وقال ابن الفرس: «النَّاس متفقون على تحديد العامين في مدَّة الرَّضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة به، أمَّا تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعباً» (١)، أي في سورة البقرة.
وقال القرطبي بعد أن ذكر مثل كلام ابن الفرس: «فحدَّدت فرقة بالعام، لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرَّضاع. وقالت فرقة: إن فُطِم الصبي قبل العامين وترك اللبن، فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرَّم، وقد مضى هذا في البقرة مستوفى» (٢).
ثانياً: تفسير الصحابي، وقد روي أنَّ ابن عبَّاس ﵄ قال: (إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحدٌ وعشرون شهراً، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاه من الرَّضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾) (٣).
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
استدلَّ بالآية على أنَّ الأم إذا طلبت إرضاع الطفل بأجرة مثل، وجب على الأب دفعها إليها (٤).
مأخذ الحكم: تعليق الأجرة على الشرط وهو الإرضاع، فإن تحقق الشرط فليس من حق الأب البحث عن مرضعة بديلة عنها، وتكون الأم هي الأحق بذلك.
стр. 527
باب النفقات
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن العاجز عن النفقة يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن الله تعالى خير بين اثنين لا ثالث لهما الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا ليس ممسكاً بمعروف فلم يبق إلا الفراق» (١).
مأخذ الحكم: ما ذكره السيوطي، وبيانه: أنّ الإمساك بمعروف لا يكون إلا بالقيام بما يجب عليه من حق على زوجها، ومنها النفقة، والواجب تسريح بإحسان عند العجز، قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ أو ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ مصدران نابا عن فعلهما، والمصدر النائب عن فعله من صيغ الوجوب.
فإن قيل: العاجز عن النفقة غير مكلف بالإنفاق.
يقال: نعم غير مكلف لعجزه، لكنه مكلف بالتسريح؛ لأنّه مقدور عليه.
تنبيه: ذكر السيوطي استنباطاً يقتضي عدم فسخ النكاح في موضعين آخرين، فقال في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٢]: «قال ابن الفرس: واحتج بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز عن النفقة؛ لأنه قال: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾، ولم يفرق بينهم» (٢) .. أ. هـ.
وقال: «واستدل بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، من قال لا يفسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة» (٣).
стр. 528
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: على الأب أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها سواء كانت في عصمته أم لا (١).
مأخذ الحكم: أن لفظ (على) في قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ من الألفاظ الدالة على الوجوب.
وعليه فإن كانت في عصمته، اكتفي بالإنفاق عليها باسم الزوجية، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، فالزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أم لم ترضع؛ لأنّ النفقة والكسوة مقابل التمكين.
وإن كانت خارج عصمته فلها الإنفاق على المولود من أجل الإرضاع، والأجرة كما في آية الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
• الحكم الثاني: أن المراعَى في ذلك حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسطاً، لا الزوجة ولا هما (٢).
مأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿نَفْسٌ﴾، في قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نكرة في سياق نفي فتعمّ، ويدخل فيها الزوج أصالة فيعتبر حاله؛ لأنّه المقصود، وهو الذي
стр. 529
تجب عليه النفقة. فحصر الشارع التكليف على الوسع،؛ فإنّ كان فقيرًا، فإنّه لا يلزم إلّا بنفقة الفقير، وكذا إن كان غنيًا أو متوسطًا كل حسب حاله.
• الحكم الثالث: أن الأم إذا رضيت بما ترضى به الأجنبية فلا تضار بانتزاع الولد منها، وأن الأب إذا وجد متبرعة فلا يضار بإلزامه الأجرة للأم، وكذا على الوارث أن لا يضار الأم كما أن على الأب أن لا يضارها (١).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغته.
تنبيه اختلف في عود اسم الإشارة في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. هل تعود على الرَّضاع والنفقة والكسوة وعدم المضارَّة، أو تعود للمضارَّة فقط؟
فقيل على المضارَّة، أي: «ألا يضار. وقيل: إلى النفقة والكسوة، فاستدل به من أوجب ذلك على الوارث من عصبة الميت. وقيل: عصبة المولود نفسه؛ لأنه وارث أبيه. والمعنى أن ذلك واجب في ماله يعطي منه الأم الأجرة، بهذا فسره الضحاك وغيره واختاره ابن جرير وغيره، كما ذكره السيوطي (٢).
وقيل: لو أراد الجميع لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء،، فدلّ على أنّه معطوف على المنع من المضارة؛ ولأنّه أقرب مذكور.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
استدلَّ بالآية على وجوب نفقة الزوجة على الرجل (٣).
стр. 530
مأخذ الحكم: حمل قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ على معنى: أن لا تكثر عيالكم، وبه قال الشافعي، وقيله هو حجة في اللغة؛ لذا استنبط السيوطي الحكم من كلامه (١).
وقالوا: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: ألا تفتقروا. يقال: رجل عائل، أي: فقير؛ لأنه إذا قلَّ عياله قلَّت نفقاته، وإذا قلَّت نفقاته لم يفتقر (٢).
