها يمين، فقال: «والفيصل في أنه يمين، لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواها، وتخليصه من العذاب؛ وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة لنفسه بما يوجب حكماً على غيره؟ هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر» (٢).
ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كونها شهادة أو يمين، والخلاف المبني على ذلك من كون القائل يكون اللعان شهادة لا يصح عنده اللعان إلا ممن تجوز شهادته، ثم قال: «وأظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن، مراداً بها اليمين، مع دلالة القرائن على ذلك، وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور:
الأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾؛ لأن لفظة ﴿بِاللَّهِ﴾ يمين، فدلَّ قوله ﴿بِاللَّهِ﴾ على أن المراد بالشهادة اليمين؛ للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد بالله في معنى: أقسم بالله.
الثاني: أن القرآن جاء في إطلاق الشهادة، وأراد اليمين في قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠]، ثمَّ بيَّن أن المراد بتلك الشهادة اليمين في
стр. 512
قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في الآية اليمين، وهو واضح كما ترى …
الثالث: ما قاله ابن العربي: قال: والفيصل أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه، وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره. هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر أ. هـ. بواسطة نقل القرطبي» (١) أ. هـ.
وقد أشار الموزعي لبعض ما ذكره الشيخ الأمين، وقال مؤكداً؛ لكونها يمين: «وقد ورد في بعض ألفاظ حديث هلال بن أمية: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) اه (٢). (٣).
• الحكم السادس: لعان الرجل زوجته يوجب عليها حد الزنى ما لم تدفعه (٤).
مأخذ الحكم: بيان الشارع ما يدرأ به العذاب، بقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]، ومفهومه إن لم تشهد فإن العذاب حال عليها.
قال الشيخ محمد الأمين: «ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه» (٥).
стр. 513
ثم قال ﵀: «وظاهر القرآن أيضاً أنه لو قذف زوجته، وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف، فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية; لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾» (١).
• الحكم السابع: لا يجوز تقديم لعانها على لعانه (٢).
مأخذ الحكم: البدء بما بدأ به الله، كما أن في قوله:: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآية، ما يقضي أن يكون لعانها بعد أن يحق عليها العذاب بلعان الزوج حتى يدرأ.
• الحكم الثامن: من رمى زوجته برجل مخصوص سماه مع لعانه لزوجته لم يحد حد القذف (٣).
مأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «وقال الشافعي لا يحد؛ لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع أيمانه، فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه» (٤).
• الحكم التاسع: لا يقع باللعان فراق، وإنما يسقط به النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.
مأخذ الحكم: لسكوت الآية عن ذلك.
قال ابن الفرس: «وهذا القول أضعف الأقوال؛ لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ ، وليس في ذلك ما يعارض القرآن، والجمع بين القرآن والحديث ما
стр. 514
أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر (١).
وقال إسماعيل القاضي: إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقَّت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما، وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقَّت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن، قال الله : ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والظالمون هنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس» اه (٢).
باب العِدّة والإحداد
قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتيَّة:
• الحكم الأول: وجوب العدة على المطلقات طلاقاً رجعياً أو بائناً (٣)، بشرط الدخول كما، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
مأخذ الحكم: والوجوب لكونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: عليهن أن يتربصن.
وكونه عامًا للبائن والرجعي؛ لأنّه جمع معرف ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فيعمّ كل مطلقة إلّا ما خصّ منه الدليل.
стр. 515
• الحكم الثاني: عدَّة المطلَّقة: ثلاثة قروء لمن تحيض (١).
مأخذ الحكم: نصّ الآية، إذ الأعداد نصوص في دلالتها.
• الحكم الثالث: عِدَّة المستحاضة ثلاثة قروء (٢).
مأخذ الحكم: لعموم الجمع المعرّف في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فتدخل المستحاضة في عمومه؛ لأنها مطلَّقة.
• الحكم الرابع: لا يحل للحامل أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حائضاً أن تكتم حيضها (٣).
مأخذ الحكم: ورود التحريم بأسلوب الخبر عنه في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، ولقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مما يدل على أن فعل ذلك فيه خلل بالإيمان، والخلل به محرم، ولقول ابن عمر ﵄ فقد ذكر الحكم المذكور والمستنبط من الآية (٤).
• الحكم الخامس: قبول قول الحائض بالحيض، فيما لو قالت: حضت، وقد علق الطلاق على حيضها فإنّه يقع.، وكذا الحامل بالحمل (٥).
