← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1359

فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (711 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقال ابن الفرس: والأمر الجامع يريد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه المصلحة» (١). مأخذ الحكم: مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومفهومه أنه ليس على طريقة المؤمنين من ينصرف عنه دون حاجة، كما يفعل المنافقون. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. استدل بالآيتين على تحريم الفرار يوم الزحف والتقاء الجمعين (٢). مأخذ الحكم من الآية الأولى: النهي المقتضي للتحريم بقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. والوعيد والذم بكونه قد: ﴿بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، ومأخذ الحكم من الآية الثانية: الأمر بالثبات، وهذا يقتضي عدم جوا الفرار. تتمة: تكلم كثير من العلماء في الخلاف في تخصيص الآية الأولى بيوم بدر؛ لأن الله أشار إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، وأجيب: بأن الإشارة تعود إلى يوم الزحف (٣).

стр. 597

قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. استدل بالآيتين على رفع الجهاد عن الضعيف والمريض، ومن لا يجد نفقته ولا أهبة للجهاد ولا محملاً (١). وجعل الموزعي الآية الثانية، مبينة لصفة الضعيف في الآية الأولى، ثم قال: «وبيَّن النبي ﷺ أن النساء والصبيان من الضعفاء» (٢). مأخذ الحكم: رفع الحرج في الآية وهو من الأساليب الشرعية الدالة على رفع التكليف. فائدة: اختلف المفسرون في الحرج المرفوع في الآية الثانية، قيل: المراد به: ترك الغزو، وقيل: في الأكل مع غيرهم، وقيل: غير ذلك (٣). وقال ابن الفرس: «والذي ينبغي أن يقال في الآية أن الحرج مرفوع بها عن الأصناف الثلاثة في كل ما يضطرهم إليه العذر، فكلُّ تكليفٍ يتعلق بالبصر فقد سقط عن الأعمى، وكل تكليف يتعلق بالأعرج قبل عرجه ولا يمكنه معه فعله، سقط عنه تكليفه» (٤).

стр. 598

قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب إجارة المشرك، والكف عنه إذا دخل دار الإسلام؛ ليسمع كلامه (١). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ﴾، وهو على ظاهره يقتضي الوجوب. قال الموزعي: «وهذا الحكم متفق عليه، والأمر في هذا للوجوب؛ إذ يجب إقامة حجة الله وإزالة الشبهة عن عباده، وإعانة طالب الحق» (٢). وقال السيوطي: «ولا تجب الإجارة لغير ذلك» (٣). • الحكم الثاني: يجب أن يكون مع المجاهدين عالم يقوم بالمناظرة وإقامة الأدلة. قال ابن الفرس: «لأنه لا يؤمن أن يكون في الكفار من يطلب ذلك، والأمر في هذه الآية على الوجوب» (٤). مأخذ الحكم: أن إجابة المشرك، وإجارته تجب لأجل إزالة الشبهة كما سبق في الحكم الأول، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود عالم قادر على المناظرة، فوجب وجوده؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.

стр. 599

• الحكم الثالث: يجوز لآحاد المسلمين إجارة المشرك للغرض المذكور. مأخذ الحكم: أن الخطاب، وإن كان موجهاً للنبي ﷺ ، فإن أمته تدخل معه؛ فيما لاختصاص فيه. قال الموزعي: «الخطاب مع النبي ﷺ ، والمراد به جميع الأمة، فيجوز لآحادهم أن يجيروا آحاد المشركين» (١). • الحكم الرابع: وجوب الدعوة قبل القتال (٢). مأخذ الحكم: بدلالة الإشارة؛ إذ المقصود إزالة الشبهة عن عباده؛ إذ إن إجازة إجارة آحاد المشركين لذلك ودعوتهم للإسلام لأجل ذلك. قال السيوطي: «وفي الآية إشارة إلى وجوب الدعوة قبل القتال» (٣). قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تفضيل المجاهدين على غيرهم، وأن المعذورين في درجة المجاهدين (٤). مأخذ الحكم: نفي المساواة يقتضي وجود التفاضل، ثم استثناء أولي الضرر،

стр. 600

من نفي التفاضل بدل على إثبات المساواة لهم، والاستثناء من النفي إثبات (١). • الحكم الثاني: تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه. مأخذ الحكم: تخصيص ذكر المال -مع الاستواء في تقديم النفس- له فائدة وفضل، وليس من جاء بنفسه وماله، كمن جاء بنفسه فقط. • الحكم الثالث: فرض الجهاد على الكفاية. قال الموزعي: «وفيها دليل على أن الجهاد لا يجب على جميع أعيان المسلمين؛ إذ قد وعد الله القاعدين بالحسنى، كما وعد المجاهدين» (٢). مأخذ الحكم: ما ذكره الموزعي وزاد عليه الرازي بقوله: «ولو كان الجهاد واجباً على التعيين، لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه بالحسنى» (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. دلت الآية على فضل الجهاد. مأخذ الحكم: سياق الآية وما ورد فيه من وعد. قال الرازي في تفسيره: «واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات:

стр. 601

فأولها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد. وثالثها: قوله: ﴿وَعْدًا﴾ ووعد الله حق. ورابعها: قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ وكلمة: «على» للوجوب. وخامسها: قوله: ﴿حَقًّا﴾ وهو التأكيد للتحقيق. وسادسها: قوله: ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة. وسابعها: قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو غاية في التأكيد. وثامنها: قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ وهو أيضا مبالغة في التأكيد. وتاسعها: قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ﴾. وعاشرها: قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة، في التأكيد والتقرير والتحقيق» (١). قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. يطلق النفل ويراد به معنيان: أحدهما: جملة الغنيمة؛ لأنها زيادة على ما بأيدي الغانمين من المال. الثاني: ما يرغب به الإمام بعض الغزاة على فعل يفعله زيادة على السهم المقسوم له، وهذا الذي عليه عرف الفقهاء، قاله الموزعي (٢). وقال ابن الفرس بعد أن ساق المعنيين السابقين: «ولكن المفسرين ساقوه على

