← Адаб

Адаб · id 135

الأمثال - أبو عبيد

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (357 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إنّما يجزى الفتى ليس الجمل . قالها لبيد بن ربيعة في شعره. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: أسق رقاش إنّها سقاية. يضرب المحسن فيقال: أحسنوا إليه لإحسانه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المكافأة قولهم: هذه بتلك فهل جزيتك. وحكي عن المفضل إنّه كان يخبر عن قائله إنّه يزيد بن المنذر، قاله لعمرو بن فلان، وهما ن بني شهل في فعلة فعلها به عمرو، فجزاه يزيد بمثلها، ثم قال له هذه المقالة، فذهبت مثلا، وفي بعض الحديث المرفوع إنّه قال: " من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها، فإنَّ لم يقدر فليظهر ثناء حسنا " وفي حديث آخر " أنَّ المهاجرين قالوا للنبي ﷺ : إنَّ الأنصار قد فضلونا بكذا وكذا، فقال " ألستم تعرفون ذلك لهم؟ " قالوا: نعم، قال: " فإنَّ ذاك " قال أبو عبيد: أم الحديث فليس فيه أكثر من قوله: " فإنَّ ذاك " فمعناه إنَّ معرفتكم إحسانا مكافأة لهم.

стр. 107

بسم الله الرحمن الرحيم الأمثال في الأقربين من أسرة الرجل وعترته باب المثل في التعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض قال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في عطف ذوي الأرحام قولهم: يا بعضي دع بعضاً. قال: وأوّل من قاله زرارة بن عدس التميمي، وذلك أنَّ ابنته كانت عند سويد بن ربيعة، ولها منه تسعة بنين، وإنَّ سويدا قتل أخا لعمرو بن هند الملك صغيرا، ثم هرب فلم يقدر عليه أبن هند، فأرسل إلى زرارة فقال: ائتني بولده من أبنتك، فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم زرارة فقال: " يا بعضي دع بعضاً " فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العناية بذي الرحم قولهم: أسعد أم سعيد. وكان المفضل يخبر إنَّ المثل لضبة بن أدن وكان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في بغاء ابل لهما. فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصاً قال: " أسعد أم سعيد " قال أبو عبيد: هذا أصل المثل، وقد وضعه الناس في الاستخبار عن الأمرين من الخير والشر، وإنّما موضعه ما أعلمتك. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التحنن بالأقارب: لكن على بلدح قوم عجفى. ومثله. " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل ". يقول الرجل هذا إذا رأى قوما في سعة وخصب، وله حميم أو غيره ممن يهتم بشأنه، وهم فاقة وسوء حال. وكان المفضل يحدث بهذا عن بيهس الذي يلقب بنعامة، وكانت بين أهل بيته وقومه من أشجع حرب، فقتلوا سبعة أخوة لبيهس، وأسروا بيهسا، فلم يقتلوه لصغره فارتحلوا به فنزلوا

стр. 108

منزلا في سفرهم، ونحروا به جزروا، فقال بعضهم: ظللوا لحم جزوركم. فقال نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا ظلل " يعني لحم اخوته القتلى، ثم ذكروا كثرة ما غنموا، فقال النعامة: " لكن على بلدح قوم عجفى " يعني أهل بيته، ثم إنّه أفلت أو خلوا سبيله. فرجع إلى أمه، فقالت له: أنجوت أنت من بينهم؟ فقال: لو خيرت لاخترت. وكانت لا تحبه قبل ذلك، فلما رأته ليس لها غيره رقت له، وتعطفت عليه، فقال نعامة: الثكل أرامها. يعني إنَّ فقدها أولادها عطفها على، فذهبت كلماته الأربع كلها أمثالاً. وقوله: " بلدح " اسم موضع. وكذلك " الأثلاث " قال الزبير: الأثلاث: شجر، وهو الطرفاء وقال الزبير: قتلهم نصر بن دهما بن الأشجعي، وأراد قتل البيهس فقيل له: إنّه أحمق فدعه لأمه لتسكن إليه، فلما نزلوا قال نصر: ظللوا ذلك اللحم، فذلك حيث يقول نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل " ففزع منها نصر، فقيل له: كلمة جاءت من أحمق. وقال الأصمعي: في مثل هذا يقال: لا يعدم الحوار من أمه حنةً.

стр. 109

ومنه: لا يضر الحوار ما وطئته أمه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحنن على الأقارب وابأبي وجوه اليتامى وحكي عن المفضل إنّه كان يحكيه عن يعد القرقرة، وهو رجل من أهل هجر، وكان النعمان يضحك منه، فدعا النعمان بفرسه اليحموم وقال لسعد: أركبه فأطلب عليه الوحش، قال سعد: إذاً والله أصرع، قال: فأبى النعمان إلاّ أنَّ يركبه، فلما ركبه سعد نظر إلى بعض ولده فقال ذلك. وفي هذا يقول سعد: نحن بغرس الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السلف ويروى: في السدف باب احتمال لذي رحمه يراه مضطهداً وإنَّ كان له كشاحاً قاليا. قال الأصمعي: يقال في هذا مثل هذا: لا تعدم من أبن عمك نصرا. وأما أبو عبيدة فكان يحكيه: لا يملك مولى نصراً. قال أبو عبيد: وكلاهما معناه أنَّ حميمك يغضب لك إذا رآك مضطهدا وإنَّ كان لك مشاحنا، وكان المفضل، فيما روى عنه، يقول: إنَّ أوّل من قاله النعمان بن المنذر الملك، وذلك إنَّ العيار بن عبد الله الضبي كان الذي بينه وبين ضرار بن عمرو سيئاً وهو