مأخذ الحكم: كون النهي عن الشيء أمراً بضده، فنهى عن الكتمان وضده الأمر بإظهاره.
كما أنه لا يجب عليها الإظهار إلّا لأجل العمل به، وإلّا لما كان
стр. 516
للإظهار فائدة.
قال السيوطي: «قال العلماء وإنما نهين عن الكتم لئلا يبطل حق الزوج من الرجعة لمن أراد رجعتها قبل الوضع، ولئلا تضر به في النفقة إن قالت لم أحض.
قال ابن الفرس: وعندي أن الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج، من بكارة وثيوبة وعيب؛ لأن كل ذلك مما خلق الله في أرحامهن، فيجب أن يصدقن فيه» (١).
قلت ومأخذ كلامه من قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ فهو عام بصيغة ﴿مَا﴾ الموصولة، فيتحقق المجتهد مناط ما خلق في الرحم، وما ذكره ابن الفرس إن قيل: إنّ العلة هي كون هذه الأمور مما لا يُعرف إلّا عن طريقها، فتدخل في عموم ما خلق الله.
• الحكم السادس: عدم جواز خطبة المعتدة من طلاق رجعي مطلقًا (٢).
مأخذ الحكم: دلت الآية على الحكم بإشارتها؛ لأن الله سبحانه أثبت للزوج الحق في الرجعة، وما دامت في عدتها فهي زوجته، فلا يجوز الاعتداء على حقه بخطبتها.
تنبيه: سيقت الآية لبيان أحقية الزواج باسترجاع زوجته، إن أراد ذلك وأبتها المرأة، فيجب إيثار قوله على قولها، فهو أحق منها، لا أن لها حقًا في الرجعة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
стр. 517
استدل بالآية على أحكام خطبة المعتدَّة والعقد عليها، وسبق بيانها ومآخذها، عند الحديث عن أحكام الخطبة، من كتاب النكاح.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية على أنَّ المطلَّقة قبل الوطء لا عدَّة عليها (١).
قال الموزعي: «وأما العدة من الطلاق فلا تجب عليها بإجماع المسلمين» (٢).
مأخذ الحكم: نفى سبحانه العدَّة عنها فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾، وأكد ذلك بورود ﴿عِدَّةٍ﴾ نكرة مسوقة ب (مِنْ)، وبقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾، وهي كذلك فعل، والأفعال نكرات، أي: أي عدة يمكن الاعتداد بها.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].
استدلَّ بالآية على أنَّ المطلَّقة الرجعية تعتد وتلزم بيتها التي طلقت فيه، ولا تخرج منه.
قال ابن الفرس: «وهو لازم للمطلَّقة الرجعية؛ بإجماع العلماء» (٣).
стр. 518
مأخذ الحكم: نهى المولى سبحانه الأزواج من إخراجهن، ونهين عن الخروج، بصيغة النهي الصريحة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أنَّ عدة الآيسة من الحيض والصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، إذ هو كجواب الشرط المتضمن في الاسم الموصول في قوله ﴿وَاللَّائِي﴾، أي: إن كانت آيسة فعدتها ثلاثة أشهر.
قال الشيخ محمد الأمين الهرري في إعراب الآية: «قوله ﴿وَاللَّائِي﴾ مبتدأ، وخبره قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، وقوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعتراض، وجواب الشرط محذوف تقديره: أي إن ارتبتم فيها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، كذا قالوا» (١).
والمقصود أن قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ على الإعراب السابق ليست جواباً للشرط في قوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، والله أعلم.
• الحكم الثاني: عِدَّة الحامل بالوضع.
مأخذ الحكم: قوله ا ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر.
• الحكم الثالث: يشمل الحمل: الولد، والعلقة، والمضغة.
стр. 519
• الحكم الرابع: لا تنقضي العدة بوضع أول التوأمين.
مأخذ الحكمين: إن الحمل اسم لما في البطن، فيشمل الولد والعلقة والمضغة، كما أن وضع أحد التوأمين وضع لبعض الحمل لا للحمل؛ فإن الباقي يصدق عليه حملاً، فلا تنقضي العدة إلا بوضعه.
وقد ورد في قراءة بلفظ: (أحمالهن).
