← Адаб

Адаб · id 135

الأمثال - أبو عبيد

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (357 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشاعر في سالف الدهر: ألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاءٍ مالك وعقيل وهما القينيان مالك وعقيل نديما جذيمة. ومن هذا المعنى البيت السائر في العالم: وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان قال أبو عبيد: القينان هما من بلقين، يريد بني القين، فحذف النون والياء، كقولهم: بلعنبر وبلهجيم، وما شابه ذلك. ومنه قولهم في بني شمام، وهما جبلان. باب الخليل الخاص بأخيه ومؤانسه . قال الأحمر: من أمثالهم في هذا قولهم: فلان أبن انس فلانٍ. أي إنّه صفيه وخاصته وأنيسه ومن هذا قولهم في المنامس، وأصله من الناموس، وهو خاصة الرجل وصاحب سره. ومنه قول ورقه بن نوفل في النبي ﷺ : " إنّه يأتيه الناموس صاحب موسى " يعني جبريل ﵇ أجمعين. وكذلك عيبة الرجل: وهم خاصته وأصحاب نصحته وسره. ومنه الحديث في خزاعة " انهم كانوا عيبة رسول الله ﷺ مؤمنهم وكافرهم ".

стр. 142

باب عناية الأخ بأخيه وإيثاره إياه على نفسه . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: لك ما أبكي ولا عبرة بي. يضرب للرجل يشتد اهتمامه بشأن أخيه. قال أبو عبيد: ومن الإيثار قولهم: هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه وأخبرني أبن الكلبي إنَّ هذا المثل لعمرو بن عدي اللخمي أبن أخت جذيمة الأبرش، وكان جذيمة قد نزل منزلا، وأمر الناس أنَّ يجتنوا له الكمأ، فكان بعضهم إذا وجد منها شيئاً يعجبه فربما آثر نفسه به على جذيمة، وكان عمرو بن عدي يأتيه بخير ما يجده، فعندها يقول عمرو: هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه يعني: أوثرك به على نفسي إذ كان غيري يأكله دونك. قال أبو عبيد: وهذا المثل تكلم به علي بن أبي طالب، رحمة الله عليه وصلواته، لمّا جبيت إليه العراق، فنظر إلى ذهبها وفضتها فقال: " يا حمراء يا بيضاء أحمري وأبيضي وغري غيري ". هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه هكذا يرويه أصحاب الحديث بالواو، والذي أراد علي ﵁ أني أعطي المال غيري، وامنعه نفسي. ومن الإيثار قول الشاعر يخاطب امرأته:

стр. 143

أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم ومن الإيثار حديث العابد الذي أراد الإفطار، فقدم قرصيه ليتعشى، وعرض له سائل فأعطاه إحداهما، ثم قال: ما ذاك بمشبعه، وما هذا بمشبعي، ولأن يشبع أحد خير من إنَّ يجوع اثنان، ثم ناوله القرص الآخر، فلما نام أتي في منامه فقيل له: سل حاجتك، فقال المغفرة، فقيل له: أما هذه فقد أعطيتها فسل حاجتك، قال: أنَّ يغاث الناس. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مواساة الرجل أخاه قولهم: إنَّ أخاك من أساك. ومثله قولهم: رب أخ لك لم تلده أمك. يقال: إنَّ المثل للقمان بن عاد، وكان له أصل سوى الموضع الذي يضعه الناس به، وذلك أنَّ لقمان رأى رجلاً مستحلياً بامرأة، فاتهمه وقال: من هذا؟ فقالت: أخي، فقال مجيبا لها: " رب أخ لك لم تلده أمك ". باب صفة الأخ المستمسك بإخاء صديقه المشفق عليه . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا أنَّ يقال:

стр. 144

ما عقالك بأنشوطةٍ. وذلك لأن الأنشوطة ينسهل انحلالها، يقول: فليس إخاؤه كذلك، ولكنه عقد مؤكد، وهذا نحو قول ذي الرمة: وقد علقت مي بقلبي علاقة ... بطيئا على مر الشهور انحلالها ويروى " علقت " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في بر الرجل بصاحبه إنَّ يقال: أم فرشت فأنامت. قال الأصمعي: فإذا أرادوا إنّه لا يخالفه في شيء قالوا: هو حبل ذراعك. قال: والحبل: عرق في اليد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: بين العصا ولحائها. باب سرعة اتفاق الأخوة في التحاب والمودة . قال أبو زَيد: من أمثالهم في نحو هذا: كانت لقوة صادفت قبيسا. قال سلمة: هي عندنا لقوة مفتوحة.

