وهو فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ ولذلك تخلف قومٌ من الصحابة ﵃ عن هذه المقامات، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن سلمة وغيرهم، وصوَّب ذلك علي بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه» (١).
تنبيه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن حكم الآية شامل لأهل مكة كغيرهم، فيجب قتالهم إن بغوا، وحمل الجمهور الآية على عمومها (٢).
• الحكم الثاني: يسقط قتالهم إذا فاءوا إلى الله (٣).
قال السيوطي: «من رجع منهم وأدبر لا يقاتل» (٤).
وقال الموزعي: «المقصود من قتال البغاة، إنما هو كفهم عن البغي حتى يفيئوا إلى الله، وليس المراد به الانتقام منهم، فإذا أمكن كفهم بقتال، فلا يُعدل إلى ما هو أغلظ منه، ولا يقتل أسيرهم، ولا يُذَفَّف على جريحهم، ولا تتلف أموالهم» (٥).
مأخذ الحكم: مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ومفهومه: إن فاءوا، فإنه يجب الكف عنهم (٦).
• الحكم الثالث: سقوط المطالبة بالدم والنفس.
ذكر ابن قدامة من فوائد الآية: «أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم» (٧).
стр. 562
مأخذ الحكم: سكوت الشارع عن ذلك في مقام البيان.
قال الموزعي: «وأطلق الله سبحانه الصلح، ولم تُذكر تباعة في دم ولا مال.
قال الشافعي: فأشبه هذا -والله أعلم- أن تكون التباعات في الجراح والدماء، وما كان من الأموال ساقطاً بينهم» (١).
ومن قال بالضمان أخذ ذلك من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾، والعدل أخذ الحق لبعض الناس من بعض، وكونه إتلافاً بعدوان فيلزم الضمان (٢).
قال القرطبي: «والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة ﵃ في حروبهم لم يتبعوا مدبراً ولا ذَفَّفُوا على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة» (٣).
بل وقال قبل: «ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنَّه تلف على تأويل، وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي، وهذا أصل في المصلحة» (٤).
خاتمة للباب: قال ابن الفرس: «والذي يأتي على فرض القول، فيقال: الفئة الباغية أن يكون الإنسان في الفتنة مع من يرى أن الحق معه، وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾؛ إذ لم يخص كثيراً من قليل، ولا العلماء من غيرهم، فإنما اعتبر في ذلك البغي، فحيث اعتقده الإنسان زال عنه، وحيث لم يره كان فيه» (٥).
стр. 563
باب قتال الجاني
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز قتال الجاني المعتدي في أي وقت، وأي مكان حتى في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام (١).
قال الموزعي: «وأباح لنا في هذه الآية قتالهم في الشهر الحرام إن قاتلوا في الشهر الحرام، كما أباح لنا مجازاتهم بذلك في المسجد الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾» (٢).
وقال ابن الفرس: « … وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأن المعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه، وهذا أولى ما حملت عليه الآية» (٣).
مأخذ الحكم: المجازاة والسببية في قوله: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، والأمر وجواب الشرط في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وحمل الأمر على الإباحة كما أشار إليه الموزعي في كلامه، ولعل الصارف أحد الأمرين أو كليهما.
الأول: كونه أمراً بعد حظر، وقد أشار إلى ذلك الموزعي، حيث قدم ذكر الآيات الدالة على الحظر، ثم أردفها بهذه الآية، فقال: «حرم الله سبحانه علينا في
стр. 564
غير هذه الآية القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] … ، وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم» (١).
الثاني: النصوص الواردة في جواز العفو عن الظالم وترك معاقبته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
تنبيه: يدخل الجاني في الصائل، فكلاهما معتد، لا يجوز دفعه.
قال الرافعي: «الشطر الثاني: في دفع الصائل … وأما المرفوع: فكل ما يخاف منه، فدُفع فهو هدر، حتى الصبي والمجنون، وكذا البهيمة، … استؤنس عن الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾» (٢).
رتبوا على ذلك أن الصائل إذا قتل على المال، فلا ضمان عليه بقصاص، ولا دية، ولا كفارة، ولا قيمة؛؛ لأن الإنسان مأمور بقتاله، وبين الأمر بالقتال والضمان منافاة.
• الحكم الثاني: مشروعية المماثلة في القصاص (٣).
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في
стр. 565
ماء ملح» (١).
مأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة. وسبق في باب الجنايات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
• الحكم الأول: تحريم قطع الطريق، ووجوب قتال قطاع الطريق المحاربة.
قال السيوطي: «هي في قطاع الطريق» (٢).
والمحاربة: كل من أشهر السلاح وقطع السبيل.
وقال القرطبي: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين» (٣).
وقال ﵀: «وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدَّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض» (٤).
стр. 566
مأخذ الحكم: يبنى تحريم قطع الطريق من الأساليب الآتية:
أولاً: تعظيم الأمر بإضافة المحاربة له: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال ابن الفرس: «وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ تغليظ على ارتكاب نهيه … ، وإنما ذكر على جهة المبالغة في إظهار المخالفة … ، وقيل: التقدير يحاربون عباد الله … ، وكأنه أراد بذلك تعظيم المحاربة وإكبار قدر المعصية» (١).