قال الرازي: «وقرئ (أحمالهن) … الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولذا لم يقل سبحانه (أن يلدن)» (١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
جمهور أهل العلم على أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، ونُقِل عن مجاهد أنها غير منسوخة، وأنها معمول بها مع الآية الثانية، وأنَّ الله أوجب على المعتدّة أربعة أشهر وعشراً لا تخرج من بيتها، ثمَّ جعل لها تمام الحول وصية لها إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت (٢).
قال السيوطي: «والأكثرون على أنها منسوخة. ثمَّ قيل: نُسخ كلها، الاعتداد حولاً بالآية السابقة، والوصية بالمتاع والسكنى بآية الميراث. وقيل: نُسخت إلا
стр. 520
السكنى فهي لها ثابتة» (١). أ. هـ
قلت: ويستدل بالآية على عدم جواز عقد النكاح حتى تنتهي العدة.
مأخذ الحكم: دلت الآية بمفهوم شرطها المخالفة أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل ولاشك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
باب الرضاع
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب إرضاع الأم لولدها (٢).
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى: الأمر، فقيل بالوجوب بناء على أصل الأمر، ومقتضاه.
وقال بعض العلماء: بالندب، وجعلوا الصارف آية سورة الطلاق؛ إذ هي مبينة لآية سورة البقرة، وآية الطلاق علّقت استحقاق الأجرة على الإرضاع ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ
стр. 521
لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعلت الأجرة مقابل الإرضاع، والخيرة ترجع للأم، ولا واجب مع الاختيار.
كما أنّهم قالوا: إنّ سياق آية البقرة لبيان مدة الإرضاع لا لبيان إيجابه وحكمه.
تنبيه: أوجب بعض العلماء الرَّضاع على الأم ما دامت في العصمة، لسياق الآية لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ومعلوم أنّ الرزق والكسوة يكون لمن كانت في العصمة.
وقيل إذا مات الأب أو كان معسراً ولا مال للابن؛ لأنّ إرضاع الطفل واجب، ولا يتم إلّا بواسطة المرضعة الأم؛ لأجل إعسار الأب، وسيأتي قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أنّه لا يجوز للأم الامتناع، إذا لم يوجد غيرها، أو لم يقبل إلّا ثديها.
• الحكم الثاني: يمنع الأب من استرضاع غيرها إذا طلبت الأم أجرة ووجد متبرعة (١).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾، فلم يجعل المولى لغيرهن حظًا في الإرضاع.
• الحكم الثالث: منتهى الرضاع حولان، فلا يجوز فطمه قبل الحولين (٢).
مأخذ الحكم: لما كان الحول يطلق على الكامل وعلى معظم الحول، أكده سبحانه بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ والمقصود تمام الرضاع يكون بالحولين، ومفهومه عدم جواز إفطامه، قبل ذلك، لكن هذا المفهوم غير مراد، كما سيأتي في سياق الآية
• الحكم الرابع: لا رضاع بعدهما مثبت للتحريم (٣).
стр. 522
مأخذ الحكم: مفهوم العدد، وهو أن ما زاد على الحولين ليس له حكم لبن الرضاع، فلا يثبت به التحريم.
ويؤكد هذا المفهوم قوله ﵊: (إنّما الرضاعة من المجاعة) (١)، وورد مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس -والموقوف أصح- (لا رضاع بعد الحولين) (٢)، فهو إذا بعد الحولين لبن طعام فقط، كسائر الأغذية غير معتبر في التحريم. وسيأتي مزيد بيان في مسألة رضاع الكبير.
• الحكم الخامس: يشترط في فطمه تشاور الأبوين في ذلك واتفاقهما، وأنه لا يستقل أحدهما بالفطم قبلهما بخلاف ما بعدهما (٣).
مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ من الأساليب الدالة على الجواز، وقد علق على شرطين، ولا يثبت الحكم إلّا بثبوتهما، ومفهوم الشرط عدم جواز فطامه عند انتفائها، أو انتفاء أحدهما.
وقال الموزعي: «ومفهوم الخطاب يقتضي أن الوالدة إذا فصلت ولدها غير مشورة على الأب أنه لا يجوز، وهو كذلك، والله أعلم» (٤).
• الحكم السادس: جواز اتفاق الأبوين على استرضاع الولد من غير الأم (٥).
مأخذ الحكم: لتعليق سبحانه نفي الجناح على الإرادة، ونفي الجناح يدل على الجواز، وإن لم يعلق على الإرادة، فكيف وقد علق عليها، فقال سبحانه:
стр. 523
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
• الحكم السابع: إباحة الاستئجار للرضاع (١).