стр. 602

أن المراد بالأنفال: الغنائم» (١). واستدل بالآية على جواز تنفيل الإمام شيئا من الغنيمة لمن رآه أهلاً لذلك. مأخذ الحكم: بناء على تفسير الأنفال بالمعنى الثاني، وهو ما ينفله الإمام (٢). وقال ابن الفرس: «والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة، وأن الأئمة كالرسول ﷺ في ذلك، وأن الله تعالى لم يرد قصرها - على ذلك التأويل - على الرسول خاصة، بل ذلك لرسول الله ﷺ ولكل إمام» (٣). قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١]. ذكر ابن الفرس أن المولى ذكر حكم أموال الكفار المأخوذة منهم باسم الغنيمة في سورة الأنفال، وباسم الفيء في سورة الحشر، وذكر أن أقوال المفسرين قد اضطربت في تعريفهما (٤). وذكر الموزعي أن الجمهور ذهبوا إلى أن الغنيمة هي المأخوذ من الكفار قهراً أو قسراً سواء كان منقولاً أو غير منقول. والفيء: ما أخذ بغير قتال ولا إيجاف خيل وركاب. وقيل: هما بمعنى واحد (٥).

стр. 603

واستدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب تقسيم الغنيمة أخماساً: أربعة منها للغانمين، والخمس الباقي يقسم خمسة أسهم: لرسول الله ﷺ ، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم. مأخذ الحكم: الأمر بالإيجاب المقدّر. وبيانه كما يقول الرازي: «﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه»، وبيَّن أن ذلك آكد وأثبت للإيجاب؛ «لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهاً كثيرة من المقدرات، كقولك ثابت: واجب، حق، لازم، كان أقوى لإيجابه» (١). ومما يدل على الإيجاب كذلك قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ «يعني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله»، والإيمان بالله واجب، ولا يتم إلا بهذه القسمة، فتكون واجبة. • الحكم الثاني: تقسيم جميع الغنائم بين الغانمين. قال السيوطي: «واستدل بعموم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من قال: بقسمة الأرض المغنومة وأموال الرهبان والسلب وما أخذ سرقة، وما غنمته طائفة خرجت بغير إذن الإمام، والنساء والصبيان والعبيد وأهل الذمة» (٢). مأخذ الحكم: عموم «ما» في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، فهي موصولة تفيد العموم. ثم قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنى: أي شيء كان حتى الخيط والمخيط،

стр. 604

قاله الرازي (١). وقال الموزعي: «وفي عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مع الحصر في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا﴾ دلالة ظاهرة تقارب النص، (أي: في قوته) في أن للغانمين أربعة الأخماس في كل شيء من ذهب، أو فضة، أو عقار» (٢). تنبيه: قال صاحب اللباب في علوم الكتاب: «أجمع العلماء على أن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه مخصوص باتفاقهم على أن سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخير، وكذلك الأراضي المغنومة» (٣). قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]. استدل بالآية على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة (٤). وقد أحل الله بهذه الآية لأمة محمد ﷺ ، وما كان محظوراً على غيرهم من الغنائم (٥). مأخذ الحكم: إطلاق المولى إباحة الأكل من غير تقييد بالقسمة. وكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي في سياق إثبات.

стр. 605

قال ابن الفرس: «وفي الآية دليل على جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة؛ لأن إباحة الأكل منها مطلقة لم يخص قبل القسمة أو بعدها» (١). قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. استدل بالآية على جواز قطع شجر المشركين وتخريب بيوتهم (٢). مأخذ الحكم: إقرار المولى ورسوله لتخريب نخلهم، ومدح الفعل وتعليله بكونه يخزي الفاسقين ويغيضهم. قال ابن الفرس: «والحجة لقول الجمهور ظاهر الآية، وإقرار النبي ﷺ على تحريق نخل بني النضير» (٣). وقال الموزعي: «لبيان النبي ﷺ ذلك بفعله» (٤). قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧]. قال السيوطي: «استدل به على أن الفيء: ما أخذ من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، ومنه ما جلوا عنه خوفاً. والغنيمة: ما أخذ منهم بقتال كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ خلافاً لمن زعم أنهما بمعنى واحد،

стр. 606

أو فرق بينهما بغير ذلك» (١). وقال الموزعي: «وأن منهم من زعم أن الفيء والغنيمة سواء، وبه قال قتادة، حتى زعم أن هذه الآية ناسخة لآية الأنفال، والذي عليه عامة أهل العلم أن الآيتين محكمتان، وأن الفيء غير الغنيمة، فالفيء ما أصابه المسلمون بغير قتال؛ كما إليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾» (٢). وذكر أن «الغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما الخمس في جميعهما، لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معاً، ثم يفترق الحكم في الأربعة الأخماس، كما بيَّن الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، وفي فعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي الموجف عليه بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير. والفيء: هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة رسول الله ﷺ في القرى التي أفاء الله عليه أن أربعة أخماسها لرسول الله دون المسلمين، يضعها رسول الله ﷺ حيث أراد الله » (٣). ثم بيَّن أن هذا الاستنباط لا يدل عليه لفظ القرآن، وإنما الذي يدل أنه ﷺ كان يملك لكل؛ وذلك بتسليط الله ذلك لرسوله ﷺ ، كما في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، وذكر ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل معه في الذكر لبيان المصرف لا حقيقة التملك والتشريك، وإنما خصَّهم الله بالذكر؛ ليقطع طمع المقاتلين، هكذا ذكر الموزعي (٤)، والله أعلم.