ثانياً: ذم فعلهم وتسميته فساداً.
ثالثاً: ترتيب العقوبة في الدنيا بإقامة الحد -كما سيأتي- وفي الآخرة الخزي، ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
رابعاً: الوعد بالمغفرة لمن تاب، ولا توبة إلا من معصية، كما قال العز بن عبد السلام في كتابه الإمام.
وأما وجوب قتالهم: إخبار المولى أنه جزاءهم، لا جزاء غيره بصيغة الحصر.
• الحكم الثاني: يقاتل المحاربة سواء قاتلوا في المصر أو خارجه.
مأخذ الحكم: لعموم الآية، وإطلاق اسم المحاربة على الجميع.
قال القرطبي: «المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو برية»، ثم نقل عن ابن المنذر قوله: «لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة» (٢).
стр. 567
وذكر الموزعي: أن العلماء اتفقوا على أن المحاربة إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر، ثم قال: «وهذا هو الواقع على المحاربة في العُرف» (١).
أما وجه العموم في الآية فهو ضمير الجمع في قوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾، والعام في الأشخاص عام أو مطلق في الأحوال، والله أعلم.
стр. 568
كتاب الحدود
(باب الزنا)
الزنا: فعل الفاحشة في قُبلٍ أو في دُبرٍ.
وقيل: إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعاً بلا شبهة.
ويدخل في معناه اللواط، فهو صنف من أصناف الزنا، كما أشار القرطبي؛ ولذا يدخل في هذا الباب الآيات الدالة على حكم اللواط.
قال ابن الفرس: «واختلف في الوطء في الدبر هل هو زنى أم لا؟ فعند مالك ﵀ أنه زنى يقام فيه الحد، وغيره لا يراه زنى، والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس؟ فإذا كان اسم الزنى واقعا عليه، فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياساً فهو صحيح إن شاء الله تعالى» (١).
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الزنا.
قال ابن قدامة: «الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام» (٢).
стр. 569
مأخذ الحكم: ذم الفعل، وتسميته بالفاحشة، وترتيب الحد عليه، وتشريع التوبة منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥].
• الحكم الثاني: أن حد الزنا الإمساك في البيوت حتى الموت أو الأذى.
وهذا الحكم منسوخ، قال السيوطي: «الأكثرون على أنها والآية التي بعدها منسوخة بآية الجلد من سورة النور» (١).
وقال ابن قدامة: «وكان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر» (٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾.
وقيل: إن الآية زال حكمها لا بالنسخ، بل لانتهاء الغاية؛ إذ قيَّد سبحانه الحكم السابق بغاية، وهي: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد جعل الله لهن سبيلا، كما في حديث عبادة: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة) (٣).
قال الموزعي: «الصواب أنها ليست بمنسوخة؛ لأن النسخ لا يكون إلا بعد استقرار حكم متقدِّم، وهذه الآية لم يبين الله فيها حكما، وإنما وعد عباده ببيان الحكم في الوقت الذي يريده، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظا لهم من الزنا؛ وانتظاراً لوعده وقضائه، ثم منَّ الله على عباده ببيانه، وشرعه في الوقت الذي أراده، فهذا بيان لا نسخ» (٤).
стр. 570
• الحكم الثالث: تحريم السِّحاق واللواط، وأن فيهما التعزير.
وهذا الحكم على القول بأن الآيتين محكمتان، وأن الأولى في إتيان المرأة المرأة، والثانية إتيان الرجل الرجل.
ومأخذ الحكم: يوضحه السيوطي بقوله: «ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالنساء، ثم قال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال» (١).
ثم ناقش كون الآية في السحاق فقال: «ولو أريد بالآية الأولى السِّحاق لأتى بصيغة الاثنتين كما في الثانية».
• الحكم الرابع: إذ تاب الزاني وأصلح فإن الحد يسقط عنه.
قال الموزعي: «وفي الآية دليل على أن الزاني إذا تاب سقط عنه الحد؛ لأن الله سبحانه أمرنا بالإعراض، ولو كان واجباً لم يسقط، ولما أمرنا بالإعراض … ، وظاهر إطلاق الآية أن التوبة تسقط الحد، سواء تاب قبل الوصول إلى القاضي، أو بعده، وفيه خلاف، واتباع الظاهر أولى وأليق بباب الحد» (٢).
ويوضح الحد المسقوط ابن الفرس بقوله: «قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة» (٣).
ومأخذ الحكم: ما أشار إليه الموزعي، من أن الله أمرنا بالإعراض، فدلَّ على سقوطه، وهو جواب شرط التوبة ﴿فَإِنْ تَابَا﴾.
стр. 571
وهذا الأمر بالإعراض معلق على شرطين: والمعلق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.
تنبيه: قال الموزعي: «وينبغي أن يعلم أن الإصلاح شرط لمسقط الحد، لا أنه مسقطٌ للحد بنفسه، وقد وهم بعض الشافعية، فجعل نفس الإصلاح مسقطا للحد، وليس كذلك» (١).
