← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الزيادة أنَّ لها شاهدًا من حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم (٤٠٤) وغيره. * مفردات الحديث: - إنَّما: للحصر، وهو إثبات الحكم في المحصور فيه؛ كوجوب الاقتداء في هذا الحديث، ونفيه عمَّا عداه. - جُعِلَ الإمام: مبني للمجهول، والجعل يأتي لمعنيين: أحدهما: قدري، والآخر: شرعي، فإن كان بمعنى الخلق فهو قدري؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر]، وإن كان أمرًا، أو نهيًا، فهو شرعي؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والفرق بين الجعلين: أنَّ القدري لا يتخلف، بخلاف الشرعي فقد يتخلف. - ليؤتَمَّ به: أي: لِيُقْتَدى به في الصلاة، ويتابع. - فإذا كبر: "إذا" ظرف زمان للمستقبل، متضمن معنما الشرط، مضاف إلى الجملة بعده. - فكبروا: الفاء رابطة لجواب الشرط، وهي عاطفة، وتفيد الترتيب مع التعقيب؛ فتكون أفعال المأموم عقب أفعال الإمام، بلا تراخ. - ولا تكبروا حتى يكبر: جاءت لتأكيد ما قبلها، بإبراز المفهوم بصورة المنطوق. - ربنا ولك الحمد: جاء في بعض روايات الحديث بحذف الواو، وبعضها بإثباتها؛ أي: "ربنا ولك الحمد"، فمن أثبتها قال: إنَّ فيها معنى زائدًا، ومن حذفها قال: الأصل عدم التقدير. قال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح. - فصلوا قعودًا: أي: قاعدين وهو الحال. - أجمعين: توكيد معنوي لواو الجماعة في "فصلوا".

стр. 1017

وأما "قعودًا" فهي حال من واو الجماعة أيضا، نصب على الحال، وأكثر الروايات "أجمعون" بالرفع تأكيدًا لضمير الجمع قي "فصلوا". * ما يؤخذ من الحديث: الحديث يدل على الآتي من الأحكام: ١ - وجوب متابعة الإمام، وأنَّه القدوة في تنقلات الصلاة، وسائر أعمالها وأقوالها؛ فلا يجوز الاختلاف عليه. ٢ - أنَّ الأفضل أن تأتي تنقلات المأموم بعد تنقلات الإمام، فتكون عقبه، فلا تخلف في الانتقال من ركن إلى ركن؛ ذلك أنَّه عطف بين تنقلات الإمام وتنقلات المأموم بالفاء، الدالة على الترتيب والتعقيب. ٣ - أنَّ مسابقة الإمام محرَّمة، وإذا وقعت عمدًا بطلت صلاته، وسيأتي بيان ذلك وتفصيله إن شاء الله تعالى. ٤ - أنَّ التخلف عنه كمسابقته، لا تجوز. ٥ - أنَّ المشروع في حق الإمام والمنفرد هو قول: "سمع الله لمن حمده" عند الرفع من الركوع، وأنَّ ذلك لا يشرع في حق المأموم. ٦ - يستفاد من الحديث أنَّ حالة المأموم تنقسم إلى أربع حالات: إحداها: أن يسبقه، فهذا محرم مع العمد، ومبطل للصلاة على القول الراجح، كان كان السبق في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد. الثانية: أن يوافق المأموم في أقواله وتنقلاته، فهذا مكروه، وبعضهم حرَّمه، ولا يبطل الصلاة إلاَّ في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد معه. الثالثة: أن يتخلف عنه، والتخلف كالسبق في أحكامه. الرابعة: أن يتابعه في أقواله وأفعاله، وهذا هو المشروع الذي يدل عليه الحديث، المرتِّب فعل الماموم بعد الإمام بـ"الفاء" المفيدة للترتيب والتعقيب.

стр. 1018

٧ - قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" الائتمام: هو الاقتداء والاتباع، ومن شأن التابع ألا يسابق متبوعه ولا يوافقه، بل يأتي على أثره. ٨ - أنَّ المشروع في كل من الإمام والمأموم والمنفرد بعد الرفع من الركوع -قول "ربنا ولك الحمد ... إلخ"؛ فـ"سمع الله لمن حمده" هو الذكر المناسب من الإمام، وأما "ربنا ولك الحمد" فهي مناسبة من الكل. ٩ - أنَّ الإمام الراتب إذا صلَّى قاعدًا لعذر، فإنَّ من تمام الاقتداء والمتابعة أن يصلي المأمومون قعودًا، ولو من دون عذر. ١٠ - قال شيخ الإسلام: إنَّ الحديث يدل على أنَّ المأموم إذا كان يرى مشروعية جلسة الاستراحة مطلقًا، والإمام لا يراها أنه يتابع إمامه، ولا يجلس لها، وبالعكس إذا كان الإمام يراها، والمأموم لا يراها، فإنه يجلس، وهذا كله تحقيق للمتابعة. ١١ - مذهب الإمام أحمد: أنَّها لا تصح إمامة العاجز عن القيام إلاَّ بمثله، إلاَّ الإمام الراتب، فإذا عجز عن القيام لمرض يرجى زواله، صحَّت خلفه، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، ولو مع قدرتهم على القيام، إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، وعجز عن القيام أثناءها فجلس، صلُّوا خلفه قيامًا وجوبًا. ١٢ - اتَّفق العلماء على تحريم مسابقة المأموم لإمامه، واختلفوا في بطلان صلاته: فذهب الجمهور إلى: أنَّها لا تبطل. وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ من سبق إمامه بركن كركوع وسجود، فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل عمدًا حتى لحقه الإمام فيه، بطلت صلاته. ١٣ - قال الشيخ تقي الدين أيضًا: اتَّفق الأئمة على تحريم مسابقة الإمام عمدًا، وهل تبطل الصلاة بمجرده؟ قولان في مذهب أحمد وغيره، وقد

стр. 1019

استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك، كما أجمعوا على أنَّها لا تبطل إذا سبقه سهوًا، إلاَّ أنَّه لا يعتد بما سبق به إمامه؛ لأنَّه فعله في غير محله، ووجه عدم بطلانها بالسبق سهوًا: أنَّها زيادة من جنس الصلاة وقعت سهوًا لا عمدًا. وقال الشيخ تقي الدين: الصحيح ما ذكره الإمام أحمد في رسالته من أنَّ مجرد السبق عمدًا يبطل الصلاة؛ لأنَّ الوعيد للنهي، والنهي يقتضي الفساد. ١٤ - الحديث حجة في أنَّ المأموم لا يجمع بين التسميع والتحميد عند الرفع من الركوع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وإنما الذي يجمع بينهما هو الإمام والمنفرد. بخلاف الشافعية: فإنَّهم يرون الجميع بينهما؛ لما في مسلم (٤٧٦) من "أنَّه ﷺ كان إذا رفع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربنَّا ولك الحمد" وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي". قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد. وقال ابن حجر: فأما الإمام فيسمع ويحمد، يجمع بينهما؛ لما ثبت في البخاري أنَّ النبيَّ ﷺ كان يجمع بينهما. ١٥ - "سمع الله لمن حمده" محلها عند رفع رأسه من الركوع، وأما "ربَّنا ولك الحمد" فمحلها بعد الاعتدال من الركوع. ١٦ - أنَّ تكبيرة المأموم تأتي بعد تكبيرة الإمام بلا تخلف؛ سواء في تكبيرة الإحرام، أو في تكبيرات الانتقال، فإن وافقه في التكبير، فإن كبَّر الإمام والمأمومون معًا، ففي تكبيرة الإحرام، لا تنعقد صلاة المأموم، وفي سائر التكبيرات يُكره ذلك.