стр. 607

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. استدل بالآية على تحريم الغلول. والغلول: هي الخيانة في المغنم أو السرقة منها. قال ابن قتيبة: «وسُمي بذلك؛ لأن آخذه يغُلُه في متاعه، أي: يخفيه فيه» (١). مأخذ الحكم: التهديد وترتيب العقوبة عليه في الآخرة، بأن يأت بما غل، يدل على تحريم هذا الفعل. باب الجزية والهدنة الجزية: كما في تهذيب الأسماء واللغات: «بكسر الجيم، جمعها جِزى -بالكسر- أيضاً، كقربة، وقِرب ونحوه، وهي مشتقة من الجزاء، كأنها جزاء إسكاننا إياه في دارنا، وعصمتنا دمه، وماله، وعياله. وقيل: هي مشتقة من جزى يجزي إذا قضى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، أي: لا تقضي» (٢) ا هـ. وعُرِّفت اصطلاحاً بأنها: مال يؤخذ من أهل الذمة على وجه الصغار كل عام، بدلاً عن قتلهم، وإقامتهم بدارنا (٣). والهدنة: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع غير المسلمين مدة معلومة بقدر الحاجة (٤).

стр. 608

قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: مشروعية الجزية وقبولها من أهل الكتاب. قال السيوطي: «هذه أصل في قبول الجزية من أهل الكتاب … ، وعلى من لم يوجب قبولها منهم، وفيها رد على من قبلها من غيرهم أيضاً» (١). مأخذ الحكم: مفهوم الآية ودليل خطابها أنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية، وفيها أمرهم بذلك وإلا استحقوا العذاب والمقاتلة، ثم إنهم لم يؤمروا بالإعطاء إلا لأجل قبولها وأخذها منهم. قال ابن الفرس في الآية: «هذا هو الدليل على قبول الجزية؛ لأن دليل خطابه: فإذا أعطوا الجزية فكفوا عنهم ونحو ذلك» (٢). وعوداً إلى ما ورد من كلام السيوطي في هذه الآية في صدر المسألة، فأقول: أولاً: من لم يوجب قبول الجزية من أهل الكتاب نظراً لكون الآية عنده منسوخة. ثانياً: من قبلها من أهل الكتاب لمفهوم الصفة في الآية، فيقتضي ألا تؤخذ من غيرهم (٣). قال الموزعي: «ومن أجله قصر الشافعي ﵀ قبول الجزية على أهل الكتاب؛

стр. 609

لمفهوم هذه الآية، ولمفهوم قوله ﷺ : في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»؛ وهذا يقتضي تخصيص سنة الجزية بأهل الكتاب» (١). • الحكم الثاني: يترك أهل الذمة في بلد أهل الإسلام إذا أدوا الجزية. مأخذ الحكم: دليل الخطاب السابق؛ إذ يقتضي الكف عنهم إذا أدوا الجزية. قال السيوطي: «واستدل بالآية من قال إن أهل الكتاب يتركون في بلد أهل الإسلام؛ لأن مفهومها الكف عنهم عند أدائها، ومن الكف أن لا يُجْلَوا» (٢). وقبله ذكر ابن الفرس هذا المأخذ وزاد «وتأويل ما جاء في الأحاديث يخالف ذلك» (٣)، وذكر منها حديث: (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) (٤). • الحكم الثالث: تؤخذ الجزية بإهانة. قال السيوطي: «فاستدل بها من قال: إنها تؤخذ بإهانة» (٥) ثم بيَّن وجه ذلك. مأخذ الحكم: أمر الشارع بأخذها بالصفة المذكورة. قال الموزعي: «ومتى وجب قبول الجزية، فلا بد من اقترانها بالصغار والهوان، كما أمر الله. والصغار عند الشافعي هو: التزامهم لجريان أحكام الإسلام عليهم في عقد الذمة. وقال بعضهم: هو أن تؤخذ منهم الجزية من قيام، والآخذ قاعد … » (٦).

стр. 610

فائدة: قال القرافي: «إن قاعدة الجزية من باب التزام المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا، وتوقع المصلحة، وذلك هو شأن القواعد الشرعية. بيانه: أن الكافر إذا قتل انسد عليه باب الإيمان، وباب مقام سعادة الإيمان، وتحتم عليه الكفر والخلود في النيران، وغضب الدَّيان، فشرع الله تعالى الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان، لا سيما باطلاعه على محاسن الإسلام» (١). • الحكم الرابع: لا حدَّ لأقل الجزية (٢). مأخذ الحكم: إطلاق الشارع لمقدار الجزية. قال الموزعي: «وأطلق سبحانه الجزية ولم يحدَّها بحد». ثم ذكر مذاهب العلماء في التحديد، وبيَّن في ختمها أن قوماً أخذوا «بظاهر الكتاب، وقالوا: لا حدَّ فيه، بل الحد مصروف إلى اجتهاد الإمام، وبهذا قال الثوري وهو مذهب قوي الدليل» (٣). قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: أن المرتد إذا نصب للحرب راية فقَتَل وأتلف مالاً، ثم تاب لم يؤاخذ بشيء من ذلك (٤). مأخذ الحكم: هو إطلاق الآية وعدم التفريق في المغفرة بين حقوق الله