خاتمة: اختلف العلماء في كيفية الأذى، وضابط الإصلاح، يرجع إليه في كتب التفسير.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم وجوب حد الزنا على الأمة حتى تتزوج.
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فعلَّق حدها في الآية على الإحصان.
ونوقش: بأن قيد الإحصان، ذكر لئلا يتوهم زيادة عقوبتها بالنكاح، كما زاد في حق الحرة، وعليه لا مفهوم له معتبر.
قال الشنقيطي: «والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة، دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: سئل النبي ﷺ عن الأمة إذا زنت، ولم تحصن قال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
стр. 572
فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير) … ، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي ﷺ ، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه (١) … » (٢).
وللرازي جواب آخر، حيث قال: «وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس المراد منه جعل هذا الإحصان شرطاً لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزويج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت، فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزويج هذا القدر أيضاً أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند ما لا يوجد ذلك المغلظ، كان أولى والله أعلم» (٣).
• الحكم الثاني: حد الأمة على النصف من حد الحرة.
قال الموزعي: «وأجمعوا على أن جلدها لا يزيد على خمسين جلدة» (٤).
مأخذ الحكم: الأمر في جواب الشرط ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾، أي: فالواجب عليهن من العقوبة المقدرة نصف ما على المحصنات.
• الحكم الثالث: لا رجم على الأمة المحصنة.
مأخذ الحكم: كون الحد لا يتنصف، فلا يمكن أن يكون نصف رجم.
قال السيوطي: « … وأنه لا رجم عليها؛ لأنه لا يتنصف، ففيها رد على من
стр. 573
قال يرجم» (١).
وقال الموزعي: «اتفق جمهور العلماء أنه لا رجم على الأمة … ، والرجم لا يتنصف، فاختص بالجلد» (٢).
وقال ابن الفرس: «لأن الرجم ليس بمحدود معلوم، فيتنصف، وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التنصيف» (٣).
• الحكم الرابع: لا حد على العبد مطلقاً سواء كان محصناً أو غير محصن.
مأخذ الحكم: كون الآية، وردت في الإماء، والضمير فيها لا يشمل الذكور.
قال السيوطي: «وقال بعضهم: لا حد على العبد أصلاً، أحصن أو لا؛ لأن الآية وردت على الإماء، وقال آخرون: يجلد كالحر؛ لعموم آية الزنا؛ لأن آية المنصفة وردت في الإماء» (٤).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
يستدل بالآية على تحريم الزنا.
ومأخذ الحكم: النهي عن قربانه، وهو أولى من فعله وإتيانه، ثم وصفه بوصفين: أنه فاحشة، وساء سبيلا، وهو ذم للفعل موجب تحريمه واجتنابه.
وقد بيَّن الرازي وجه كونه فاحشة بوجهين، وكذا كونه ساء سبيلا بوجهين، بكلام متين يرجع إليه (٥).
стр. 574
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الزنا.
مأخذ الحكم: ترتب العقوبة عليه، وجعل الزنا علة ذلك، بدلالة الإيماء، حيث اقترن الوصف ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، بالحكم ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولو لم يكن الوصف علَّة لكان الكلام معيباً في كلام العرب.
• الحكم الثاني: وجوب حد الزاني والزانية البكرين الحُرَّين مائة جلدة، سواء كانا مسلمين أو كافرين.
قال الموزعي: «أجمع أهل العلم على تخصيص عمومها بالبكرين الحرين، وأن الزاني إذا كان محصناً، فحده الرجم» (١).
مأخذ الحكم: الأمر بوجوب الجلد ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (٢)، مع العموم في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، فيشتمل الكافر والمسلم، ويشمل العموم غيرهم، «والمرأة العاقلة إذا زنى بها مجنون، أو الكبيرة، إذا زنى بها صبي أو عكسه، أو حربية أو مسلمة في بلاد الحرب، أو في عسكر أهل البغي، أو بنصرانية مطلقاً، أو بأمة امرأته، أو مَحْرم، أو من استدخلت ذكر نائم» (٣).
стр. 575
• الحكم الثالث: وجوب الحد على الزاني والزانية البكرين العبد والأمة خمسون جلدة.
مأخذ الحكم: تخصيص عموم قوله: ﴿الزَّانِيَةُ﴾ بقوله في الإماء ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ثم قياس العبد على الأمة في نظير الحد، وهذا القياس مخصص لعموم قوله: ﴿وَالزَّانِي﴾.
• الحكم الرابع: يقام الحد على الزناة في كل حال، سواء كانا صحيحين أو مريضين في البرد أو الحر.
مأخذ الحكم: يبينه الموزعي بقوله: «وأمر الله سبحانه بجلد الزناة مطلق في جميع الأحوال … ، فذهب قوم إلى حمل الأمر على إطلاقه، فأقاموا الحد في جميع الأحوال؛ لأنه فريضة واجبة، فلا تؤخر عن وقتها؛ ولأن عمر ﵁، أقام الحد على قدامة وهو مريض … »، ثم قال: «وذهب الجمهور إلى تقييد هذا الإطلاق بالمعنى، فلا يقام عليه إلا عند اعتدال الحال والهواء؛ لما فيه من خوف الهلاك عليه، ولشهادة الأصول بتأخير الفرائض عند خوف الهلاك» (١).