стр. 1020

١٧ - يقاس ما لم يذكر من أعمال الصلاة على ما ذكر منها هنا، فيستحب المتابعة والاقتداء؛ فإنَّ قوله: "إنَّما جُعل الإِمام؛ ليُوْتَمَّ به" أداة حصر، تشمل جميع أعمال الصلاة. ١٨ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ولا عكسه، ولا كل مفترض خلاف مفترض لفرض آخر، مخالف له وقتًا أو اسمًا؛ لحديث: "فلا تختلفوا" والرواية الأخرى عن الإمام صحة ذلك كله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّه ﵀ يجيز أن يصلي شخص خلف شخص آخر، يخالفه في النية والأفعال، فمن صلَّى العشاء خلف من يصلي المغرب، إذا سلم إمامه قام وأتى بالركعة الرابعة، ومن صلَّى المغرب خلف إمام يصلي العشاء فهو مخيَّر، فإما أن ينتظر حتى يلحقه الإمام في التشهد فيسلم بعده، وإما أن ينوي الانفراد، ويسلم قبله. ومثله لو صلَّى العشاء خلف من يصلي التراويح، فإذا سلم الإمام من الركعتين، قام وأتي بالركعتين الباقيتين. ١٩ - عموم الحديث بمنع مخالفة المأموم للإمام يشمل النية؛ فلا يجوز أن يصلي الإمام فريضة بمن يصلي نافلة، وبالعكس، لكن حديث معاذ مخصص لهذا الحديث في مسألة اختلاف النية؛ فإنَّ معاذًا يصلي مع النبي ﷺ الفريضة، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له نافلة ولهم فريضة. ٢٠ - قال شيخ الإسلام: مسابقة الإمام عمدًا حرامٌ باتفاق الأئمة، فلا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك؛ لأنَّ المؤتم تابع لإمامه، فلا يتقدم على متبوعه، وفي بطلان صلاته قولان معروفان للعلماء.

стр. 1021

* خلاف العلماء: أجمع الأئمة على وجوب القيام في صلاة الفرض، وأجمعوا على أنَّ إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه، لا تصح إذا كان الإمام ليس إمامًا راتبًا. واختلفوا في صحة إمامة الإمام الراتب المرجو زوال علته، إذا صلَّى قاعدًا بالمأمومين القادرين على القيام: فذهب إلى جوازها الإمام أحمد؛ عملاً بهذا الحديث، ولصلاة النبي ﷺ بأصحابه قاعدًا حين انفكت قدمه، وصلاته ﷺ في مرض موته. وذهب الحنفية إلى: أنه يصح اقتداء قائمٍ بقاعدٍ؛ لأن النبي ﷺ صلَّى في مرض موته جالسًا، والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاَّها إمامًا. وذهب مالك والشافعي إلى: أنَّها لا تصح إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه مطلقًا، سواء كان هو الإمام الراتب، أو لا؛ وسواء رُجي زوال علته، أو لا. ودليلهم: قوله ﷺ : "لا تختلفوا على إمامكم" [رواه مسلم (٤١٤)]. ***

стр. 1022

٣٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رأى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: "تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأُتمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ". روَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - تأخرًا: أي: تخلفًا، وبُعْدًا في صفوف الصلاة. - ليأتم: بلام الأمر الساكنة، أو المكسورة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الدنو من الإمام، فأوائل الصفوف خير للرجال من أواخرها؛ لحديث: "خير صفوف الرجال أولها"، ولحديث: "لو يعلم الناس ما في الصف الأول، لاستهموا عليه". ٢ - أنَّ الإمام هو القدوة في الصلاة في جميع أعمالها وأقوالها، فلا يُخْتَلَف عليه فيها. ٣ - في الصلاة الانضباط والنظام الإسلامي؛ ليتعود المسلمون على حسن التنظيم، وجمال الترتيب، والامتثال والطاعة بالمعروف، فهو من جملة أسرار صلاة الجماعة. ٤ - أنَّ المامومين الذين لا يرون الإمام، ولا يسمعونه، يقتدون بمن أمامهم من المأمومين المتقدمين. ٥ - قوله: "وليأتم بكم من بعدكم" يحتمل أن يراد به الاقتداء في الصلاة، فيليه العلماء ثم العقلاء، والصف الثاني يقتدون بالصف الأول.

стр. 1023

ويحتمل حمل العلم عنه، فليتعلم منه ﷺ الصحابة، وليتعلم منهم التابعون، وهكذا. ٦ - المشهور من مذهب الإمام أحمد ما قاله صاحب "شرح العمدة": يصح اقتداء مأموم بإمام، وهما في مسجد مطلقًا؛ سواء رأى إمامه أو رأى من خلفه، أو لا؛ لأنَّ المسجد معد للتجمع بهم في موضع الجماعة، وكذا يصح اقتداء مأموم خارج المسجد إن رأى الإمام، أو بعض المأمومين. ولا يصح إن كان بين الإمام والمأموم طريق، أو نهر جارٍ، ولو سمع التكبير. ٧ - قال شيخ الإسلام: صلاة الجماعة سميت بذلك؛ لاجتماع المصلين بالفعل مكانًا وزمانًا، فإن أخلُّوا بذلك، كان منهيًّا عنه باتفاق الأئمة. ٨ - بهذا النقل عن شيخ الإسلام الذي حكى فيه اتفاق الأئمة، نعلم أنَّها لا تصح الصلاة خلاف المذياع، والتلفاز، إذا كان المقتدي ليس مع الجماعة، وإنما يفصل عنه مسافة بعيدة؛ لأنَّه ليس مع الجماعة في مكان التجمع. ٩ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ المأموم إذا أمكنه الاقتداء بإمامه بالرؤية، أو السماع -أنَّه يصح اقتداؤه؛ سواء كان في المسجد، أو خارج المسجد، ولو حال بينهما طريق؛ لأنَّه لا دليل على المنع. وقال الإمام النووي: يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام؛ سواء صلاها في المسجد، أو غيره بالإجماع، ويحصل العلم له بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، واشترط النووي ﵀ ألا تطول المسافة في غير مسجد، وهو قول جمهور العلماء. * خلاف العلماء: اختلف العلماء: متى يستحب أن يقام إلى الصلاة؟