стр. 110

من أسرته، فاختصم أبو مرحب اليربوعي وعند النعمان في شيء فنصر العيار ضراراً فقال له النعمان: أتفعل هذا بي بأبي مرحب في ضرار وهو معاذيك؟ فقال العيار: إني أكل لحم أخي ولا أدعه لآكل. فعندها قال النعمان: " لا يملك مولى نصراً " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال أبو عبيد: ومن هذا المثل مقالة عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب ﵄ حين كتب إليه وهو محصور، وكان على غائباً في مال له: إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إلى على كنت أولى. فان كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلاّ فأدركني ولمّا أمزق يقول: إنَّ أخي وأبن عمي، وإنَّ كان عاتبا عليَّ فهو أرأف بي وأرق عليَّ من الأباعد ومن أمثالهم في هذا: الحفائظ تحلل الأحقاد. ومنه قول القطامي: وترفض عند المحفظات الكتائف. والكتائف هي السخائم، ويقول: إذا رأيت قريبي يضطهد، وأنا عليه واجد، خرجت تلك السخيمة من قلبي له، ولم أدع نصره ومعونته، ومنه قولهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً. قال أبو عبد الله الزبير: الحسائف هي السحائم أيضاً.

стр. 111

باب استعطاف الرجل صاحبه على أقربيه وإنَّ كانوا له غير مستحقين . قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: منك عيصك وإنَّ كان أشباًز أي منك أصلك وإنَّ كان أقاربك على خلاف ما تريد يقول: فأصبر عليهم، فأنه لا بد لك منهم. وقال الأصمعي: في مثله: منك ربضك وإنَّ كان سماراً. وأصل السمار اللبن الممذوق، فشبه القريب في رداءته به وقال الأحمر في مثله: منك أنفك وإنَّ كان أجدع. قال أبو عبيد: كل هذا معناه إنَّ عشيرتك ورهطك لا منجى لك منهم، فأحتملهم على ما فيهم. قال الأصمعي: يقال: هو ألزم لك من شعرات قصك. قال: وذلك لأنه كلما حلق نبت، وهذا المثل يضرب للذي ينتفي من قريبه. وقد أيضاً لكل من أنكر حقا يلزمه، من أي الحقوق كان باب عجب الرجل برهطه وعترته . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: كل فتاةٍ بابيها معجبة. وهذا المثل يرويه بعضهم للأغلب العجلي في شعر له

стр. 112

وقال بعضهم: هذا المثل لامرأة من بني سعد، يقال لها العجفاء بنت علقمة، ويقال: إنّه لكاهنة منهم: تنافر إليها نسوان، كل واحدة تذكر مجد أبيها، وتفخر به، فقالت الكاهنة: كل واحدة منكن بابيها معجبة، قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا: زين في عين والدٍ ولده. وروي الناس عن عمر بن عبد العزيز إنّه قيل له: لو بايعت لأبنك عبد الملك مع فضله وشأنه وورعه، فقال: لولا أني أخاف أنَّ يكون زين في عيني منه ما يزين للوالد من ولده لفعلت، ثم توفي عبد الملك قبل عمر. ومثل للعامة في مثل هذا. من يمدح العروس إلاّ أهلها . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحوه: حميم الرجل وأصله. باب تشبيه الرجل بأبيه . الأصمعي وأبو عبيدة وأبن الكلبي كلهم قالوا: من أمثالهم في التشبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب، قاله في أبن عباس يشبهه في رأيه بأبيه. ويقال: إنّه لم يكن لقريش مثل رأي العباس. وقد فسرنا هذا في غريب الحديث. ومنه قولهم:

стр. 113

تقيل فلان أباه. أي أشبهه. ومن أمثالهم في هذا: من أشبهه أباه فلما ظلم. قال الأصمعي: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يقول: فإذا أشبه أباه فقد وضع الشبه في موضعه. قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: ومن عضة ما ينبتن شكيرها. والشكير: الورق الصغار ينبت بعد الكبار. قال الأصمعي: ومنه قولهم: العصا من العصية. قال أبو عبيد: هكذا قال، وأنا أحسبها " العصية من العصا " إلا أن يكون يراد به إنَّ الشيء الجليل إنّما يكون في بدئه صغيراً كما قالوا: إنّما القرم من الأفيل. فيجوز حينئذ على هذا المعنى إنَّ يقال: " العصا من العصية " قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم:

стр. 114

هل تنتج الناقة إلاّ لمن لقحت له. أي هل يشبه الرجل غير أبيه. باب إدراك ولد الرجل وبلوغهم في حياته . قال أبو عبيد: يقال في مثل لهم: من سره بنوه ساءته نفسه. ولا أدري ممن سمعته، إلاّ أنه بلغني أنَّ قائله ضرار بن عمرو الضبي، وكان ولده قد بلغوا ثلاثة عشر رجلاً، كلهم قد غزوا ورأس، فرآهم يوماً معاً وأولادهم، فعلم أنهم لم يبلغوا هذه السن إلاّ مع كبر سنه ونفاد عمره، فقال عندها: " من سره ولده ساءته نفسه " فأرسلها مثلاً. ومن أمثالهم في ولد الشبيبة وما يجب من ذلك: إنَّ بني صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيون والولد الصيفي هو الذي يولد للرجل بعد السن، والربعي: الذي يولد في عنفوان الشباب، وهذا المثل يروونه عن سليمان بن عبد الملك تمثل به عند موته، وكان أراد أن يجعل الخلافة في ولده، فلم يكن له يومئذ من ولدٍ ولد له في الحداثة، وكانوا صغارا إلاّ من كان من أمهات الأولاد، فقد كان فيهم من قد بلغ، لأنهم كانوا لا يعقدون إلاّ لأبناء المهائر وقال الزبير: كانت عندهم رواية أنَّ ملكهم يذهب على رأس أبن أمه وكذلك كان.