وكونه مطلقاً؛ لأن قوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات.
• الحكم الخامس: يجرد المحدود عن ملابسه.
وذلك بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد، وتستر بما لا يقيها الضرب (٢).
مأخذ الحكم: كون الجلد يقتضي مباشرة أبدانهما، ذكره ابن الفرس (٣).
стр. 576
• الحكم السادس: لا يكتفي بالضرب بها مجموعة ضربة واحدة، صحيحاً كان أو مريضاً.
مأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وهذه جلدة واحدة.
ومن قال: بالإجزاء قاسه على الحنث الوارد في شرع من قبلنا: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]؛ وذلك عند من يقول بجواز القياس في الحدود.
• الحكم السابع: الرجل والمرأة في كيفية الضرب سواء، فيضرب قاعدين.
مأخذ الحكم: لإطلاق الله ذلك، في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولم يفرق بين الرجل والمرأة.
• الحكم الثامن: تضرب الأعضاء كلها عدا المقاتل والوجه، والعورة للاتفاق على ذلك.
قال القرطبي: «قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل» (١).
مأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولم يخص جزء من الأخر.
• الحكم التاسع: يسقط الحد بالتوبة.
مأخذ الحكم: يحمل المطلق في هذه الآية على المقيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦].
стр. 577
قال الموزعي: «وهذا مقيد بالتوبة، والمقيد قاض على المطلق باتفاق أهل العلم بشروط الاستدلال، وهذا عندي أقوى دليلا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله ﷺ في ماعز: «هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه» لما أخبروه، أنه قال: ردوني إلى رسول الله ﷺ لما مسَّه ألم الحجارة» (١)، (٢).
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
وفي النمل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].
ومثله في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].
استدل بالآيات السابقة على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم اللواط، وهو إتيان الرجل الرجل في دبره.
قال ابن الفرس: «الفاحشة هنا: إتيان الرجال في أدبارهم … ، ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا الفعل» (٣).
стр. 578
مأخذ الحكم: يظهر من خلال الأساليب الآتية:
* منها: الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، «وهذا استفهام يجمع الأئمة أنه استفها مجازي، المراد منه شدة الإنكار، والاستقباح» قاله المطعني (١).
* ومنها: ذم الفعل وتسميته فاحشة، وهذ اسم لما يستقذر.
* ومنها: ترتب الحد الآتي عليه، وكونهم أنذروا ونهوا عنه: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
• الحكم الثاني: حد اللواط الرجم بالحجارة.
قال ابن الفرس: «وذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا، والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل … ، فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت، ولم يكن بد من حد في ذلك، كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك الوقت أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول»» (٢).
مأخذ الحكم: ما سبق في تقرير حجة مالك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الحد أن يلقى من شاهق، أو موضع عال؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وقد ذكر جمع من المفسرين أن جبريل ﵇ صعد بقرية لوط ﵇ فصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها (٣).
стр. 579
باب حد القذف
قال ابن الفرس: «القذف الرمي، وأصله من الرمي بالحجارة والسهام، ثم استعير للقذف لما بينهما من الشبهة … ، إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا» (١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
واستدل العلماء بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم القذف.
مأخذ الحكم: ترتيب الحد عليه -كما سيأتي-، وذم الله الفاعل وتسميته له بالفاسق ولعنه، وعدم قبول شهادته إلا إذا تاب، ولا توبة إلا من معصية.
قال الموزعي: «ثم حكم الله سبحانه في القاذف، بأنه لا تقبل شهادته أبداً، وسماه فاسقا، ولعنه» (٢).
• الحكم الثاني: يجلد القاذف ثمانين جلدة، إذا قذف محصنة أو محصن.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، إذا رمى محصنة كما في
стр. 580
نص الآية.
والمحصنة: هي العفيفة باتفاق.
قال السيوطي: «ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنا لا يحد القذف» (١).
وقال الموزعي: «واقتضى الخطاب بمفهومه، ألا يجلد قاذف غير المحصنات، وعلى العمل بهذا المفهوم أجمع أهل العلم» (٢).
وفي مفهومه الموافق يدخل قذف الرجال المحصنين.
قال الموزعي: «والقرآن ورد في قذف المحصنات من النساء، والمحصنون من الرجال في معناهم بإجماع أهل العلم بالقرآن» (٣).
• الحكم الثالث: يحد قاذف الكافر والرقيق، وغير البالغ، والمجنون والمجبوب حد القذف.
مأخذ الحكم: الألف واللام الداخلة على الجمع في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾.
قال ابن الفرس: «وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين، وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد … ، والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين، وأن الكفار مُخصصون من عمومها بالقياس على الفاسق المليء، وهذا إذا جعلنا الإحصان في الآية العفة خاصة، وأما إن جعلنا العفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك» (٤).