стр. 611

وحقوق الآدميين، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل تقييده. قال ابن الفرس بعد أن ذكر أنهم احتجوا بالآية: «ولم يفرق فيها بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وأن أبا بكر الصديق ﵁ لم يضمن أحداً من أهل الردة» (١). • الحكم الثاني: تسقط الجزية عن الذمي إذا أسلم (٢). قال الموزعي: «وقد اتفق المسلمون على اسقاط الحقوق المعلّقة بالمشرك الحربي بالإسلام مطلقا» (٣)، ومن ذلك الجزية. مأخذ الحكم: هو المأخذ السابق، حيث أطلق سبحانه المغفرة بعد إسلامه، فتشمل ما وجب عليه قبل إسلامه. قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]. استدل بالآية على تأجيل الكافرين أربعة أشهر وعشر، وحملت الآية على محامل وأحوال وبحسبها تختلف الأحكام، ومما حملت عليه كون التأجيل للمشركين الذين لا عهد لهم ألبتة، وقيل لذوي العقود المطلقة، وقيل: من نقض عهد يضرب لهم ذلك وغير ذلك (٤). مأخذ الحكم: للأمر الدال على المشروعية والإباحة؛ إذا المقصود الإعلام بحصول الأمان من القتل والقتال المدة المضروبة.

стр. 612

قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. استدل بالآية على عدم جواز نقض العهد إلا بناقض ظاهر أو توقعه (١). مأخذ الحكم: أمره سبحانه وهو على ظاهره للوجوب، فيجب الوفاء بالعهد لهم إلا أن ينقض بما ذكر في الآية. قال ابن الفرس: «قال اعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فاختلف المفسرون على من يعود هذا الضمير ﴿إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فقيل: على من ضرب له أربعة أشهر، أي: أتموا العهد الذي لهم إلى أربعة أشهر، وهو قول ابن عباس، وقيل: يعود على قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ وهذا مبني على الاختلاف في الضمير إذا تعقب شيئين، ويحتمل أن يعود على الأبعد منهما، ويحتمل أن يعود على الأقرب منهما، والأحسن في هذه الآية أن يعود إلى المستثنين» (٢). قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. استدل بالآيتين على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: حمل الآية الأولى فيما إذا التمس المشركون الصلح. والآية الثانية: النهي عن ابتدائهم بالصلح.

стр. 613

مأخذ الحكم: لما كان بين ظاهر الآيتين تعارض، ذهب بعض العلماء إلى كون آية محمد ناسخة لآية الأنفال، وحكي هذا عن ابن عباس ﵄، وذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية السيف، ذكر ذلك الموزعي ثم قال: «والصواب عدم النسخ؛ لفقدان التعارض، وإمكان الجمع بين الآيات كلها، فليس بينها اختلاف» (١)، ثم ذكر الجمع المذكور في حكم الآية. وقال ابن الفرس: «وأما قول ابن عباس: فضعيف؛ لأن الآيتين ليس بينهما تعارض، وعلى الاختلاف في هذه الآية، اختلفوا في جواز مهادنة الكفار … » (٢). • الحكم الثاني: إباحة الهدنة لغير ضرورة. قال السيوطي: «فاستدل بها من أباح الهدنة لغير ضرورة» (٣). مأخذ الحكم: جواب الشرط في قوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وهو أمر دال على المشروعية، وفيه أطلق المولى لهم الجنوح والميل إلى السلم، ولم يقيد بحالة دون حالة. تنبيه: قيّد كثير من العلماء الجنوح إلى السلم في حال ضعف المسلمين، وذكر ابن الفرس محل الخلاف، فقال: «وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا، فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال أو على غير مال، فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه -وسيأتي الكلام عليه-، وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئاً، أو على أن يعطيهم شيئاً، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم» (٤).

стр. 614

• الحكم الثالث: لا يعقد الهدنة إلا الإمام أو نائبه. قال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ على أنها لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنه تعالى خاطب بها النبي ﷺ ، ولم يقصر في الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره، وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة» (١). وسبقه إلى ذلك ابن الفرس (٢). مأخذ الحكم: كون الخطاب للنبي ﷺ ، وأئمة المسلمين وولاتهم تبع له في الحكم. • الحكم الرابع: جواز مهادنة المشركين إلى مدة وغير مدة قال ابن الفرس: «وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة» (٣)، ويقصد بالقول الذي حكاه ابن حبيب عن مالك أنه قال: تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. مأخذ الحكم: إطلاق الآية وعدم الإشارة إلى مدة معين، وهو في مقام البيان والتشريع. قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. استدل بالآية على وجوب لزوم الوفاء مع الاستقامة، وجواز النبذ مع عدم الاستقامة (٤).

стр. 615

مأخذ الحكم: الأمر، وهو على ظاهره هنا فيقتضي الوجوب، ومفهوم الشرط إن لم يستقيموا فلا عهد لهم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: وجوب نبذ العهد لمن توقع منهم خيانة (١). قال ابن الفرس: «فأمر الله تعالى في هذه الآية نبيه ﵊ إذا شعر من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم، أي: يلغيه، ويحاربهم إذ لم يلتزموا العهد» (٢). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَانْبِذْ﴾ وهو على ظاهره للوجوب؛ لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة والإضرار بالمسلمين. قال الموزعي: «ومفهوم هذا الخطاب أنه إذا لم يخف منهم خيانة، لا ينبذ إليهم عهدهم، وهو كذلك، وقد بيَّنه الله سبحانه في موضع آخر فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]» (٣). • الحكم الثاني: إعلامهم بنقض العهد. قال السيوطي: «وأن يعلمهم بذلك؛ لئلا يشنعوا عليه بنصب الحرب مع العهد» (٤).