стр. 115

باب تبني الرجل والمرأة غير ولدهما . قال الأصمعي: من أمثالهم: ابنك أبن بوحك. أي أبن نفسك الذي ولدته، ليس من تبنيت. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: ابنك من دمى عقبيك. وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن امرأة الضفيل بن مالك أبن جعفر بن كلاب، وهي امرأة من بلقين، فولدت له عقيل بن طفيل، فتبنته كبشة بنت عروة بن جعفر بن كلاب، فعرم عقيل على أمه يوماً فضربته، فجاءتها كبشة فمنعتها وقالت: ابني ابني، فقالت القينية: " ابنك من دمى عقبيك " تعني: الذي نفست به حتى أدمى النفاس عقبيك فهو ابنك لا هذا. باب تحاسد ذوي القرابات وقطيعتهم أرحامهم . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: أينما أوجه ألق سعداً. وكان المفضل يحدث أنَّ المثل للأضبط بن قريع السعدي، وذلك أنه كان سيد قومه، فكان يرى منهم حسداً له، وبغياً عليه، فرحل عنهم فنزل في آخرين، فرآهم يفعلون باشرافهم مثل ذلك، ثم رحل ونزل في غيرهم، فرأى مثل ذلك أيضاً، فعندها قال: " أينما أوجه ألق سعداً " أي كل الناس مثل قومي في حسدهم ساداتهم. قال الأصمعي: ومن أمثالهم:

стр. 116

فرق بين معد تحاب. يقول: إنَّ ذوي القرابة إذا تراخت ديارهم بعضها من بعض كان أحرى أن يتحابوا، وإذا تدانوا تحاسدوا وتباغضوا. قال أبو عبيد: وهذا يروى في حديث عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. ومنه قوله) لأبي هريرة: يا أبا هريرة زر غباً تزدد حباً باب العقوق من الولد للوالد، والوالد للولد . قال أبو عبيد: من أمثالهم: العقوق ثكل من لم يثكل. يقول: إذا عقه ولده فقد ثكلهم وإن كانوا أحياء. قال أبو عبيد: هذا في عقوق الولد للوالد، وأما قطيعة رحم الوالد للولد فقولهم: الملك عقيم. يريدون أنَّ الملك لو نازعه ولده الملك لقطع رحمه حتى يهلكه، فكأنه عقيم لم يولد له، وإنما ذلك من الانفراد بالملك، وأن ليس في الملك شريك، فكأنه لذلك عقيم. باب التشابه في غير ذوي الرحم . قال الأصمعي: من أمثالهم. أشبه شرج شرجاً لو أنَّ أسيمراً . قال أبو عبيد: وكان المفضل يحدث أنَّ صاحب

стр. 117

المثل لقيم بن لقمان، وكان هو وأبوه قد نزلا منزلاً يقال له: " شرج " فذهب لقيم يعشى إبله، وقد كان لقمان حسد لقيماً وأراد إهلاكه، فاحتفر له خندقاً، وقطع ما هنالك من السمر، ثم ملأ به الخندق، وأوقد عليه ليقع فيه لقيم، فلما أقبل عرف المكان، وأنكر ذهاب السمر، فعندها قال: " أشبه شرج شرجاً لو أنَّ أسيمراً " فذهبت مثلا ومن هذا قولهم: ما أشبه الليلة بالبارحة. فهذا التشبيه يكون في الناس وغيرهم، وكذلك قولهم: حذو القذة بالقذة. وقد فسرناه في غريب الحديث، وهو أن يقدر كل قذة، والقذة: الريشة من ريش السهام، على صاحبتها سواء.

стр. 118

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله الأمثال في مكارم الأخلاق باب المثل في الحلم والصبر على كظم الغيظ . قال الأصمعي: من أمثالهم في الحلم وما يؤمر به منه قولهم: إذا نزا بك الشر فاقعد. أي فاحلم ولا تسارع إليه قال: وقال الأحمر في مثل هذا: الحليم مطية الجهل. يعني أنه يحتمل جهله، ولا يؤاخذه به. قال أبو عبيد: ومنه قولهم: لا ينتصف حليم من جاهل. ويروى عن الحسن البصري أنّه قال: ما نعت الله أحداً من الأنبياء نعتاً أقل ممل نعتهم به من الحلم، فإنه قال:) إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم (و) إنَّ إبراهيم لحليمٌ أوَّهٌ منيبٌ (قال أبو عبيد: يعني أنَّ الحلم في الناس عزيز. وقد روينا عن بعض