стр. 581
باب حد السرقة
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
وفي قراءة شاذة: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾.
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم السرقة.
مأخذ الحكم: ترتب الحد على فعله، وأكد ذلك سبحانه بقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، وقوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، أي: به على سبيل التنكيل والاستخفاف بفاعله.
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ دخلت الفاء؛ لأنه موضع أمر، والأمر مضارع للشرط.
وقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زان فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء، وهكذا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١).
• الحكم الثاني: وجوب قطع يد السارق والسارقة.
قال السيوطي في الآية: «أصل في قطع السارق والسارق» (٢).
مأخذ الحكم: بدلالة الإيماء، حيث اقترن الحكم ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ بالوصف ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ب «الفاء»، وهذا يدل على أن القطع وجب جزاءً على تلك السرقة، وأن السرقة هي: علة وجوب القطع.
• الحكم الثالث: تقطع يد السارق في القليل والكثير، وما كان في حرز، وما لم
стр. 582
يكن، فيعمُّ كل مسروق، سواء كان مالاً عاماً أو خاصاً.
مأخذ الحكم: الإطلاق والعموم الوارد في الآية، فيجري في كل ما يقع عليه سرقة إلا ما خصه الدليل. وسبق أن العلة هي السرقة بدلالة الإيماء.
قال الموزعي: «أوجب الله سبحانه علينا في هذه الآية قطع يد السارق والسارقة، وأطلق ذلك في جميع الأحوال والصفات، وقد اتفق أهل العلم على وجوب قطعهما، واتفقوا على تخصيص هذا الإطلاق ببعض الأحوال، فاشترطوا أشياء تعارض العموم، منها: إذا سرق ما له فيه شبهة … ، ومنها: اشتراط النصاب، فلم يعتبره أهل الظاهر، وأوجبوا القطع في القليل والكثير … ، ومنها: أعني الشروط المعارضة للعموم- الحرز … ، ولم يعتبره أهل الظاهر لظاهر الآية» (١).
وفي بيان المخصصات يرجع إلى كتب التفسير.
• الحكم الرابع: تقطع يد السارق اليمنى فقط.
قال ابن الفرس: «وذهب قومٌ إلى أنه لا تقطع من السارق إلى يده اليمنى خاصة، ثم إن سرق بعد ذلك عزر وحبس» (٢).
مأخذ الحكم: قراءة: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾، ذكره ابن الفرس، وقال السيوطي «قرأ ابن مسعود: ﴿أيمانهما﴾، وهي مبيِّنة للمراد» (٣).
قال ابن حجر في الفتح: «وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة» (٤).
ثم إن اليد تقع على الكف وحده، وعليه مع الساعد، وعليهما مع العضد، وجاءت السنة بفعله ﷺ بيان موضع القطع، وأنه للكف فقط.
стр. 583
باب بيان المسكر
قال تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
استدل بالآية على إباحة التداوي بالخمر.
قال السيوطي: «قد يستدل بها لمن أباح التداوي بالخمر، ولما يقوله الأطباء فيها من المنافع» (١).
مأخذ الحكم: كون الأخبار بوجود المنافع قرينة على جواز استباحة تلك المنافع، واقتران الإثم بها لا يزيل تلك المنافع.
نوقش: بأن سياق الآية يدل على أن المقصود الإخبار بذلك حتى لا يغتر بها المسلم، وإلّا فإنّ ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فتلك المنافع مهدرة وملغاة من الشارع.
لذا قال السيوطي بعد كلامه السابق: «لكن الحديث الصحيح مصرح بتحريم التداوي بها. قال السبكي: كل ما يقوله الأطباء وغيرهم في الخمر من المنافع فهو شيء كان عند شهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل تحريمها، وأما بعد نزول آية التحريم فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع. قال وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر، وعلى هذا يدل قوله ﷺ : «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» (٢)(٣).
стр. 584
باب قطاع الطريق وحد المحاربة
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
سبق تعريف المحاربة في باب قتال الجاني، ويستدل بالآية على مسائل الحدود بما يأتي:
• الحكم الأول: حد الحرابة هو المنصوص في الآية، إلا أن الخلاف هل هي على التخيير للإمام أو هي للتنويع؟
مأخذ الحكم: دلالة «أو» في الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقيل: هي للتخيير، وقيل: للتنويع.
قال الموزعي: «وقد حصر الله سبحانه جزاءها في أربعة أنواع، ونسقها بلفظ «أو» الموضوعة للتخيير حقيقة، وللتنويع مجازاً» (١).
وقال الرازي: «للعلماء في لفظ: «أو» في هذه الآية قولان: الأول: أنها للتخيير، وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة، وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد، والمعنى: أن الإمام إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل.
стр. 585
وقال ابن عباس في رواية عطاء: كلمة: «أو» هاهنا ليست للتخيير، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال، قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال، نفي من الأرض، وهذا قول الأكثرين من العلماء … »، ثم ضعف القول الأول، وقال: «فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة، فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبل … » (١).
• الحكم الثاني: الصلب حد قائم بذاته.