стр. 145

قال أبو عبيد: واللقوة هي السريعة الحمل، والقبيس هو الفحل السريع الإلقاح، فمثل هذين لا إبطاء عندهما في النتاج. يضرب للرجلين يكونان متفقين على رأي واحد ومذهب، فيلتقيان، فلا يلبثان أنَّ يتصاحبا على ذلك ويتألفا. وقال الأصمعي: في نحو منه: التقى الثريان. قال أبو عبيد: والثرى هو التراب الندي، فإذا جاء المطر الكثير رسخ في الأرض حتى يلتقي نداه والندى: الذي يكون في بطن الأرض، فهو التقاء الثريين. يضرب هذا في الأمرين أو في رجلين يكونان متفقين فيلتقان. ومن هذا قول أكثم بن صيفي: إنّما الشيء كشكله. ومنه حديث عبد الله وغيره: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: وافق شناً طبقه. قال: وأصل الشن الوعاء المعمول من الأدم فإذا يبس فهو شن فكأن قوما كان لهم مثله فتشنن، فجعل له غطاء فوافقه. وقال بعض أهل العلم خلاف ذلك فذكر إنّه شن بن بطن من عبد القيس، والتقوا هم وحي من إياد، يقال لهم: طبق، فاتفقوا على أمر، فقيل في هذا: " وافق شن طبقه " ويقال في نحو منه:

стр. 146

وقعت عليه رخمته. إذا وافقه وأحبه. باب الإفراط في التودد وما يكره منه ويحب من الاقتصاد . قال أبو عبيد: بلغني عن بعض الحكماء إنّه قال: " لا تكن في الإخاء مكثرا ثم تكون فيه مدبراً فيعرف سرفك في الإكثار بجفائك في الأدبار " قال أبو عبيد: وهذا نحو مما يروى عن عمر وعلي. لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفاً . ومثل الحديث الآخر: أحبب حبيبك هونا ما عسى إنَّ يكون عدوك يوماً ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى إنَّ يكون حبيبك يوماً ما. ومنه قول النمر بن تولب: وأحبب حبيبك حبا رويداً ... فليس يعولك أن تصرما باب اقتداء الرجل بخليله وقرينه قال أبو عبيد: جاءنا الخبر عن النبي ﷺ إنّه قال: إنّما المرء بخليله، فلينظر امرؤ من يخال. ومع هذا إنّه المثل السائر في الناس:

стр. 147

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد وهذا البيت لعدي بن زيد العبادي. ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء. يعني إنَّ لا دواء له، من أجل أنَّ الغاص بالطعام إنّما غياثه بالماء، فإذا كان الماء هو الذي يغصه فلا حيلة له، فكذلك بطانة الرجل وأهل دخلته، وقال عدي بن زيد: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري يعني: ملجئي. ومن أمثالهم في فساد البطانة المثل المبتذل في العامة: إنَّ الريح إذا هبت خارج البيت استترت منها، وإذا كانت داخل البيت لم يكن إلى الاستتار منها سبيل. باب تخويف الرجل صديقه بالهجران في الشيء ينكره عليه . قال الأموي: من أمثالهم في هذا قول الرجل لأخيه: والله لئن فعلت كذا وكذا لتكونن بلدة ما بيني وبينك. يعني القطيعة. وقال: الأحمر: ومن أمثالهم في هجر الرجل صاحبه: تركته ترك ظبي ظله.

стр. 148

قال: وذلك إنّه إذا نفر من شيء لم يرجع إليه أبداً. ضرب في جهازه . ومن أمثالهم في تخوف الرجل هجر صاحبه قولهم: لا توبسن الثرى بيني وبينك. أي لا تقطعن الأمر بيننا، وانشد لجرير: فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينكم مثرى باب استعانة الرجل بإخوانه وأهل ثقته . قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا: إلى أمه يلهف اللهفان. واحسبه عن الأصمعي، يعني إلى أهل عنايته والإشفاق عليه يلجأ المستغيث. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى قول القطامي: وإذا يصيبك والحوادث جمة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق ويقال في نحو منه، وليس فيه بعينه: لمثل ذا كنت أحسيك الحسى. عن الأصمعي، واصله الرجل يغذو فرسه بالألبان، يحسيها إياه، ثم تحتاج إليه في الطلب أو الهرب. فيقول له: فلهذا كنت افعل بك ما كنت أفعل.

стр. 149

ومن أمثالهم في استعانة الرجل بأهل الثقة قول الشاعر:، وهو مسكين الدرامي: أخاك أخاك، إنَّ من ى أخاً له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح وأم أبن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في معاونة الأخ ونصرته قولهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً. وهذا الحرف يروى في حديث مرفوع إلاّ إنَّ فيه " قيل يا رسول الله، هذا ينصره مظلوماً فكيف إذا كان ظالما؟ قال: يكفه عن الظلم " قال أبو عبيد: أما الحديث فهكذا هو، وأما العرب فكان مذهبها في المثل نصرته على كل حال. باب مشاركة الرجل أخاه في الرفاهية وخذلانه إياه في الشدائد . قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: يربض حجرة ويرتعي وسطاً. قال أبو عبيد: ومن أشعارهم في هذا قولهم: موالينا إذا افترقوا إلينا ... وإنَّ اثروا فليس لنا موال وإذا ضيع الرجل حق أخيه في حياته، ثم بكاه بعد موته فإنَّ مثلهم السائر في هذا قول الشاعر:

стр. 150

لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي ومن هذا قولهم: من فاز بفلان فقد فاز بالسهم الاخيب. وهذا المثل يروى عن على بن أبي طالب ﵁ في بعض من كان يستبطئ من أصحابه قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في خذلان الإخوان عند الشدائد قولهم: ليس عبد بأخ لك. وذكروا عن المفضل إنّه كان يخبر أنَّ رجلاً من عاد كان يكرم إخوانه، فقال له أبوه: أختبرهم، وأمره أنَّ يذبح شاة، ثم يلفها في شيء ثم يأتيها فيقول: هذا رجل قتلته فأحب إنَّ تواروه، فحمله على عبد له، ثم أتاهم رجلاً رجلاً، فكلهم يكره ذلك، حتى أتى رجلاً كان أخسهم عنده، فقبله وقال: هل علم بهذا أحد؟ قال: لا، غير غلامي هذا، فأخذ السيف فقتل العبد وقال: " ليس عبد بأخ لك " فأرسلها مثلاً. باب معاتبة الإخوان وفقدهم . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: معاتبة الأخ خير من فقده. وهذا المثل يروى ن أبي الدرداء، فإن استعتب الأخ ولم يعتب فإنَّ مثلهم في هذا قولهم: لك العتبي بأن لا رضيت. وهذا مثل مبتذل في الناس، وهو مثل محول عن موضعه، لأن أصل " العتبى " الرجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعاتبك

стр. 151

بخلاف رضاك، ومنه قول بشر بن أبي حازم الأسدي: غضبت تميم أنَّ تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصليم أي أعتبناهم بالقتل. ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر: وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه وقال آخر: فدع العتاب فرب شر ... هاج أوله العتاب ويروى عن أوس بن حارثة إنّه كان فيما يقال لابنه مالك: يا مالك: العتاب قبل العقاب، والمنية ولا الدنية. ومن أمثالهم في فقد الأخ الموثوق به قول الشاعر: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... بيمينك فأنظر أي كف تبدل

стр. 152

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إنَّ كان يعقل ويركب حدّثني السيف من أنَّ يضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل ويروى عن الحسن إنّه قال: إنَّ من اشد الناس فقداً عليك أخاك، الذي إنَّ شاورته في أمر دينك أو دنياك وجدت عنده رأيا، ففقدته فالتمس من تجد ذلك عنده فلم تجده. ومن أمثالهم في الرجل يرزأ بأخيه قولهم: إنّما أكلت يوم أكل الثور الأبيض. قال أبو عبيد: هذا المثل يروونه عن علي بن أبي طالب ﵁ إنّه قاله، ثم قال: إنّما وهنت يوم قتل عثمان. باب إشفاق الرجل على أخيه ومحاذرته لمكروهه . قال أبو عبيد: من أمثالهم المعروفة قولهم: إنَّ الشفيق بسوء ظن مولع. وذلك أنَّ المعنى بشأن أخيه لا يكاد يظن به إلاّ المكاره والحدثان كنحو من ظنون الوالدات، فهذا ما في الإشفاق عليه من سوء الظن. وأما مثلهم في حسن الظن به الجفاء يظهر منه فقول أكثم بن صيفي. من جعل نفسه من حسن الظن بإخوانه نصيبا أراح قلبه . يعني إنَّ الرجل إذا رأى من أخيه إعراضا أو تغيرا فحمله منه على وجه جميل، وطلب له المخارج والعذر خفف ذلك عن قلبه، وقل منه غيظه واغتمامه.

стр. 153

باب نصيحة الرجل أخاه قال أبو عبيد: من أمثالهم القديمة: أخوك من صدقك. يعني في النصيحة من أمر الدين والدنيا، وفي بعض الحديث " المؤمن مرآة أخيه " يعني إنّه رأى منه ما ينكره أخبره به، ورووا عن عمر بن عبد العزيز إنّه قال: رحم الله رجلاً أهدى إلى عيوبي. وفي حديث مرفوع " الدين النصيحة، قيل لمن؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". ويروى عن يونس بن عبيد إنّه قال: " ما رأيت أحدا أنصح للإسلام من الحسن وأيوب " وعن بكر بن عبد الله المزني إنّه قال: " لو دخلت هذا المسجد وهو مفهم من الرجال فقيل لي: من خيرهم؟ لقلت: أنصحهم لهم ". جماع أبواب الأمثال في الأموال والمعاش باب المثل في الخصب والسعة وثروة المال وإصلاحه . قال أبو عبيدة والأصمعي جميعاً: من أمثالهم في كثرة الخصب والخير.

стр. 154

هم في شيء لا يطير غرابه . واصله إنَّ الغراب إذا وقع في موضع منه لم يحتج إلى أنَّ يتحول إلى غيره. قالا: وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضاً قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخير قول النابغة الذبياني: ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار قوله " حراب وقد " هما رجلان من بني أسد. وقال أبو عبيد عن أبي عبيدة " سورة " يعني منزلة وفضيلة، ومنها قول النابغة أيضاً: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملكٍ دونها يتذبذب وقال أبو زَيد الأنصاري: من أمثالهم في الخصب قولهم: وقع فلان في سي رأسه. أي فيما شاء واحتكم، قال أبو زَيد: وقد يفسر " سي رأسه " عدد شعره من الخير. قال أبو زيد: ومنه قولهم: وجدت الدابة ظلفها. أي ما يوافقها وتكون فيها إرادتها، قال: وكذلك الإنسان. قال أبو عبيدة: وإذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخصب قيل:

стр. 155

وجده عند تمرة الغراب. قال: وذلك لأن الغراب إنّما ينتقي من التمر أطيبه وأجوده. ومن أمثالهم في التماس الخصب والسعة. جاور ملكاً أو بحراً . باب كثرة المال والخير يقدم به الغائب أو يكون له . قال أبو زيد: من أمثالهم في المال الكثير يقدم به الغائب: جاء فلان بالهيل والهيلمان. قال أبو عبيد: ومثله: جاء فلان بما صأى وصمت. وبلغي عن المفضل أنَّ المتمثل به قصير بن سعد، قاله للزباء حين أتاها بالأموال من العراق، فقال: جئتك بما صأى وصمت، يعني ما نطق وسكت. وقال الأصمعي: العرب تقول: من المال الصامت والناطق، فالصامت عندهم كل شيء سوى الحيوان، مثل العروض والأثاث والعقار والورق، قال: والناطق عندهم الحيوان كله، ما كان من رقيق أو دواب أو نحوها، قال: وإنّما سمى هذا ناطقا لصوته وحياته، وسمى ذلك صامتاً لأنه لا روح له، ولا صوت عنده. قال أبو عبيد: وأما العامة فالصامت عندهم العين والورق خاصة،

стр. 156

ولا ينبغي إنَّ يكون الأصل إلاّ الأول. وأما أهل الحجاز فإنَّ اسم الدراهم والدنانير عندهم الناض، وإنّما يسمونه ناضا إذا تحول عينا بعد إنَّ كان متاعاً. ومن أمثالهم في كثرة ما يقدم به القادم قولهم: جاء فلان بالضح والريح. ومعنى الضح الشمس، أي جاء بمثل الشمس والريح في الكثرةز والعامة تقول جاء بالضيح والريح، وليس الضيح بشيء إنّما هو الضح وكذلك جاء ذكره في الحديث " لا بقعد أحدكم بين الضح والظل فانه مقعد الشيطان " ومن أمثالهم في الكثرة: عند فلان من المال عائرة عينز ومعناه إنّه من كثرته يملأ العين حتى يكاد يعورها، أي يفقأها، يقال: عرت عينه، كما يقال: عورتها. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المال قولهم: لفلان كحل ولفلان سواد. قال أبو عبيد: وكان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنّه يسمى سواداً للكثرة، وأما أنا فأحسبه سمى به للخضرة التي في النخل والشجر والزرع، لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد، فيوضع أحدهما في موضع الأخر، ومن ذلك قول الله

стр. 157

جل جلاله حين ذكر الجنتين فقال: " مدهامتان " هما في التفسير " الخضراوان " فوصفت الخضرة بالدهمة، وهي من سواد اللون، وقد وجدنا مثله في أشعارهم، وقال ذو الرمة: قد أقطع النازل المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم يريد بالأخضر الليل، سماه بهذا لظلمته وسواده، قال أبو عبيد: ومن أسماء المال عندهم النشب، يقال: فلان ذو نشب، ويقال ماله نشب، وكذلك العرض، بفتح العين والراء، وهو جميع أموال الناس، فأما العروض فالأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانا ولا عقاراً. ومن أسماء كثرة المال الدثر، ومنه الحديث المرفوع حين قيل له ﷺ : " ذهب أهل الدثور بالأجور " وكذلك الثروة والتراث. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في كثرة المال يأتي به الرجل قولهم: جاءهم بالطم والرم. باب استصلاح المال وما يؤمر به من ترك إضاعته . قال أبو عبيد: من أمثالهم في استصلاح المال قولهم: بق نعليك، وابذل قدميك. أي احمل على نفسك في استبقاء مالك، لئلا يرى الناس به خلة فتهون عليهم. ومنه قولهم:

стр. 158

لا جديد لمن لا خلق له. يقول صن خلقك ولا تضيعه، فإنَّ يكون إذا لبسته وقاية للجديد. وهذا المثل نحن نرويه عن عائشة أم المؤمنين، وقد كانت وهبت مالاً كثيراً، ثم أمرت بثوب لها أنَّ يرقع، وتمثلت بهذا المثل عند ذلك. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعنى قول أحيحة بن الجلاح: التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل. وكان أصل هذا إنّه دخل حائطا له، فرأى تمرة ساقطة، فتناولها، فعوتب في ذلك، فعندها قال هذه المقالة، وهو القائل: استغن أو مت ولا يغرك ذو شنب ... من أبن عم ولا عم ولا خال إني أقيم على الزوراء أعمرها ... إنَّ الحبيب إلى الإخوان ذو المال ومنه البيت السائر في العالم: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد ومن الحث على إصلاح المال حديث قيس بن عاصم المنقري في وصيته لوالده: " أفعلوا كذا

стр. 159

وكذا، وأكرموا الإبل، فإنَّ فيها مهر الكريمة، ورقوء الدم " يعني الديات التي تدفع بها القصاص والقود. ومن أمثالهم في إكرام المال قولهم: من ذهب ماله هان على أهله. ويروى عن رجل من أهل العلم إنّه مر به رجل من أهل الأموال، فتحرك له وأكرمه وأدناه، فقيل له بعد ذلك: أكنت لك إلى هذا حاجة؟ فقال: لا والله، ولكني رأيت المال مهيبا فهبته. أو قال: رأيت ذا المال مهيباً. باب عذر الرجل في إمساك ماله وترك الجود به . قال أبو عبيد: من أمثالهم في منع المال: الشحيح أعذر من الظالم. قال أبو عبيد: وهذا من أمثالهم في مبتذل عند العوام. وإنّما نراهم جعلوا له عذرا إذا كان استبقاؤه ماله ليصون به وجهه وعرضه عن مسألة الناس. ويقولن: فهذا ليس بمليم، إنّما هو تارك للتفضل، ولا عيب عليه في حفظ شيئه، إنّما تلزم اللائمة الآخذ مال غيره: وهذا كالمثل الذي لأكثم بن صبفي. رب لائم مليم . يقول: إنَّ الذي يلوم الممسك هو قد ألام في فعله، لا الحافظ لماله. ومن أمثالهم في المنع:

стр. 160

ليس كل حين احلب فأشرب. يقول: ليس كل حين أقول: أحلب فأشرب قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن سعيد بن خيبر، قاله في حديث سئل عنه. وقد يدخل في المال، وفي كل شيء يمنع. باب الجد يعطاه الإنسان في المال وغيره . قال الأصمعي: من أمثالهم في الجد: من حظك موضع حقك. قال: ومثله: من حظك نفاق أيمك. قال أبو عبيد: وهاتان الكلمتان ترويان في حديث مرفوع. والحظ هو الجد. ومعناه: إنّ مما وهب الله لعباده من الحظوظ أنَّ يعرف للرجل حقه فلا يبخسه، وإنَّ تنفق عنه أيمه فلا تبور عليه. ومن الحظ قولهم: لا جد إلاّ ما أقعص عنك ما تكره. أخبرني أبن الكلبي إنَّ قائله معاوية بن أبي سفيان، وذلك إنّه كان خاف أنَّ يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بالشام، فاشتكى عبد الرحمن، فسقاه المتطبب شربة خرقته. فعند ذلك قال معاوية: " لا جد إلاّ ما أقعص عنك ما تكره " وقال معاوية أيضاً حين بلغه أنَّ الأشتر سقى شربة عسل، فيها سم فمات، فقال:

стр. 161

إنَّ لله جنودا منها العسل. قال أبو زيد: ومن أمثالهم في الجدود قولهم: عارك بجد أو دع. يقول: إنَّ الغلبة إنّما هي بالجد، فمن لم يكن له ذلك شيء فليدعه. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر: عش بجد لا يضر ... ك نوك ما أعطيت جدا ومنه قولهم: جدك لا كدك. أي إنّما تنتفع بالجد لا بالكد من غير إنَّ نكون جدوداً ومن هذا قول الشاعر: هون عليك فأن الأمور ... بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها وهذا الشعر نرويه عن عمر بن الخطاب ﵁ إنّه على المنبر، ثم ذكر ما كان من شانه في الجاهلية من شدة الحال، وما صار إليه في الإسلام من الخلافة. ومنه قولهم: هون عليك ولا تولع بإشفاق. عن أبي عبيدة: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في

стр. 162

نحو هذا قولهم: رزق الله لأكدك. أي أتاك الأمر من الله لا من أسباب الناس. قال أبو الحسن: أخبرني بعض أهل الشام إنَّ الحسن البصري قال في مجلسه: إنَّ من جنود الله الزبد، فسمع رجل ذلك، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته كالمستهزئ: سمعت الحسن يقول: إنَّ من جنود الله الزبد، فأطعميني زبداً، فأطعمته إياه فغص به فمات. باب المال يتلف للرجل فيفيد به عقلاً . قال أبو عبيد: من أمثالهم: خير مالك ما نفعك. قال أبو عبيد: والعامة تذهب بهذا المثل إلى إنَّ خير المال ما أنفقه صاحبه في حياته، ولم يخلفه بعده. وكان أبو عبيدة يتأوله في المال يضيع للرجل فيكسب به عقلا يتأدب به في حائط ماله لمّا يستقبل. وهذا كالمثل الذي يحكى عن أكثم بن صيفي: لم يضع من مالك ما وعظك باب المال يضيعه من لم يكسبه أو يسعى فيه لغيره . الأصمعي: من أمثالهم: ليس عليك نسجه فاسحب وجر. أي انك لم تعن فيه، فأنت تفسده. قال أبو عبيد: ومثل العامة في اكتساب المرء المال لغيره قولهم:

стр. 163

رب ساعٍ لقاعدٍ. باب عناية الرجل بماله دون عناية غيره . قال أبو عبيد: من أمثالهم: ملك ذا أمر أمره. كقولهم: ولي مال ربه. أي إنّه هو المعني به دون

стр. 164

غيره. وقال الأصمعي في مثل هذا: أدرك أرباب النعم. أي جاء من له عناية واهتمام بالأمر. وقال أبو عبيدة في نحو هذا: لبث رويدا يلحق الداريون ... أهل الجباب البدن المكفيون قال: والداري هو رب النعم، وإنّما سماه دارياً لأنه ميم في داره، فنسب إليها، ويقول: فهو رب المال، فاهتمامه بأبله اشد من اهتمام الراعي الذي ليس بمالك له. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم: أهل القتيل يلونه. قال أبو عبيد: معناه انهم أشد بأمره عناية من غيرهم، وهو ليس من الأول بعينه، ولكن قريب منه. باب صيانة الحر نفسه عن خسيس مكاسب المال قال أبو عبيدة: من أمثال أكثم بن صيفي: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها. قال أبو عبيد: وهذا مثل قديم، ولكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: " لا تأكل ثديها ". وكان بعض العلماء يقول: وليس هذا بشيء، إنّما هو "