وذكر الموزعي أنَّ المعروف في اللغة أن معنى ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تميلوا، ولا تجوروا، ثمَّ دافع عن الشافعي، ورد على من وصف قوله بالشذوذ، أو أنه خارق اللغة، وحمل كلام الشافعي على أنه من باب التعبير عن الشيء بسببه؛ فإن من كثر عياله كثر عوله، أي نفقته (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وظن طائفة من العلماء أنَّ المراد أن لا تكثر عيالكم، وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة، وغلَّط أكثر العلماء من قال ذلك لفظاً ومعنى.
أما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله، وهو سبحانه قال ﴿تَعُولُوا﴾ لم يقل: تعيلوا. أمَّا المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات، ومع هذا فقد أباح مما ملكت اليمين ما شاء» (٤).
стр. 531
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الإنفاق على الزوجات (١).
قال ابن الفرس: «والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، ومقتضى هذه الآية أنَّ الزوج يقوم بتدبير زوجته وتأديبها، ومنها الخروج، وإنَّ عليها طاعته ما لم يأمر بمعصية، وجعل تعالى ذلك للزوج؛ لأجل ما يجب عليه من النفقة لها» (٢).
مأخذ الحكم: ورد الأمر بصيغة الخبر في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
قال القرطبي: «﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ابتداء وخبر، أي: يقومون بالنفقة عليهن، والذبِّ عنهنَّ» (٣).
• الحكم الثاني: يجوز للمرأة فسخ النِّكاح عند الإعسار بالنَّفقة والكسوة (٤).
قال ابن الفرس: « … فذهب الشافعي ومالك إلى أنَّ لها ذلك؛ لأنه إذا خرج عن كونه قوَّاماً عليها، وحابساً لها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنِّكاح، فكان لها الفسخ لأجل ذلك، فنزلت الآية دلالة ظاهرة من هذا الوجه على أنَّ لها الفسخ عند الإعسار بالنَّفقة والكسوة» (٥).
стр. 532
مأخذ الحكم: أنَّ القوامة وجبت بما عُلِل به الحكم، وهو لأجل الإنفاق، وثبتت علته بطريق النقل نصَّاً أو ظاهراً، بحسب الخلاف في دلالة الباء السببية على التعليل، في قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾، والحكم يدور مع علته، فإذا زال الإنفاق زالت القوامة.
قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب النفقة للمطلقة الرجعيَّة.
قال الموزعي: «اتفق أهل العلم على أنَّ الرجعيَّة مرادة بالآية، وأنَّ الله سبحانه أوجب لها السكنى، وإذا وجبت السكنى وجبت النفقة؛ لأنها تابعة للسكنى، وقد اتفقوا على ذلك أيضاً» (١).
مأخذ الحكم: دلالة الالتزام؛ إذ التابع يستلزم وجود المتبوع.
• الحكم الثاني: وجوب الإنفاق على الحامل البائن حتى تنقضي عدتها (٢).
مأخذ الحكم: الأمر في جواب الشرط، بقوله ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، مع مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
стр. 533
ومفهوم الشرط المخالف أنَّ البائن غير الحامل لا نفقة لها.
تتمة: قال الموزعي: «وإذا وجبت لها النفقة فقد وجبت لها السكنى؛ لأن النفقة تابعة للسكنى (١)، والتابع يستلزم وجود المتبوع» (٢)
وقال السيوطي في قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾: «فيه وجوب السكنى للمطلقات كلهن، أو للبوائن لتقدم سكنى الرجعيات، ولقوله بعده: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فإنه خاص بالبوائن .. » (٣)
• الحكم الثالث: نفقة الأبناء على الآباء.
وقد صرح عدد من العلماء بأن الآية أصل في وجوب النفقة للولد على والده (٤).
مأخذ الحكم:
الأول: أمر المولى الأب بإعطاء الأجرة على رضاع الطفل، فقال ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
قال ابن الفرس: «﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، أي: جميع ما يعان به الصبي، وذلك نفقته، وكسوته والأجرة على إرضاعه باتفاق» (٥).
стр. 534
الثاني: صيغة الأمر في قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته بإجماع المسلمين» (١).
• الحكم الرابع: يراعى في النفقة حال المنفق يساراً وإعساراً (٢).
فذكرت الآية مقدار النفقة، آمرة الوالد بأن تكون نفقته على حسب حاله، فإن كان موسراً فليوسع على أولاده، وإن كان معسراً فبحسب وسعه وطاقته.
مأخذ الحكم: ما ذكر في الحكم السابق، والأمر هنا بيان لكيفية النفقة، والمبيِّن يأخذ حكم المبيَّن، فيكون للوجوب، فتجب التوسعة على الأبناء حال اليسر، وبحسب الطاقة حال العسر، والمرجع في ضبطها عند الاختلاف إلى العرف.
تنبيه: في الآية الأولى: وجوب النفقة على الأم الحامل لأجل ولدها، وبعد الوضع تكون النفقة لأجل إرضاع الولد، فالنفقة في الحالين للولد.
باب الحضانة
قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
استدلَّ بالآيتين على أنَّ الأم أحق بالحضانة (٣).
стр. 535
مأخذ الحكم: قياس الحضانة على الرضاعة، فكما أنّها أحق بالرضاعة فهي أحق بالحضانة، ويؤيده ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وفي انتزاع الصغير إضرار بالأم.