مأخذ الحكم: ظاهر الآية في تنويع الحد، أو تقسيمه إلى أربعة أجزاء.
قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ظاهر الآية أن الصلب حد قائم بنفسه كسائر الحدود الثلاثة، لكن الجمهور على أنه مضاف إلى القتل، وليس أن يصلب ولا يقتل» (٢).
ثم تكلم عن الخلاف في كونه يصلب أولاً، ثم يقتل أو القتل أولاً، ثم قال: «والجمهور على أنه لا يترك حتى تأكله السباع والكلاب، ولا يترك أهله لدفنه، ولا يتركون أن ينزلوه، وهو ظاهر الآية» (٣).
• الحكم الثالث: يكون القطع للأيدي والأرجل على خلاف.
стр. 586
مأخذ الحكم: ظاهر الآية.
قال الموزعي: «وصفة قطع الأيدي والأرجل من خلاف: أن تقطع يده اليمنى من الكوع، وتقطع رجله اليسرى من مفصل القدم، ثم إن عاد قطعت اليسرى ورجله اليمنى» (١).
• الحكم الرابع: لا حد لقليل المال أو لكثيره فيما يوجب القطع.
مأخذ الحكم: عدم تحديد الشارع نصاب ما يوجب القطع هنا، فأطلق القطع.
وسبق من كلام الرازي تقدير: «أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال».
قال الموزعي: «ويؤخذ منه أيضاً، أنه يقطع إذا أخذ المال، وإن كان دون نصاب السرقة، وبهذا قال مالك. وذهب الشافعي إلى تحديده بالنِّصاب؛ قياساً على السرقة. وليس هذا القياس بمرضي؛ لفساد اعتباره، فإن أمر المحاربة أغلظ من السرقة، فلا يقاس المغلظ على المخفف، كيف والحدود لا قياس فيها؟» (٢).
ثم بيَّن أن الشافعي «اعتبر النصاب احتياطاً لحدود الله، والله أعلم» ا. هـ.
• الحكم الخامس: تقبل توبة المحارب قبل القدرة عليه.
وذكر الموزعي أن عليه كافة أهل العلم (٣).
مأخذ الحكم: استثناء الشارع من خزي الدنيا، وهي الحدود من تاب قبل القدرة، وختم الآية بأنه: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
стр. 587
تنبيه: قال الموزعي نقلاً عن الشافعي ومالك وأحمد: «تسقط عنه حقوق الله تعالى فقط، أما حقوق الآدميين، فلا تسقط، وبه قال الحنفية»، ثم قال: «وهو أصح الأقوال؛ لأن الله تعالى لم يذكر إلَّا جزاءه، وحظه من العقوبة فقط، ثم عقبه بذكر التوبة، وأما حقوق الآدميين فقد تظافرت النصوص على أنها لا تسقط إلا بإسقاط صاحبها، وليس في الآية تعرض لها» (١).
• الحكم السادس: أن المحارب إذا قتل، وعفا عنه ولي الدم لا يفيده العفو.
مأخذ الحكم: دلالة الإشارة، بكونه حقًّا لله، لا يسقط بإسقاط العباد؛ وذلك بقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
стр. 588
كتاب الجهاد
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦].
استدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية، واجب على الكل ويسقط ببعضٍ (١).
مأخذ الحكم: لأنّ ضمير الجمع في قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يعم الجميع، ومثله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾.
واستدل بها من قال: إن الجهاد في عهده ﷺ كان فرض عين (٢).
ولعل مأخذ الحكم: بضميمة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، أو بفعله ﵇ حيث كان يستنفرهم، ومن استنفره تعين عليه.
لكن ثبت أنّه ﷺ كان ينفر وقد يتخلف عنه بعض أصحابه.
أو يكون مأخذه من الآية ﴿عَلَيْكُمُ﴾ فهو خطاب لهم، وفي حال وظروف معينة، فيبقى على الأصل عمومه على الجميع عينًا.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
стр. 589
استدل بالآية على منع القتال في الشهر الحرام (١).
المقصود منع ابتداء القتال في الشهر الحرام، وأمّا الدفاع فيجوز بلا خلاف.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿كَبِيرٌ﴾ أي: عظيم، ووصف الفعل بذلك في مقام الذم يدل على التحريم، والمنع عن المبادأة، ويؤيد تحريم القتال، وكونه محكمًا غير منسوخ، قوله في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن.
تنبيه: ادعي نسخ الآية. وهو قول الأكثر والأشهر، وجعلوا الناسخ قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي زمان أو مكان.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ الأنفال
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب مصابرة الضعف من العدو، وعدم جواز الفرار.
قال السيوطي: «فيها مصابرة الضعف من العدو، وتحريم الفرار ما لم يزد عدد الكفار» (٢).
وقال الموزعي: «وعلى مصابرة أهل الضعف أجمع أهل العلم» (٣).
стр. 590
مأخذ الحكم: تعليق الحكم وخروجه مخرج الشرط، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فعلق عليه الغلبة والنصرة؛ للدلالة على كونه في قدرة العبد ولا عذر له في الفرار.