стр. 165

بثديها " ومعناه عندهم الرضاع، ويقول: لا تكون بئرا لقوم على جعل تأخذه منهم. يضرب للرجل تصيبه الخلة والفقر، وهو في ذلك لا يتعرض لمّا يدنسه من المكاسب. وذكر بعض أهل العلم إنَّ المثل للحارث ليس السليل الأسدي، قاله لامرأته ريا بنت علقمة الطائي، وكان شيخا كبيراً، فنظرت يوما إلى فتية شباب، فتنفست الصعداء ألا تكون امرأة أحدهم، فعندها قال لها الحارث: ثكلتك أمك، وقد تجوع الحرة ولا تأكل ثديها. قال أبو عبيد: فإنَّ كان الأصل على هذا الحديث فهو على المثل السائر " لا تأكل ثدييها ". قال الزبير: وهي التي تقول: مالي وللشيوخ: الناهضين كالفروخ. ومن أمثالهم في هذا: سوء حمل الفاقة يضع الشرف. يقول: إنّه إذا تعرض للمطالب الدنية حط ذلك من شرفه. وقال: أوس بن حارثة لابنه مالك فيما يوصيه به: يا مالك " المنية ولا الدنية و" شر الفقر الخضوع، وخير الغنى

стр. 166

القنوع " قال أبو عبيد: وقال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وهذا البيت يقول بعضهم: إنّه لعثمان بن عفان. وقال بعضهم: لغيره. باب المال يملكه من لا يستجوبه . أبو زيد الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: عبد وخلى في يديه. قال أبو عبيدة: ويقال في نحو منه: عبد الملك عبداً. وقال أبو زيد: فإذا أعطى وهو على هذا قيل: أتاك ريان بلبنه. يقول: إنّه لم يعطك من جود ولا كرم، ولكن لكثرة ما عنده. ويقال في بعض أمثالهم. كل ذات ذيل تخال . يضرب لذي المال الكثير، ينفق مالاُ يحتاج إليه، وإنّما يفعله للثراء. ومثله: من يطل ذيله ينتطق به. قال الأصمعي: ومن أمثالهم:

стр. 167

خرقاء وجدت صوفاً. يضرب للأحمق يصيب مالا فيضعه في غي موضعه. باب احتفاظ الرجل بالعلق الكريم يفيده من المال أو يكون عنده المال ولا أحد له. قال الأصمعي في هذا: استكرمت فاربط. قال: يقال ذلك لمن أفاد شيئاً يغبط به. أي انك اتخذته كريماً فاشدد يديك به. وقال أبو عبيدة في المال الكثير يكون للرجل، وليس عنده من ينفقه عليه فيقال في هذا: مرعى ولا أكولة. قال: ومثله قولهم: عشب ولا بعير. قال: وقد يوضع هذان المثلان في الخصب الذي يغفله الناس ولا يشعرون به. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشيء يحث صاحبه على التمسك به قولهم: اشدد يديك بغرزه. باب اكتساب المال والحث عليه . قال أبو عبيد: من أمثالهم: اطلب تظفر ومنه قولهم: ألق دلوك في الدلاء.

стр. 168

ومنه قول الشاعر: وليس الرزق عن طلب حثيثٍ ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجئك بملئها طورا وطوراً ... تجئك بحمأةٍ وقيل ماء ومن الحث عليه قول أكثم بن صيفي: من ضعف عن سبه أتكل على زاد غيره. وقال أيضاً: من العجز والتواني نتجت الفاقة. ومنه قولهم: ملب عس خير من كلب ربض. عن الأصمعي. وقال أيضاً: ومنه قولهم: يا حرزي وأبتغي النوافلا. أي أدركت ما أريد، وأنا ابتغي الزيادة. قال: ومثله قولهم: كلاهما وتمراً. أي كلاهما إلىًّ، وأريد تمراً. قال الأصمعي: ومن الطلب قولهم:

стр. 169

أحلب حلباً لك شطره. ومثله: شب شوبا لك بعضه. ومن أمثالهم في المال قولهم: في وجه المال تعرف إمرته. يعني كثرته وزيادته ونقصه بسم الله الرحمن الرحيم ذكر الأمثال في العلم والمعرفة باب المثل في معرفة الأخبار وصحتها قال الأصمعي: من أمثال العرب في معرفة الأخبار قولهم: عند جفينة الخبر اليقين. قال الأصمعي: واصله أنَّ جفينه هذا كان عنده علم رجل مقتول، وفيه يقول الشاعر: تسائل عن أبيها كل ركبٍ ... وعند جفينه الخبر اليقين قال فسألوا جفينه فأخبرهم خبر القتيل. قال أبو عبيد: كل هذا قول الأصمعي. وأما هشام أبن الكلبي فأخبرني إنّه جهينة، قال: وكان من حديثه أنَّ حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب خرج

стр. 170

ومعه رجل من جهينة يقال له الأخنس، فنزلا منزلا، فقام الجهني إلى الكلابي فقتله وأخذ ماله، فكانت أخته صخرة بنت عمرو تبكيه في المواسم، فقال الأخنس الجهني فيها: كصخرة إذ تسائل في مراحٍ ... وفي جرمٍ وعلمها ظنون تسأل عن حصيل كل راكب ... وعند جهينة الخبر ليقين قال: ومراح حي من قضاعة. قال أبو عبيد: كان ابن الكلبي في هذا النوع من العلم أكثر من الأصمعي. وقال أبو زَيد: ومن أمثالهم في الخبرة والعلم قولهم: أنا غريرك من هذا الأمر. أي اغترني فسلني منه على غرة. قال أبو عبيد: معناه إني به عالم، فمتى سألتني عنه أخبرتك به من غير استعداد لذلك ولا روية فيه. وقال الأصمعي: في هذا المثل: معناه انك لست بمغرور مني، ولكني أنا المغرور، وذلك إنّه بلغني خبر كان باطلاً فأخبرتك به. ولم يكن على ما قلت لك. وإنّما أديت إليك ما سمعت. وقال الأصمعي: من أمثالهم في الخبرة: كفى قوما بصاحبهم خبيرا. أي كل قوم أعلم بصاحبهم من غيرهم. ومثله قولهم: لكل الناس في بعيرهم خبر. ومثله: أتعلمني بضب أنا حرشته! يقول:

стр. 171

أتخبرني بأمر أنا وليته! قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعرفة والعلم قولهم: أنا أبن بجدتها. واصله الرجل يكون هادياً خريتاً بلارض، ثم صار مثلا لكل عارف ماهر. ومثل العامة في نحو هذا قولهم: أنت اعلم أم من غص بها. معناه أنَّ الغاص بلقمة أخبر بها من غيره. وفي بعض الحديث: ليس الخبر كالعيان. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: على هذا دار القمقم. أي إلى هذا صار معنى الخبر. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: على يدي دار الحديث. إذا كان خبيراً بالأمر، وهذا المثل يروى عن جابر بن عبد الله أنه يكلم به في حديث المتعة. باب الحذق بالأمر وحسن المعاناة لها قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحذق بالأمر والترفق فيه قولهم: أنا منه كحاقن الإهالة. قال: والإهالة: الودك المذاب. وليس يحقنها الحاذق بها

стр. 172

حتى يعلم أنّها قد بردت، لءلا تحرق السقاء. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: أعط القوس باريها. أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق له. ومن هذا كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص " أن شاور عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد في حربك، ولا تستعن بهما في غير ذلك، فإنَّ كل قوم أعلم بصناعتهم " وقال أبو عبيدة في نحوه: الخيل أعلم بفرسانها. قال أبو عبيد: يعني أنها قد اختبرت ركابها، فهي تعرف الأكفل من أهل الفروسية قال: والذي يراد منه أن يقول: استعن بمن يعرف الأمر، ودع من لا يعرفه. قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: المرء يعجز لا المحالة. يقول: إنما يجيء الجهل من الناس فأما العلم والحيل فكثيرة. أبو زيد قال: يقال: لا تعدم صناع ثلةً. والثلة: الصوف تغزلة المرأة. يضرب للرجل الصنع الحاذق ومن أمثالهم في المعرفة وحمدهم إياها قولهم:

стр. 173

قتل أرضاً عالمُها، وقتلت أرضٌ جاهلها باب استخبار عن عام الشيء ومعرفته قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الاستخبار قولهم: ما وراءك يا عصام؟ قال أبو عبيد: يقال: إنَّ المتكلم به النابغة الذبياني، قاله لعصام بن شهبر الجرمي حاجب النعمان، وكان مريضاً، فسأل النابغة عصاما عن النعمان. قال أبو عبيد: وإذا أخبر الرجل بالخبر من غير استخبار ولا ذكر كان لذلك قيل: فعل كذا وكذا. قبل عير وما جرى . وهذا مثل مبتذل في الناس. وإذا عاجل الرجل بالمسألة والاستخبار قبل أوانه قيل:

стр. 174

إليك يساق الحديث. وهذا مثل قد ابتذلته العامة. ومن أمثالهم السائرة في قديم الدهر وحديثه قول الشاعر: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. وقد روينا في حديث مرفوع أنه تمثل به) فقال: " ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". قال أبو عبيدة وغيره: من أمثالهم في الخبرة قولهم: على الخبير سقطت. قال أبو عبيد: يقال: إن المثل لمالك بن جبير العامري، وكان من حكماء العرب. وبه تمثل الفرزدق للحسين بن علي ﵇ حين أقبل يريد العراق، فلقيه يريد الحجاز، فقال له الحسين: ما وراءك؟ فقال: " على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميه، والأمر ينزل من السماء " فقال له الحسين: " صدقتني " باب الانتهاء إلى غاية العلم بالأمور وتضييع العلم قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا أن يقال: قد بلغ فلان في العلم أطوريه. بكسر الراء، أي بلغ أقصاه. وقال أبو زَيد:

стр. 175

بكسر الراء، وقال: وسمعت غيره من علمائنا يقول: " أطوريه " بفتح الراء. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العلم: إنَّ العلم كالحمة، يأتيها البعداء، ويزهد فيها القرباء. وقال بعضهم: أزهد الناس في العلم أهله. ويقال: " جاره " ومن أمثالهم: إذا زل العالِم زل بزلته عالَمٌ. باب ادعاء الرجل علماً لا يحسنه الأصمعي قال: من أمثالهم في نحو هذا: يا طبيب طب لنفسك. ويقال: طب نفسك. قال الأحمر: وقد يقال في بعض هذا:

стр. 176

خرقاء ذات نيقةٍ. يضرب للرجل الجاهل بالأمر، وهو مع جهله يدعي المعرفة، ويتأنق في الإدارة. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في نحوه: كفى بالشك جهلاً. يقول: إذا كنت شاكاً في الحق أنه حق فذلك جهل. الأصمعي قال: ومن أمثالهم: لا تعظيني وتعظعظي. أي لا توصيني وأوصي نفسك. باب انتحال الرجل العلم وليست عنده أداته قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: كالحادي وليس له بعير قال: ومثله: عاطٍ بغير أنواطٍ. قال: والعاطي: المتناول، يقال منه: عطوت أعطو، إذا تناولت الشيء. والأنواط: كل شيء معلق، واحدها نوط، يقول: فهذا يتناول، وليس هناك معاليق. ومثله: إنباض بغير توتير. يقول: إنّه ينبض القوس من غير أن يوترها. ومثله:

стр. 177

تجشأ لقمان من غير شبع. كل هذا عن الأصمعي. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قوله: وهل ينهض البازي بغير جناح. هذا المثل قد يقال هاهنا، ويقال في قلة الأعوان والناصرين. ومن أمثالهم: كالقابض على الماء. يقول: إنّه ليس بيده مما أخذ شيء باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: أفواهها مجاسها. وأصله أنَّ الإبل إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك عن معرفة سمنها وكان فيه غنى عن جسها، قال: ومثله: أراك بشر ما أحار مشفر. يضرب هذا للرجل ترى له حالاً حسنةً أو سيئةً، فيقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله. قال الأصمعي: ويقال في مثل هذا أو نحوه:

стр. 178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الأمثال التي في أهل الألباب والحزم وفي السلامة من الزلل والجهل باب المثل في السلامة في ترك الإنسان ما لا يعنيه قال أبو عبيد: روينا عن النبي) أنه قال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". ويروى عن لقمان الحكيم أنه سئل: أي عملك أوثق في نفسك؟ فقال: تركي ما لا يعنيني. وكان من أمثال أكثم بن صيفي: الحزم في الأمور حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك؟ وأراد عيبه، فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال الأحنف بن قيس أيضاً: ما دخلت بين أثنين قط حتى يكونا هما يدخلاني في أمرهما، ولا أقمت من مجلس قط، ولا حجبت عن باب. يقول: لا أجلس إلاّ مجلسا أعلم أني لا أقام عن مثله، ولا اقف على باب أخاف أن أحجب عن صاحبه. باب الأخذ بالثقة والإحباط في الأمر قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحزم: عش ولا تغتر. وهذا المثل يروى عن أبن عباس وأبن عمر وأبن الزبير، وذلك أنَّ

стр. 179

رجلاً أتاهم فقال: كما لا ينفع مع الشرك عما كذلك لا يضر مع الإيمان ذنب، فكلهم قال له: " عش ولا تغتر " يقولون: لا تفرط في أعمال البر، وخذ في ذلك بأوثق الأمور فإذا كان الشأن هناك على ما ترجوه من الرخصة والسعة كان ما كسبت زيادة في الخير وإن كان على ما تخاف كنت قد احتطت لنفسك. وأصل هذا المثل فيما يقال، أنَّ رجلاً أراد أن يفوز بإبله عند الليل، وتأكل على عشب يجده هناك، فقيل له: عش إبلك، ولا تغتر بما لست على يقين نته، فصار مثلا لكل شيء يؤخذ فيه بالوثائق. وقال الأصمعي في مثله: أن ترد الماء بماءٍ أكيس. يقول: لأن يكون معك فضل ماء ترد به على ماء آخر خير من أن تفرط في حمله، ولعلك تهجم على غير ماء. وقال أبو زَيد في مثله: برد غداةٍ غر عبداً من ضمأ. وكان ذلك أنه خرج في برد النهار، ولم يتزود الماء لمّا رأى من روح أوّل النهار، فلما حميت عليه الشمس بالفلاة هلك عطشاً. ومثله قولهم: اشتر لنفسك وللسوق. يقول: اشتر ما إن أمسكته انتفعت به، وإن لم ترده نفق عليك في البيع. وفي بعض الحديث " إذا اشترى أحدكم بعيراً فليشتره عظيماً سميناً، فإن اخطأه الخبر لم يخطئه المنظر " قال أبو عبيد: ومن الأخذ بالثقة والحزم الحديث المرفوع حين قال له رجل: ألا أرسل ناقتي وأتوكل؟

стр. 180

قال: دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا. يقول: هيئه قبل حاجتك إليه. ويروى عن عائشة أنها ذكرت عمر فقالت: " كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها " وقد فسرها هذا في غريب الحديث. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: في بطن زهمان زاده. يقول: مع فلان عدته التي يحتاج إليها، وبتاته وما يصلحه. باب الحزم في تعجيل الفرار ممن لا يدا لك به ولا قوة عليه قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي في هذا: إن رمت المحاجرة فقبل المناجرة. ومنها قوله: التقدم قبل التندم. أي فانج بنفسك قبل لقاء ما لا قوام لك به. وقال الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل:
следующие страницы →