قال السيوطي: «قال إلكيا وغيره: ويؤخذ من قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ أن الأم أحق بالحضانة؛ لأن حاجة الولد إلى من يحضنه كحاجته إلى من يرضعه (١).
стр. 536
كتاب الجنايات
الجنايات: جمع جناية.
قال ابن قدامة: «والجناية: كل فعل عُدوان على نفس أو مال، لكنها في العُرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمَّوا الجنايات على الأموال غصباً، ونهباً، وسرقة، وخيانة، وإتلافاً» (١).
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية ووجوب القصاص (٢).
مأخذ الحكم: الوجوب بلفظ ﴿كُتِبَ﴾، وهي خبر عن الحكم بالوجوب، و ﴿كُتِبَ﴾، بمعنى فرض.
• الحكم الثاني: لا يقتص من الرجل في قتل المرأة (٣).
مأخذ الحكم: دلالة مفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال الموزعي: «فدلَّ الخطاب بفحواه على أن العبد يقتل بالحر، وأن الأنثى تقتل بالأنثى بالذكر؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فأولى أن يُقتل به العبد، وإذا قُتلت الأنثى
стр. 537
بالأنثى فأولى أن تُقتل بالذكر، ولكن تخصيص هذه الأفراد الثلاثة، وهي الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى يدلُّ بطريق المفهوم على أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن الذكر لا يقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والأصول والترجيحات عند التعارض» (١)، ثمَّ خاض فيها خوض المجتهدين.
نوقش: بأن هذا المفهوم متروك.
قال الطوفي: «لضعفه، ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع» (٢).
• الحكم الثالث: الحر لا يقتل بالعبد (٣).
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
قال الطوفي: «مفهومه أنّه لا يقتل حر بعبد، وهو خاص (أي: المفهوم) فيخصص عموم: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ … إلخ.
وأبو حنيفة ليس المفهوم حجة عنده، وأخذ بعموم آية المائدة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فقال يقتل الحر بالعبد، ولحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (٤)(٥).
• الحكم الرابع: أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه (٦).
стр. 538
قال السيوطي: «فيه أن العافي إذا قتل بعد العفو يقتص منه، وأخذ جماعة من الآية تحتم قتله وأنه لا يصح العفو عنه» (١).
مأخذ الحكم: توعد الله له بعذاب أليم، على القول بأن العذاب الأليم هو القتل.
قال السيوطي: «وورد في الحديث المرسل عن قتادة (لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدية)، وهو يعتبر جانيًا عمدًا أو أشبه الجاني ابتداءًا» (٢).
• الحكم الخامس: سقوط القصاص بالعفو عن بعضه (٣).
قال الموزعي: «وفي الآية دليل على أنه إذا عُفي عن بعض الدم سقط القصاص» (٤)
مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة.
بيَّن الموزعي المأخذ فقال: «بطريق الإشارة، فقال في آخر الآية ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، يعني: القصاص، وشريعة بني إسرائيل لا تصدق فيها بالدم، ولا عفو، بل القصاص عليهم متحتم» (٥)
وقال السيوطي: «وفي تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ إشارة إلى سقوط القصاص بالعفو عن بعضه» (٦).
قلت: لأنَّ ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق شرط، فيعمّ العفو عن الشيء القليل والكثير،
стр. 539
كما أن القصاص لا يتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، وإسقاط بعضه إسقاط لكله، كالطلاق.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
استدل بالآية على اعتبار المماثلة في القصاص (١).
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح» (٢).
مأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة.
تنبيه: الاعتداء بالمثل تفسير لما أجمل في الآية نفسها في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهو خبر بمعنى الأمر.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم قتل المؤمن بغير الحق.
стр. 540
قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير الحق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع» (١). ثم ذكر آيتي النساء، وهذه منها.
وقال الموزعي: «وقد أجمعت الأمة على تعظيم شأن القتل؛ كما عظمه الله تعالى، ورسوله ﷺ فهو أكبر الكبائر بعد الشرك» (٢).
مأخذ الحكم: من الآية الأولى: نفي ايقاع هذا الفعل من المؤمن، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وقيل: في تأويلها: «معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمناً. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه: ما كان له فيما سلف كما ليس له الآن» (٣).
قال الرازي بعد أن ذكر شيئاً من التأويل السابق: «والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف» (٤).
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الوعيد بالخلود في النار مع غضب الله، ولعنة الله على فاعله، وتهديده بما أُعدَّ له من العذاب.
قال الموزعي: «فحرم الله سبحانه قتل المؤمن تحريما مغللظاً لا يوجد في سائر المحرمات» (٥).
تنبيهان:
الأول: تقييد الحكم بقتل المؤمن بغير الحق، لماسيأتي في آيتي الأنعام والإسراء من التقييد بذلك.
стр. 541
الثاني: تذكر كتب الفقه وأحكام القرآن الخلاف في قبول توبة القاتل عمداً، وخلوده في النار.
قال ابن قدامة: «وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم. وقال ابن عباس: إن توبته لا تقبل؛ للآية التي ذكرناها، وهي من آخر ما نزل. قال ابن عباس: ولم ينسخها شيءٌ؛ ولأن لفظ الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير؛ لأن خبر الله تعالى لا يكون إلَّا صدقاً. ولنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فجعله داخلاً في المشيئة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]» (١).