ومفهوم العدد يدل على أن عدد العدو إن زاد على الضعف جاز الفرار.
• الحكم الثاني: المعتبر بالضعف العدد لا القوة.
قال السيوطي: «وفيها الرد على من اعتبر الكثرة في السلاح دون العدد» (١).
قال الموزعي: «فاعتبر الشافعية بالعدد كما هو ظاهر القرآن، واعتبر المالكية بالقوة، فجوَّزوا للمسلم أن يفِرَّ من الكافر الواحد إذا كان أقوى بطشاً، وأشكى سلاحاً، وأعنف جواداً» (٢).
مأخذ الحكم: ظاهر القرآن، حيث إن الظاهر النظر إلى عدد المقاتلين، لا إلى صفاتهم.
قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز الأسر بدل القتل، والتخيير بينهما، قاله السيوطي (٣).
стр. 591
وقال ابن الفرس في الآية: «معناه: وخذوهم أسرى للقتل أو للمن أو للفداء»، ثم بيَّن ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] (١).
مأخذ الحكم: تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى وجوه البيان.
• الحكم الثاني: جوزا حصارهم والإغارة عليهم وبياتهم (٢).
مأخذ الحكم: الأوامر الواردة في الآية. وهو مقتضى قوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
• الحكم الثالث: جوزا قتلهم بأي وجه كان.
قال ابن الفرس: «دليل على جواز قتلهم بأي وجه كان إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة» (٣).
مأخذ الحكم: إطلاق الآية صفة القتل. فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وإذا وردت في سياق الإثبات تكون مطلقة، وعليه يكون القتل على أي صفة.
قال ابن الفرس: «ويجوز أن يكون أبا بكر الصديق ﵁ حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة، والرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار تعلق بعموم الآية» (٤).
• الحكم الرابع: يقتل أهل الكتاب كغيرهم من المشركين.
قال الموزعي: «يحتمل أن تكون هذه الآية متناولة لأهل الكتاب بلفظها؛ لأنهم
стр. 592
مشركون بقولهم: عزيز: ابن الله، والمسيح: ابن الله … ، ويحتمل أن تكون غير متناولة لهم؛ لاختصاصهم باسم يخصهم، فلا يحتاج إلى دليل يخرجهم من عموم هذه الآية» (١).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ بكونه جمع معرف، مع التوجيه المذكور في كلام الموزعي.
• الحكم الخامس: وجوب الكف عن قتل المشرك إذا تاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة.
قال الموزعي: «وأما حكم الكف عنهم، فإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة شرط فيه، لا خلاف في ذلك علمته بين أهل العلم» (٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، أنهم إذا فعلوا ذلك خُليَّ سبيلهم.
• الحكم السادس: دلت الآية على قتل المشرك في أي مكان.
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ و «حيث» عامة في أفراد الأمكنة.
قال الموزعي: «هذه عامة في الأمكنة، ويجوز تخصيصها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]» (٣).
تنبيه: ويخصص من أفراد المشركين في الآية: النساء والصبيان، وغير المقاتلة كما في سورة البقرة.
стр. 593
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
استدل بالآيتين على وجوب النفرة للجهاد عند الاستنفار.
مأخذ الحكم من الآية الأولى: العتاب في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ وترتب العقاب في قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ على من تخلف.
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر في قوله: ﴿انْفِرُوا﴾.
من العلماء من خصَّ الوجوب على كافة المؤمنين إذا نفر النبي ﷺ ، وجعل واجب على بعضهم إذا لم ينفر رسول الله ﷺ ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، قاله الموزعي (١).
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
стр. 594
استدل بالآية على أن الجهاد فرض كفاية (١).
مأخذ الحكم: لم يجعل النفر للقتال واجباً على الجميع، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فدلَّ أنه على طائفة، ولو كان فرض عين لكان على الجميع.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
استدل بالآية على وجوب الابتداء في القتال بالأقرب فالأقرب إلى بلد المقاتلين (٢).
قال ابن الفرس: «فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى» (٣).
مأخذ الحكم: الأمر بمقاتلة الذين يلونهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ﴾، حيث قيَّد سبحانه المقاتلة بالذين يلونهم وهم الأقرب فالأقرب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: بيان كيفية القتال، وأنه لا يجوز الأسر قبل الإثخان.
قال السيوطي: «فيها بيان كيفية الجهاد، فعند اللقاء تضرب الرقاب، وعند الإثخان وإزالة الامتناع بشد الوثاق بالأسر، ثم يتخير فيهم الإمام إما منّاً أو فداء
стр. 595
بمال أو أسرى من المسلمين» (١).
وقال الموزعي: «ثم يحتمل أن تكون هذه الآية واردة لبيان صفة النكاية في العدو، ولحصر ما يُفعل بالأسير، وإنهاء القتل حتى يكون الإثخان، ثم الأسر، ولا يجوز الأسر قبل الإثخان، ثم المنُّ والفداء» (٢).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وبحسب ما ذكره السيوطي والموزعي.
• الحكم الثاني: عدم جواز قتل الأسير (٣).