стр. 616

وقال الموزعي: «ليكونوا معه على سواء عدل، واستواء من العلم» (١). مأخذ الحكم: المأخذ السابق مع تفسير قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، واعتبارها صفة مقيدة للحكم السابق، أو كاشفة له، والله أعلم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]. استدل بالآية على أن من نواقض العهد: نكث العهد، والطعن في الدين. قال الموزعي: «إذا نكث المعاهدون أيمانهم، ونقضوا عهدهم، وجب قتالهم … ، وإذا طعنوا في ديننا؛ كطعنهم في القرآن العزيز، وسبهم النبي ﷺ ، انتقض عهدهم» (٢). ثم بيَّن هو وغيره أن قتالهم إنما عُلِّق على أمرين: نكث اليمين، والطعن في الدين، ولكن لا على سبيل الجمع، فقال: «قلنا: لما قام الإجماع على أن المعاهد إذا نكث اليمين بما عاهد عليه، انتقض عهده، ولا يحتاج إلى اشتراط شيء آخر، دلَّنا على أن الطعن في الدين بمجرده كاف في نقض العهد؛ كالنكث في اليمين، وأن التعليق بالأمرين على سبيل الانفراد، لا على سبيل الجمع، وذلك شائع في اللسان» (٣). مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، وهو يقتضي نقض العهد. قال الهروي: «وعطف: ﴿وَطَعَنُوا﴾ على ما قبله مع أن نقض العهد كاف في إباحة القتل لزيادة تحريض المؤمنين على قتالهم، وقيل: معناه: وإن نكثوا أيمانهم بطعنهم في دينكم، فيكون عطف تفسير ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: قاتلوا رؤساء

стр. 617

المشركين وقادتهم، والمراد: قاتلوا الكفار بأسرهم؛ فإنهم صاروا بذلك ذوي تقدّم في الكفر أحقاء بالقتل والقتال» (١). ا هـ. باب السبق والرمي يذكر الفقهاء باب السبق والرمي بعد باب الجهاد؛ لجواز المسابقة بالخيل والإبل والرمي بعوض وبغير عوض، أما السبق بغير عوض فهذا شأن جميع المسابقات المباحة. قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض. فأما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقاً من غير تقييد بشيء معين، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال … ، وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز إلَّا بين الخيل، والإبل، والرمي؛ لما سنذكره -إن شاء الله-» (٢). قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. استدل بالآية على جواز المسابقة. قال السيوطي: «هذا أصلٌ في المناضلة والمسابقة، أخرج مسلم عن عقبة بن عامر أنه ﷺ قال: في الآية (ألا إن القوة الرمي) (٣) ثلاثاً» (٤). ذكر القرطبي سبب تخصيص الرمي والخيل بالذكر؛ وذلك لأن «الخيل لما

стр. 618

كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصَّها بالذكر تشريفاً، وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] الآية، ولما كانت السِّهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله ﷺ بالذكر، والتنبيه عليها، ونظير هذا في التنزيل، ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ومثله كثير» (١). مأخذ الحكم: أن العدة واجبة؛ لأن الله أمر بإعدادها وهي أن القوة لا تحصل إلا بالتدرب والمسابقة، فكانت المسابقة بها جائزة، وقد تكون واجبة. قال ابن قدامة: بعد أن ذكر أن المسابقة بعوض لا تجوز إلَّا بين الخيل والإبل والرمي، قال: «واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها، وإحكامها، والتفوق فيها، وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها، والإحكام لها، وقد ورد الشرع بالأمر بها، والترغيب في فعلها» (٢). ثمَّ ذكر الآية. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧]. استدل بها على جواز المسابقة بالأقدام والرمي بالسهام. قال السيوطي: «فيه مشروعية المسابقة» (٣). مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعاً لنا؛ لأنهم أخبروا أباهم فأذن لهم، ولم

стр. 619

يثبت في شرعنا نسخه، وظاهر الآية أن السبق كان بالسعي على الأقدام. وجاز السبق بالسهم والنضل؛ لقرءاة ابن مسعود ﴿إنا ذهبنا ننتضل﴾، والمناضلة المسابقة بالرمي بالنضل، وهو السهم التام وبالقولين فُسِّرت الآية.

стр. 620

كتاب الأطعمة الأطعمة: جمع مفرده طعام، وهو في اللغة: اسم جامع لكل ما يؤكل، وما به قوام البدن. والفقهاء يطلقون لفظ الأطعمة على كل ما يؤكل ويشرب مما ليس بمسكر، يقصدون بذلك ما يمكن أكله أو شربه على سبيل التوسع، ولو كان مما لا يستساغ ولا يتناول عادة كالمسك وقشر البيض (١). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ البقرة. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم جميع أجزاء الميتة حتى الدهن واللبن والإنفحة (٢). مأخذ الحكم: العموم في تحريم الميتة؛ لدخول (أل) الجنسية على المفرد، فيعم جميع أجزائها. • الحكم الثاني: تحريم ما لا نفس له سائلة (٣). مأخذ الحكم: العموم في تحريم الميتة، فيشمل ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة. • الحكم الثالث: تحريم ميتة السمك الطافي، وما مات من الجراد بغير سبب.

стр. 621

قال السيوطي: «وعليه أكثر المالكية، والأجنة، وعليه أبو حنيفة» (١). مأخذ الحكم: المأخذ السابق. تنبيه: الآية: السمك والجراد مخصوص عند الجمهور من عموم الميتة، بقوله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال) (٢). • الحكم الرابع: تحريم الدم المسفوح (٣). مأخذ الحكم: حمل المطلق في هذه الآية في قوله: ﴿وَالدَّمَ﴾، بالمقيَّد في سورة الأنعام بالمسفوح، بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، كما سيأتي في آية الأنعام. • الحكم الخامس: تحريم لحم خنزير البحر (٤). مأخذ الحكم: استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، سواء بإضافة اللحم للخنزير، أو دخول (أل) في الخنزير، أي: سواء كان خنزير بر أو بحر. ويجاب عنه: أن خنزير الماء لا يطلق عليه الاسم إلّا مقيدًا، فلا يدخل في الاسم المطلق، كما أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب لا تعرف خنزيرًا للبحر. • الحكم السادس: تحريم أكل ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم أو على اسم المسيح (٥).