стр. 1024

فذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه يقوم عند قول المقيم: "حيَّ على الصلاة"؛ وبه قال سويد بن غفلة والنخعي، واحتجوا يقول بلال: "لا تسبقني بآمين". وذهب مالك وأحمد إلى: أنَّه يقوم عند قول المقيم: "قد قامت الصلاة" قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين. وذهب الشافعي إلى: أنه يقوم إذا فرغ المقيم من الإقامة. وبه قال عمر بن عبد العزيز ومحمَّد بن كعب، وسالم، وأبو قلابة، والزهري، وعطاء. قال في "المغني": وإنما قلنا: إنَّه يقوم عند قوله: لاقد قامت الصلاة"؛ لأنَّ هذا خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة إلى القيام؛ امتثالاً للأمر، وتحصيلاً للمقصود. وذكر ابن رشد قولاً للإمام مالك آخر، وهو أنَّه لم يحد في ذلك حدًّا، فإنَّه وكل ذلك إلى قدر طاقة الناس، وليس في هذا شرع مسموع، إلاَّ حديث أبي قتادة أنَّه ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني" [رواه البخاري (٦٣٧)] فإن صحَّ وجب العمل به. قلْتُ: الحديث في الصحيحين، وهذا لفظ البخاري في "باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام؟ ". والمستحب عند جمهور العلماء -ومنهم الحنابلة:- أن يكبر الإمام والمقتدون إذا فرغ من الإقامة. قال في "المغني": وعليه جُل الأئمة في الأمصار. ***

стр. 1025

٣٢٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: "احْتَجَرَ رَسُولُ الله ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فيها، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءوا يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ ... " الحَديث. وفيه: "أفْضَلُ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بيتِهِ إلاَّ المَكْتُوبة" مُتَّفقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - احتجر حجرة: بالراء؛ أي: اتَّخذ شيئًا كالحجرة. - بخصفة: أي: من حصير، فهي منسوجة من سعف النخل. - فتتبع إليه رجال: فتتطلبه رجال؛ ليقتدوا به في صلاته. - المكتوبة: المفروضة، وهي الصلوات الخمس. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز اقتداء المأموم ولو كان الإمام في حجرة لا يراه المأموم، أو كان أحدهما في السطح، والآخر في المكان الأسفل، فالعبرة بإمكان الاقتداء إذا كانا جميعًا بالمسجد، فجواز هذا محل اتفاق بين الأئمة. ٢ - جواز حجز مكان في المسجد، والاختصاص به للعبادة والراحة، إذا كان هناك حاجة، وكان لا يضيق بالمصلين. ٣ - أنَّ صلاة النافلة بالبيت أفضل؛ لتنوير البيت بالصلاة، والبُعد عن الرياء والسمعة، أما المكتوبة فالواجب الإتيان بها في المسجد، إلاَّ من عذر، هذا في حق الرجال المكلفين. ٤ - جواز تعيين نية الجماعة في الصلاة من الإمام والمأموم، ولو لم يحصل ذلك

стр. 1026

إلاَّ في أثناء الصلاة، فتنتقل نية المنفرد إلى نية الإمام، وهذا لا يجوز في مشهور مذهب أحمد، ما لم يكن يظن حضور مأموم يأتي معه، ويأخذونها من صلاة ابن عباس مع النبي ﷺ . ٥ - جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، فإنَّ صلاة التهجد في حقه ﷺ واجبة، وفي حق أمته سنة، لا واجبة، وهذا هو المشهور من المذهب، أما اقتداء المفترض بالمتنفل ففيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: لا تجوز، وهي المشهور من المذهب. والأخرى: تجوز، وهي الصحيحة دليلاً؛ لقصة في الصحيحين. ٦ - فيه دليل على أنَّ الحائل بين الإمام والمأمومين غير مانع من صحة الصلاة والاقتداء، وقال النووي: يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقال الإمام؛ سواء صليا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه، والآخر في غيره بالإجماع. اهـ. وإن كان أحدهما خارج المسجد، ورأى الإمام أو المأمومين، ولو لم تتصل الصفوف صحت؛ لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية، وإمكان الاقتداء. وفي "الإنصاف": المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف، على الصحيح من المذهب. قال في "المغني": فلا يتقدر بشيء، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأنَّه لا حدَّ في ذلك، ولأنَّه لا يمنع الاقتداء، فإنَّ المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية، أو سماع الصوت، واشترط النووي ألا تطول المسافة في غير المسجد، وهو قول جمهور العلماء. ***

стр. 1027

٣٢٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا، إذَا أمَمْتَ النَّاسَ، فَاقْرَأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفظُ لمُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - فتَّانًا: الفتَّان بفتح الفاء، جاء على صيغة المبالغة، والمراد: أتريد أن تفتن الناس عن دينهم، بتثقيل العبادة عليهم. - أتريد: بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، ومعناه: أأنتَ منفِّر؟!. - إذا أممت الناس: إذا صليت إمامًا بهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز إمامة المتنفل بالمفترض؛ فإنَّ صلاة معاذ الأولى فريضة، وصلاته بقومه هي النافلة. ٢ - أنَّ الإمامة ينبغي أن تكون في أصحاب الفضل والصلاح والتقى والعلم، فهذا معاذ يخرج ليؤم قومه من المدينة إلى ضاحيتهم، وهم مغتبطون بذلك؛ لما يعلمون عنه من الخير ﵁ والنبي ﷺ أقرَّهم على ذلك. ٣ - أنَّه لا ينبغي للإمام أن يشق على المأمومين بتطويل الصلاة، ففيهم من لا يتحمل التطويل من الكبر، أو الضعف، أو ذوي الحاجات. ٤ - قال الحافظ: من سلك طريق النبي ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يُشتكى منه

стр. 1028

تطويل، وصفة صلاة النبي ﷺ معلومة، وعليه فالتخفيف المأمور به أمر نسبي، يرجع إلى ما فعله ﷺ ، وواظب عليه، وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين؛ ففي البخاري (٧٠٨)، ومسلم (٤٦٩) عن أنس قال: "ما صليتُ خلف إمام قط أخف صلاة، ولا أتمَّ صلاة من النبي ﷺ ". قال في "المبدع": وقد حزروا صلاته ﷺ فكان سجوده قدر ما يقول: "سبحان ربي الأعلى" عشر مرات، وركوعه كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" [رواه البخاري]، قال شيخ الإسلام: ليس له أن يزيد على قدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالبًا ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص للمصلحة. قال ابن عبد البر: التخفيف للأئمة أمرٌ مجمع عليه، لا خلاف في استحبابه، على ما اشترط من الإتمام. ٥ - أنَّ الفتنة تكون حتى في أعمال الخير، إذا خرج بها الإنسان عن حدها، فإضجار الناس في العبادة، وتثقيلها على نفوسهم -من الفتنة. ٦ - أنَّ القراءة بهذه السور المذكورة وأمثالها في القدر من الوسط في الصلاة، والمشروع أن يكون الركوع والسجود مناسبًا للقراءة. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في صحة إمامة المتنفل للمفترض: فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى: عدم الصحة، مستدلين بحديث: "إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، واختلاف نيتهما اختلاف عليه. وذهب الشافعي والأوزاعي والطبري إلى صحة ائتمام المفترض بالإمام المتنفل، وهي رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام وابن القيم، مستدلين: بحديث معاذ في الصحيحين، ولصلاته ﷺ بأصحابه صلاة الخوف صلاتين، كل طائفة بصلاة يسلم بينهما. [رواه أبو داود].