стр. 119

العلماء أنه قال: ما أضيف شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم. وقال معاوية بن أبي سفيان: إني لأرفع نفسي أن يكون لي ذنب أوزن من حلمي. وقال معاوية: ما غضبي على من أملك أم ما غضبي على من لا أملك. قال أبو عبيد: يريد أنبي إذا كنت مالكا له فأنا قادر على الانتقام منه، فلم ألزم نفسي الغضب؟ وإن كنت لا أملكه ولا يضره غضبي فلم أدخل اغتمام الغضب على نفسي؟!، فمعناه أني ى أغضب أبدا. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي برجل كان واجداً عليه فأمر بضربه، مثال قال: لولا أني غضبان لضربتك، ثم خلى سبيله ولم يضربه. ويروى في حديث مرفوع عن النبي) " أنَّ رجلاً قال له: أوصني، فقال: لا تغضب، فأعاد عليه، فقال: لا تغضب " وفي حديث آخر عن يحيى بن زكرياء " إنّه قال لعيسى بن يحيى: هذا عسى " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في صفة الحليم: إنه لواقع الطائر. ومثله إنه لساكن الريح ومنه ما يوصف به الحاماء: كأن الطير على رؤوسهم. وإنّما يراد بذلك أنهم حلماء لا طيش لهم ولا خفة. باب الإغضاء على المكروه واحتمال الأذى قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم:

стр. 120

طويت فلان على بلاله وطويته على بلوله وبللته. أي احتملت منه إساءته وأذاه على ما فيه. وقال الأصمعي: يقال في مثل هذا: لبست عليه أذني. أي سكت كالغافل الذي لم يسمعه. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر: أعرض عن العوراء أن أسمعتها ... وأقعد كأنك غافلٌ لم تسمعِ يريد بالعوراء الكلمة القبيحة، وقال الآخر: قل ما بدا لك من زورٍ ومن كذبٍ ... حلمي أصم وأذني غير صماءِ قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي في نحو هذا: اليسير يجني الكثير. وقال أيضاً: " الشر يبدؤه صغاره ". وقال مسكين الدارمي في هذا المثل:

стр. 121

ولقد رأيت الشر بي ... ن الحي يبدؤه صغاره يقول: فاصفح عنه واحتمله لكيلا يخرجك إلى أكثر منه، وقال عدي بن زيد: شط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور يجني الكبيرا وفي حديث مرفوع، أو عن بعض الصحابة " مكارم أخلاق الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك " وفي حديث آخر " ما عفا رجل عن مظلمة إلاّ زاده الله بها عزا " وقال الشاعر: فإنَّ النار بالعودين تذكى ... وإنَّ الحرب يبدؤها الكلام باب رتق الفتوق وإطفاء النائرة قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا: إنَّ دواء الشق أن تحوصه. أي تلاميه وتصلحه. قال أبو عبيد: واصل الحوص الخياطة ومنه حديث علي بن أبي طالب ﵁ حين اشترى قميصاً فقطع ما فضل عن

стр. 122

كفيه، ثم قال لرجل: " حصه " يعني خياطة كفافه. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الإصلاح. ما كفى حرباً جانيها . معناه أنه إنّما يصلح فساد السفهاء غيرهم من ذوي الأحلام والنهى، فأما جناة الحرب فلا يكون بهم إصلاحها. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: صار الأمر إلى النزعة. إذا قام بإصلاح الأمر أهل الأناة والحلم. وفي حديث مرفوع أنه قيل له) أنا قوم نتساءل أموالنا، فقال: " يسأل الرجل في الجائحة والفتق ليصلح بين الناس، فإذا استغنى أو كرب استعف " فأرخص النبي) في المسألة لإصلاح الفتق. باب العفو عند المقدرة قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ملكت فأسجح. وهذا يروى عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالته لعلي أبن أبي طالب ﵁ يوم الجمل حين ظهر على الناس، فدنا من هودجها، ثم كلمها بكلام، فأجابته: " ملكت فأسجح " أي ضفرت فأحسن، فجهزها عند ذلك بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأة وقال بعضهم: سبعين، حتى قدمت المدينة. ومن أمثالهم في هذا قواهم:

стр. 123

إنَّ المقدرة تذهب الحفيظة. وقد بلغنا هذا المثل عن رجل عظيم من فريش في سالف الدهر، كان يطلب رجلاً بذحل، فلما ظفر به قال: لولا أنَّ المقدرة تذهب الحفيظة لانتقمت منك ثم تركه. ومن العفو قولهم: إذا ارججن شاصياً فارفع يداً. يقول: إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه. والشاصي هو الرافع رجله. ومن أمثال العامة في مثل هذا: أكرموا الصريع. باب مياسرة الإخوان وترك الخلاف عليهم . قال الأصمعي وعدة من علمائها: من أمثالهم السائرة في هذا قولهم: إذا عز أخوك فهن. قال أبو عبيد: معناه أنَّ مياسرتك صديقك ليس لضيم ركبك

стр. 124

به فتدخلك الحمية منه، إنّما هو حسن خلق وتفضل، فإذا عاسرك فياسره وكان المفضل مع هذا يخير بأصله، قال: المثل للهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان سببه أنه أغار على بني ضبة فغنم وأقبل بالغنائم فقال له أصحابه أقسها بيننا، فقال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب فأبوا فعندها قال الهذيل: " إذا عز أخوك فهن " فذهبت مثلا ونزل فقسم بينهم الغنائم وقال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في المياسرة: لولا الوئام هلك اللئام. قال أبو عبيد: فالوئام: المباهاة، يقول: إنَّ الئام ليسوا يأتون الجميل من الأمور على أنها أخلاقهم، إنّما يفعلونها مباهاة وتشبهاً بأهل الكرم وأوّلاً ذلك هلكوا. قال أبو عبيد: وهذا قول أبي عبيدة، وأما غيره من علمائنا فإن المثل عندهم " لولا الوئام هلك الأنام " ويفسرون الوئام الموافقة، يقولون: لولا موافقة الناس بعضهم في الصحبة والعشرة لكانت الهلكة. قال أبو عبيد: ولا احسب الأصل كان الذي لا يعاشرهم. باب مداراة الناس والتودد إليهم الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا: إذا لم تغلب فاخلب. يقول: إذا لم يدرك حاجتك بالغلبة والاستعلاء فاطلبها بالترفق وحسن المداراة. وقال أبو زَيد في مثله:

стр. 125

إلاّ حظية فلا آلية. يقول: إنَّ أخطأتك الخطوة فيما تطلب فلا تال إنَّ تودد إلى الناس وتداربهم لعلك تدرك بعض ما تريد. قال أبو عبيد: وأصل هذا في المرأة تصلف عند زوجها فلا تحظى. يقول: فلا ينبغي لها إنَّ تعينه على سوء رأيه فيها فتهتك، ولكن تحبب إليه بما أمكنها وقال أبو زيد في نحو هذا: سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة. يقول: لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والصواب خير من أنَّ تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. وفي حديث مرفوع: نصف العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس. باب مخالفة الناس بالأخلاق مع التمسك بالدين . قال أبو عبيد: روينا في حديث عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ انهما قالا: خالطوا الناس وزايلوهم. أي خالطوهم بالمعاشرة والأخلاق، وزايلوهم بأعمالكم. وعن صعصعة بن صوحان إنّه قال لأبن زيد بن صوحان: أنا كنت أكرم على

стр. 126

أبيك منك، وأنت أركم علي من أبني، إذا لقيت المؤمن فخالصه. وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك لا تكلمنه. وقد كان بعض علمائنا يرفع حديثا إلى عيسى بن مريم ﵇ إنّه قال: كن وسطاً وامش جانبا. فجعل مشيته في ناحية مثلا لمزايلته الأعمال، وكينونه وسط الناس مثلا لمخالطتهم. وروينا عن أبي الدرداء إنّه قال: أنا لنكشر في وجوه القوم وإنَّ قولبنا لتقليهم. أو لتلعنهم. وفي حديث مرفوع " إنَّ رجلاً استأذن عليه ﷺ فقال: " بئس أخو العشيرة " ثم إذن له فدخل عليه، فقربه وأدناه، فلما خرج قال: " إنَّ من شرار الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه " أو كلام هذا معناه وإنَّ لم يكن بهذا اللفظ. ومنه حديثه في العباس بن مرداس حين قال تلك الأبيات يوم حنين، فقال النبي ﷺ : " اقطعوا عني لسانه " أراد إنَّ يعطي حاجته ليسكت. ومن هذا حديث يروى عن أبن شهاب أنَّ شاعراً امتدحه فأعطاه وقال:

стр. 127

إنَّ من ابتغاء الخير اتقاء الشر. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التمسك بالدين قولهم: من يبغ في الدين يصلف. يعني إنّه لا يحظى عند الناس، ولا يرزق منهم المحبة، ولذلك قيل: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تكن لها حظوة عنده. باب حسن عشرة الرجل أهله وحامته قال الأصمعي: من أمثالهم: كل امرئ في بيته صبي. قال أبو عبيد: يعني في حسن الخلق والمفاكهة واللهو ونحوه، وقد جاءنا مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رحمهما الله، فأما حديث عمر فانه قال: " ينبغي إنَّ يكون في أهله كالصبي، فإذا التمس مت عنده وجد رجلاً " وأما حديث زيد بن ثابت فانه كان من أفكه الناس في أهله، وأزمتهم إذا جلس مع القوم وفي حديث مرفوع: خياركم خيركم لأهله. وعن معاوية إنّه قال: تغلبن الكرام وتغلبهن اللئام.

стр. 128

باب اكتساب الحمد، واجتناب المذمة وكراهة الشماتة . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اغتنام الحمد وكراهية الذم: الحمد مغنم والمذمة مغرم. ومن هذا قول الأول: بذلك وصاني حريم بن مالك ... وإنَّ قليل الذم غير قليل ومن اجتناب الذم قولهم: الشر أخبث ما أوعيت في زاد. وبعضهم يرويه في شعر عبيد بن الأبرص: قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: الشماتة لوم. يقول: ليس من الكرم أنَّ يشمت الرجل بصاحبه إذا زلت به النعل أو نزل به أمر. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: إنَّ خيراً من الخير فاعله. وإنَّ شراً من الشر فاعله. يضرب هذا في الحض على الخير والانتهاء عن الشر. ويقال: إنَّ أصل هذا المثل للنعمان بن المنذر يقال له علقمة، قاله لأخيه عمرو مع مواعظ كثيرة وعظه بها، قال: وبعضهم يجعل الكلام لصخر لن عمرو بن

стр. 129

الحارث بن شريد السلمي. باب الصبر عند النوازل والمزاري قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: هون عليك ولا تولع بإشفاق. قال الأصمعي: في نحو منه: إنَّ في الشر خياراً. قال: ومعناه إنَّ بعض الشر أهون من بعض. قال أبو عبيد: أحسبه يريد: إذا أصابته مصيبة فأعلم إنّه يكون أجل منها فليهون ذلك عليك مصيبتك. ومنه الحديث المرفوع " من أصابته مصيبة فليذكر مصابه بي فليعزه ذلك " وقال بعض حكماء العرب: إنَّ شرا من المرزئة سوء الخلف منها وقال آخر: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنان.