стр. 622

مأخذ الحكم: لدخوله في اسم الإهلال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وهو الإظهار، فكل ما سُمي باسم غير الله دخل فيه. • الحكم السابع: إباحة المذكورات للمضطر بشرط أن لا يكون باغياً ولا عادياً، فلا يحل تناولها للباغي والعادي كالعاصي بسفره (١). مأخذ الحكم: لأن عدم الإثم في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ من الأساليب الدالة على الإباحة. تنبيه: نقل السيوطي في الإكليل تفسيرَ البغي والعدوان عن مجاهد قوله: «غير باغ على المسلمين، ولا معتد عليهم، من خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض فاضطر إلى الميتة لم تحل له، ومن أباح ذلك قال: غير باغ ولا عاد في الأكل»، ثمَّ نقل عن ابن عباس قوله: «من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى»، وقوله - أيضاً-: «غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل» (٢). • الحكم الثامن: جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي (٣). مأخذ الحكم: عموم الآية، ففيها حذف المعمول فمن اضطر إلى أكل ما يحتاجه، فلا إثم عليه، فتدخل المذكورات. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. استدل بالآية من أباح التداوي بالخمر. وسبق في باب بيان المسكر.

стр. 623

قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: جواز أكل بهيمة الأنعام. قال السيوطي: «هي الإبل والبقر والغنم» (١). وقال الموزعي: «هي الثمانية الأزواج ذكر تفصيلها في كتابه العزيز» (٢). وذكر الجصاص أن الإضافة للبيان، أي: أحل لكم البهيمة التي هي: الأنعام (٣). مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بالحلِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾. وكون الذي أحلِّ هنا: الأكل دون الركوب أو البيع أو غير ذلك، مأخوذ من عُرف الاستعمال، فهو المخصص للعموم كما ذكره ابن الفرس (٤). وتفسير الأنعام بما سبق هو المشهور، وفيه جواز أكل الأجنة التي في بطون الأمهات دون تذكية -كما قال الموزعي (٥) - ومن العلماء من فسَّرها بالأجنة أو الوحوش (٦). قال ابن الفرس: «فمن جعل بهيمة الأنعام في الآية الجنين، لم يحتج في الآية تقدير الذكاة، ومن جعلها الوحش أو الماشية -كما قدمنا- احتاج في الآية إلى تقدير الذكاة؛ لأن أكلها لا يجوز إلا بذكاة، وكأنه قال: (أحلت لكم ذكية بهيمة

стр. 624

الأنعام) أو نحوه» (١). تنبيه: في قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال الموزعي: «ثم أحلَّها الله سبحانه حلالاً مطلقاً، واستثنى منها شيئاً مبهماً موعوداً، ببيانه حتى يعظم موقعه في النفوس، فتتوفر الدواعي على علمه ومعرفته، فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، ثم بيَّنه وتلاه في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]، الآية. ثم أحلَّ الله سبحانه غير الأنعام من الصيد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]» (٢). • الحكم الثاني: تحريم أكل صيد البر للمحرم. قال الموزعي: «فإن قلت: فما قولك في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، هل المراد به الصيد، أو الاصطياد؟ قلت: يحتمل أن يراد به الصيد؛ استدلالاً بهذه الآية» (٣) يقصد قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ثم قال: «ويحتمل أن يراد به الاصطياد؛ استدلالاً بالآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]» (٤).

стр. 625

مأخذ الحكم: ظاهر، حيث نهاهم المولى عن إحلال الصيد على التفسير الأول، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال ابن الفرس: «وكأنه تعالى يقول إذ أحللنا لكم بهيمة الأنعام فلا تستحلوا أنتم الصيد وأنتم حرم» (١). والصيد يحتمل ما صيد أو الاصطياد على ما سبق. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وسبق ذكرها في سورة البقرة (٢). ومأخذ التحريم هنا: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهي من الألفاظ الصريحة التي تفيد معناه نصاً، ولا اختلاف في معناها والمراد بها في القرآن. • الحكم الثاني: تحريم ما مات من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. ومأخذ الحكم: ما سبق من كونه إخباراً عن الحكم بلفظ: ﴿حُرِّمَتْ﴾، وتفيد الحكم بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فما أدرك بالذكاة قبل موته، فإنه يباح؛ لأن الاستثناء من المحرم حلال.

стр. 626

قال الموزعي: «ولما حرم الله سبحانه الدم، وحرم هذه الأشياء، عقبها بذكر الذكاة، وجعل الذكاة علَّة التحليل، علمنا أنَّ علة التحليل خروج الدم بالذكاة، وأن عدم خروج الدم علَّة التحريم» (١). تنبيه: اختلف العلماء في الاستثناء على ما ذا يعود. قال السيوطي: راجع إلى الموقوذة وما بعدها (٢)، وسيأتي زيادة بسط عند الاستدلال بالآية في باب الصيد والذبائح. قال الموزعي: «رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع مُتصل؛ لصدق اسم الأكيل عليه عند حصول التذكية، وإن لم يزهق روحه. وأما الأمور الأربعة فمن لاحظ وقوع اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازا، كان الاستثناء مُتَّصلًا أيضا، وهذا هو الأقرب إن شاء الله. ومن لاحظ صدق الأسماء حقيقة؛ إذا لا تُسمى هذه المحرمات قبل الموت منخنقة ولا موقوذة، ولا متردية، ولا نطيحة، إلا على سبيل التجوز، منع عود الاستثناء إلى هذه الجمل الأربع، اللهم إلا أن يجوِّز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناء على الاتصال في أكيل السبع، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عند أهل النظر. وأما عوده إلى الخنزير فلا يجوز قطعاً؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه شيئاً، وكذا لا يجوز عوده إلى ما أهل لغير الله؛ لأنه استثناء منقطع؛ لاختلاف الحكم فيه» (٣).