مأخذ الحكم: لنفي الجناح الوارد في الآية وفي سورة الطلاق قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فصرح بأن الأجرة مقابل الرضاعة.
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم نكاح الأمهات والأخوات من الرضاعة (٢).
مأخذ الحكم: ورود التحريم بلفظه الصريح ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهو خبر عن الحكم، ثمَّ عطف على المحرمات الأمهات والأخوات من الرضاعة بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، والعطف يقتضى الجمع بينهما في الحكم.
ثمَّ إنَّ التحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست مورداً للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين، وعليه فالمحرَّم هنا نكاح الأمهات والأخوات من الرَّضاعة.
تنبيه: قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ) جمع مضاف فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون. وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، فيعم كل امرأة
стр. 524
أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى.
• الحكم الثاني: التحريم برضاع الكبير (١).
مأخذ الحكم: أطلق سبحانه الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق الإرضاع يحرم، سواء كان في الحولين أو بعدها، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل.
نوقش: بأن العلماء عدلوا عن ظاهر هذا الإطلاق إلى تقييده بالقرآن والسنة.
أما القرآن فقد استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ البقرة: ٢٣٣ أن الرضاع المحرِّم ما كان في مدة الحولين، واستدلوا بقوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة) (٢)، والمجاعة إنما تثبت في حق من يقوم له الرضاع مقام الغذاء عند الجوع، وهذا إنما يكون في الحولين.
تتمة: عدل العلماء كذلك عن ظاهر الآية وقيدوا إطلاق الرضاع بقيد آخر، وهو العدد، واختلفوا في قدر ما يحرم من الرضاع، فقيل المصة الواحدة تحرّم، وقيل الثلاث، وقيل الخمس، وقيل: العشر (٣).
• الحكم الثالث: لا يحرم الرضاع من البهيمة (٤).
стр. 525
قال السيوطي: «واستدل مالك وغيره بقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ على أن رضاع الرجل والبهيمة لا يحرِّم، وكذا الميتة؛ لأنها لم ترضع» (١).
مأخذ الحكم: مفهوم الصفة في قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ)، فأضاف الرضاع إلى الأم المرضعة من بني آدم.
قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
استدلَّ بالآيتين على مدَّة الرَّضاع. والفصال هو الفطام.
قال ابن الفرس عن آية سورة لقمان: «فيه إشارة إلى تقدير مدَّة الحمل، فعبَّر عنه بغايته» (٢).
وقال عن آية سورة الأحقاف: «وإنَّما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقلَّ مدَّة الحمل والرضاع، فيجب من هذا أنَّ أقلَّ مدَّة الحمل ستة أشهر، وأقلَّ ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرَّضاعة» (٣).
مأخذ الحكم: يمكن بيانه بالأمور الآتية:
أولاً: تقدير محذوف في الآية.
قال القرطبي: «وفي الكلام إضمارٌ، أيّ: ومدَّة حمله، ومدَّة فصاله ثلاثون شهراً، ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف، وتغيَّر المعنى» (٤).
стр. 526
وقال ابن الفرس: «النَّاس متفقون على تحديد العامين في مدَّة الرَّضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة به، أمَّا تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعباً» (١)، أي في سورة البقرة.
وقال القرطبي بعد أن ذكر مثل كلام ابن الفرس: «فحدَّدت فرقة بالعام، لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرَّضاع. وقالت فرقة: إن فُطِم الصبي قبل العامين وترك اللبن، فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرَّم، وقد مضى هذا في البقرة مستوفى» (٢).
ثانياً: تفسير الصحابي، وقد روي أنَّ ابن عبَّاس ﵄ قال: (إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحدٌ وعشرون شهراً، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاه من الرَّضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾) (٣).
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
استدلَّ بالآية على أنَّ الأم إذا طلبت إرضاع الطفل بأجرة مثل، وجب على الأب دفعها إليها (٤).
مأخذ الحكم: تعليق الأجرة على الشرط وهو الإرضاع، فإن تحقق الشرط فليس من حق الأب البحث عن مرضعة بديلة عنها، وتكون الأم هي الأحق بذلك.
стр. 527
باب النفقات
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن العاجز عن النفقة يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن الله تعالى خير بين اثنين لا ثالث لهما الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا ليس ممسكاً بمعروف فلم يبق إلا الفراق» (١).