• الحكم الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى نفي ما يسمى بقتل شبه العمد.
قال السيوطي: «فاستدل به من قال لا واسطة بينهما، ونفي القتل المسمى شبه العمد» (٢).
ومأخذ الحكم: سكوت الشارع، حيث إنه سبحانه ذكر الخطأ المحض في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وذكر العمد المحض، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، ولم يذكر قسماً ثالثاً (٣).
قال ابن قدامة: «وأنكر مالك شبه العمد، وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد»، ثمَّ قال: «وهو الصواب؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن دية
стр. 542
الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود (١)، وفي لفظ: (قتيل خطأ العمد) (٢) أ. هـ» (٣).
وقال أيضا: «شبه العمد أحد أقسام القتل، وهو: أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً؛ إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالباً إذا قتل، فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطإ وخطأ العمد؛ لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل، فهذا لا قود فيه. والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم. وجعله مالك عمداً موجباً للقصاص؛ لأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسماً ثالثاً، زاد على النص، ولأنه بفعل عمده، فكان عمداً، كما لو غرزه بإبرة فقتله» (٤).
وضابط شبه العمد مختلف فيه يرجع فيه إلى كتب الفقه والخلاف (٥).
• الحكم الثالث: لا قصاص في قتل الخطأ (٦).
مأخذ الحكم: عدم ذكر الله ذلك في مقام البيان، بل ذكر الواجب في حقِّه، وهو الدية.
стр. 543
• الحكم الرابع: لا قصاص في الجروح في الخطأ (١).
مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولوي؛ إذ إنه سبحانه أوجب الكفارة والدية دون القصاص في النفس، فما دون النفس من الجراحات أولى، قاله ابن الفرس، وقال: «فخرج بهذا الخطاب في الجراحات من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلا قصاص فيها في الخطأ، وبقي العمد كله تحت العموم» (٢).
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية القصاص في النفس والأعضاء.
قال السيوطي: «فيها مشروعية القصاص في النفس والأعضاء والجروح بتقرير شرعنا كما قال ﷺ في حديث: السِّن (كتاب الله القصاص) (٣)» (٤).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بالكتب، وكونه شرعًا لمن قبلنا، وأقرَّه شرعُنا، فهو شرع لنا بالاتفاق (٥). والتحذير من مخالفة حكمه سبحانه بذم الفاعل بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
стр. 544
• الحكم الثاني: مشروعية القصاص في الجروح.
قال ابن الفرس: «عامٌّ في كلِّ جرح في الرأس أو في الجسد» (١).
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ خبراً بمعنى الأمر، أو يكون عطفاً على قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
تنبيهان:
الأول: أن العلماء خصَّصوا من عموم (الجراح) جراحات، منها:
ما يخاف التلف منه بقصاصه، وكذا مما لا يمكن القصاص منه، مثل ذهاب بعض البصر والسمع والعقل … إلخ (٢).
قال ابن قدامة: «وإذا جرحه جرحاً يمكن الاقتصاص منه بلا حيف، اقتص منه، وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح، إذا أمكن» (٣).
وقال الموزعي: «وضابطه: أن كل جرح أمكن فيه القصاص والمماثلة، ولم يخش منه الموت، فقد وجب فيه القصاص» (٤).
الثاني: مفهوم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، أن ما ليس بجرح لا قصاص فيه، مثل: نتف شعر من رأس الرجل أو لحيته، أو حاجبيه، أو أشفار عينيه (٥).
• الحكم الثالث: يقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة (٦).
стр. 545
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
نوقش بما سبق في آية البقرة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
قال ابن الفرس عند هذه الآية: «فأما ما في النفس فالجمهور على أنَّ القصاص بينهما واجب؛ لعموم هذه الآية، وتأولوا آية البقرة على ما قد ذكرناه فيها» (١).
وقد ذكر في آية البقرة أنها وردت لما ورد في التعدي في القصاص في الجاهلية، حتى «كانوا إذا قَتل حرٌّ من القبيلة العزيزة حُراً من القبيلة المعزوزة، لم يُسلِّموه للقصاص، وبذلوا موضعه عبداً أو امرأةً … » (٢)، فنزلت الآية؛ لإبطال ما كانوا عليه.
قال الموزعي في آية البقرة: «يدل بطريق المفهوم على أن الحر لا يُقتل بالعبد، وأن الذكر لا يُقتل بالأنثى، ولكن عموم آية المائدة تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نقضي بالمفهوم على العموم؟ أو نقضي بالعموم ويترك المفهوم؟ هذا محل نظر المجتهد، فحينئذ يفزع المجتهد إلى دلائل السنة والقياس والأصول والترجيحات عند التعارض» (٣)، ثم خاض فيها خوض المجتهدين وفصَّل أحكامها.
• الحكم الرابع: استحباب العفو عن القصاص (٤).
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل،
стр. 546
والأصل فيه الكتاب والسنة» (١)، ثم ذكر آية البقرة وهذه الآية.
مأخذ الحكم هنا: قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا عنه.
قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ شرط، وجوابه، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح، فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة … » (٢).