стр. 130

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الصبر على المصائب: كانت وقرة في حجرٍ والوقرة مثل الهزمة تكون فيه يقول: إنّه احتمل المصيبة، ولم تؤثر فيه إلاّ مثل تلك الهزمة في الحجر. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: كان جرحا فبرأ. قالها بعض حكماء العرب وكان أصيب بابن له، فبكاه حولا ثم سلا عنه بعد ذلك، فقال هذه المقالة ومن هذا المعنى قول أبي خراش الهذلي: بلى إنّها تعفوا الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإنَّ جل ما يمضي وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصبر. وفي الحديث المروفع: الصبر عند الصدمة الأولى. معناه أنَّ كل ذي مرزئة فإنَّ قصاراه الصبر، ولكنه إنّما يحمد على إنَّ يكون عند جدة المصيبة وحرارتها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الصبر: من حدث نفسه بطول البقاء فليوطن نفسه على المصائب. يروى هذا المثل

стр. 131

عن عبد الرحمن بن بكرة. وقال صالح المري لرجل يعزيه: إنَّ لم تكن مصيبتك أحدثت لك في نفسك موعظة فمصيبتك بنفسك أعظم. باب ترك الأسف على الفائت قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: من لم يأس على ما فاته أراح نفسه. وفي حديث مرفوع إنّه قال ﷺ لعمر: " ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ فخذه وتموله، وما لا فلا تتبعه نفسك " يقول: لا تأسف عليه.

стр. 132

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمّد وآله جماع أمثال المجد والجود باب المثل في الحض على بذل والإفضال قال أبو محمّد الأموي: من أمثالهم في النائل: إنّما سميت هانئا لتهنئ. قال: ويقال: " لتهنأ " أي لتفضل على الناس، والهانئ هو المعطي، يقال: هنأت الرجل هنا، إذا وهبت له ورفدته. والاسم منه الهنء. وقال أبو عبيدة: في محو هذا: لا ينفعنك من زادٍ تبق. يقول: إنَّ بقيته صار إلى الفساد والتغير فأعطه الناس وكذلك المال يبقى لك فأنفقه: ومنه الحديث المرفوع: أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا. وحديثه " إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو مال الوارث " ومنه مقالة أبي ذر " إنَّ لك في مالك شريكين، الحدثان والوارث، فإنَّ قدرت إلاّ تكون أخس الشركاء حظاً فافعل ". ومنه قول الربيع بن خثيم لبعض إخوانه " كن وصي نفسك ولا تجعل أوصياءك

стр. 133

الرجال " أي أنفقه وتخلفه بعدك فتوصي به. ومن أمثالهم في اصطناع الخير قولهم: لا يذهب العرف بين الله والناس. وهذا المثل للحطيئة في شعر له: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث: اصطناع المعروف بقي مصارع السوء. وفي حديث آخر " أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة " وفي حديث ثالث " السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار " وقال زهير بن أبي سلمى: هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم ويروى " فينظلم " قوله " يظلم " أي يسأل فوق طاقته. وقوله " فيظلم " يتكلفه. وروينا في حديث " إنَّ الله يحب الجود ومعالي الأمور، ويبغض سفسافها " وجاءنا عن أبن عباس إنّه قال: " إنَّ أبن أبي المعاصي مشى القدمية وإنَّ أبن الزبير لوى ذنبه " وقال في معاوية: " لله در أبن هند،

стр. 134

كان الناس يردون منه على أرجاء وادٍ رحب " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في العطايا يقال: أعطاه بقوف رقبته يقال ذلك إذا أعطاه بغيته، ولم يأخذ له ثمناً ولا أجراً. وأمثال الجود في كلامهم وأشعارهم أكثر من يخاط بها. باب اصطناع المعروف وإنَّ كان يسيراً قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: من حقر حرم. قال أبو عبيد: يريدون أنَّ الإنسان إذا كان يعجز عن الأفضال بالكثير ثم يحقر ما يقدر عليه من اليسير كان فيه الحرمان وتلف الحقوق. قال أبو عبيد: ومما يقوى هذا المذهب ما روى في الحديث المرفوع. " أنَّ لا ترد السائل ولو بظلف محرقٍ " ومنه قوله: " لا تحقرن شيئاً من المعروف ولو إنَّ تعطى صلة الحبل ولو إنَّ تفعل كذا وكذا " في حديث طويل. قال أبو عبيد: وإنّما هذا أنَّ الإنسان ربما كان مضطرا إلى ذلك اليسير فيعظم موقعه منه، وإنَّ كانت الموونه فيه على المعطى يسيرة. قال أبو زيد: ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم: إنَّ الرثيئة تفثا الغضب. قال: وأصله إنَّ رجلاً كان غضبان على قوم، وأحسبه، كان

стр. 135

مع غضبه، جائعاً، فسقوه رثيئةً فسكن غضبه، وكف عنهم. والرثيئة: اللبن الحامض، يخلط بالحلو. وقوله: " تفثأ " يعني: تكسر وتكف الغضب. قال أبو عبيد: ومن الرغبة في المعروف وإن كان يسيرا حديث عائشة ﵂ حين سألها سائل وعندها طبق عنب، فأعطيه حبة، وعندها نساء فضحكن من ذلك فقالت: " إنَّ فيما ترين مثاقيل ذر كثير " قال أبو عبيد: تريد قول الله :) فمن بعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يره " ويروى عن عبد الحمن بن عوف مثله أيضاً. باب جود الرجل بما فضل عن حاجته من ماله . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: وحسبك من غنى شبع وري. وهذا المثل لامرئ القيس بن حجر الكندي، وكانت له معزى، فقال يذكرها: فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبعٌ وريٌ فقد يكون في هذا معنيان، أحدهما أن يقول: أعط الناس كل ما كان وراء الشبع والري، والآخر القناعة باليسير، يقول: فاكتف به ولا تطلب ما سوى ذلك. قال أبو عبيد: والمعنى الأول هو عندي الوجه، لقوله في شعر له آخر: فلو أنَّ ما أسعى لأني معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليل من المالِ