مأخذ الحكم: ما ذكره السيوطي، وبيانه: أنّ الإمساك بمعروف لا يكون إلا بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، ومنها النفقة، والواجب تسريح بإحسان عند العجز، قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ أو ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ مصدران نابا عن فعلهما، والمصدر النائب عن فعله من صيغ الوجوب.
فإن قيل: العاجز عن النفقة غير مكلف بالإنفاق.
يقال: نعم غير مكلف لعجزه، لكنه مكلف بالتسريح؛ لأنّه مقدور عليه.
تنبيه: ذكر السيوطي استنباطاً يقتضي عدم فسخ النكاح في موضعين آخرين، فقال في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٢]: «قال ابن الفرس: واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز عن النفقة؛ لأنه قال: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾، ولم يفرق بينهم» (٢) .. أ. هـ.
وقال: «واستدل بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، من قال لا يفسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة» (٣).
стр. 528
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: على الأب أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها سواء كانت في عصمته أم لا (١).
مأخذ الحكم: أن لفظ (على) في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ من الألفاظ الدالة على الوجوب.
وعليه فإن كانت في عصمته، اكتفي بالإنفاق عليها باسم الزوجية، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، فالزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أم لم ترضع؛ لأنّ النفقة والكسوة مقابل التمكين.
وإن كانت خارج عصمته فلها الإنفاق على المولود من أجل الإرضاع، والأجرة كما في آية الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
• الحكم الثاني: أن المراعَى في ذلك حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسطاً، لا الزوجة ولا هما (٢).
مأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿نَفْسٌ﴾، في قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نكرة في سياق نفي فتعمّ، ويدخل فيها الزوج أصالة فيعتبر حاله؛ لأنّه المقصود، وهو الذي
стр. 529
تجب عليه النفقة. فحصر الشارع التكليف على الوسع،؛ فإنّ كان فقيرًا، فإنّه لا يلزم إلّا بنفقة الفقير، وكذا إن كان غنيًا أو متوسطًا كل حسب حاله.
• الحكم الثالث: أن الأم إذا رضيت بما ترضى به الأجنبية فلا تضار بانتزاع الولد منها، وأن الأب إذا وجد متبرعة فلا يضار بإلزامه الأجرة للأم، وكذا على الوارث أن لا يضار الأم كما أن على الأب أن لا يضارها (١).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغته.
تنبيه اختلف في عود اسم الإشارة في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. هل تعود على الرَّضاع والنفقة والكسوة وعدم المضارَّة، أو تعود للمضارَّة فقط؟
فقيل على المضارَّة، أي: «ألا يضار. وقيل: إلى النفقة والكسوة، فاستدل به من أوجب ذلك على الوارث من عصبة الميت. وقيل: عصبة المولود نفسه؛ لأنه وارث أبيه. والمعنى أن ذلك واجب في ماله يعطي منه الأم الأجرة، بهذا فسره الضحاك وغيره واختاره ابن جرير وغيره، كما ذكره السيوطي (٢).
وقيل: لو أراد الجميع لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء،، فدلّ على أنّه معطوف على المنع من المضارة؛ ولأنّه أقرب مذكور.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
استدلَّ بالآية على وجوب نفقة الزوجة على الرجل (٣).
стр. 530
مأخذ الحكم: حمل قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ على معنى: أن لا تكثر عيالكم، وبه قال الشافعي، وقيله هو حجة في اللغة؛ لذا استنبط السيوطي الحكم من كلامه (١).
وقالوا: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: ألا تفتقروا. يقال: رجل عائل، أي: فقير؛ لأنه إذا قلَّ عياله قلَّت نفقاته، وإذا قلَّت نفقاته لم يفتقر (٢).
وذكر الموزعي أنَّ المعروف في اللغة أن معنى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تميلوا، ولا تجوروا، ثمَّ دافع عن الشافعي، ورد على من وصف قوله بالشذوذ، أو أنه خارق اللغة، وحمل كلام الشافعي على أنه من باب التعبير عن الشيء بسببه؛ فإن من كثر عياله كثر عوله، أي نفقته (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وظن طائفة من العلماء أنَّ المراد أن لا تكثر عيالكم، وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة، وغلَّط أكثر العلماء من قال ذلك لفظاً ومعنى.
أما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله، وهو سبحانه قال ﴿تَعُولُوا﴾ لم يقل: تعيلوا. أمَّا المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات، ومع هذا فقد أباح مما ملكت اليمين ما شاء» (٤).