стр. 627

تبقى فوائد وأحكام متعلقة بهذه الآية: الأول: أن تحريم الميتة يخص منه ميتة البحر، وما لا دم له. قال الموزعي: «واتفق أهل العلم على أن هذا اللفظ ليس على عمومه، واختلفوا في المخصص له .... » (١). ثم ذكر الخلاف في هذا. الثاني: أطلقت الآية هنا: «الدم»، وقيده سبحانه في موضع آخر بكونه دماً مسفوحاً، والمسفوح، هو المصبوب، وقد أجمع المسلمون على تحريم المسفوح (٢). الثالث: ذكر الموزعي أن: ما أهل لغير الله، هو ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، وأن الله كرر تحريمها في أوّل الآية ووسطها، «وإنما كرره الله سبحانه تأكيدا لتحريمه، فذكره بلفظي الحقيقة والمجاز»، وذكر قبل أن أصل الإهلال في اللسان، رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم أطلق على رفع الصوت مطلقاً، ثم أطلق على رفع الصوت في اسم الصنم عند الذبح، ثم أطلق على الذبح؛ لملازمته رفع الصوت في عادتهم، ثم قال: «وهو المراد في كتاب الله تعالى حيث ورد كما بيَّنه الله سبحانه هنا، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾» (٣) ا. هـ. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].

стр. 628

وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. استدل بالآيات السابقة على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: إباحة الطيبات من الأطعمة، وتحريم الخبائث منها. قال السيوطي في الآية الأولى: «فيها إباحة الطيبات، ومفهومه تحريم الخبائث، وهي أصل في باب الأطعمة» (١). مأخذ الحكم: وقوع الإخبار بالحل، جواباً عن سؤال بالآية الأولى، ومن غير سؤال في الثانية والثالثة، وأمراً في الآية الرابعة: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. ولا شك أن كل ما أحله الله من المآكل فهو طيب، وما حرمه فهو خبيث، ويبقى الإشكال فيما لم ينص الشارع على حكمه، فما الضابط في معرفة كونه طيباً أو خبيثاً، ذهب جمهور أهل العلم إلى أن اعتبار ذلك راجع إلى العُرف. قال الشنقيطي: «فكل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع فهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾؛ لأن معنى الخبيث معروف عندهم فما اتصف به فهو حرم للآية» (٢). وأنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك، وقال: «إن النبي ﷺ وأصحابه لم يحرم أحدٌ منهم ما كرهته العرب، ولم يبح كل ما أكلته العرب … ، ثم بيَّن أن الآية تخبر أن النبي ﷺ سيفعل ذلك، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾،

стр. 629

وقد فعل، «فأحلَّ النبي ﷺ الطيبات وحرم الخبائث، مثل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (١). • الحكم الثاني: إباحة طعام أهل الكتاب. قال السيوطي: «فيها إباحة ذبائح أهل الكتاب وسائر أطعمتهم» (٢). وذكر ابن الفرس أن في الآية إباحة سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير، وقال: «فذهب الأكثر إلى أن ذلك من أطعمتهم داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، الآية، وأن كل ذلك جائز» (٣). مأخذ الحكم: إخبار المولى سبحانه بالحكم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. قلت: وما سبق محمول على أن المقصود بطعام الذين أوتوا الكتاب في الآية العموم لا خصوص الذبائح، على ما سيأتي بإذن الله، على أن ذبائحهم من طعامهم. • الحكم الثالث: تباح المحظورات السابقة للمضظر. مأخذ الحكم: التخصيص المتصل ب (إلا)، والاستثناء من المحرم مباح. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].

стр. 630

استدل بالآية على تحريم الخمر. قال السيوطي: «أصل في تحريم الخمر، وكل مسكر قليلاً كان أو كثيراً» (١). قال الموزعي: «والخمر اسم للشراب المتخذ من كل عصير يتخمر، سواء كان من العنب، أو العسل، وسميت خمراً؛ لمخامرتها العقل، وقد أجمع المسلمون على تحريم قليلها» (٢). مأخذ الحكم: الأمر الذي هو بمعنى النهي، في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، مع ما في الآية من قرائن ودلالات على التحريم. قال ابن الفرس: «هذه الآية أبين آية في القرآن في تحريم الخمر … ؛ لأنه تعالى أمر باجتنابها، وتوعد على استباحتها، وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام» (٣). وقال: «وهذا الأمر بالاجتناب في هذه الآية قد اقترنت به قرائن تدل على أن المراد به إيجاب اجتناب الخمر، وهي ما ورد بعقب الآية من ذم الرجس الذي سمّى به الخمر، ونسبته إلى الشيطان، والتوعد على إتيانه، فيجب حمل الأمر على الإيجاب، وإذا كان اجتنابها واجباً، كان التلبس بها حراماً، فهي حرام بهذا الدليل» (٤). فائدة: من العلماء من قصر الخمر على عصير العنب أو غيره. ومنهم: من عمّه على كل مسكر، وهو الصحيح. ويؤيد كونه يعم كل مسكر أن من العلماء من استخرج من قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الآية، علّة تحريم الخمر:

стр. 631

قال ابن الفرس: «وهذا يسميه الأصوليون التنبيه على العلّة، فنبَّه تعالى على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، وهذا المعنى بعينه موجود في كلِّ مسكر على حد سواء، لا تفاضل بين الأشربة فيه، فوجب أن يكون حكم جميعها واحدًا … ، فليست الخمر محرمة لعينها، وليست خاصة بعصير العنب» (١). قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]. استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: إباحة حيوان البحر. قال السيوطي: «واستدل بعموم الآية على إباحة كل حيوان البحر؛ سواء أكل مثله في البر أم لا، وسواء أخذ منه حياً أو ميتاً» (٢). مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، وهي من الأساليب الدالة على الإباحة، والإباحة عامّة لوردها بصيغة الإضافة في قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، أي: جميع صيده، فيشمل ما ذكره السيوطي. واختلف في معنى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾: «فقال قوم: طعامه ما طفا عليه ميتاً، وقال قوم: ما حُسر عنه الماء، وأخذه الناس، … والصحيح تحليلها مطلقا» (٣). • الحكم الثاني: تحريم صيد البر على المحرم.

стр. 632

مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بلفظ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وتقييده حال الإحرام ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. قال الموزعي: «أما صيد البر فحرم على المحرم أكله؛ لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا مطلقٌ في جميع الأحوال، سواء صاده محرم أو حلال. وقد حُكي عن جماعة من السلف العمل بظاهر الإطلاق … ، وذهب أكثر الناس إلى تقييد هذا الإطلاق، فقال بعضهم -وأظنه أبا حنيفة-: يحرم عليه إن صاده، أو صيد بإذنه، أو دلالته، وإن صيد بغير إذنه ودلالته، حلَّ … » (١). تنبيه: وردت الآية لبيان تحريم لحم الصيد لا الاصطياد، قال الموزعي: «لأنه مسوق لبيان الأكل، لا للاصطياد»، وبيَّن ذلك بأن الله لما وصف «صيد البحر وطعامه بأنه متاع لنا وللسيارة، ثم عطف عليه صيد البر، فله حكمه، والاصطياد ليس بمتاع» (٢)، ثم ذكر بيان النبي ﷺ عموم هذه الآية، فقال: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم) (٣). قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٦].

стр. 633

استدل بالآية على الأحكام الآتية: • الحكم الأول: حصر المحرمات في الأربع المذكورة، وإباحة ما عدا المذكور. قال السيوطي: «احتج به كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور، من ذلك الحُمُر الأهلية» (١). مأخذ الحكم: دلالة الحصر في الآية على حصر المحرمات، ومفهومه ما عداه مباح. قال ابن الفرس: «اقتضت أن المحرمات هي المذكورات، واقتضت عند قومٍ تحليل ما عداها وهم الجمهور؛ لأن دليل خطابها أقوى أدلة الخطاب» (٢). يقصد مفهوم الحصر. ولم يرتض كثير من العلماء كون كل ما عداها حلالا، وحصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية، وأجابوا عن ظاهر الآية بأجوبة: الأول: ذهب قوم إلى أنها منسوخة بالسنة؛ وذلك لما جاء عن النبي ﷺ من تحريم أشياء، كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ونحو ذلك (٣). الثاني: ذهب من قال: بأنها محكمة إلى التأويل بما يأتي: قال بعضهم: إن الآية تقتضي الحصر، وأن كل ما حرم الله تعالى محصور فيها، وأن ما عدا ذلك إنما تحريمه تحريم كراهة وتنزيه (٤). وقال قوم: إن الآية خرجت على سبب؛ لأنها جواب لقوم سألوا عن أشياء، فاخبروا عنها، فقد لا تقتضي الحصر، وما جاء من سائر المحرمات مضموم إليها.

стр. 634

ويحتمل أن يكون تعالى إنما أخبر بأنه لا يجد محرماً في وقت ما ذكر. • الحكم الثاني: أن المحرّم من الميتة هو أكلها؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، وعليه فإن جلدها غير محرم، ويطهر إذا دُبغ (١). مأخذ الحكم: قوله ﵊ عندما مر بشاة ميتة فقال لأهلها: (هلَّا استمتعتم بإهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها) (٢)، والسنة تبيَّن القرآن. • الحكم الثالث: إباحة الدم الباقي في العروق، والكبد، والطحال (٣). مأخذ الحكم: تقييد الدم المحرم النجس بكونه مسفوحاً، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. والدم الذي في العروق ليس مسفوحاً، وعليه: فخرج بمفهوم قوله ﴿أَوْ دَمًا﴾، ما كان في العروق. • الحكم الرابع: من حلف لا يأكل الشحم حنث بأكل ما على الظهر. قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن من حلف لا يأكل الشحم، حنث بأكل ما على الظهر؛ لأنه تعالى استثناه من جملة الشحوم» (٤). مأخذ الحكم: إن الاستثناء هنا متصل، فهو من جنس المستثنى منه، فدّل على كونه شحماً، وإلا لما صح استثناؤه في الآية.

стр. 635

قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩]. استدل بالآيتين على جواز الأكل من الأنعام. مأخذ الحكم: سياق الامتنان في الآيتين، وكونه خلقها لنا، وجعلها لنا، والامتنان لا يكون إلا بمباح. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]. استدل بالآية على إباحة الأكل من ثمر النخيل والأعناب، وما يتخذ منه من شراب غير مسكر. مأخذ الحكم: امتنان المولى بها علينا، ولا يمتن إلا بحلال. باب الصيد والذبائح قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. استدل العلماء بالآية على أن الأولى في البقر: الذبح. مأخذ الحكم: أمر الله بذبحها، فهو الذي ذكره المولى في الآية. قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح» (١).
следующие страницы →