стр. 136

ولكن ما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فأخبر ببعد همته وقدره في نفسه. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: يكفيك ما بلغك المحلاَّ. ومنه قول الشاعر: من شاء أن يكثر أو يقلا ... يكفيه ما بلغه المحلاَّ قال أبو عبيد: في هذا مثل في الأول من التأويلين اللذين ذكرنا. ومن أمثالهم في هذا الباب قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ويروى: فأنت لعمري طاعم كاسي يقول: قد رضيت من المكارم بأن لا تفضل على أحد إلاّ ما تنفق عليك في طعامك وكسوتك، ومثله قول الآخر: إني وجدت من المكارم حببكم ... أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا فإذا تُذُوكرت المكارم مرةً ... في مجلس أنتم به فتقنعوا ويقال في مثل تتكلم به العوام من الناس: من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به إلى الناس. باب العادة من الجود والخير يعودها الرجل الناس قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا:

стр. 137

ما حللت بطن تبالة لتحرم الأضياف. قال: ومعناه انك أم تبتدئ في أوّل أمرك بالتفضيل والنيل وأنت تريد تركه. قال: وتبالة: بلاد باليمن مخصبة، فجعلها مثلاً لنواله. قال أبو عبيد: ومن عادة الخير قول الأعشى: عودت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها ورو سجلياها وقد جاءنا في بعض الحديث: الخير عادة، والشر لجاجة. وقال بعض الحكماء: انتزاع العادة من الناس ذنب محسوب. وكان أشياخنا من أهل المعرفة يعلم الناس يحدثون أنَّ المسلمين لمّا انهزموا يوم اليمامة، قالت الأنصار: بئسما عودتم أقرانكم، يعنون الفرار، ثم كروا عليهم حتى أظهرهم الله، وقتل عدوهم، فهذا من عادة الخير. ومن أمثالهم المشهورة قولهم: العودُ أحمدُ. باب الرجل تكون شيمته الكرم غير أنه معدم . قال الأحمر: من أمثالهم في هذا:

стр. 138

بيتي يبخل لا أنا. يقول: ليس البخل من أخلاقي، ولكن ليس لي ما أجود به. قال: ومن أمثالهم في الاعتذار قولهم: شغلت شعابي جدواي. يقول: شغلتني أموري عن الناس والإفضال عليهم. وقال أبو عبيدة في نحو هذا: بالساعد تبطش الكف. أي إنّما أقوى على ما أراد بالمقدرة الواسعة، وليس ذلك عندي، ولا مقدرة لي. وقد يضرب هذا المثل في قلة الأعوان أيضاً. قال الأموي: ومن أمثالهم في الرجل يذكر الجود ثم يفعله: بأذن السماع سميت. ومعناه أنَّ فعلك يصدق ما تسمعه الأذن من قولك. باب الصبر على مكابدة الأمور ومقاساتها لمّا في عواقبها من المحامد . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عند الصباح يحمد القوم السرى. يقول: انهم يقاسون في ليلهم مكابدة الليل ومقاساة الإسآد، فإذا أصبحوا وقد خلفوا البعد وراء ظهورهم حمدوا فعلهم حينئذ. ومثله قولهم:

стр. 139

غمرات ثم ينجلين. وهذان المثلان يقال: انهما لأغلب العلجي، ويقال: لغيره. يضربان للرجل يحتمل الأمور العظام رجاءً لنيل المعالي في غبها، وقد يوصفان في أمر الدين والدنيا جميعاً.

стр. 140

بسم الله الرحمن الرحيم جماع أمثال الخلة والإخاء باب مثل المتخالين المتصافيين اللذين لا يفترقان قال أبن الكلبي وغيره من علمائنا: من أمثالهم السائرة في الرجلين المتآخيين قولهم: هما كندمانى جذيمة. قال أبن الكلبي: وهو جذيمة الابرش الملك وكان أبن أخته عمرو بن عدي قد فقده جذيمة الابرش دهراً، ثم إنَّ رجلين من بلقين يقال لأحدهما: مالك، والآخر: عقيل وجداه فقدما به على جذيمة، فعظم موفعه منه، وقال: سلاني ما شئتما، فسألاه أنَّ يكونا نديمية ما عاش وما عاشا، فأجابهما إلى ذلك، فهما ندامانا جذيمة، وفيهما يقول متمم بن نويرة اليربوعي في نفسه وأخيه مالك بن نويرة: وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وتمثل عمر بن الخطاب بهذا في نفسه وأخيه زيد بن الخطاب. وفي هذين النديمين يقول

стр. 141

الشاعر في سالف الدهر: ألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاءٍ مالك وعقيل وهما القينيان مالك وعقيل نديما جذيمة. ومن هذا المعنى البيت السائر في العالم: وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان قال أبو عبيد: القينان هما من بلقين، يريد بني القين، فحذف النون والياء، كقولهم: بلعنبر وبلهجيم، وما شابه ذلك. ومنه قولهم في بني شمام، وهما جبلان. باب الخليل الخاص بأخيه ومؤانسه . قال الأحمر: من أمثالهم في هذا قولهم: فلان أبن انس فلانٍ. أي إنّه صفيه وخاصته وأنيسه ومن هذا قولهم في المنامس، وأصله من الناموس، وهو خاصة الرجل وصاحب سره. ومنه قول ورقه بن نوفل في النبي ﷺ : " إنّه يأتيه الناموس صاحب موسى " يعني جبريل ﵇ أجمعين. وكذلك عيبة الرجل: وهم خاصته وأصحاب نصحته وسره. ومنه الحديث في خزاعة " انهم كانوا عيبة رسول الله ﷺ مؤمنهم وكافرهم ".

стр. 142

باب عناية الأخ بأخيه وإيثاره إياه على نفسه . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: لك ما أبكي ولا عبرة بي. يضرب للرجل يشتد اهتمامه بشأن أخيه. قال أبو عبيد: ومن الإيثار قولهم: هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه وأخبرني أبن الكلبي إنَّ هذا المثل لعمرو بن عدي اللخمي أبن أخت جذيمة الأبرش، وكان جذيمة قد نزل منزلا، وأمر الناس أنَّ يجتنوا له الكمأ، فكان بعضهم إذا وجد منها شيئاً يعجبه فربما آثر نفسه به على جذيمة، وكان عمرو بن عدي يأتيه بخير ما يجده، فعندها يقول عمرو: هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه يعني: أوثرك به على نفسي إذ كان غيري يأكله دونك. قال أبو عبيد: وهذا المثل تكلم به علي بن أبي طالب، رحمة الله عليه وصلواته، لمّا جبيت إليه العراق، فنظر إلى ذهبها وفضتها فقال: " يا حمراء يا بيضاء أحمري وأبيضي وغري غيري ". هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه هكذا يرويه أصحاب الحديث بالواو، والذي أراد علي ﵁ أني أعطي المال غيري، وامنعه نفسي. ومن الإيثار قول الشاعر يخاطب امرأته:

стр. 143

أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم ومن الإيثار حديث العابد الذي أراد الإفطار، فقدم قرصيه ليتعشى، وعرض له سائل فأعطاه إحداهما، ثم قال: ما ذاك بمشبعه، وما هذا بمشبعي، ولأن يشبع أحد خير من إنَّ يجوع اثنان، ثم ناوله القرص الآخر، فلما نام أتي في منامه فقيل له: سل حاجتك، فقال المغفرة، فقيل له: أما هذه فقد أعطيتها فسل حاجتك، قال: أنَّ يغاث الناس. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مواساة الرجل أخاه قولهم: إنَّ أخاك من أساك. ومثله قولهم: رب أخ لك لم تلده أمك. يقال: إنَّ المثل للقمان بن عاد، وكان له أصل سوى الموضع الذي يضعه الناس به، وذلك أنَّ لقمان رأى رجلاً مستحلياً بامرأة، فاتهمه وقال: من هذا؟ فقالت: أخي، فقال مجيبا لها: " رب أخ لك لم تلده أمك ". باب صفة الأخ المستمسك بإخاء صديقه المشفق عليه . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا أنَّ يقال:

стр. 144

ما عقالك بأنشوطةٍ. وذلك لأن الأنشوطة ينسهل انحلالها، يقول: فليس إخاؤه كذلك، ولكنه عقد مؤكد، وهذا نحو قول ذي الرمة: وقد علقت مي بقلبي علاقة ... بطيئا على مر الشهور انحلالها ويروى " علقت " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في بر الرجل بصاحبه إنَّ يقال: أم فرشت فأنامت. قال الأصمعي: فإذا أرادوا إنّه لا يخالفه في شيء قالوا: هو حبل ذراعك. قال: والحبل: عرق في اليد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: بين العصا ولحائها. باب سرعة اتفاق الأخوة في التحاب والمودة . قال أبو زَيد: من أمثالهم في نحو هذا: كانت لقوة صادفت قبيسا. قال سلمة: هي عندنا لقوة مفتوحة.

стр. 145

قال أبو عبيد: واللقوة هي السريعة الحمل، والقبيس هو الفحل السريع الإلقاح، فمثل هذين لا إبطاء عندهما في النتاج. يضرب للرجلين يكونان متفقين على رأي واحد ومذهب، فيلتقيان، فلا يلبثان أنَّ يتصاحبا على ذلك ويتألفا. وقال الأصمعي: في نحو منه: التقى الثريان. قال أبو عبيد: والثرى هو التراب الندي، فإذا جاء المطر الكثير رسخ في الأرض حتى يلتقي نداه والندى: الذي يكون في بطن الأرض، فهو التقاء الثريين. يضرب هذا في الأمرين أو في رجلين يكونان متفقين فيلتقان. ومن هذا قول أكثم بن صيفي: إنّما الشيء كشكله. ومنه حديث عبد الله وغيره: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: وافق شناً طبقه. قال: وأصل الشن الوعاء المعمول من الأدم فإذا يبس فهو شن فكأن قوما كان لهم مثله فتشنن، فجعل له غطاء فوافقه. وقال بعض أهل العلم خلاف ذلك فذكر إنّه شن بن بطن من عبد القيس، والتقوا هم وحي من إياد، يقال لهم: طبق، فاتفقوا على أمر، فقيل في هذا: " وافق شن طبقه " ويقال في نحو منه:
следующие страницы →