← Адаб

Адаб · id 135

الأمثال - أبو عبيد

أبو عبيد القاسم بن سلام

Полный текст (357 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذلك أبو زيد والأصمعي. واصله أنَّ رجلاً سلم عليه وهو يأكل فلم يرد السلام، فلما فرغ قال: هذه المقالة. يقول إني كنت مشغولاً. قال الأصمعي: ومن قلة المبالاة قولهم: الكلاب على البقر. واصله أنَّ يخلى بين الكلاب وبين بقر الوحش. قال أبو عبيد: وهذا المثل مبتذل في العامة غير انهم لا يعرفون اصله. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: ول حارها من تولى قارها. وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁. باب استهانة الرجل بصاحبه . قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في هذا قولهم: ما أباليه عكبة. وهي الوذخة واحدة الوذح، وهو ما يتعلق بأصواف الضأن من بعرها وأبوالها. ويقال أيضاً قال الأصمعي: وكذلك قولهم: ما أباليه بالة. قال أبو عبيد: وهذا المثل قد يضرب في غير الناس، ومنه قول أبن عباس وسئل عن الوضوء من اللبن، فقال: " ما أبالية، اسمح يسمح لك " قال الأصمعي: ومن قلة المبالاة قولهم: ما أبالي ما نهيئ من ضبك. يعني إنَّ يكون لحم ضبك نيئاً ولا ينشوي، ويقال:

стр. 247

لحم نيئ ونهيئ في معنى واحد. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: اتخذ فلانا القوم حمير الحاجات. أي امتهنوه في حوائجهم واستهانوا به باب تمدح الرجل بالشيء وهو من غير أهله . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: حن قدح ليس منها. قال أبو عبيدة: وكذلك قولهم: هو كالحادي وليس له بعير. ومنه قولهم: كالفاخرة بحدج ربتها. والحدج هو المركب، وجمعه حدوج وأحداج، وهي الأحمال أيضاً: قال الأصمعي: ومنه قولهم:

стр. 248

استنت الفصال حتى القرعى. قال: وأصله من القرع، وهو قرح يظهر في أعناق الفصلان فتحسب في التراب لتبرأ. قال: ومنه قول أوس بن حجر: يجر كما يجر الفصيل المقرع يقال منه: قرعت الفصيل، إذا جررته قال أبو عبيد: وهذا معنى قولهم للشيء الذي يوصف بالحرارة: هو أحر من القرع. وتأويله هذا الداء الذي وصفناه. وأما قول العامة: " أحر من القرع " يجزم الراء، على معنى القرع الذي يؤكل فليس بشيء. باب الممتدح بما ليس عنده يؤمر بإخراج نفسه منه . قال الأصمعي وغيره في هذا المثل: ليس هذا بعشك فاد رجى. أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه. وقد يضرب هذا للرجل ينزل المنزل لا يصلح له. قال أبو عبيد: ومنه قولهم: هذا أوان الشد فاشتدي ريم. وهذا المثل قاله الحجاج بن يوسف على منبره. وزعم

стр. 249

الأصمعي أنَّ " زيم " في هذا الموضع اسم فرس، قال: والزيم في غير هذا: الشيء المتفرق، وإنّما تكلم الحجاج بهذا حين أزعج الناس لقتال الخوارج. باب الشره والجشع ومسألة الناس . قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: غثك خير لك من سمين غيرك. يقول: فاقنع به. ولا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس. ويقال: إنَّ هذا المثل لمعن بن عرفطة المذجي. قال أبو عبيدة في مثله: يكفيك نصيبك شح القوم. يقول: إنَّ استغنيت به عن مسألة الناس كفاك. وقال الأحمر في نحو منه: جدح جوين من سويق غيره. ومن أمثال اكثم بن صيفي: المسألة آخر كسب المرء. وفي الحديث المرفوع " المسألة كدوح أو خدوش أو خموش في وجه صاحبها " وقال أبو الأسود الديلي يصف رجلاً بالأخلاق الدنية فقال: " إذا سئل أرز، وإذا دعى انتهز " يضفه بالشره. وقال عون بن عبد الله بن عتبة في مثل

стр. 250

هذا: " إنَّ سأل ألحف. وإنَّ سئل سوف " وقال فيه أيضاً: " يحسد إنَّ يفضل، ويزهد إنَّ يفضل " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الطمع والجشع قولهم: تقطع أعناق الرجال المطامع. وفي الحديث " إنَّ الصفاء الزلاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء الطمع ". باب الشره للطعام والحرص عليه . الأصمعي قال: من أمثالهم في الشهوان قولهم: حما ولا حبل. أي إنّه لا يذكر شيء إلاّ اشتهاه كشهوة الحبلى. وليس الوحام إلاّ في شهوة الحبل خاصة. وقال بعض حكماء العرب: شدة الحرص من سبيل المتالف. وقال الآخر: المرء تواق إلى ما لم ينل. وهذا المثل للأغلب فيما أعلم. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في شدة الحرص مع العدم قولهم: هو يبعث الكلاب عن مرابضها. يعني إنّه يطردها عن موضعها طعماً إنَّ يجد

стр. 251

تحتها شيئاً يأكله. ومن أمثالهم في الشره قولهم: الرغب شوم. قال أبو عبيد: وهذا الحرف وجدناه في حديث مرفوع. ومن أمثالهم في ذم الشره قولهم: أراد إنَّ يأكل بيدين. وقولهم: " لا تجعل شمالك جردباناً ". وهو الذي يستر الطعام بشماله لئلا يراه أحد فيتناوله من بين يديه. باب الثقيل على الناس قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: لا تبطر صاحبك ذرعه. يقول: لا تحمله ما لا يطيق. وقال بعض حكماء العرب: من استغنى كرم على أهله. وفي بعض الحديث " أزهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس " ومن أمثالهم:

стр. 252

من سأل صاحبه فوق طاقته استحق الحرمان. وقال: بعض السلف: " عز الرجل استغناؤه عن الناس " وفي بعض الحديث " استغنوا عن الناس ولو قصمة السواك ". باب الذم لمخالطة الناس وما يحب من اجتنابهم . قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: خلاوك اقنى لحياتك. أي انك إذا خلوت في منزلك كان أحرى أنَّ تقتنى الحياء وتسلم من الناس. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: من يسمع يخل. يقول: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه. ومعناه إنَّ المجانبة للناس أسلم. قال أبو عبيد: وقد روينا عن طلحة بن عبد الله إنّه قال: " إنَّ أقل للعيب إنَّ يجلس الرجل في منزله " وروينا عن أبي الدرداء إنّه قال: " نعم صومعة المؤمن بيته يكف سمعه وبصره " وقال أبن سيرين: " العزلة عبادة ". باب الإفراط في مؤانسة الناس قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: الإفراط في الناس يكسب قرناء السوء. وقال بعض الحكماء: الأنس يذهب المهابة. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا:

стр. 253

عرف حميق جمله. يضرب هذا للرجل يأنس بالرجل حتى يجترئ عليه. قال الأصمعي: وأظن حميقا رجلاً كان له جمل قد عرفه حتى اجترأ عليه، فصار مثلاً لكل من أنس بأحد حتى هان عليه.

стр. 254

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر أمثال الخطأ والزلل في الأمور باب مثل الغلظ والخطأ في القياس والتشبيه . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مذكية تقاس بالجذاع. يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير. وقال أبو زيد مثل هذا. ما يجعل قدك أدميك . قال: والقد: مسك السلخة، وجمعه قداد. والأديم: الجلد العظيم. قال الأصمعي: ومثله قولهم: ليس قطاً مثل قطى. وقال أبو قيس بن الأسلت: ليس قطا مثل قطى ولا ال ... مرعي في الأقوام كالراعي باب الخطأ في نقل الأشياء من الأماكن التي تعز فيها إلى الأماكن التي تكثر فيها. قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: كمستبضع التمر إلى هجر. قال أبو عبيد: وهذا من الأمثال المبتذلة، وهو من

стр. 255

قديمها، وذلك أنَّ الهجر معدن التمر، فالمستبضع التمر إليها مخطئ. قال الأصمعي: ومثله قولهم: كمعلمة أمها البضاع. يريد الغشيان. وهذا في الرجل يجيء بالعلم إلى من هو أعلم منه. وفي بعض الأثر " رُبَّ حامل فقه إلى من هو افقه منه " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الأشياء غير مواضعها قولهم: خلع الدرع بيد الزوج. وكان المفضل، فيما يحكي عنه، يخبر أن المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل، وكان تزوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، فقال لها: اخلعي درعك، فقالت: " خلع الدرع بيد الزوج " فقال: اخلعيه لأنظر إليك، فقالت: التجرد لغير النكاح مثلة. فذهبت كلمتها مثلين. باب الخطأ في وضع الإنسان بحيث ليس يستوجب . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: متى كان حكم الله في كرب النخل!. وهذا المثل لجرير بن الخطفى يقول

стр. 256

لرجل من عبد القيس شاعرٍ، كان قال في جرير: أرى شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جريرا ولكن في كليب تواضع فعندها قال جرير: " متى كان حكم الله في كرب النخل " وذلك أنَّ بلاد عبد القيس بها نخل: فلهذا قاله. وقال أبو زيد في مثل هذا: من استرعى الذئب ظلم. يقول: إنّه وضع الأمانة في غير موضعها. ومثله يقول هرمة: كتاركة بيضها بالعرا ... ء وملبسة بيض أخرى جناحا يعني الحمامة التي تحضن بيض غيرها، وتضيع بيض نفسها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الرجل نفسه فوق موضعها قول أكثم: لم يهلك امرؤ عرف قدره.

стр. 257

باب الخطأ في مكافأة المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان . قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: خير حالبيك تنطحين. قال أبو عبيد: وأظن اصله أنَّ شاة وبقرة كان لها حالبان، وكان أحدهما أرفق بها من الآخر، فكانت تنطح الرافق بها، وتدع الآخر. يضرب للرجل يكافئ المحسن بالإساءة، والمسيء بالإحسان. ومثله قولهم: خير إناءيك تكفئين. وكذلك قولهم: يحمل شن ويفدى لكيز. وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يقول: هما شن ولكيز ابنا أفصى بن عبد قيس، وكانا مع أمهما في سفر وهي ليلى بنت قرآن بن بلي حين نزلت ذا طوى، فلما أرادت الرحيل فدت لكيزاً تفدية، ودعت سناً دعاء ليحملها، فعندها قال شن هذه المقالة، فذهبت مثلاً. ومنه قول الشاعر:

стр. 258

وإذا تكون عظيمة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب باب الخطأ في كفران النعمة وسوء الجزاء للمنعم قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في هذا قولهم: أسمن كلبك يأكلك. وكان المفضل يذكر حديثه قال: كان لرجل من طسم كلب يسقيه اللبن، ويطعمه اللحم، وكان يأمل فيه أن يصيد به، وأن يحرسه، فضرى الكلب على ذلك فجاع يوماً وفقد اللحم، فجاء إلى ربه فوثب عليه حتى قطعه وأكل من لحمه. وإياه عنى طرفة بن العبد بقوله: ككلب طسم وقد تربيه ... يعله بالحليب في الغلسِ ظل علية يوماً يقرقره ... إلاّ يلغ في الدماء ينتهس قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثلهم في العالم: أعلمه الرماية كل يومٍ ... فلما اشتد ساعده رماني

стр. 259

وكان أبو زيد يجعل من هذا الباب قولهم: أحشك وتروثني! يخاطب فرسا له. يقول: أعلفك الحشيش وأنت تروث عليَّ قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قول أكثم بن صيفي: لو سئلت العارية: أين تذهبين؟ لقالت: اكسب أهلي ذماً. يعني أنهم يحسنون في الإعارة والقروض، ثم يكافئون بالمذمة إذا طلبوها باب الخطأ في تزيين الكبير بزينة الصغير قال هشام بن الكلبي: من أمثالهم في هذا قولهم: كبر عمرو عن الطوق. فاخبرني أبن الكلبي عن أبيه أنَّ صاحب هذا المثل جذيمة الأبرش بن مالك، قال لابن أخته عمرو بن عدي الخمي، وكان له طوق يلبسه في الصغر، فاستهوته الجن دهراً إلى أن وجده مالك وعقيل ابنا فارج من بلقين، وهما ندمانا جذيمة. وقد ذكرنا بعض حديثه في غير هذا الموضع، فأرادت أمه أن تعيد الطوق عليه فقال لها جذيمة: " كبر عمرو عن الطوق " فذهبت مثلاً. قال الأموي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: جلت الهاجن عن الولد. قال أبو عبيد: والهاجن هي الصغيرة، ومنه يقال: اهتجنت الجارية، إذا افترعت قبل الأوان، فقيل في المثل: " جلت الهاجن " وإنّما أرادوا " صغرت " وأنا أحسب هذا من الأضداد، لأنهم يقولون للعظيم: جلل، وللصغير: جلل، ومنه قول امرئ القيس في قتل أبيه: "

стр. 260

ألا كل شيء سواه جلل " أي حقير هين، وأما الجلل للشيء العظيم فمعروف لا يحتاج فيه إلى شاهد ولا شعر. باب اختلاط الرأي وما فيه من الخطأ والضعف قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي العزيمة حزم والاختلاط ضعف . وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في التخليط قولهم: اختلط المرعي منها بالهمل. قال: واصله أنَّ المرعي هي الإبل التي فيها رعاؤها. والهمل: الإبل المهملة التي لا راعي لها. يضرب مثلاً للقوم يقعون في تخايط من أمرهم، لا يمكنهم أن يعتزما فيه على رأي. قال الأصمعي: ومثله قولهم: اختلط الخاثر بالزباد. قال: وكذلك قولهم: " اختلط الحابل بالنابل ". قال الأصمعي: وهذا كقولهم: ما يدري أيخثر أم يذيب. واصله في الزبد يذاب فيفسد على صاحبه، فلا يدري أيجعله سمنا أم يدعه زبدا. ومنه قول بشر بن أبي حازم: وكنتم كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها قال الأصمعي: ومن أمثالهم:

стр. 261

قد ترهيأ القوم. وذلك أن يضطرب عليهم الرأي فيقولوا مرة كذا ومرة كذا. باب الخطأ في سوء التدبير عند إضاعة الشيء لطلب غيره ثم لا يدركه قال أبو عبيد: من أمثالهم المعلومة في هذا قولهم: لا ماءك أبقيت ولا درنك أنقيت. قال: واصله أنَّ رجلاً كان في سفر ومعه امرأة، وكانت عاركاً، فحضر طهرها ومعها ماء يسير، فاغتسلت به، ثم لم يكفيها لغسلها وقد أنفذت الماء، فبقيت هي وزوجها عطشانين، فعندها قال لها هذه المقالة. ومن هذا قولهم: نفع قليل وفضحت نفسي. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم، وليس هو من هذا بعينه: لا أبوك نشر ولا التراب نفد. وكان الأحمر يذكر أصل هذا أنَّ رجلاً قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي، فقيل له هذا المقالة، أي إنك لا تدرك بهذا ثأر أبيك، ولا تقدر أن تنفد التراب. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة، وكان أحد الحكماء، إنّه قال لرجل: " لا تكن مثل من تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن ". - باب الخطأ في اتهام النصيح قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم:

стр. 262

تسقط به النصيحة على الظنة. أي انك تنصحه فيتهمك. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: لا يطاع لقصير أمر. اخبرني أبن الكلبي عن أصل هذا أنَّ قصير بن سعد كان أشار على جذيمة حين خطب الزباء ألا يفعل وذلك إنّه كان قتل أباها، فكانت تطلبه بذحل فلم يقبل منه وتزوجها، ثم صارت إلى قتله، فعندها قال: " لا يطاع لقصير أمر " فذهبت مثلاً. وقال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في النصح قولهم: لا تنقر الشوكة بمثلها فإنَّ ضلعها معها. يقول: لا تستعن في حاجتك بمن هو للمطلوب منه الحاجة أنصح منه لك ومن أمثالهم في التهمة قولهم: عسى الغوير أبوساً. وقد فسرناه في غريب الحديث. قال الأصمعي وغيره من علمائنا: وإذا اتهم الرجل رجلاً فقيل له: من أين هو؟ قال: من بلاد كذا وكذا فقل له: قد أعرضت القرفة. معناه أنَّ هذا مطلب عريض، لا يقدر عليه، ولا يحاط به.

стр. 263

باب الخطأ في سوء الرعي قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: أساء رعياً فسقى. قال: يضرب للرجل لا يحكم الأمر، ثم يريد إصلاحه بسوء التدبير فيزيده فساداً. قال: واصله أن يسيء الراعي رعي الإبل نهاره كله، حتى إذا أراد أن يريحها إلى أهلها كره أن يظهر سوء أثره فيها فيسقيها الماء لتمتلئ منه أجوافها. وقال أبو عبيدة في مثل هذا: رعى فأقصب. قال: وذلك أنّه أساء رعيها ولم يشبعها من الكلأ فتركت شرب الماء فلم تشرب، لأنها إنما تشرب على علف في أجوافها. يقال من ذلك: بعير قاصب، إذا امتنع من الورد، ورجل مقصب، إذا فعلت إبله ذلك. وقال أبو عبيدة في نحو هذا: أبعد خيرتها تحتفظ! واصله أن يضيع الراعي خيار الإبل وكرائمها، حتى إذا ذهبت احتفظ بحواشيها وخساسها. قال أبو عبيد: ومن سوء تدبيرها أيضاً فعل هبنقة القيسي، وكان أهله أعطوه إبلاً يرعاها، فجعل يتعهد المنقيات منها، ويستهين بهزلاها، فقيل له: هذه كانت أولى بالرعي، فقال: أكرمت ما أكرم الله منها، وأهنت ما أهان، أي إنَّ ذوات الشحوم هي التي أكرمها الله، وإنَّ العجاف هي التي أهانها الله. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء الرعي قولهم:

стр. 264

شر الرعاء الحطمة. باب الخطأ في سوء المشورة والرأي قال أبو عبيدة: من أمثالهم في نحو هذا قولهم: أجناؤها أبناؤها. قال أبو عبيدة: وأصل ذلك أنَّ ملكاً من ملوك اليمن غزا، وخلف على ملكه بنتاً له، وإنَّ ابنته أحدثت بعده بنياناً قد كان أبوها يكرهه، وإنّما فعلت ذلك برأي قوم من أهل مملكته، أشاروا عليها به، وزينوه عندها، فلما قدم الملك فأخبر بمشورة أولئك ورأيهم أمرهم بأعيانهم أن يهدموه، وقال عند ذلك: " أجناؤها أبناؤها " فذهبت مثلاً. قال أبو عبيدة: والأجناء هم الجناة، والأبناء هم البناة، والواحد منهم جانٍ وبانٍ، وهذا جمع عزيز في الكلام، أن يجمع فاعل على أفعل، ونظائرة: شاهد وأشهاد، وصاحب وأصحاب. ومعنى المثل أنَّ الذين جنوا على هذه الدار بالهدم هم الذين عمروها بالبنيان. يضرب هذا الرجل يعمل الشيء بغير روية ولا نظر فيتعنى فيه ويكلف، ثم يحتاج إلى نقض ما عمل وإفساده. ومثله قولهم: يعدو على المرء ما يأتمر.

стр. 265

باب الخطأ في رفع الشيء وادخاره عند وقت استعماله والحاجة إليه . قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم: لا مخبأ لعطر بعد عروس. قال: واصله أنَّ رجلاً تزوج امرأة، فهديت إليه فوجدها تفلة فقال لها: فأين الطيب؟ فقالت: خبأته، فعنها قال لها: " لا مخبأ لعطر بعد العرس ". وكان المفضل يعرف الحديث ويقول: عروس هو اسم رجل. والعامة تذهب إلى أنَّ العروس هو المبتني بأهله ليلة عرسه. وهذا المثل يضرب للرجل يدخل الشيء ويرفعه عند وقت الحاجة إليه. ومثله قولهم: لا بقيا للحمية بعد الحرائم. ويروى عن محكم اليمامة أنّه فيما يحض به قومه يوم مسيلمة " الآن تستحقب الحرائم غير حظيات، وينكحن غير رضيات، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه " يقول: لا بقيا لشيء بعد هذا اليوم، أي ينبغي للحر أن يخرج كل حمية له عند الحرمة، ولا يستبقي منها شيئاً.

стр. 266

باب التدبير يصاب فيه مرة ويخطأ مرة قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: هو يشج مرةً ويأسو أخرى. أي يفسد أحياناً ويصلح أحياناً، والأسو هو الإصلاح، يقال: أسوت الجرح آسوه أسواً، إذا داويته، قال الشاعر: " يد تشج وأخرى منك تأسوني " قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: شخب في الإناء وشخب في الأرض. واصله في الحلب. وكذلك قولهم: هو يشوب ويروب. وقد يضرب هذا في النطق أيضاً يتكلم فيه مرة بالخطأ ومرة بالصواب، عن الأصمعي. ويقال في نحوٍ منه: اطرقي وميشي. قال ذلك الأحمر. وأصل الطرق الضرب، ومنه سميت مطرقة

стр. 267

الصانع وعود النجاد. والميش: خلط الشعر بالصوف، يقال منه: مشت أميش ميشاً. باب الخطأ في الرجل يبدأ بالمساءة قبل الإحسان أو يعجل الشيء قبل أوانه قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: سبقت درته غراره. والغرار: قلة اللبن. والدرة: كثرته. يقول: سبقت قلة هذا كثرته، أي سبق شره خيره. وكذلك قولهم: سبق سيله مطره. فص ومن أمثالهم قولهم: لو شكان ذا إهالةً. قال: واصله أنَّ رجلاً كانت له نعجة عجفاء لا تنقي، وكان رغامها يسيل من منخريها لهزلها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل من منخريها؟ فقال: هذه إهالة فقال السائل: " لو شكان ذا إهالة " قال أبو عبيد: الإهالة: الودك المذاب، فأراد القائل أنَّ ودكها قد عجل سيلانه من قبل أن تذبح الشاة، وقبل أن تمسها النار. يضرب للرجل يخبر بكينونة الأمر قبل وقته.

стр. 268

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر الأمثال في البخل وصفاته وأشكاله باب ذكر البخل وما يوصف من أخلاقه قال الأصمعي وغيره: من أمثالهم في نعت البخل قولهم: ما عنده خل ولا خمر. أي ما عنده من الخير شيء وقال النمر بن تؤلب العكلي: هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنعِ أراد أنّه كان لا يبخل بشيء مما عنده. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: ما عنده خير ولا مير. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في البخل قولهم:

стр. 269

سواء هو والعدم. وكذلك قولهم: سواء عليك هو والقفر. يقول: إذا نزلت به فكأنك نزلت بالقفار الممحلة. قال أبو عبيد: ومنه قول ذي الرمة في بيت عاب به قوماً إلاّ أنا نكره ذكره. قال الأحمر: وكذلك قولهم: وهل بالرمل أوشال! أي أنّه لا خير عنده كما أنّه لا وشل بالرمال، فإذا رموه بغاية البخل قالوا: ما يبض حجره. والبض: أدنى ما يكون من السيلان، قال ذلك الأصمعي. ومثله قولهم: ما يندى الرضفة. قال الأصمعي: وأصل ذلك انهم كانوا إذا أعوزهم أن يجدوا قدراً يطبخون فيها علموا شيئاً كهيئة القدر من جلود، ويجعل فيها الماء واللبن وما أرادوا من ودك، ثم تلقى فيهاالرضفة، وهي الحجارة المحماة، لتنضج ما في ذلك الوعاء، يولون: فليس عند هذا من الخير بقدر ما يندى الرضفة. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نعت البخيل قولهم: ما تبل إحدى يديه الأخرى. عن الأصمعي فيما أعلم.

стр. 270

باب صفة البخيل مع السعة والوجد قال الأصمعي: يقال في ذلك: رُبَّ صلفٍ تحت الراعدة. قال: والراعدة هي السحابة ذات الرعد، والصلف: قلة النزل والخير، يقول: فهذا على كثرة ما عنده مع المنع كتلك الغمامة التي فيها الماء الكثير والرعد مع صلفها. وقال الأموي في مثله أو نحوه: انك لنكد الحظير. إذا كان منوعاً لمّا عنده. وجمع النكد أنكاد ونكد، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي: نزلت به أنف الربي ... على وزابلت نكد الحظائر قال أبو عبيد: أراه سمى أمواله حظيرة لأنها قد حظرها عنده ومنعها، فهي حظيرة، في معنى محظورة، كما قال: حبيبة، في معنى محبوبة، وربيطة، في معنى مربوطة. ومثله كثير في كلامهم بالهاء وبغير الهاء. باب البخيل يمنع ماله ويأمر غيره بالبخل . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: الحر يعطي والعبد يألم قلبه. أي أنّه ليس يجود، ويشق عليه جود غيره. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: يمنع دره ودر غيره. وأصل الدر: اللبن، ثم يجعل مثلا في كل نيل.

стр. 271

باب البخيل يعطى على الرهبة من غير جود ولا كرم قال أبو زيد: يقال: من أمثالهم في هذا: رهباك خير من رغباك. يقول: فرقه منك خير لك من محبة لك: وأحرى أنَّ يعطيك عليه. قال: ومثل العامة في قولهم: رب فرقٍ خير من حب. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الإعطاء على المخافة قولهم: الطعن يظار يقول: إذا خافك أنَّ تطعنه فتقتله عطفه ذلك عليك فجاد بماله حينئذ للخوف، وإذا أعطى البخيل شيئاً مخافة ما هو أشد منه قالوا: قد يضرط العير والمكواة في النار. وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاص أنّه قاله في فلان. باب البخيل يعتل بالإعسار وقد كان في اليسار مانعاً قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم:، -

стр. 272

قبل البكاء كان وجهك عابساً. ومثله: قبل النفاس كانت مصفرة. واصله المرأة تكون ذات صفرة في خلقها. فتعتل في صفرتها بالنفاس، والرجل تكون خلقته كلوح الوجه وعبوسه، فيعتل بذلك عند البكاء، فيقال لهما قد كنتما هكذا قبل الحوادث، فكذلك ذو البخل يعتل بالإعدام وقد كان في السعة والخصب باخلا. باب ما يؤمر به من الإلحاح في سؤال البخيل وإنَّ كرهه . قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: اعصبه عصب السلمة. قال: وهو شجر يقال له السلم، فإذا أرادوا قطعه عصبوا أغصانه عصبا شديداً حتى يصلوا إلى أصله فيقطعوه. يقول: فكذلك فافعل بالممسك لماله في الإلحاح والتضيق عليه حتى يستخرج منه وإنَّ كان كارهاً. وقد روى في المثل عن الحجاج بن يوسف في خطبته لأهل العراق فيما يتوعدهم به من الشدة " لأعصبنكم عصب المسلمة " إلاّ أنَّ الحجاج لم يرد استخراج المال، إنّما أراد أخذهم بالغزو ولزوم الطاعة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشدة على البخيل: إنَّ ضج فزده وقراً. وكذلك إنَّ جرجر فزده ثقلاً. ومثله إنَّ أعيا فزده نوطاً. كل هذا عن الأصمعي. وقال أبو عبيدة في نحو منه:

стр. 273

دقك بالنمحاز حب الفلفل. وقد يوضع هذا المثل أيضاً في الإذلال للقوم، والحمل عليهم. باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل وإن كان نزراً قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: خذ من الرضفة ما عليها. يقول: إنَّ تركك ذلك لا يتفع. فخذه وإن كان رماداً أو جمراً، فكذلك البخيل اغتنم ما وجدت منه، ولا تدعه له. قال أبو عبيد: وأما قولهم: خذ من جذع ما أعطاك. فإنَّ أكثر الناس يحمله على هذا المعنى من الاغتنام لأخذ الشيء أيضاً وكان المفضل يذهب به إلى غير ذلك ويقول: كان من حديثه أنَّ غسان كانت تؤدي إلى ملوك المسيح دينارين كل سنة من كل رجل، وكان الذي يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي، فجاء سبطة إلى جذع بن عمرو الغساني يسأله الدينارين، فدخل جذع منزله، ثم خرج متشملاً على سيفه، فضرب به سبطة حتى سكت، ثم قال: " خذ من جذع ما أعطاك " فذهبت مثلاً، وامتنعت غسان من الدينارين بعد ذلك باب استخراج الشيء من البخيل أحياناً على بخله قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ الضجور قد تحلب العلبة. أي إنَّ هذا وإن كان منوعاً فقد ينال منه الشيء

стр. 274

بعد الشيء كما أنَّ الناقة الضجور قد يصاب من لبنها. وقال أبو عبيدة في نحو هذا: مع الخواطي سهم صائب. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ باب الاضطرار إلى مسألة البخيل وانتظار ما عنده قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب قال: وذلك أنَّ العرقوب لا مخ فيه، فليس يحتاج إليه إلاّ من لا يقدر على شيء قال أبو عبيد: قد يضرب هذا المثل لكل مضطر إلى ما لا خير فيه، ولا يقع عنه موقعاً مثل بخيلٍ تسأله، أو طعام سوء تأكله، وما أشبه هذا المعنى. ويقال في نحو منه، وليس هو بعينه: الذئب يغبط بذي بطنه. قال أبو عبيد: وذلك أنّه ليس يظن به أبداً الجوع، إنّما يظن به أبداً البطنة لعدوه على الناس والماشية، وربما كان مجهوداً من الجوع، وقال الشاعر: من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائعُ

стр. 275

ومن أمثالهم في البخيل واجتناب الناس غياه قولهم: من شر ما ألقاك أهلك. يقول: لو كان عندك خير ما تحاملك الناس باب البخيل يمنع الناس ماله وهو جواد به على نفسه قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا: يا مهدي المال كل ما أهديت. يقول: إنّما تهدي إلى نفسك، فلا تمنن على الناس به. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: سمنكم هريق في أديمكم. أي ما لكم ينفق عليكم. ومثله قولهم: أيها الممتن على نفسك فليكن المن. فإنَّ لم يكن هناك امتنان، ولكنه يجود بماله لنفسه، ويبخل به على غيره فمثلهم فيه قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيها ... واجلس فأنت لعمري طاعم كاسِ أي انك قد رضيت من طلب المجد بأن يطيب طعامك، وتحسن كسوتك، وكذلك قول الآخر: إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا

стр. 276

وإذا تذوكرت المكارم مرةً ... في مجل أنتم به فتقنعوا باب موت البخيل وماله وافر لم يعط منه شيئاً قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: مات فلان ببطنته لم يتغضغض منها شيء. والتغضغض: النقصان، وهذا المثل لعمرو بن العاص، قاله في بعضهم. ويقال في مثله: مات فلان وهو عريض البطان. يقول: إنَّ ماله جم لم يذهب منه شيء وقد يضرب هذا المثل في أمر الدين، يقول: انك خرجت من الدنيا سليماً لم تثلم دينك، ولم يكلمه. ولعل عمرو بن العاص أراد هذا المعنى حين قال هذه المقولة لعبد الرحمن بن عوف: هنيئاً لك أبن عوف خرجت من الدنيا ببطنتك. باب إعطاء البخيل مرةً في الدهر الطويل وزهد الناس في البخيل قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا: إنّما هو كبارح الأروى. يضرب للرجل الذي لا يكاد يرى، أو لا يكون منه الشيء إلاّ في الزمان مرةً. وأصل هذا أنَّ الأروى مسكنها من الجبال قنانها، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلاّ في الدهر مرة. ومن أمثالهم في البخيل يتحاماه الناس:

стр. 277

من شر ما طرحك أهلك يقول: لو كان عندك خير ما زهد الناس فيك. ومن أمثالهم في البخيل يعطي مرة ثم لا يعود قولهم: كانت بيضة الديك. فإن كان يعطي شيئاً ثم قطعه قيل للمرة الآخرة: كانت بيضة العقر.

стр. 278

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر الأمثال في صنوف الجبن وأنواعه باب ذكر المثل في الجبان وما يذم من أخلاقه قال هشام بن الكلبي: من أمثالهم في الجبن: إنَّ الجبان حتفه من فوقه. قال أبن الكلبي: وأوّل من قاله عمرو بن أمامة في شعر له، وكانت مراد قتلته فقال هذا الشعر عند ذلك ويحكى عن المفضل أنه كان يخبر بحديثه أيضاً وزاد فيه قال: وكان الذي ولي قتله أبن الجعيد، فغزاهم عمرو بن هند طالباً بثأر أخيه فظفر بهم، وأتي بابن الجعيد، فلما رآه قال: بسلاح ما يقتلن القتيل. فأرسلها مثلاً. قال أبو عبيد: وأما قول عمرو بن أمامة " إنَّ الجبان حتفه من فوقه " فإنَّ أوّله: لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه

стр. 279

احسبه أراد أنَّ حذره وجبنه ليس بدافع عنه المنية إذا نزل به قدر الله. قال أبو عبيد: وهذا شبيه المعنى بالذي يحدث به عن خالد بن الوليد، فانه قال عند موته: " لقد لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع شبر إلاّ وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم هاأنذا أموت حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء " قال أبو عبيد: يقول: فما لهم يجبنون عن القتال ولم أمت أنا به، إنّما أموت بأجلي. ومنه الشعر الذي تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق: لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل وكذلك قول الأعشى: أبالموت خشتني عباد وإنّما ... رأيت منايا الناس يسعى دليلها قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في عيب الجبان قولهم: كل أزب نفور. أخبرني بعضهم أنَّ المثل لزهير بن جذيمة العبسي، وذلك أنَّ خالد بن جعفر بن كلاب كان يطلبه بذحلٍ، فكان زهير يوماً في إبل له يهنوها ومعه أخوه أسيد بن جذيمة فرأى اسيد خالد بن جعفر قد أقبل ومعه أصحابه، فأخبر زهيراً بمكانهم، فقال له زهير: " كأنَّ أزب نفور " وإنّما قال له هذا لأنَّ أسيداً كان أشعر، فقال: إنّما يكون نفار الأزب من الإبل لكثرة شعره، يكون ذلك على عينيه، فكلما رآه ظن أنه شخص يطلبه فينفر من أجله. ومن أمثالهم في الجبن قولهم:

стр. 280

عصا الجبان أطول. قال أبو عبيد: واحسبه إنّما يفعل هذا لأنّه من فشله يرى أنَّ طولها أشد ترهيباً لعدوه من قصرها. وقد عاب خالد بن الوليد من الإفراط في الاحتراس نحو هذا وذلك يوم اليمامة، لمّا دنا منها خرج إليه أهلها من بني حنيفة، فرآهم خالد قد جردوا السيوف قبل الدنو، فقال لأصحابه: " ابشروا فإنَّ هذا فشل منهم " فسمعها مجاعة بن مرة الحنفي، وكان موثقاً في حبسه فقال: كلا أيها الأمير، ولكنها الهندوانية، وهذه غداة باردة، فخشوا تحمها، فأخرجوها للشمس لتلين متونها، فلما تدنى القوم قالوا له: إنا نعتذر إليك يا خالد من تجريد سيوفنا، ثم ذكروا مثل كلام مجاعة. باب فرار الجبان وخضوعه واستكانته قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم: روغي جعار وانظري أين المفر. قال: وجعار هي الضبع. قال الأصمعي: ومنه قولهم: بصبص إذ حدين بالأذناب. قال: وكذلك قولهم: دردب لمّا عضه الثقاف. وكذلك قولهم:

стр. 281

ودق العير إلى الماء. كل هذه الثلاثة عن الأصمعي. وقال أبو عبيد في مثل هذا: كرهت الخنازير الحميم الموغر. قال: واصله أنَّ النصراني يغلي الماء للخنازير فيلقيها فيه لتنضج، فذلك هو الإغار. قال أبو عبيد: ومنه قال الشاعر: ولق رأيت فوارساً من قومنا ... غنظوك غنظ جرادة العيارِ ولق رأيت مكانهم فكرهتهم ... ككراهة الخنزير للإغارِ قال: والغنظ أن يبلغ الركب منه مبلغا يشرف منه على الموت. قال أبو عبيد: ومثله: حال الجريض دون القريض. ز هذا المثل لعبيد بن الأبرص، قاله للمنذر حين أراد قتله، فقال له: أنشدني قولك: " أقفر من أهله ملحوب " فقال غبيد عند ذلك: " حال الجريض دون القريض " والجريض هو الغصص قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجبان يشتد فزعه:

стр. 282

قد اقشعرت منه تاذوائب. وبعضهم يقول: " الدوائر " ويقال: قد قف منه شعره. إذا قام من الفزع. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: قد كاد يشرق بالريق إذا لم يقدر على الكلام من الرعب والهيبة. باب إفلات الجبان وغيره من الكرب بعد الإشفاء عليه قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: أفلت وانحص الذنب. ويروى هذا المثل عن معاوية أنّه أرسل رجلاً من غسان الذي ملك الروم، وجعل له ثلاث ديات على أن ينادى بالأذان إذا دخل عليه، ففعل ذلك الغساني وعند ملك الروم بطاريقته، فوثبوا إليه ليقتلوه، فنهاهم ملكهم وقال: كنت أظن لكم عقولا، إنما أراد معاوية أن اقتل هذا غدراً وهو رسول، فيفعل مثل ذلك بكل مستأمن منا، ويهدم كل كنيسة عنده، فجهزوه وأكرموه وردوه، فلما رآه معاوية قال له: " أفلت وانحص الذنب " فقال: كلا، أنّه لبهلبه، ثم حدثه بالحديث فقال معاوية: لقد أصاب، ما أردت إلاّ الذي قال. ومن أمثالهم في هذا: أفلت وله حصاص. وهو الذي يروى في الحديث " أنَّ الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص " وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال أبو زَيد: ومن هذا قولهم:

стр. 283

أفلتني جريعة الذقن. إذا كان منه قريباً كقرب الجرعة من الذقن، ثم أفته قال الأصمعي: وإذا أرادوا أنه نفر فلم يعد قالوا: ضرب في جهازه. قال: واصله في البعير يسقط عن ظهره القتت بأداته فيقع بين قوائمه فينفر منه حتى يذهب في الأرض باب الجبان يتوعد صاحبه بالإقدام عليه ثم لا يفعل قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: الصدق ينبي عنك لا الوعيد. يقول: إنَّ صدقك في الأمور واللقاء هو الذي يدفع عنك عدوك، لا المقال من غير فعل. قال: وقوله: " ينبي " ليس بمهموز، لأنّه من: نبا الشيء ينبو، وقد أنبيته عني، دفهته. قال الأصمعي: ومثله قولهم: أسمع جعجعة ولا أرى طحناً. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم المشهورة قولهم: أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل. أي ليس على عدوك منك ضرر أكثر من الوعيد بلا حقيقة. وهذا المثل فيما يقال لكعب بن زهير، قاله لأبيه، وكانت بنو أسد أغارت على إبله،

стр. 284

فهجاهم وتوعدهم. ومن هذا قولهم: محا السيف ما قال أبن دارة أجمعا. قال أبو عبيد: وهو سالم بن دارة من بني عبد الله أبن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة ففتك به بعضهم، فضربه بسيفه فقتله، فقيل فيه هذا المثل يقول: إنَّ الحقيقة إنّما هي بالفعل لا بالقول. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: حلبت حلبتها ثم أقلعت. يضرب للرجل يجلب ويصخب ساعة ثم يسكت من غير أن يكون منه في ذلك أكثر من القول. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في توعد الرجل صاحبه وهو عيف أن يقال له: لا تبق إلاّ على نفسك. يقول: اجهد جهدك. قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا: لا أبقى الله عليك إن أبقيت.

стр. 285

باب تخويف الجبان وإجابته عند أعاده قال الأصمعي: من أمثالهم في تخويف الرجل صاحبه وتوعده وهو يعرفه بغير ذلك قولهم: برقي لمن لا يعرفك. وقال أبو زَيد مثله إلاّ أنه قاله بالتذكير " برق لمن لا يعرفك " وقال أبو عبيد: وإذا أرادوا أن يأمروا بالتبريق قيل: خش ذؤالة بالحبالة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: جاءنا ينفض مرويه. أي يتوعد ويتهدد. قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن الحسن البصري، قال في بعض أولئك الذين كانوا يطلبون الملك والمذروان: فرغا الأليتين، ولا يكاد يقال هذا إلاّ لمن يتههد من غير حقيقة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: اقصد بذرعك. ومنها قولهم: ارق على ظلعك.
следующие страницы →