قال السيوطي: «وظاهر الآية امتناع القتل بعد الأسر» (٤).
مأخذ الحكم: الحصر في صفة العمل به: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].
استدل بالآية على وجوب استئذان النبي ﷺ في الغزو قبل الانصراف عنه.
لا خلاف بين العلماء في دخول الغزو في الأمر الجامع الوارد في الآية (٥).
وذكر السيوطي عن أبي مليكة في معنى الأمر الجامع، قال: «هي في الجهاد والجمعة والعيدين» (٦).
стр. 596
وقال ابن الفرس: والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه المصلحة» (١).
مأخذ الحكم: مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومفهومه أنه ليس على طريقة المؤمنين من ينصرف عنه دون حاجة، كما يفعل المنافقون.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
استدل بالآيتين على تحريم الفرار يوم الزحف والتقاء الجمعين (٢).
مأخذ الحكم من الآية الأولى: النهي المقتضي للتحريم بقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. والوعيد والذم بكونه قد: ﴿بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾،
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر بالثبات، وهذا يقتضي عدم جوا الفرار.
تتمة: تكلم كثير من العلماء في الخلاف في تخصيص الآية الأولى بيوم بدر؛ لأن الله أشار إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وأجيب: بأن الإشارة تعود إلى يوم الزحف (٣).
стр. 597
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
استدل بالآيتين على رفع الجهاد عن الضعيف والمريض، ومن لا يجد نفقته ولا أهبة للجهاد ولا محملاً (١).
وجعل الموزعي الآية الثانية، مبينة لصفة الضعيف في الآية الأولى، ثم قال: «وبيَّن النبي ﷺ أن النساء والصبيان من الضعفاء» (٢).
مأخذ الحكم: رفع الحرج في الآية وهو من الأساليب الشرعية الدالة على رفع التكليف.
فائدة: اختلف المفسرون في الحرج المرفوع في الآية الثانية، قيل: المراد به: ترك الغزو، وقيل: في الأكل مع غيرهم، وقيل: غير ذلك (٣).
وقال ابن الفرس: «والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها عن الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر، فكلُّ تكليفٍ يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله، سقط عنه تكليفه» (٤).
стр. 598
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب إجارة المشرك، والكف عنه إذا دخل دار الإسلام؛ ليسمع كلامه (١).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾، وهو على ظاهره يقتضي الوجوب.
قال الموزعي: «وهذا الحكم متفق عليه، والأمر في هذا للوجوب؛ إذ يجب إقامة حجة الله وإزالة الشبهة عن عباده، وإعانة طالب الحق» (٢).
وقال السيوطي: «ولا تجب الإجارة لغير ذلك» (٣).
• الحكم الثاني: يجب أن يكون مع المجاهدين عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة.
قال ابن الفرس: «لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب» (٤).
مأخذ الحكم: أن إجابة المشرك، وإجارته تجب لأجل إزالة الشبهة كما سبق في الحكم الأول، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود عالم قادر على المناظرة، فوجب وجوده؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.
стр. 599
• الحكم الثالث: يجوز لآحاد المسلمين إجارة المشرك للغرض المذكور.
مأخذ الحكم: أن الخطاب، وإن كان موجهاً للنبي ﷺ ، فإن أمته تدخل معه؛ فيما لاختصاص فيه.
قال الموزعي: «الخطاب مع النبي ﷺ ، والمراد به جميع الأمة، فيجوز لآحادهم أن يجيروا آحاد المشركين» (١).
• الحكم الرابع: وجوب الدعوة قبل القتال (٢).
مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ المقصود إزالة الشبهة عن عباده؛ إذ إن إجازة إجارة آحاد المشركين لذلك ودعوتهم للإسلام لأجل ذلك.
قال السيوطي: «وفي الآية إشارة إلى وجوب الدعوة قبل القتال» (٣).
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تفضيل المجاهدين على غيرهم، وأن المعذورين في درجة المجاهدين (٤).
مأخذ الحكم: نفي المساواة يقتضي وجود التفاضل، ثم استثناء أولي الضرر،
стр. 600
من نفي التفاضل بدل على إثبات المساواة لهم، والاستثناء من النفي إثبات (١).
• الحكم الثاني: تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه.
مأخذ الحكم: تخصيص ذكر المال -مع الاستواء في تقديم النفس- له فائدة وفضل، وليس من جاء بنفسه وماله، كمن جاء بنفسه فقط.
• الحكم الثالث: فرض الجهاد على الكفاية.
قال الموزعي: «وفيها دليل على أن الجهاد لا يجب على جميع أعيان المسلمين؛ إذ قد وعد الله القاعدين بالحسنى، كما وعد المجاهدين» (٢).
مأخذ الحكم: ما ذكره الموزعي وزاد عليه الرازي بقوله: «ولو كان الجهاد واجباً على التعيين، لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه بالحسنى» (٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
دلت الآية على فضل الجهاد.
مأخذ الحكم: سياق الآية وما ورد فيه من وعد.
قال الرازي في تفسيره: «واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات: