Полный текст (357 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
خرقاء ذات نيقةٍ.
يضرب للرجل الجاهل بالأمر، وهو مع جهله يدعي المعرفة، ويتأنق في الإدارة. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في نحوه: كفى بالشك جهلاً.
يقول: إذا كنت شاكاً في الحق أنه حق فذلك جهل. الأصمعي قال: ومن أمثالهم: لا تعظيني وتعظعظي.
أي لا توصيني وأوصي نفسك.
باب انتحال الرجل العلم وليست عنده أداته
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: كالحادي وليس له بعير قال: ومثله: عاطٍ بغير أنواطٍ. قال: والعاطي: المتناول، يقال منه: عطوت أعطو، إذا تناولت الشيء. والأنواط: كل شيء معلق، واحدها نوط، يقول: فهذا يتناول، وليس هناك معاليق. ومثله: إنباض بغير توتير.
يقول: إنّه ينبض القوس من غير أن يوترها. ومثله:
стр. 177
تجشأ لقمان من غير شبع.
كل هذا عن الأصمعي. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قوله: وهل ينهض البازي بغير جناح.
هذا المثل قد يقال هاهنا، ويقال في قلة الأعوان والناصرين. ومن أمثالهم: كالقابض على الماء.
يقول: إنّه ليس بيده مما أخذ شيء
باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: أفواهها مجاسها.
وأصله أنَّ الإبل إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك عن معرفة سمنها وكان فيه غنى عن جسها، قال: ومثله: أراك بشر ما أحار مشفر.
يضرب هذا للرجل ترى له حالاً حسنةً أو سيئةً، فيقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله. قال الأصمعي: ويقال في مثل هذا أو نحوه:
стр. 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر الأمثال التي في أهل الألباب والحزم
وفي السلامة من الزلل والجهل
باب المثل في السلامة في ترك الإنسان ما لا يعنيه
قال أبو عبيد: روينا عن النبي) أنه قال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
ويروى عن لقمان الحكيم أنه سئل: أي عملك أوثق في نفسك؟ فقال: تركي ما لا يعنيني. وكان من أمثال أكثم بن صيفي: الحزم في الأمور حفظ ما كلفت وترك ما كفيت.
وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك؟ وأراد عيبه، فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال الأحنف بن قيس أيضاً: ما دخلت بين أثنين قط حتى يكونا هما يدخلاني في أمرهما، ولا أقمت من مجلس قط، ولا حجبت عن باب. يقول: لا أجلس إلاّ مجلسا أعلم أني لا أقام عن مثله، ولا اقف على باب أخاف أن أحجب عن صاحبه.
باب الأخذ بالثقة والإحباط في الأمر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحزم: عش ولا تغتر.
وهذا المثل يروى عن أبن عباس وأبن عمر وأبن الزبير، وذلك أنَّ
стр. 179
رجلاً أتاهم فقال: كما لا ينفع مع الشرك عما كذلك لا يضر مع الإيمان ذنب، فكلهم قال له: " عش ولا تغتر " يقولون: لا تفرط في أعمال البر، وخذ في ذلك بأوثق الأمور فإذا كان الشأن هناك على ما ترجوه من الرخصة والسعة كان ما كسبت زيادة في الخير وإن كان على ما تخاف كنت قد احتطت لنفسك.
وأصل هذا المثل فيما يقال، أنَّ رجلاً أراد أن يفوز بإبله عند الليل، وتأكل على عشب يجده هناك، فقيل له: عش إبلك، ولا تغتر بما لست على يقين نته، فصار مثلا لكل شيء يؤخذ فيه بالوثائق. وقال الأصمعي في مثله: أن ترد الماء بماءٍ أكيس.
يقول: لأن يكون معك فضل ماء ترد به على ماء آخر خير من أن تفرط في حمله، ولعلك تهجم على غير ماء. وقال أبو زَيد في مثله: برد غداةٍ غر عبداً من ضمأ.
وكان ذلك أنه خرج في برد النهار، ولم يتزود الماء لمّا رأى من روح أوّل النهار، فلما حميت عليه الشمس بالفلاة هلك عطشاً. ومثله قولهم: اشتر لنفسك وللسوق.
يقول: اشتر ما إن أمسكته انتفعت به، وإن لم ترده نفق عليك في البيع. وفي بعض الحديث " إذا اشترى أحدكم بعيراً فليشتره عظيماً سميناً، فإن اخطأه الخبر لم يخطئه المنظر " قال أبو عبيد: ومن الأخذ بالثقة والحزم الحديث المرفوع حين قال له رجل: ألا أرسل ناقتي وأتوكل؟
стр. 180
قال: دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا.
يقول: هيئه قبل حاجتك إليه. ويروى عن عائشة أنها ذكرت عمر فقالت: " كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها " وقد فسرها هذا في غريب الحديث.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: في بطن زهمان زاده.
يقول: مع فلان عدته التي يحتاج إليها، وبتاته وما يصلحه.
باب الحزم في تعجيل الفرار ممن لا يدا لك به ولا قوة عليه
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي في هذا: إن رمت المحاجرة فقبل المناجرة.
ومنها قوله: التقدم قبل التندم. أي فانج بنفسك قبل لقاء ما لا قوام لك به.
وقال الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل:
стр. 181
يذكرني حاميم وارمح شجار ... فهلا تلا حاميم قبل التقدمِ!
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا النحو قولهم: الفرار بقراب أكيس.
وكان المفضل فيما حكي عنه، يحدث إنَّ المثل لجابر بن عمرو المازني، وذلك إنّه كان يسير يوما في الطريق إذ رأى أثر رجلين، وكان عائفاً أو قائفا، فقال: أرى آثار رجلين، شديد كلبهما، عزيز سلبهما، والفرار بقراب أكيسي، ثم مضى.
ومنه قول الشاعر:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس
باب النظر في العواقب وما فيه من الأخذ بالثقة
قال الأصمعي: من أمثالهم في ذلك: رويد الشعر يغب، أي أنظر كيف عاقبة الشعر إذا جرى على الألسنة، وسارت به الرفاق في الذم والحمد. قال أبو عبيد: ويروى عن أبي حازم، وكان من الحكماء إنّه قال: ليس لملولٍ صديق، ولا لحسود غني، وانظر في العواقب تلقيح للعقول.
ومنه قولهم:
стр. 182
الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء.
قال أبو عبيد: يريد أنَّ الاقتصاد في الأمور أدنى إلى السلامة، وكذلك هذا المثل في الدين ومنه قول علي بن أبي طالب: خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي ومنه قول أبي موسى في حامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه. فالغالي فيه هو المفرط في اتباعه حتى يخرجه إلى إكفار الناس، مثل الخوارج، والجافي عنه: المضيع لحدوده، والمسخف به. ومثله قول مطرف بن الشخير: الحسنة بين سيئتين وخير الأمور أوساطها. وشر السير الحقحقة.
ومن أمثالهم في القصد بين الأمرين قولهم إذا سئل عن الشيء قال: بين الممخة والعجفاء.
باب الإنابة بعد الاجترام وما في ذلك من الرشاد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عاد غيث على ما افسد.
يضرب للرجل يحسن بعد الإساءة. ومن أمثال أكثم بن صيفي:
стр. 183
أقصر لمّا أبصر.
ومنه الحديث المأثور: التائت من الذنب كمن لا ذنب له.
ومثله: اتبع السيئة الحسنة تمحها. وكذلك قوله: الندم توبة.
باب حذر الإنسان على نفسه ومدافعته عنها
قال الأصمعي: يقال في مثل هذا: جاحش فلان عن خيط رقبته.
أي دافع عن دمه. وخيط رقبته: نخاعه. قال الأصمعي: ومثله قولهم: عن ظهرها تحل وقرا.
قال: وكذلك قولهم: حلأت حالئه عن كوعها. قال الأصمعي: وأصله أنَّ تحلا المرأة الأديم، وهو نزع تحلئه، يعني باطنه، فإنَّ هي رفقت سلمت، وإنَّ خرقت أخطأت فقطعت بالشفرة كوعها. وقال أبو عبيد: وروى عن بعض الماضين، ومثال فيه دعابة، فقيل له: انك لتنطب القول في نفسك، فقال: فإلي من أكلها؟! الذي ادفع عن نفسي إذا لم يكن عنها دافع.
стр. 184
باب الحذر من الانفراد في الأمور وما يكره من الاستبداد بها
قال أبو عبيد: يقال: الذئب خالياً اشد.
يقول إذا وجدك الذئب خاليا كان أجرأ له عليك، فلا تفعل ذلك. قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا المثل في الدين أيضاً، ومنه حديث يروى عن معاذ إنّه قال: عليكم بالجماعة، فإنَّ الذئب إنّما يصب من الغنم الشاذة القاصية. قال أبو عبيد: فصار المثل في أمر الدين والدنيا. يضرب لكل متواحد برأيه وبدينه أو بسفره، ومنه حديث عمر " لا يسافر أقل من ثلاثة، فإنَّ مات واحد وليه اثنان. والواحد شيطان، والاثنان شيطانان "
باب المحاذرة للرجل من الشيء قد ابتلى مثله مرة .
قال أبو عبيد: روينا عن النبي ﷺ في حديث مرفوع: " لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ".
وتأويله عندنا إنّه ينبغي له إذا نكب من وجهه ألا يعود لمثله. ومن أمثالهم في نحو هذا: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع.
وأصله الرجل يمشي في الوقع، وهي الحجارة، حافيا فيصيبه الوجى، وفهو يحاذر على رجليه من كل شيء ينكبها، ومنه قول الشاعر:
стр. 185
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من أستها لا تنقطع
كأنَّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
يقول: فهو يتمنى نعلين وإن كانتا من جلد الضبع بعد أن ينجو من الحفا، قال أبو عبيد: ويقال في نحوه: من يشتري سيفي وهذا أثره.
يضرب للرجل يتقدم على الأمر الذي قد اختار وجرب. ويقول: إنَّ المثل للأغلب العجلي. ومثل العامة في هذا الباب قولهم: من نهشته الحية حذر الرسن.
باب الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.
أي أطع من يأمرك بما فيه رشادك وصلاحك وإن كان يبكيك، ويثقل عليك، ولا تطع من يأمرك بما تهوى، ويضحكك بما فيه شينك. قال أبو عبيد: ومن ذمهم الهوى قولهم:
стр. 186
حبك الشيء يعمي ويصم.
وهذا المثل يروى عن أبي الدرداء. ومن حديث أبن عباس " ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلاّ ذمه " وقول الشعبي: إنّما سمي هوى لأنّه يهوي بصاحبه. وقال بعض الحكماء: إذا أشكل عليك أمران فلم تدر أيهما أدنى إلى الصواب والسداد فأنظر أثقلهما عليك فاتبعه ودع الذي تهوى، فانك لا تدري لعل الهوى هو الذي زينه في قلبك، وحسنه عندك.
باب التحذير من المعايب والشين في صحبة من تكره
قال أبو زَيد: من أمثالهم في التحذير قولهم: اتق الصبيان لا تصبك باعقائها.
يضرب للرجل تحذره ممن تكره له مصاحبته. وأصل الأعقاء أوّل ما يخرج من بطن المولود حين يولد، وأحدها عقي. وقال مؤرخ: ومن أمثالهم في هذا قولهم: نزو الفرار استجهل الفرارا.
قال: وهو ولد بقر الوحش يقال له: فرير وفرار، مثل: طويل وطوال، فإذا شب وجدل وقوي أخذ في النزوان فمتى رآه غيره نزا لنزوه. يضرب هذا لمن تتقى مصاحبته. يقول: انك إذا صحبته فعلت فعله. قال الأحمر: ومن أمثالهم في كراهة المعايب قولهم:
стр. 187
الملسى لا عهدة.
أي إنّه قد خرج من الأمر سالما، وانقضى عنه لا عليه ولا له. قال أبو عبيد: هذا المثل ليس من الأول بعينه، ولكنه نحو منه.
باب التحذير من الأمر يخاف فيه العطب
قال الأصمعي: من أمثالهم في التحذير قولهم: أعور عينيك والحجر.
قال: واصله إنَّ الأعور إذا فقئت عينه الصحيحة بقي لا يبصر، فهو أحق بالحذر من غيره. قال: وقد يقال في الرجل الموصوف بالحذر: العير أوقى لدمه.
واصله أنّه ليس شيء من الصيد اشد حذرا إذا طلب صيده من العير وهو الحمار الوحشي. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير من الأمرين يخافان قولهم: الليل وأهضام الوادي.
واصله أن يسير الرجل في بطون الأودية. يقول:
стр. 188
فأحذر فانك لا تدري لعل هناك من لا يؤمن اغتياله.
وقد يقال بالرفع. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير مما يخاف قولهم: إنَّ السلامة منها ترك ما فيها.
ومثله قولهم: اتق خيرها بشرها، وشرها بخيرها. ويروى هذا المثل عن عبد الله بن عمر إنه قال في اللقطة أو الضالة توجد يقول: دعها ولا تعرض لأخذها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير: لا تراهن على الصعبة.
وكان المفضل يحكي هذا المثل عن الحطيئة الشاعر وهو القائل عند موته: ويل للشعر من رواة السوء.
ومن أمثالهم في التحذير قولهم: قد اعذر من أنذر
стр. 189
باب الأمر بحسن التدبير والنهي عن الخرق فيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: وجه الحجر وجهة ماله.
ويقال " وجهة " بالرفع. أي دبر الأمر على وجهه الذي ينبغي أن توجهه عليه.
ومن هذا قولهم: اجر الأمور على أذلالها.
يقول: على وجوهها واستقامتها. وهذا الحرف يروى عن عبد الله بن مسعود في حديث طويل. ومن أمثالهم في هذا قولهم: ول حارها من تولى قارها.
وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب إنه قاله لعتبة بن غزوان، أو لأبي مسعود الأنصاري. ومن أمثالهم قولهم: السعيد من وعظ بغيرة.
وهذا يروى عن عبد الله بن مسعود في خطبته. وفي بعض الآثار.
стр. 190
الرفق يمن والخرق شؤم
ومن أمثالهم في حسن التدبير قولهم: قلب الأمر ظهر البطن وكذلك " ضرب وجه الأمر وعينيه " ومن أمثالهم في التحذير قولهم: رب أكلة تمنع أكلات.
أي فأحذر ذلك
باب الأخذ في الأمور بالمشورة والنظر
قال أبو عبيد: يروي في حديث مرفوع: ما هلك امرؤ عن مشورة.
ومن أمثال أكثم بن صيفي: أول الحزم المشورة ويروى عن عمر بن الخطاب: " الرجال ثلاثة، رجل ذو رأي وعقل، ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر، لا يأتمر رشدا، ولا يطيع
стр. 191
مرشدا ". وقال عمر بن الخطاب أيضاً: " شاور في أمرك الذين يخافون الله " وقال الحسن: " إنَّ الله ﵎ لم يأمر نبيه) بالمشورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنّما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل " وفي حديث آخر " إنه قيل له: ما الحزم؟ فقال: أن تستشير ذا رأي ثم تتبع أمره ".
بسم الله الرحمن الرجيم
ذكر الحوائج وما فيها من الأمثال
باب مثل الإعذار في طلب الحاجة وما يحمد عليه أهله من ذلك
قال أبو عبيد: قال أبن الكلبي وغيره: ومن أمثالهم في هذا قولهم: افعل كذا وكذا وخلاك ذمٍ.
يقول: إنّما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر لكي لا تذم فيها وإن لم تقض الحاجة. قال: وهذا المثل لقصير بن سعد اللخمي، قاله لعمر بن عدي حين أمره أن يطلب الزباء بثأر خاله جذيمة بن مالك، فقال: أخاف أن لا أقدر عليها، فقال: أطلب الأمر وخلاك ذم، فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى قول الشاعر، ويقول: إنه لعروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
стр. 192
وقال بعض الحكماء: إني لأسعى في الحاجة وإني منها ليائس، وذلك للأعذار، لئلا أرجع على نفسي بلوم. وقال أيضاً: صيدك لا تحرمنه.
يضرب للذي يحض على انتهاز الحاجة إذا أمكنته
باب الجد في طلب الحاجة وترك التفريط فيها
قال أبو عبيد: يروى عن أبجر بن جابر العجلي أنه قال فيما أوصى به ابنه حجارا: يا بنيٍ، إياك والسآمة في طلب الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها.
فص ومن أمثالهم في قولهم: ليس لهناء بالدس.
يضرب للرجل لا يبالغ في الطلب. واصله أن يجرب البعير في أرفاغه وآباطه، فإذا هنئت تلك المواضع منه قيل: قد دس دسا. يقول: فليس ذلك بشيء، وإنما الهناء أن تهنأ الجسد كله، فكذلك المبالغة في الحاجة والاستقصاء.
ومن أمثالهم إذا أمروا الرجل بالجد في الأمر قالوا: جمع له جراميزك.
قال أبو زَيد: ويقال في مثل هذا: قد ضرب عليه جروته.
أي قد وطن عليه نفسه. قال الأصمعي: وكذلك قولهم: شد له حزيمه.
أي تشدد لذلك واستعد له. ومنه الحديث الذي يروى عن علي ﵇:
стр. 193
اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيكا
ومثله قولهم: قرع له ساقه.
يعني إذا قامت الحرب على ساقها قال أبو عبيدة: وكذلك قولهم: شمر ذيلا وادرع ليلا وكذلك يقولون: اتخذ الليل جملا.
قال ذلك الأصمعي. قال أبو عبيد: ولهذا قالوا: عند الصباح يحمد القوم السرى.
وهذا المثل يقال: إنه للأغلب العجلي، ويقال: لغيره. ومعناه أنهم يدأبون في ليلهم بالسهر ة الإسآد، فإذا اصبحوا وقد طووا البعد حمدوا ذلك حينئذ. وهذا قد يضرب لأمور الدنيا والآخرة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم:
стр. 194
خذ كذا وكذا ولو بقرطي مارية.
قال: وهي أم ولد جفنة. قال أبو عبيد: يضرب للرجل يقال له: لا يفوتنك الأمر. وكذلك قول العامة: جئ به من حيث وليس قال أبو عبيد: وهذان المثلان يتكلم بهما العوام من الناس. ومثله قولهم: إيت به من حسك وبسك.
قال الأصمعي: فيما أظن: من أمثالهم في الاعزام على الحاجة قولهم: جاء فلان وفي رأسه خطة.
أي جاء وفي نفسه حاجة قد عزم عليها. والعامة تقول " وفي رأسه خطة " وكلام العرب هو الأول
باب التأني في طلب الحاجة وترك الخرق فيها
قال أبو زَيد: من أمثالهم في التلبث والتأني قولهم: رُبَّ عجلة تهب ريثاً.
يضرب للرجل يشيد حرصه على حاجته، ويخرق فيها حتى تذهب كلها. واصله أن الرجل يعمل الحقحقة في سيره حتى تعطب راحلته في بعض الطريق، فيصير منها إلى طول المكث عن حاجته. وهذا هو الذي روى فيه الحديث:
стр. 195
إنَّ منبت لا أرضاً، ولا ظهرا أبقى.
وكذلك قوله: إذا أراد أحدكم أمراً فعليه فيه بالتودة.
ومن هذا المعنى قول القطامي:
قد سيدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون المستعجل الزلل
قال الأصمعي: ومنه قولهم: ضح رويدا.
أي لا تعجل في الأمر. وقال زيد الخيل الطائي في ذلك:
فول أنَّ نصراً أصلحت ذات بينها ... لضحت رويدا عن مطالبها عمرو
قال أبو عبيد: وهما حيان من بني أسد، نصر وعمرو ابنا قعين. ومن أمثالهم في التأني قولهم: الرشف انقع.
يعني أنَّ الشراب الذي يرتشف رويدا أقطع للعطش وأنجع، وإنَّ كان فيه بطئ. قال الأصمعي: ومنه قولهم:
стр. 196
رويد الغزو يتمزق.
قال: وهو مثل امرأة كانت تغزو، فحبلت، فذكروا لها فقالت هذه المقالة. أي انتظروا الولادة. قال المفضل: وهي رقاش الكنانية، وعرف حديثها. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم: إنَّ الليل طويل وأنت مقمر.
وكان المفضل أيضاً يحكيه عن السليك بن سلكة السعدي، ثن أحد بني مقاعس، وذلك إنّه كان نائما مشتملا، فبينما هو كذلك إذ جثم رجل على صدره، ثم قال أبو عبيد: أستأسر: فقال له سليك: " إنَّ الليل طويل وأنت مقمر " فأرسلها مثلاً معناه: اصبر على حاجتك حتى تصبح، ثم سألني إنَّ استأسر.
باب مطلب الحاجة المتعذرة .
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم إذ طلب الرجل من صاحبه حاجة عسيرة قولهم: تسألني برامتين سلجماً.
واصله إنَّ امرأة تشهت على زوجها هنالك السلجم،
стр. 197
وهما بالبلاد السباسب المقفرة، فعندها قال هذا. ومن أمثالهم في نحوه: شر ما رام امرؤ ما لم ينل.
وهذا المثل للأغلب العجلي في شعره. ومنه المثل السائر في العامة قولهم: من سأل صاحبه فوق طاقته استوجب الحرمان.
باب قناعة الرجل ببعض حاجته دون بعض
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: ليس الرأي عن التشاف: أي ليس قضاؤك الحاجة ألا تدع منها قليلا ولا كثيرا إلاّ نلته، إذا أخذت معظمها فاقنع به. قال: وأصل التشاف إنَّ يشرب الرجل الشفافة كلها، وهي بقية الماء في الإناء، يقول: فقد يروى الشارب قبل بلوغ تلك الحاجة. قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: لم يحرم من فصد له.
وهو نحو الأول. يقال: انهم كانوا إذا لم يقدروا على قرى الضيف فصدعوا له بعيراً، ثم عولج دمه بشيء حتى سمكن إنَّ يأكلوه قال أبو زيد: ومن هذا قولهم: الجحش لمّا بذك الاعيار.
واصله إنَّ يقول: اقتصر على الجحش فصده إذا
стр. 198
أعياك البعير، فكذلك الحاجة أيضاً، أرض منها بالدون إذا فاتك عظمها. قال أبو زيد: ومثله: قد تبلغ القطوف الوساع.
وكذلك: قد يبلغ الخضم القضم.
وكذلك قولهم: " يركب الصعب من لا دلول له ". ومن أمثال نسائهم في هذا قولهم: روج من عودٍ خير من القعود.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: الثيب عجالة الراكب.
قال أبو عبيد: كل هذا في الحض على الرضا بيسير
стр. 199
الحاجة إذا أعوزه جليلها. قال أبو عبيد: وكان الكسائي يحكي عنهم قولهم: خذ ما طف لك وما استطف لك.
أي أرض بما أمكنك منه، وهو نحو قولهم: خذ من فلان العفو.
يقول: ما جاءك عفوا من غير كد ولا إلحاح فاقبله، وما تعذر عليك فدعه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: خذ ما يقطع البطحاء.
واصله في الماشية، يقول: خذ منها ما كان عنده من بقية النفس ما يقطع البطحاء ومعناه: خذ من الأمر ما تماسك إذا كان فيه أدنى مساك. ومثل العامة في هذا قولهم: إذا لم يكن ما تريد فأراد ما يكون.
ومثله: خذ من جذع ما أعطاك.
وفيه تفسير غير ذلك قد ذكرناه في باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل. قال الزبير: مثله: خذ من الرضفة ما عليها.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: أرض من المركب بالتعليق.
أي من الأمر بدون تمامه. وأصله في الركوب، يقال للرجل قد تعلق بعقبه يركبها، ويقول: فإنَّ لم تقدر على الركوب التأم فتعلق بعقبة أو نحوها.
стр. 200
باب النقية في الحاجة واحتمال التعب فيها
قال الأحمر: من أمثالهم في تحسين الحاجة والتنوق فيها قولهم: أصنعه صنعة من طب لمن حب.
أي صنعة حاذق لمن يحبه. وقال الأصمعي في نحو من هذا، وليس هو من ذلك بعينه: الحسن أحمر.
قال أبو عبيد: وأحسبه إنّما يعني إنّه من أراد الحسن والجمال صبر على أذاه ومشقته في الحمل على البدن والمال من طلب المهيئة، وذلك قولهم: " الموت الأحمر " ومنه قول علي ﵁: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، فلم يكن منا أحد اقرب إلى العدو منه. وقال أبو زبيد الطائي يذكر الأسد يفترس الرجل:
إذا علقت قرنا خطاطيف كفه ... رأى الموت بالعين أسود أحمراً
ومن أمثالهم في شدة الحرص على الحاجة قولهم: جاء تضب لثته ولثاته على كذا وكذا.
ومنه قول بشير بن أبي حازم:
وبني تميم قد لقينا منهم ... خيلا تضب لثاثها للمغنم
стр. 201
باب إتمام قضاء الحاجة والحث على ذلك
قال أبو عبيد: إذا قضيت الحاجة إلاّ أقلها فأرادوا إتمامها قالوا: أتبع الفرس لجامها.
قال أبو عبيد: أرى معناه انك قد حدثت بالفرس، واللجام أيسر خبطاً، فأتم الحاجة كلها، كما إنَّ الفرس لا غنى بها عن اللجام. وكان المفضل يذكر إنَّ المثل لعمرو بن ثعلبة الكلبي أخي عدي بن جانب. وكان ضرار بن عمرو الضبي قد أغار عليهم، فسبى يومئذ سلمى ابنة وائل الصائغ وكانت يومئذ أمة لعمرو بن ثعلبة، وهي أم النعمان بن المنذر، فمضى بها ضرار مع ما غنم، فأدركه عمرو بن ثعلبة، وكان له صديقاً، يقال أنشدك الإخاء والمودة إلاّ رددت على أهلي، فجعل يرد شيئاً فشيئاً حتى بقيت سلمى، وكانت قد أعجبت ضراراً، فأبى أنَّ يردها، فقال عمرو: يا ضرار، اتبع الفرس لجامها، فأرسلها مثلاً، وردها عليه ضرار. قال: ويقال في نحو منه: تمام الربيع الصيف.
وأصله في المطر، فالربيع أوله، والصيف الذي يأتي بعده، فيقول: إنّما الحاجة أنَّ تكون بكمالها، كما أن الربيع لا يكون تمامه إلاّ بالصيف. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في تمام الحاجة قولهم: آخرها أقلها شرباً.
يقال: إنَّ أقل الحاجة ما بقي منها. وقد يضرب هذا المثل في غير هذا المعنى أيضاً.
باب تعجيل الحاجة وسرعة قضائها .
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في تعجيل قضاء الحاجة قولهم:
стр. 202
اللقوح الربعية مال وطعام.
قال أبو عبيد: وأصل هذا في الإبل، وذلك إنَّ اللقوح هي ذات الدر، والربعية هي التي تنتج في أوّل النتاج، فأرادوا أنها تكون طعاما لأهلها، يعيشون بلبنها لسرعة نتاجها، وهي مع هذا مال. ومن أمثالهم في التعجيل قولهم: النفس مولعة بحب العاجل.
وهذا المثل لجرير بن الخطفي في شعر له. ومن أمثالهم في مثله قولهم: السراح مع النجاح.
حكاها الأصمعي. قال: ومعناها: سرح لي أمري فإن ذلك مما ينجح حاجتي. وقال غيره: هو الرجل لا يريد قضاء حاجة صاحبه، فينبغي له إنَّ يوئسه منها، ولا يدعه يصيل الاختلاف إليه باطلاً، ثم يصير إلى اليأس بعد التعب والعناء.
باب إدراك الحاجة بلا تعب ولا مشقة .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: أوردها سعد وسعد مشتمل.
يعني إنّه اورد أبله شريعة الماء، ولم يوردها على بئر يحتاج إلى الاستقاء لها، فيعتني فيها ويتعب، ولكنه اشتمل بكسائه ونام وإبله في الورد. ومثله قولهم: أهون السقي التشريع.
يعني إنَّ يوردها الشريعة. يضرب هذا المثل للذي ينال
стр. 203
حاجته من غير عناء ولا مشقة. وهذا قول الأصمعي. وكان غيره من العلماء يتأوله على غير هذا الوجه. وقد فسرناه في غريب الحديث. ومن تسهيل الحاجة قولهم: هذا على طرف الثمام.
وقال أبو عبيد: وذلك لأن الثمام لا يطول فيشق على المتناول ومنه قولهم: كلا جانبي هرشى لهن طريق.
يضرب إذا سهل الأمر من وجهين. قال الأصمعي: ويقال في مثله: وهو على حبل ذراعك.
أي لا يخالفك. وحبل الذراع: عرق في اليد
باب طالب الحاجة يسألها فيمنعها فيطلب غيرها .
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا:
стр. 204
إلاّ دهٍ فلا دهٍ.
يضرب للرجل يقول: أريد كذا وكذا، فإنَّ قيل له: ليس يمكن ذلك قال: فكذا وكذا. قال أبو عبيد بعض هذا الكلام، وليس كله عنه. وقد كان أبن الكلبي يخبر عن بعض الكهان إنّه سافر إليه رجلان من العرب فقالا: أخبرنا في أي شيء جئناك؟ فقال: في كذا وكذا، فقالا: إلاّ دهٍ، أي أنظر غير هذا النظر، فقال: إلاّ دهٍ فلا دهٍ، ثم أخبرهما بها. ومعناه: إنَّ لم يكن كذا وكذا فهو كذا، وقال روبة في شعره: وقول إلاّ دهٍ فلا دهٍ قال الأصمعي: معناه: إنَّ لم يكن هذا الأن فلا يكون بعد الآن. الأصمعي: ولا أدري ما أصله. ومن هذا المعنى قولهم: لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا.
أي إنّه لا يدع حاجة إلاّ سأل أخرى. وأصل ذلك في الحرباء يشتد عليه حمى الشمس فيلجأ إلى شجرة فيستظل بساقها، فإذا زالت عنه تحول إلى أخرى قد أعدها لنفسه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أسق أخاك النمرى.
وهذا المثل لكعب بن مامة، وذلك إنّه سافر سفراً في حمارة
стр. 205
القيظ، فأعوزهم الماء إلاّ شيئاً يسيرا يقتسمونه بالحصاة. وكان مع كعب رجل من النمر بن قاسط، فكلما بلغت النوبة كعبا في الشرب نظر إليه النمري. فقال كعب للساقي: اسق أخاك النمري. ففعل ذلك مراراً، ونفذ الماء، فسقط كعب ميتاً عطشاً. فهذا يضرب لكل من طلب الشيء مراراً.
باب المصانعة بالمال في طلب الحاجة .
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: من ينكح الحسناء يعط مهراً.
أي من طلب حاجة يهتم بها طابت نفسه بالبذل فيها. وقال أبو عبيد: ومنه قولهم: من صانع المال لم يحتشم من طلب الحاجة.
ومنه قولهم: البضاعة تيسر الحاجة. ومنه قولهم: من اشترى اشتوى.
يقول: من اشترى بماله اشتوى. قال ذلك الأحمر في هذين المثلين.
قال أبو عبيد: قولهم: " اشتوى " يريد: شوى اللحم.
يقال: قد اشتوينا، أي شوينا اللحم، فإذا جعلوا الفعل للحم نفسه قالوا: انشوى بالنون. وهذا نحو قول العامة.
عمك خرجك .
وأصله فيما يقولون إنَّ رجلاً سافر مع عمه من غير زاد اتكالاً على ما
стр. 206
في خرج عمه من الطعام، فلما جاع قال: يا عم أطعمني مما في خرجك، فقال له هذه المقالة.
باب الحاجة تطلب فيحول دونها حائل .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: سد أبن بيض الطريق.
قال: يضرب للرجل يريد الأمر فيعرض دونه عارض قال الأصمعي: وأصله إنَّ رجلاً كان في الزمن الأول يقال له أبن بيض، عقر ناقة على ثنية فسد بها الطريق، فمنع الناس من سلوكها. وقال أبو عبيدة نحو قول الأصمعي. وأما المفضل فكان أحسنهم للحديث اقتصاصاً، قال: كان أبن بيض رجلاً من عاد، وكان تاجر مكثراً، وكان لقمان لن عاد يخفره في تجارته، ويجيزه على خرج يعطيه أبن بيض، يضعه له على ثنية، إلى إنَّ يأتي لقمان فيأخذه، فإذا أبصره لقمان وقد فعل ذلك قال: " سد أبن بيض الطريق " يقول: إنّه لم يجعل لي سبيلا على أهله وماله حين وفى لي بالعجل الذي سماه لي. فقال: ففيه يقو عمرو بن الأسود الطهوى:
سددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا
ومن أمثالهم في الحاجة يعوق دونها عائق قولهم: اخلف رويعا منظنه.
قال: وأصله إنَّ راعيا اعتاد مكانا يرعاه فجاء يوماً حال عن عهده، وفسد وتغير، قال الأصمعي: كلاماً هذا معناه. ومثله قولهم: قد علقت دلوك دلو أخرى.
أي قد دخل أمرك داخل، وأصل الرجل يدلي دلوه للاستقاء، فيرسل آخر دلوه أيضاً، فتعلق بالأولى حتى تمنع صاحبها أنَّ يستقي فيقول: قد عرض في
стр. 207
أمرك عارض، ومن أمثالهم أيضاً في الحاجة يعوق دونها عائق قولهم: الأمر يحدث بعد الأمر.
وهذا مثل مبتذل في العامة.
باب اليأس من الحاجة والرجوع منها بالخيبة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اليأس من الحاجة قولهم: أسائر اليوم وقد زال الظهر!.
يقول: أتطمع فيما بعد وقد تبين لك اليأس. وقال أبو زيد في نحو منه: من لي بالسانح بعد البارح!.
قال: وأصله أنَّ رجلاً مرت به ظباء بارحة، والعرب تتشاءم بها، فكره ذلك، فقيل له: إنها ستمر بك سانحة، فعندها قال: " من لي بالسانح بعد البارح! " فذهبت مثلاً. يضرب للرجل يرى من صاحبه بعض ما يكره، فيقال له: إنّه سيتعب وتقضى الحاجة، فيقول هذا حينئذ. قال أبو زيد بعض هذا الكلام. قال أبو عبيد: ومن أمثال العوام في هذا: رجع فلان من حاجته بخفي حنينٍ.
قال: وكان بعض علماء هذا الشأن يخبر بأصله قال: كان حنين إسكافا من أهل الحيرة، فساومه أعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فأراد غيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين أحد خفيه فألقاه في طريقه، ثم ألقى الآخر في موضع آخر،
стр. 208
فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخف حنين، ولو كان معه الآخر: لأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الخف الآخر ندم على تركه الأول، فأناخ راحلته عند الآخر، ورجع إلى الأول وقد كمن له حنين، فلما مضى الأعرابي عند إلى راحلته وما عليها فذهب بها. وأقبل الأعرابي ليس معه غير الخفين، فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: جتكم بخفي حنين، فصار مثلاً.
باب طلب الحاجة من غير موضعها .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: لم أجد لشفرةٍ محزاً.
أي ليس لي من متقدم في طلب الحاجة. وقال أبو عبيدة في مثل ذلك.
كمدت غير مكدمٍ .
ونحو هذا قولهم: قد نفخت لو تنفخ في فحمٍ.
وهذا المثل للأغلب العجلي في شعر له. ومثل العامة في هذا قولهم: تضرب في حديد باردٍ.
وقال الأصمعي: والكسائي جميعاً:
стр. 209
عرض على الأمر سوم عالةٍ.
قال الكسائي: ومعناه مثل قول العامة: عرض سابري.
وقال الأصمعي: أصله في الإبل التي قد نهلت من الشرب، ثم علت الثانية، فهي عالة، فتلك لا يعرض عليها عرضا يبالغ فيه. وقال الأصمعي: أو غيره: ومن أمثالهم: إنَّ كان بي تشدك أزرك فارخه.
ويقول: إنَّ كنت تتكل على في حاجتك حرمتها.
باب التفريط في الحاجة وهي ممكنة ثم تطلب بعد الفوت
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: عثرت على الغزل بأخرةٍ فلم تدع بجدٍ قردةً.
قال الأصمعي: وأصله أنَّ تدع المرأة الغزل وهي تجد ما تغزل، ومن قطن أو كتان أو غيره، حتى إذا فاتها تتعبت القرد في المقمات تلتقدها فتغزلها.
قال: والقرد: ما تمعط عن الإبل والغنم، من الوبر والصوف والشعر.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التفريط قولهم: الصيف ضيعت اللبن.
وكذلك قولهم: تدع العين وتطلب الأثر.
وكان المفضل يذكر حديث المثلين جميعا، وقال: أما حديث اللبن فإنَّ صاحبه عمرو بن عمرو بن عدس
стр. 210
أبن زيد التميمي، وكانت عنده دختنوس بنت لقيط بن زرارة، وكان ذا مال كثير إلاّ إنّه كان كبير السن، فقتله، فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، وتزوجها بعده عمير بن معبد بن زرارة أبن عمها، وكان شاباً إلاّ أنه معدم، فمرت ابل عمرو بن عمرو ذات يوم بدختنوس فقالت لخادمتها: انطلقي إلى أبي شريح فقولي له: يسقينا اللبن، فأبلغته فعندها قال: " الصيف ضيعت اللبن " هذه حكاية المفضل. قال أبو عبيد: أراه يعني إنَّ سؤالك إياي الطلاق كان في الصيف، فيومئذ ضيعت اللبن بالطلاق. وأما بعض الناس فيقولون: معناه إنَّ الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعاً لألبانها حينئذٍ. ثم رجع الحديث إلى حديث المفضل، قال: وأما قولهم: لا تطلب أثراً بعد عين.
فانه لمالك بن عمرو العاملي، وكان له أخ يقال له: سماك، فقتله رجل من غسان، فلقيه مالك فأراد قتله، فقال الغساني: دعني ولك مائة من الإبل، فقال: " لا تطلب أثراً بعد عينٍ " ثم قتله. فذهبت الكلمتان مثلين.
стр. 211
باب تأخير الحاجة ثم قضاؤها في آخر وقتها .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم:
إذا نام ظالع الكلاب.
قال: وذلك إنَّ الظالع منها لا يقدر إنَّ يعاظل مع صحاحها لضعفه، فهو يؤخر ذلك، وينتظر آخرها فلا ينام، حتى إذا لم يبق منها شيء سفد حينئذ، ثم نام. قال الأصمعي بعض هذا التفسير أو أكثره. وقال أبو عبيد: في تأخير الحاجة: يذهب يوم الغيم ولا يشعر به.
يضرب للساهي عن حاجته حتى لا تفوته ولا يعلم.
باب إبطاء الحاجة وتعذرها حتى يرضى صاحبها بالسلامة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: رضيت من الغنيمة بالسلامة.
يضرب للرجل يسعى في طلب حاجته فيشرف منها على الهلكة حتى يرضى بأن يفلت سالما. ومنه قول الشاعر، وبعضهم يرويه لامرئ القيس بن حجر الكندي:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
ويقال في نحو منه: من نجا برأسه فقد ربح.
وهذا الشعر أراه قيل ليلى صفين.
الليل داجٍ والكباش تنطح ... ومن نجا برأسه فقد ربح
ومن أمثالهم المشهورة قولهم:
стр. 212
ليت حظي من أبي كرب ... أنَّ يسد خيره خبله
ويقال: إنّه لامرأة من الأوس، في تبع بن إني كرب حين قدم المدينة، فأطمعت أنَّ ينالها من خيره، فقالت هذه المقالة عند ذلك.
باب الحاجة تودي صاحبها إلى تلف النفس .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: كالطالب القرن فجدعت أذنه.
أي جاء يطلب زيادة فأتلف ما عنده. قال: ومثله: كالباحث عن الشفرة.
أي إنّه بحث ليطلب معاشاً فسقط على شفرة فعقرته أو قتلته، يعني الصيد الذي يقع في الحبالة. قال: ومن قولهم: سقط العشاء به على سرحان.
قال الأصمعي: قال: وأصله إنَّ رجلاً خرج يلتمس العشاء فوقع على ذئب فأكله. قال المفضل في المثل كذلك أيضاً، ولكنه قال: أصله دابة
стр. 213
خرجت تطلب العشاء فلقيها ذئب فأكلها. وكان المفضل يحكي في هذا مثلا آخر، قال: وهو قولهم: لو لك عويت لم أعوه.
قال: وكان من حديثه أن الرجل كان إذا بقى بالقفر من الأرض ولم يعرف موضع الأنس، وارتاد طعاما يتعشى به إستنبح الكلاب قال: وهو أن ينبح لها، فإذا سمعته الكلاب نبحت فيعرف بذلك مكان الناس فيقصد اليهم، فقعل ذلك رجل مرة، فسمعت الذئاب عواءه، فأقبلن يردنه، فقال: " لو لهذا عويت لم أعوه " ومنه قولهم: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد.
باب الحاجة يقدر عليها صاحبها متمكنا لا ينازعه فيها أحد .
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: خلا لك الجو فبيضي واصفري.
قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن أبي عباس إنّه قاله لابن الزبير حين خرج الحسين بن علي إلى العراق، فلقى أبن عباس أبن الزبير فقال: " خلا لك الجو فبيضي واصفري، هذا حسين يخرج إلى العراق، ويخلي لك الحجاز ". قال أبو عبيد: قال أبو عبيد: وهذا مثل في شعر قديم:
стр. 214
يالك من قبرةً بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري ويقول في نحو منه وليس هو بعينه: رمى برسن فلان على غاربه.
إذا خلى وما يريد. وهذا المثل يروى عن عائشة أم المؤمنين أنها قالته ليزيد بن الأصم الهلالي أبن أخت ميمونة زوج النبي) : " ذهبت والله ميمونة، ورمى برسنك على غاربك "
باب الحاجة يحملها الرجل صاحبه المستغني عن الوصية لشدة عنايته بها
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في الناس: أرسل حكيماً ولا توصيه.
يقول: إنَّ عقله وأدبه يغنيك عن وصايته بعد أن يعرف الحاجة. وقال أبو زَيد: ويقال في مثل هذا: إنَّ الموصين بنو سهوان.
قال: ومعناه أنَّ الذين يحتاجون إلى أن يوصوا بحوائج
стр. 215
إخوانهم هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم، وأنت غير غافل ولا ساهٍ عن حاجتي. قال: يضرب هذا للرجل الموثوق به. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في قولهم: الحريص يصيدك لا الجواد.
يقول: إنَّ الذي له هوىً وحرص في حاجتك هو الذي يقوم لك بها، لا القوى عليها، ولا هوى له فيك. ومنه قولهم: لا يرحل رحلك من ليس معك.
وهذا مثل يتكلم به العوام من الناس.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحاجة المعني بها قولهم: جعلته نصب عيني.
وكذلك: لم أجعلها بظهرٍ
باب قضاء الحاجة قبل سؤالها .
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: لا تسأل الصارخ وانظر ماله.
يقول: إنّه لم يأتك مستصرخاً إلاّ من ذعر أصابه فأغثته قبل أن يسألك الغياث. يضرب للرجل تعرف فاقته ومسكنته. يقول: فإذا أتاك فأعطه قبل المسألة، ولا تلجئه إلى ذلك. وقال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
следующие страницы →