• الحكم الخامس: أن الجماعة لا تقتل بالواحد.
مأخذ الحكم: أن الله قابل النفس القاتلة بالنفس المقتولة.
قال في المغني: «فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة» (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
استدل بها العلماء على وجوب المماثلة في القصاص والجروح.
قال السيوطي: «قال ابن العربي: فيه جواز المماثلة في القصاص خلافاً لمن قال: (لا قود إلا بالسيف) (٤)» (٥).
وقال ابن قدامة فيما إذا قطع يديه ورجليه، ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل
стр. 547
جراحه، قال: «والرواية الثانية عن أحمد قال: إنه لأهله أن يفعل به كما فعل، يعني أن للمستوفي أن يقطع أطرافه، ثم يقتله» (١)، واستدل بآيتي البقرة والنحل.
وقال في الجروح أن من شروط وجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: «الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم قتل النفس إلا بالحق.
وورد هذا الحكم كذلك في آية الأنعام في الوصايا العشر، في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وورد في آية الفرقان في قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، في صفات المؤمنين.
وسبق الحديث عن الحكم، وبيان تشديد الشارع وتغليظه، وتعظيم حق النفس المعصومة.
ومأخذ الحكم في الآيات السابقة:
أولاً: النهي الصريح بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ في آيتي الإسراء والأنعام، ولعله خبر بمعنى النهي في آية الفرقان، والنهي يقتضي التحريم.
стр. 548
ثانياً: وصف الله للفعل، وإخباره بالتحريم في قوله: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
ثالثاً: وجوب الحد عليه؛ للدلالة على كونه ذنباً كبيراً.
قال السيوطي في آية الأنعام: «فيها من الكبائر … وقتل النفس إلا بحقِّها … وفُسِّر في الحديث … أو قتل نفس بغير نفس» (١).
• الحكم الثاني: للمرأة مدخل في القصاص.
قال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ على أن للمرأة مدخلاً في القصاص؛ إِذِ المراد بالولي الوارث» (٢).
مأخذ الحكم: جعل الله لها ذلك، مع بيان وجه اندراجها في الولاية بما ذكره السيوطي، باعتبار أن الولي هنا هو الوارث.
قال القرطبي: «وقال المخالف إن المراد ها هنا بالولي: الوارث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة» (٣).
ومن قال: إنها لا مدخل لها، استدل بأن لفظ (الولي) في الآية مذكر (٤).
قال القرطبي: «وأما ما ذكروه من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر والمؤنث فيه، وتتمته في كتب
стр. 549
الخلاف» (١).
• الحكم الثالث: تحريم الإسراف في القتل.
قال الموزعي: «وحرم الله الإسراف في القتل، وهو: أن يأخذ أكثر مما له؛ بأن يقتل غير القاتل، أو يعذب القاتل في القتل، أو يقتله بما هو أغلظ في القتل، أي: في الآلة التي قتل بها» (٢).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بصيغة: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، وهو يقتضي التحريم.
• الحكم الرابع: للولي أن يقتل بنفسه في القصاص.
قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أن للولي أن يقتل بنفسه؛ لأن ذلك يتصور النهي عن الإسراف، ويتم به السلطان، وقد اتفق الناس على ذلك في القتل، وأما في الجروح، ففيه خلاف» (٣).
قلت: وقد عرَّف من قبل السلطان بقوله: «فُسِّر السلطان بالحجة والبرهان على قتل القاتل»؛ وعليه إن باشر ذلك فقد حصل له هذا بلا ريب.
أما الخلاف في الجروح فقد سبق أن منها: ما يمكن الاستيفاء بالمثل، ومنه: ما لا يمكن، عند قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
مأخذ الحكم: عود الضمير في قوله: ﴿يُسْرِفْ﴾ على الولي، وما فُسِّر به الاسراف في الحكم السابق (٤).
стр. 550
• الحكم الخامس: لا يستوفى في القصاص إذا كان الولي صغيرا حتى يبلغ.
قال الموزعي: «وفي الآية دلالة على أنه لا يستوفى القصاص إذا كان الولي صغيراً أو مجنوناً حتى يبلغ هذا، ويفيق هذا» (١) ثم بيَّن المأخذ.
مأخذ الحكم: قال الموزعي: «لأنه هو الولي، والسلطان ثابت له، فلا يجعل لغيره، سواء كان منفرداً بالولاية، أو مشاركاً» (٢).
باب الديات
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية العفو على الدية (٣).
أي: مشروعية العفو عن القصاص على أن يأخذ الدية.
مأخذ الحكم: أنّ المولى رتب عليها أحكامًا، الإتباع، والأداء، والسياق سياق مدح وثناء وحث لقوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾، فدلَّ على المشروعيَّة.
قال السيوطي: «وفي ذكر ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ ترقيق مرغب في العفو» (٤).
стр. 551
ثمَّ قال في ختم الآية: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾
• الحكم الثاني: مشروعية كون المطالبة تكون برفق (١).
مأخذ الحكم: الإتيان بالمصدر، وهو أحد صيغ الإيجاب، أي: فالواجب من الولي اتباع بمعروف، أي: لا يشق عليه، ولا يضجره؛ لأنّه عفا عن القصاص.
• الحكم الثالث: أن يكون الأداء من غير مطل (٢).
مأخذ الحكم: هو المأخذ السابق من الإتيان بالمصدر (أداء)، ومن أعظم الإحسان هنا عدم المطل؛ لأنّ المطل ظلم، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ، وهو محل اتفاق (٣).
قال ابن قدامة: «الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع، أما
стр. 552
الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾» (١).
وقال في الكفارة: «الأصل في كفارة القتل، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وأجمع أهل العلم على أنَّ على القاتل خطأ كفارة؛ سواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، وتجب في قتل الصغير والكبير» (٢).
مأخذ الحكم: الحكم المقدَّر في الآية، أي: فعليه تحرير رقبة ودية، أو الواجب عليه تحرير رقبة ودية، والمقدَّر كالملفوظ.
• الحكم الثاني: تجب الدية في قتل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد بالإجماع.
سبق النقل عن ابن قدامة، وقال الموزعي مبيِّناً المأخذ: «وعلَّق الله سبحانه هذه الأحكام بقتل المؤمن، وأطلقه، فوقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحكم كذلك بإجماع المسلمين، إلا في العبد» (٣).
مأخذ الحكم: العموم حيث ورد قوله ﴿مُؤْمِنًا﴾، في سياق الشرط ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾.
تتمة: اختلف العلماء في قتل العبد.
قال الموزعي: «فقال طائفة من أهل الكوفة: تجب فيه الدية؛ لظاهر الآية، ولايبلغ بها دية الحر، بل ينقص منها شيء؛ اعتباراً بنقصانه عن درجة الحُرِّ في الحد
стр. 553
وغيره، وقال الشافعي، ومالك، وأبو يوسف: تجب فيه القيمة بالغة ما بلغت؛ قياساً على سائر الأموال، فقيدوا إطلاق الآية بالقياس. وقال أبو حنيفة: تجب فيه القيمة، ولا يُزاد بها على دية الحرِّ» (١).
قلت: والقياس هنا: قياس الشبه، إذا تردد العبد بين إلحاقه بالحرِّ أو المال، ويسميه بعضهم قياس غلبة الأشباه.
• الحكم الثالث: جواز الإبراء عن الدية.
قال السيوطي: «وأن الدية مسلَّمة إلى أهل المقتول، إلَّا أن يصدقوا بها، أي: يبرئوا منها، ففيه جواز الإبراء من أهل الديه» (٢).
مأخذ الحكم: دلالة الاستثناء، ومعناه: فهي إخراج ما لولاه لدخل.
فأخرجت الإبراء من الوجوب، والاستثناء من الإثبات نفى، فنفت الوجوب حال الإبراء، والتصدق من قبل أهل الدية.
• الحكم الرابع: المؤمن الذي أهله كفار، تجب الكفارة بقتله دون الدية (٣).
مأخذ الحكم: سكوت الشارع عن الدية، حيث قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والمقام مقام بيان فدَّل على عدم وجوب الدية.
قال ابن الفرس معللاً للحكم: «مخافة أن يتقوى بها الكفار» (٤).
стр. 554
• الحكم الخامس: الذي له ميثاق، فتجب الكفارة والدية في قتله، فتجب للذمي والمعاهد.
مأخذ الحكم: الإطلاق الوارد في الآية، حيث إنه سبحانه أطلق صفته ولم يقيده بصفة الإيمان، كما قيَّد غيره.
قال الموزعي: «ومنهم من قيَّده بصفة الإيمان، وأعاد الضمير على المؤمنين، ولم يوجب الكفارة في قتله» (١).
• الحكم السادس: دية الخطأ تكون على عاقلة القاتل.
مأخذ الحكم: ذكره السيوطي بقوله: «وفي قوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ دون يُسْلِّمها، إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل» (٢).
تنبيه: قال الموزعي: «ولا إلتفات إلى خلاف الأصم وابن علية والخوارج في منع تحمُّل العاقلة، وتمسكوا بالآية، والقياس، ولا دليل لهم مع قيام النص والإجماع» (٣)، وقد بيّن قبل النص والإجماع فقال: «وظاهر الخطاب أن وجوب الكفارة والدية متعلق بالقاتل، والمعنى: فعليه تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.
ويحتمل أن يكون التقدير: فالواجب تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، وقد أجمع المسلمون على تعلّق الكفارة بالقاتل وجوباً وفعلاً، وأما الدية، فقضى رسول الله ﷺ بوجوبها على العاقلة، وكذا فعل عمر وعلي، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، فهو إجماع، ودليله مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
стр. 555
أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]» (١).
• الحكم السابع: ليس للمقتول العفو عن الدية (٢).
مأخذ الحكم: أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعود إلى الأولياء.
نسب القول السابق ابن الفرس إلى قوم من أهل الظاهر، ثم قال: «وهذا عند أهل القول الأول، إنما هو إذا لم يعف القتيل أو مات ولم يسمع منه عفو» (٣).
• الحكم الثامن: تجب في قتل العمد كفارة (٤).
مأخذ الحكم: بدلالة الأولى.
قال الموزعي: «وأوجب الشافعي الكفارة في قتل العمد، وشبه العمد؛ لأنه أولى وأحرى بالوجوب من الخطأ» (٥).
ثم بيَّن مأخذ من قال بعدم وجوبها -وهو أبو حنيفة وأصحابه- وذكر أنهم على أصلهم من منع القياس في الكفارات.
• الحكم التاسع: لا كفارة بقتل الكافر المضمون.
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾.
قال ابن قدامة: «وقال الحسن ومالك لا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمفهومه: أن لا كفارة في غير المؤمن.
стр. 556
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والذمي له ميثاق، وهذا منطوق يُقدَّم على دليل الخطاب» (١).
• الحكم العاشر: من قتل نفسه خطأ وجبت الكفارة في ماله (٢).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾، و «من» من ألفاظ العموم، ويصدق على قاتل النفس، أنه قتل مؤمناً.
قال ابن قدامة: «والأول أقرب إلى الصواب، -إن شاء الله-، فإن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، إنما أريد بها إذا قتل غيرَه، بدليل قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية؛ بدليل قتل عامر بن الأكوع. والله أعلم» (٣).
• الحكم الحادي عشر: تلزم المشتركين في القتل كل واحد كفارة.
قال ابن قدامة: «ومن شارك في قتل يوجب الكفارة، لزمته كفارة، ويلزم كل واحد من شركائه كفارة» (٤).
وقال السيوطي: «واستدل بعمومها من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة، وأن على الصبي والمجنون إذا قتلا الكفارة، وإن المشارك في القتل عليه كفارة كاملة» (٥).
стр. 557
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾، وقالوا: «من» تعمُّ الواحد والأكثر.
قال ابن الفرس: «ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ فعمَّ الاشتراك والانفراد» (١).
تنبيه: واستدل من قال: كفارة واحدة بذات الآية.
قال ابن قدامة: «و «من» يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلَّا كفارة واحدة، ودية، والدية لا تتعدد، فكذلك الكفارة» (٢).
• الحكم الثاني عشر: تلزم الإمام الدية إذا قتل خطأ (٣).
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ، خلافاً لمن قال: لا شيء عليه، ولا على عاقلته» (٤).
• الحكم الثالث عشر: على الصبي والمجنون المسلم إذا قتلا حُراً خطأ الكفارة (٥).
مأخذ الحكم: عموم الآية لعموم «مَنْ» فتشتمل كل بني آدم.
قال ابن الفرس: «وذلك على عمومه في بني آدم» (٦).
• الحكم الرابع عشر: في قتل العبد المؤمن، الدية والكفارة (٧).
стр. 558
مأخذ الحكم: عموم الآية؛ لأنه مؤمن، وهي نكرة في سياق الشرط، تعمُّ الأحرار والعبيد.
قال السيوطي: «واستدل بعمومها أيضاً من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة» (١).
• الحكم الخامس عشر: من عجز عن الإعتاق أو الصوم، فإن الكفارة تبقى في ذمته ولا ينتقل إلى الإطعام.
قال ابن الفرس: «خلافاً للشافعي في أحد قوليه: أنه يطعم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ وذلك يفيد أنه جميع ما يجب في ذلك» (٢)، أي: لا واجب غير ذلك.
وبيَّن الموزعي أن الله أوجب الكفارة: «ولم يذكر الإطعام في حق العاجز، فدلَّ على أنَّه لا يجب»، ثم قال: «وللشافعي قول ضعيف، أنَّه يجب إطعام ستين مسكيناً؛ قياساً على الظهار» (٣).
مأخذ الحكم: هو سكوت الشارع عن الإطعام في مقام البيان، فدلّ على أنه لا يجب.
• الحكم السادس عشر: ينتقل إلى الصيام من لم يجد الدية تحرير رقبة.
مأخذ الحكم: عود الضمير في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية إلى العتق.
قال ابن الفرس: «وقيل: فمن لم يجد العتق والدية فصيام شهرين يجزئه، وهو
стр. 559
قول الشافعي. وقال الطبري: وأولى القولين أن الصوم عن الرقبة خاصة؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع، فلا يقضي صوم صائم عمّا لزم غيره في ماله» (١).
• الحكم السابع عشر: يشترط في الرقبة أن تكون كاملة.
قال ابن الفرس: «وأجاز أبو حنيفة أقطع أحد اليدين والرجلين، ولم يجز مالك شيئاً من ذلك، والحجة لقوله، قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والإطلاق يقتضي كاملة» (٢).
مأخذ الحكم: الإطلاق المذكور وما يقتضيه، أي: لم يقل سبحانه: (بعض رقبة).
تنبيه: الخلاف في هذا المأخذ في مسائل تتعلق بالناقص من حيث العقد كالمدبر، وأمِّ الولد، والناقص في جسده كما مثل ابن الفرس.
• الحكم الثامن عشر: لا يجوز عتق غير الرقبة المؤمنة في الكفارة، ولا الصيام بغير التتابع.
مأخذ الحكم: العمل بالوصف المقيد، بحسب نص الآية.
قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ تقييد الرقبة بمؤمنة، يقتضي أنه لا يجوز عتقُ غير المؤمنة في كفارة قتل الخطأ، وهو إجماع» (٣).
وقال: «قوله: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ شرط تعالى التتابع» (٤).
стр. 560
باب قتال أهل البغي
أهل البغي: هم الخارجون من المسلمين عن طاعة الإمام الحق بتأويل، ولهم شوكة.
ويعتبر بمنزلة الخروج: الامتناع من أداء الحق الواجب الذي يطلبه الإمام كالزكاة.
لذا ذكر ابن قدامة من فوائد الآية: جواز قتال كل من منع حقاً عليه، ذكره من فوائد الآية الآتي ذكرها.
وأكثر الفقهاء يرون أنَّ الخوارج من البغاة، ولا يرون تكفيرهم.
وذكر ابن قدامة فوائد للآية: «أحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سمّاهم مؤمنين» (١) وباقي الفوائد هي أحكام الآية الآتية.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب قتال الفئة الباغية (٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، والأمر يقتضي الوجوب.
قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أمرٌ بالقتال،
стр. 561
وهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ ولذلك تخلف قومٌ من الصحابة ﵃ عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن سلمة وغيرهم، وصوَّب ذلك علي بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه» (١).
تنبيه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن حكم الآية شامل لأهل مكة كغيرهم، فيجب قتالهم إن بغوا، وحمل الجمهور الآية على عمومها (٢).
• الحكم الثاني: يسقط قتالهم إذا فاءوا إلى الله (٣).
قال السيوطي: «من رجع منهم وأدبر لا يقاتل» (٤).
وقال الموزعي: «المقصود من قتال البغاة، إنما هو كفهم عن البغي حتى يفيئوا إلى الله، وليس المراد به الانتقام منهم، فإذا أمكن كفهم بقتال، فلا يُعدل إلى ما هو أغلظ منه، ولا يقتل أسيرهم، ولا يُذَفَّف على جريحهم، ولا تتلف أموالهم» (٥).
مأخذ الحكم: مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ومفهومه: إن فاءوا، فإنه يجب الكف عنهم (٦).
• الحكم الثالث: سقوط المطالبة بالدم والنفس.
ذكر ابن قدامة من فوائد الآية: «أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم» (٧).
стр. 562
مأخذ الحكم: سكوت الشارع عن ذلك في مقام البيان.
قال الموزعي: «وأطلق الله سبحانه الصلح، ولم تُذكر تباعة في دم ولا مال.
قال الشافعي: فأشبه هذا -والله أعلم- أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطاً بينهم» (١).
ومن قال بالضمان أخذ ذلك من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾، والعدل أخذ الحق لبعض الناس من بعض، وكونه إتلافاً بعدوان فيلزم الضمان (٢).
قال القرطبي: «والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة ﵃ في حروبهم لم يتبعوا مدبراً ولا ذَفَّفُوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة» (٣).
بل وقال قبل: «ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنَّه تلف على تأويل، وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي، وهذا أصل في المصلحة» (٤).
خاتمة للباب: قال ابن الفرس: «والذي يأتي على فرض القول، فيقال: الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾؛ إذ لم يخص كثيراً من قليل، ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه، وحيث لم يره كان فيه» (٥).
стр. 563
باب قتال الجاني
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز قتال الجاني المعتدي في أي وقت، وأي مكان حتى في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام (١).
قال الموزعي: «وأباح لنا في هذه الآية قتالهم في الشهر الحرام إن قاتلوا في الشهر الحرام، كما أباح لنا مجازاتهم بذلك في المسجد الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾» (٢).
وقال ابن الفرس: « … وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأن المعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه، وهذا أولى ما حملت عليه الآية» (٣).
مأخذ الحكم: المجازاة والسببية في قوله: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، والأمر وجواب الشرط في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وحمل الأمر على الإباحة كما أشار إليه الموزعي في كلامه، ولعل الصارف أحد الأمرين أو كليهما.
الأول: كونه أمراً بعد حظر، وقد أشار إلى ذلك الموزعي، حيث قدم ذكر الآيات الدالة على الحظر، ثم أردفها بهذه الآية، فقال: «حرم الله سبحانه علينا في
стр. 564
غير هذه الآية القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] … ، وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم» (١).
الثاني: النصوص الواردة في جواز العفو عن الظالم وترك معاقبته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
تنبيه: يدخل الجاني في الصائل، فكلاهما معتد، لا يجوز دفعه.
قال الرافعي: «الشطر الثاني: في دفع الصائل … وأما المرفوع: فكل ما يخاف منه، فدُفع فهو هدر، حتى الصبي والمجنون، وكذا البهيمة، … استؤنس عن الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾» (٢).
رتبوا على ذلك أن الصائل إذا قتل على المال، فلا ضمان عليه بقصاص، ولا دية، ولا كفارة، ولا قيمة؛؛ لأن الإنسان مأمور بقتاله، وبين الأمر بالقتال والضمان منافاة.
• الحكم الثاني: مشروعية المماثلة في القصاص (٣).
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في
стр. 565
ماء ملح» (١).
مأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة. وسبق في باب الجنايات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
• الحكم الأول: تحريم قطع الطريق، ووجوب قتال قطاع الطريق المحاربة.
قال السيوطي: «هي في قطاع الطريق» (٢).
والمحاربة: كل من أشهر السلاح وقطع السبيل.
وقال القرطبي: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين» (٣).
وقال ﵀: «وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدَّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض» (٤).