стр. 1029

٣٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلاَةِ رَسُولِ الله بِالنَّاسِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قَالَتْ: "فَجَاءَ حَتَّى جَلسَ عَنْ يَسَارِ أبِي بكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأبُو بكرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أبُو بكرٍ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلاَةِ أبِي بكرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حينما كان النَّبي ﷺ . مريضًا قَال: "مُرُوا أبا بكرٍ، فَليصل بالناس"، فصار أبو بكر ﵁ يصلي بالناس، فأحس النبي ﷺ نشاطًا، فجاء والناس في الصلاة، فجلس عن يسار أبي بكر، فكان النبي ﷺ هو الإمام، يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر يصلي قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر؛ هكذا في الصحيحين. ٢ - جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادرين عليه، وخصت الحنابلة هذا بالإمام الراتب؛ قصرًا للحديث على أضيق مدلولاته. ٣ - جواز المبلِّغ عن الإمام في الصلاة، إذا كان هناك حاجة من سعة في المكان وكثرة المصلين، ففي رواية مسلم: "أنَّ أبا بكر كان يُسْمِعُهم التكبير". ٤ - أنَّ المأموم يكون عن يمين الإمام؛ حيث جلس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر، ﵁. ٥ - جواز نية الإمامة في الصلاة ولو في أثنائها، كما يجوز أن ينتقل الإمام مأمومًا أثناء الصلاة، كفعل أبي بكر. ٦ - وقع اختلاف بين العلماء في هذه القصة: هل أبو بكر بعد أن جاء النبي ﷺ

стр. 1030

استمرَّ إمامًا، أم أنَّه مأموم والإمام هو النبي ﷺ ؟ الراجح أنَّه صار مأمومًا، لا إمامًا؛ لأمور كثيرة، منها: (أ) قول عائشة: "يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر". (ب) أنَّ أبا بكر ﵁ لا يرضى أن يكون إمامًا للنبي ﷺ ، كما حدث في ذهابه ﵊ للإصلاح في بني عمرو بن عوف في قباء. (ج) جاء في رواية البخاري: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ جلس عن يسار أبي بكر"، وهذا هو مجلس الإمام من المأموم. وهناك أدلة أخر. ***

стр. 1031

٣٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإنَّ فِيهمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ والضَّعِيْفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإذَا صَلَّى وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كيْفَ شَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - إذا أمَّ أحدكم: "إذا" شرطية، و"أمَّ" شرطها. - فليخفف: هو الجواب؛ فلذا دخلت الفاء. - فإنَّ فيهم: تعليل. - الصغير: نصب على أنَّه اسم "إنَّ"، وما بعده عطف عليه، وأما خبر "إنَّ" فهو "فيهم". - الضعيف: المراد به: ضعيف الخلقة؛ من مرضٍ، أو كبرٍ، أو نحافةٍ، وغيرها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب تخفيف الصلاة، إذا أمَّ الناس في صلاة فريضة أو نافلة، والحكمة في ذلك وجود الصغير والكبير والضعيف، ممن لا يطيقون إطالة الصلاة؛ لضعفهم وعجزهم. وكذلك صاحب الحاجة، الذي فكره عند حاجته، ويخاف فواتها، أو فسادها، أو نحو ذلك. ٢ - يؤخذ منه أنَّه لو كان العدد محدودًا، وآثروا التطويل، أنَّه جائز؛ لأنَّهم أصحاب الحق في ذلك، وقد جاءت الرغبة منهم، فلا بأس إذن بالتطويل.

стр. 1032

٣ - أما إذا صلَّى وحده، فليصل ما شاء؛ لأنَّ ذلك راجع إلا رغبته ونشاطه، وينبغي تقييده بما لا ينشغل به عن الواجبات. ٤ - فيه مراعاة الضعفاء والعجزة في جميع الأمور، التي يشاركهم فيها الأقوياء؛ سواء في الأمور الدينية، أو الاجتماعية؛ لأنَّه الذي يجب مراعاته والعمل به. ٥ - قال في "تهذيب العمدة": ويسن للإمام تخفيف الصلاة معه الائتمام، ومحل التخفيف ما لم يُؤْثِر مأمومٌ التطويل، وتكره سُرعة تمنع مأمومًا فعل ما يسن. ***

стр. 1033

٣٣١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبِي: "جِئْتكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا؛ قَالَ: فَإذا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قُرآنًا، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أكْثَرَ مِنِّي قُرآنًا، فَقَدَّمُونِي، وَأنَا ابْنُ سِتِّ أو سَبْعِ سِنِيْنَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائيُّ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه أنَّ الأذان فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين. ٢ - فيه أنَّ الأحق بالإمامة في الصلاة من هو أكثر حفظًا للقرآن الكريم. ٣ - فيه جواز إمامة من لم يبلغ من المميزين حتى في الفرض، فإن قيل: لعلَّ النبي ﷺ لم يعلم عن إمامته قومه؟ فالجواب: أنَّ الله قد علم ذلك بلا شك، وكون الله تعالى أقرَّه، ولم يَنْزِل على نبيه وحيٌ على بطلان إمامته -دليلٌ على أنَّ ما فعله حق، وليس ببَاطل. ٤ - فيه أنَّ التمييز يكون بالسادسة أو السابعة، حسب قوة إدراك الأطفال، وكونها سبعًا، عند بعض الفقهاء، إنَّما هي أمرٌ أغلبيٌّ، علق به الحكم. ٥ - فيه أنَّ القران سبب لرفعة الإنسان، وعلو مقامه في الدنيا والآخرة. ٦ - وفيه أنَّ الإمامة أفضل من الأذان؛ لأنَّ الإمامة أناطها بالعالم، أما الأذان فأجازه من أي أحد، ولأنَّ الإمامة يتعلَّق بها -من أحكام الصلاة- ما لا يتعلق بالأذان. ٧ - روى البخاري أنَّ سبب كثرة حفظ عمرو بن سلمة للقرآن، أنَّه كان وهو ببلده

стр. 1034

يتلقى الركبان القادمين من المدينة، فيأخذ منهم ما حفظوه، فحصل له من حفظ كتاب الله الشىء الكثير، فالعلم بالجِد والاجتهاد. * خلاف العلماء: ذهب الحنفية إلى: عدم صحة إمامة الصبي، الذي دون البلوغ في فرض الصلاة ونفلها. وذهب المالكية والحنابلة إلى عدم صحة إمامته في الفرض دون النفل. وذهب الشافعية إلى: صحة إمامته في الفرض والنفل. ودليل الأئمة الثلاثة: ما روي عن ابن عباس: "لا يؤم الغلام، حتى يحتلم"، ولأنَّ صلاة الصبي نافلة في حقه، فصلاته بالمفترضين اختلاف في النية بين الإمام والمأمومين، وقد قال ﷺ . "فلا تختلفوا عليه"، وأيضًا لا يؤمَن على الصبي، ولا يستوثق من إتيانه بشروط الصلاة. أما دليل الشافعية: فالحديث الذي معنا، وأنَّ من صحَّت صلاته لنفسه صحَّت لغيره، وهو رواية عن الإمام أحمد، ويشهد لها عموم قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" [رواه مسلم (٦٧٣)]، ومن جازت إمامته في النفل، جازت في الفرض، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السمعدي، رحمَهُ اللهُ تعالى. ***

стр. 1035

٣٣٢ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تعَالَى، فَإِنْ كانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإنْ كانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- ولاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ يَقْعُدْ فِي بيْتِهِ عَلَى تَكْرمَتِهِ إِلاَّ بإذْنهِ". رَوَاه مُسْلِمٌ (١). ــ مفردات الحديث: - يؤم القوم أقرؤهم: إخبار بمعنى الأمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ [النور: ٣]. - هِجْرَة: بكسر الهاء وسكون الجيم المعجمة التحتية ثم راء فتاء التأنيث، والهجرة: هي الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ولا يزال حكمها باقِيًّا. - سِلْمًا: بِكسر السين المهملة، وسكون اللام، ثم ميم؛ أي: إسلامًا. - سُلطانه: المراد به: ولايته؛ سواء كانت ولاية عامة، أو ولاية خاصة. - تكرمته: بفتح المثناة الفوقية وسكون الكاف وكسر الراء، المراد به: الفراش، ونحوه مما يبسط، ويفرش لصاحب المنزل، ويختص به. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب ولاية الإمامة للأفضل فالأفضل، والفضل هو بالعلم الشرعي

стр. 1036

والعمل به. ٢ - الواجب أن يكون هذا درسًا للمسلمين في عموم الولايات، فلا يُقدَّم فيها ويولى عليها؛ إلاَّ من هو أهل لها، واجتمع فيه الشرطان العظيمان: الأمانة فيه، والقوة عليه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، وما ذلَّ المسلمون وفقدوا عزهم، وعمَّهم الفساد، إلاَّ بترك هذه الأمانة وإضاعتها، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة، فقال أعرابي: كيف يا رسول الله! إضاعتها؟ قال: إذا أُسْنِدَ الأَمْر إلى غير أهله". ٣ - تكون الإمامة لمن هو أكثر حفظًا لكتاب الله تعالى؛ لأنَّ كتاب الله تعالى أساس العلوم النافعة، فمن كان فيه أعلم كان من غيره أفضل، فالعبرة بمن هو أعلم بكتاب الله وفقهه، وفقه الصلاة، ولذا يُقدم الأفقه على من هو أكثر منه حفظًا، ولكن ليس في فقه الصلاة كذلك. ٤ - المراد بقوله: "أقرؤهم لكتاب الله" هو أكثرهم حفظًا للقرآن، والذي يوضحه الحديث الذي قبله: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا" [رواه البخاري (٤٣٠٢)]، وما رواه النسائي (٢٠١١) والترمذي (١٧١٥)، وصححه من حديث هشام بن عامر ابن أمية الأنصاري قال: قال النبي ﷺ في قتلى أحد: "قدِّموا أكثرهم قرآنًا". ٥ - فإن استويا في القراءة، فأعلمهم بسنة نبيه محمَّد ﷺ ؛ فإنَّ السنة المطهرة هي الوحي الثاني، وهي المصدر الثاني للتشريع. ٦ - فإن استويا في العلم بالقرآن وحفظه، والعلم بالسنة وحفظها -فأقدمهم هجرةً من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإن لم تكن هجرةٌ فأقدمهم توبةً وهجرةً عمَّا نهى الله عنه، وأقربهم امتثالاً لما أمر الله تعالى به. ٧ - وفي رواية: "فأقدمهم سنًّا"؛ ذلك أنَّ من قدم سنه قدُم إسلامه، وكثرت أعماله الصالحة.

стр. 1037

٨ - هذا الترتيب ينبغي ملاحظته عندما يحضر جماعة ليصلوا، أو عند إرادة تولية الإمامة لأحد المساجد، أما إذا كان للمسجد إمام راتب فهو المقدَّم، ولو حضر أفضل منه؛ لقوله ﷺ : "ولا يؤمَّنَّ الرجل في سلطانه". ٩ - هنا يوجد أمكنة صاحب المحل الصالح للإمامة يكون أحق بها، وأولى من غيره. (أ) إمام المسلمين، والوالى عليهم أحق بمكان ولايته من غيره. (ب) صاحب البيت، أو صاحب الدائرة أولى بالإمامة من الزائر. ولذا فإنَّه لا يجوز الجلوس على فراشه إلاَّ بإذن صاحب الحق، فهذا ترتيب ولاية إمامة الصلاة، تكون للأفضل فالأفضل، ولذا استدلَّ بها الصحابة على الأحقية في الخلافة الكبرى، فقوموا أبا بكر خليفة بعد وفاة النبي ﷺ ، وقالوا مستدلين على ذلك: "رضيَكَ رَسُولُ الله لِدِيننَا، أفلا نرضَاكَ لِدُنيَانَا؟! ". والشَّرع نتعلم منه بهذا الترتيب وجوب ولاية الأفضل فالأفضل، حتى تستقيم أمورنا، وتصلح أحوالنا؛ فإنَّ من إضاعة الأمانة إسناد الأمر إلى غير أهله. ١٠ - قال في "الغاية": وما بناه أهل الشوارع، والقبائل من المساجد، فالحقُّ في الإمامة لمن رضوا به، وليس لهم عزله ما لم تتغيَّر حاله. قال الإمام أحمد في "رسالته": ومن الواجب على المسلمين أن يقدموا خيارَهم، وأهل الدين، والأفضل منهم أهل العلم بالله تعالى، الذين يخافون الله، ويراقبونه. وقال الحارثي: يجب أن يولَّى في الوظائف وإمامة المساجد الأحق شرعًا. وقال الماوردي: يحرم على الإمام نصب فاسق إمامًا للصلاة، لأنَّه مأمور بمراعاة المصالح.

стр. 1038

٣٣٣ - وَلاِبْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابرٍ ﵁ "وَلاَ تَؤُمُّنَّ امْرأةٌ رَجُلاً، وَلاَ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلاَ فاجِرٌ مؤْمِنًا". وإسْنَادُهُ وَاهٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلف: إسناده واهٍ؛ لأنَّ فيه عبد الله بن محمَّد العدوي عن علي بن جدعان، متهم بوضع الحديث، وشيخه ضعيف، وله طريق آخر فيها عبد الملك ابن حبيب، وهو متَّهم بسرقة الحديث، وخلط الأسانيد. * مفردات الحديث: - أعرابي: بفتح الهمزة وسكون العين المهملة فراء مفتوحة فألف ثم باء وياء مشددة، نسبة إلى الأعراب سكان البادية، وأصحاب الرحلة والظعن. - مهاجرًا: بضم الميم فهاء مفتوحة فألف فجيم معجمة مكسورة فراء، وهو مَن انتقل فارًّا بدينه، من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. - فاجرًا: جمعه: "فجَّار"، يقال: فجر يفجر فجورًا، والفجر موضوع في الأصل لشق الشيء شقًّا واسعًا، وباقي معانيه متفرعة عن هذا، التي منها: انبعث الرجل في المعاصي، وَفَسَقَ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - لا تصح إمامة المرأة للرجل، فليست من أهل الإمامة، ويكاد ينعقد الإجماع على عدم صحة إمامة المرأة للرجل، ولقوله ﷺ : "لا يفلح قوم ولَّوا أمرهُم امرأة" [رواه البخاري (٤٤٢٥)].

стр. 1039

٢ - كراهة إمامة الأعرابي ساكن البادية للقروي؛ لغلبة الجهل والجفاء على سكان البادية، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ [التوبة: ٩٧]. ٣ - كراهة إمامة الفاجر للمؤمن الصالح؛ لنقص دينه، وتساهله بما يجب، وما يستحب للصلاة من الأحكام. ٤ - استحباب أن تكون الإمامة لأهل العلم من سكان الحاضرة، ومن المستقيمين وأهل الصلاح، الذين يؤتون الصلاة حقها بما يكملها. ٥ - قال شيخ الإسلام: الصلاة خلف الفاسق منهي عنها بإجماع المسلمين، ومع هذا فإنَّه تصح خلفه، ولكن لا منافاة بين تحريم التقديم، وصحة الصلاة. قال -رحمه الله تعالى-: الأصل أنَّ من صحت صلاته صحت إمامته، وصلاة الفاسق صحيحة بلا نزاع، فقد أخرج البخاري في "تاريخه" عن عبدالكريم الجزري أنَّه قال: "أدركتُ عشرةً من أصحاب النبي ﷺ يصلون خلاف أئمة الجَوْر"، ولما جاء في صحيح البخاري (٦٩٤) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أئمتكم يصلون لكم ولهم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم"، وكذا عموم أحاديث الجماعة، وفي الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة خلف الفساق. وقال ﵀: ويجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس، والجمعة، وغير ذلك خلاف من لم يعلم منه بدعةً، ولا فسقًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، بل يصلي خلف مستور الحال. * خلاف العلماء: ذهب الحنفية والشافعية إلى: صحة إمامة الفاسق، مع أنَّ الأفضل تقديم التقي.

стр. 1040

وذهب الإمام أحمد وأتباعه في المشهور من مذهبه إلى: عدم صحة إمامته. ودليل المصحِّحين: أحاديث كثيرة تدل على صحة إمامته، ولكنها أحاديث لا تقوم بها حجة، وهي تدل على صحة الصلاة خلاف كل برٍّ وفاجرٍ، ولو صحَّت، فقد عارضها أحاديث أخر، منها: "لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه"، وهي أيضًا أحاديث ضعيفة. قال العلماء: فلما ضعفت أحاديث الجانبين، رجعنا إلى الأصل وهو أنَّ من صحَّت صلاته صحت إمامته، ويؤيده فعل الصحابة. قال البخاري في "تاريخه" (٦/ ٩٠) عن عبد الكريم بن مالك الجزري: "أدركتُ عشرة من أصحاب محمَّد ﷺ يصلون خلاف أئمة الجور". وكان ابن مسعود يصلي خلف الوليد بن عقبة، وهو متَّهم بالشرب. وكان عبد الله بن عمر يصلي خلاف الحجَّاج، وهو من هو في سفك الدماء، والتطاول على العلماء. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ إمامة الفاسق صحيحة؛ سواء كان فسقه من جهة الأقوال كالبدع، أو من جهة الأفعال؛ لأنَّ صلاة الفاسق لنفسه صحيحة، فصلاة غيره خلفه كذلك. وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: تصح الصلاة خلاف المبتدع، وخلف المسبل إزاره، وغيره من العصاة: في أصح قولي العلماء. فهذا القول هو الراجح، ولو قلنا: إنَّ الصلاة لا تصح من الفاسق -وهو من أتى كبيرة من الكبائر، ولم يتب، أو أدمن على صغيرة- لعَسُر علينا العثور على الإمام الصالح. ***

стр. 1041

٣٣٤ - وَعنْ أَنسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ فقد رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة (٣/ ٢٢) وابن حبان، ومع صحة إسناده، فله شواهد في الصحيحين وغيرهما، منها: حديث أنس في البخاري (٦٩٠) ومسلم (٤٣٣) وحديث النعمان في البخاري (٦٨٥)، ومسلم (٤٣٦)، وحديث أبي أمامة في "المسند" (٢١٧٦٠) وغيرها. * مفردات الحديث: - رُصُّوا: بضم الراء والصاد المهملة، من رصَّ يرصُّ رصًّا -من باب قتل-: انضم بعضه إلى بعض وتقارب، ومنه: رصَّ البناءَ، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. - حاذوا: تساووا؛ ليكون عنق أحدكم محاذيًا، ومساويًا لعنق من بجانبه. - الأعناق: جمع "عنق" وهو الرقبة. ...

стр. 1042

٣٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا" (١). ــ * مفردات الحديث: - خير - شر: أفعل تفضيل، إلاَّ أنَّ الهمزة حذفت من أولهما تسهيلاً؛ لكثرة استعمالهما، فهما بمعنى: أخير، وأشر. * ما يؤخذ من الحديثين: (٣٣٤، ٣٣٥) ١ - في الحديث رقم: (٣٣٤) استحباب رصّ الصفوف وتسويتها، وتقارب المصلين بعضهم من بعض؛ بألا يدعوا خللاً في الصفوف، ففي صحيح مسلم (٤٣٠) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟! قال: يتمَّون الصف الأول فالأول، ويرصون الصفوف" فلا نزل في أنَّ تسوية الصف سنة مؤكدة، والتراص وإلزاق الكعوب سنة مؤكدة، وشريعة مستقرة. فقد أخرج البخاري (٧١٧) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا صفوفكم -ثلاثًا- قال: فرأيتُ الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وكعبه بكعبه" ومن قوله: "فرأيت الرجل ... إلخ" مدرج من كلام النعمان. ٢ - قوله: "وكعبه بكعبه" المراد به المبالغة في تسوية الصفوف؛ كما قال الحافظ ابن حجر. ٣ - أما الحديث (٣٣٥): فيدل على استحباب الصف الأول، وأنَّه أفضل

стр. 1043

الأمكنة، وأنَّ شر الصفوف المؤخرة؛ لبُعد المصلي عن سماع القراءة، وبُعده من حرَم الإمام، والدلالة على قلة رغبة المتأخر في الخير والأجر، هذا بالنسبة لصفوف الرجال، كما أنَّ الأفضل هو تقدم ذوي الأحلام والنُّهَى، من أهل العلم والصلاح؛ ليكونوا خلاف الإمام، وليكونوا قدوة للمصلين مِنْ خلفهم في أقوالهم، وأفعالهم. ٤ - أما النساء: فالمستحب في حقهنَّ الستر، والبعد عن نظر الرجال، فتكون الصفوف المتأخرة في حقهن أفضل وأستر. وأما الصفوف المتقدمة فهي شرها؛ لقربها من الفتنة، أو التعرض لها، هذا إذا صلَّين مع الرجال، أما إذا صلين وحدهن فحكم صفوفهن حكم صفوف الرجال. قال النووي: لو صلت النساء بجماعة لا يرين الرجال، ولا يراهن الرجال -فإنَّه حينئذ يكون خير صفوف النساء أولها، وشرها آخرها. ٥ - فيه دليل على أنَّ للنساء صفوفًا كصفوف الرجال، وهو المشروع في حقهن؛ سواء صلين وحدهن، أو مع الرجال. ٦ - الأحق بالصف الأول، والقرب من الإمام هم أولو الأحلام والنُّهى؛ لما روى مسلم من حديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى". * فائدة: جاء في صحيح مسلم (٤٣٢) من حديث ابن مسعود؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى". واختلف السلف في تأخير الصبيان السابقين إلى الصف الأول، والأمكنة الفاضلة: فبعضهم قال: يؤخرون لِيَلُوا ذوي الأحلام؛ فإنَّ الأحاديث دلَّت على تقديم أهل العلم والفضل، فكان عمر إذا رأى غلامًا في الصف أخرجه.

стр. 1044

وكره أحمد أن يقوم مع الناس في المسجد خلاف الإمام؛ لِمَا روى أبو داود (٦٧٧) من حديث أبي موسى: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقام الصف، فصفَّ الرجال، وصفَّ الغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان". وقال بعض الأصحاب: الأفضل تأخير المفضول والصبي، واختاره الشيخ، وقطع به ابن رجب. وذهب بعضهم إلى: أنَّ من سبق إلى مكان فهو أحق به. قال في "الفروع": ليس له تأخير الصبيان السابقين، وهو مذهب الشافعية، وصوَّبه في "الإنصاف"، فإنَّ الصبيَّ إذا عقل القُرَبَ، كالبالغ في الجملة، والحديثان: "من سبق إلى مكان، فهو أحق به" [رواه البيهقي (٦/ ١٥٠)]، "ولا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه" [رواه البخاري (٥٩١٤) ومسلم (٢١٧٧)]، عامَّان، ولو كان تأخيرهم أمرًا مشهورًا لاستمرَّ العمل عليه، ولنُقل نقلاً لا يحتمل الاختلاف. وقال الحافظ: إنَّ الصبيان مع الرجال، وإنَّهم يصفون معهم، ولا يتأخرون عنهم. ***

стр. 1045

٣٣٦ - وَعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: "صلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائي، فَجَعَلنِي عَنْ يَمِيْنِهِ". مُتَّفقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - يساره: بفتح الياء وكسرها. قال ابن دريد: زعموا أنَّ الكسر أفصح، واليد اليسار: ضد اليمين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - عبد الله بن عباس ﵄ من شباب الصحابة الحريصين على الخير، وعلى تحصيل العلم، وبلغ به الحرص على أنَّه بات عند خالته ميمونة زوج النبي ﷺ ؛ ليطَّلع بنفسه على صفة تهجد النبي ﷺ ، فلما قام النبي ﷺ ، قام ابن عباس؛ ليصلي بصلاته، فصفَّ معه عن يساره، فأداره النبي ﷺ عن يمينه. وجاء في بعض روايات الصحيحين: "أنَّ أباه العباس أرسله؛ ليرمق صلاة النبي ﷺ من الليل". ٢ - فيه دليل على جواز إمامة مصلي الفرض بالمتنفل؛ لأنَّ صلاة الليل بالنسبة للنبي ﷺ واجبة. ٣ - فيه دليل على صحة إمامة البالغ بالصبي، ولو كان وحده. ٤ - فيه صحة مصافة الصبي وحده مع البالغ. ٥ - فيه أنَّ الأفضل للمأموم أن يقف عن يمين الإِمام إذا كان وحده.

стр. 1046

٦ - صحة وقوف المأموم عن يسار الإِمام مع خلو يمينه، فإنَّ النبي ﷺ لم يبطل صلاة ابن عباس، وإنما أداره إلى الموقف الأفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة. وإذا كان هذا الاستدلال ليس قويًّا لعذر ابن عباس بالجهل، والجاهل لا تقوم عليه حجة إلاَّ بعد علمه -فإنَّ الذي يؤيد مذهب الجمهور في صحة المصافة عن اليسار مع خلو اليمين، أنَّ العبادة -ومنها الصلاة- إذا كملت أركانها وشروطها، الأصل فيها الصحة، ولا تبطل إلاَّ بدليل، وإن تُرِك وصفٌ خارج عنها لا يبطلها إلاَّ بنص، ولا نص. ٧ - فيه أنَّ المأموم إذا استدار جاء من خلف الإِمام، كما ورد في بعض ألفاظ البخاري. ٨ - فيه استحباب صلاة الليل وفضلها، فالنبي ﷺ داوم عليها، وحثَّ عليها، ورغَّب فيها، وأمر بها، وأقرَّ عليها، فاجتمع فيها السنن الثلاثة. ٩ - فيه أنه لا يشترط لصحة الإمامة أن ينوي قبل الدخول في الصلاة أنَّه إمام. ١٠ - حرص ابن عباس واجتهاده في الخير وطلب العلم وتحقيقه، وهو في ذلك الوقت عمره في الحادية عشرة تقريبًا، مما يكون قدوة طيبة، وأسوة حسنة لشباب المسلمين في الاجتهاد، والمثابرة على طلب العلم، والقيام بالأعمال الصالحة. ١١ - أنَّ العمل المشروع لمصلحة الصلاة إذا وقع فيها لا يبطلها. ١٢ - قال عطاء: الرجل يصلي مع الرجل يحاذيه حتى يصف معه، فلا يتأخر عنه. وقد روي عن عمر، وابنه، وابن مسعود، كما في "الموطأ"، وهذا هو المذهب، إلاَّ أنَّه قال في "المبدع": ويندب تخلف المأموم عن الإِمام قليلاً، مراعاةً للرتبة، وخوفًا من التقدم. ١٣ - فيه جواز صلاة النافلة جماعة، ما لم يتخذ ذلك شعارًا مستمرًّا.

стр. 1047

١٤ - فيه عدم جواز تقدم المأموم على إمامه؛ لأنَّ النبي ﷺ أدار ابن عباس من خلفه، وكانت إدارته من بين يديه أيسر، ولكنه أداره من خلفه لئلا يمر أمامه، ولئلا يتقدم عليه، وهو مأموم. * خلاف العلماء: المشهور من مذهب الإِمام أحمد: فساد صلاة المأموم، إذا كان واقفًا عن يسار الإِمام مع خلو يمينه. وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى: صحة صلاته، ولو مع خلو يمينه، وهي الرواية الثانية عن الإِمام أحمد، واختارها بعض كبار أصحابه، مستدلين بهذا الحديث؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يبطل صلاة ابن عباس، وإنما صرفه للموقف الأفضل. قال ابن هبيرة: أجمعوا على أنَّ المصلي إذا وقف عن يسار الإِمام، وليس عن يمينه أحد -أنَّ صلاته صحيحة، إلاَّ أحمد فقال: تبطل. قال في "المغني" و"الشرح الكبير": القياس أنَّه يصح، وكون النبي ﷺ أدار ابن عباس يدل على الأفضلية، لا على عدم الصحة. قال الشيخ منصور البهوتي في "شرح المفردات": وما قاله في "المغني" من أنَّه القياس، هو قول أكثر أهل العلم. ***

стр. 1048

٣٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "صلَّى رَسُولُ الله فَقُمْتُ أَنا وَيَتِيْمٌ خَلْفَهُ، وَأَمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا". مُتَّفقٌ علَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - اليتيم: هو من مات أبوه، وهو دون بلوغ، يقال: يَتِمَ الصبي بالكسر يتمًا، واليتيم من البهائم: من فقد أمه، والمراد باليتيم هنا: ضميرة بن أبي ضمرة، مولى رسول الله ﷺ . - فقمتُ أنا ويتيم: اليتيم معطوف على الفاعل، فهو مرفوع، وفي رواية البخاري: "وصففت واليتيم" وفي هذه الرواية دليل للكوفيين على جواز العطف على المرفوع المتصل بدون التأكيد، أما مذهب البصريين فيجب نصب المعطوف على أنَّه مفعول معه. - أم سليم: هي: الغيمصاء بنت ملحان الأنصارية، والدة أنس بن مالك. - أم سليم خلفنا: قال البخاري: باب المرأة وحدها تكون صفًّا". واعترض الإسماعيلي؛ بأنَّ الواحد والواحدة لا تسمى صفًّا إذا انفرد -وإن جازت صلاته منفردًا- فأقل الجمع الاثنين، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] فإنَّ الروح وحده صف، والملاَئِكَة صف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أم سليم والدة أنس بن مالك دعت النبي ﷺ لطعام صنعته له، فأجاب دعوتها، وجاء إلى بيتها, ولما فرغوا من الطعام، قال ﷺ : قوموا فلأصلي لكم، فقام أنس ويتيم معهم في البيت، فكانا صفًّا خلف النبي ﷺ ، وصفَّت

стр. 1049

أم سليم خلفهم. ٢ - فيه صحة مصافة الصبي الذي لم يبلغ الحلم. لأن اليتيم لا يكون إلاَّ صبيًّا، ومصافة الصغير هو مذهب الجمهور. ٣ - أنَّ الأفضل في موقف المأمومين أن يكونوا خلف الإِمام، إذا كانوا اثنين فأكثر. ٤ - أنَّ موقف المرأة خلف الرجال، ولو كانت وحدها، فتصح صلاتها خلف الرجال. قال الشيخ: باتفاق العلماء، إذا لم يكن معها غيرها، وإن وقفت بصف الرجال لم تبطل صلاتها, ولا صلاة من خلفها، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. ٥ - النساء لا تجب عليهن الجماعة؛ لقوله ﷺ : "ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة" [رواه البخاري (٦٤٤)]، ولأنَّ الشارع لم يأمرهن بذلك، وإنما الجماعة ثبتت قولًا وفعلًا وتقريرًا للرجال قال في "الإقناع وشرحه": وتستحب الجماعة للنساء، إذا اجتمعن منفردات عن الرجال؛ سواء كان إمامهن منهن أو لا، لفعل عائشة وأم سلمة، ذكره الدارقطني، ولما روى أبو داود (٥٩٢) وغيره "أنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ لأمِّ ورقة أن تتخذ في دارها مؤذنًا، وأمرَهَا أن تؤم أهل دارها". قال شيخ الإِسلام: ولا نزاع أنَّ للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، ولكن هل يستحب؟ الأشهر أنَّه يستحب؛ لحديث أم ورقة وغيره. فعمل المدرسات في المدارس من صلاتهن جماعة عمل حسن، يقره الشرع، وفيه فوائد كثيرة. ٦ - جواز صلاة النافلة جماعة، إذا لم يتخذ ذلك شعارًا دائمًا، ونهجًا مستمرًّا. ٧ - جواز الصلاة لأجل تعليم الجاهل، أو لغير ذلك من المقاصد المفيدة.

стр. 1050

٨ - تواضع النبي ﷺ ، وكرم خلقه، ولطفه مع الكبير والصغير. ٩ - استحباب إجابة الداعي، لاسيَّما إذا كان يحصل بإجابته فائدة، من إزالة ضغينة، أو جبر خاطر، وتطمين قلب، ما لم تكن عُرسًا، فتجب الإجابة. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء إلى: صحة مصافة الصبي في الصلاة؛ فرضًا أكانت الصلاة أو نفلاً، مستدلين بهذا الحديث. والمشهور من مذهب الحنابلة: صحة مصافته في النفل؛ عملًا بهذا الحديث دون الفرض، ولا دليل عليه، والصحيح جواز ذلك في الفرض والنفل، وما ثبت دليلاً لصلاة فإنَّه شامل فرضها ونفلها، ومن خصَّ إحداهما دون الأخرى فعليه الدليل، واختار هذا القول ابن عقيل وابن رجب. قال في "الفروع": هذا هو الظاهر. قال شيخ الإِسلام: وهو قول قوي. ***

стр. 1051

٣٣٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: "أنَّه انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكعٌ، فَرَكعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إِلى الصَّفِّ، فذَكرَ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولاَ تَعْدُ"، روَاهُ البُخَارِيُّ. وَزَادَ أَبُو دِاودَ فيهِ: "فرَكعَ دُونَ الصَّفِّ، ثمَّ مشَى إلى الصَّفِّ" (١). ــ * مفردات الحديث: - حرصًا: بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وفتح الصاد المهملة، ومعناه: الرغبة الشديدة في الخير، والمسارعة إليه. - ولا تعد: الأصح في رواياتها الثلاث: "ولا تَعْدُ" بفتح التاء وسكون العين وضم الدال، آخره واو هي لام الكلمة، حذفت لجزم الفعل المعتل بـ "لا" الناهية، من "العدْو"، وهو الجري الشديد، المخالف للسكينة والوقار، والرواية الأخرى ضبطت: "تَعُدْ" بفتح التاء وضم العين؛ أي: إلى السرعة، لإدارك الركعة، والركوع دون الصف. * ما يؤخد من الحديث: ١ - أنَّ من أدرك الإمام راكعاً، فركع دون الصف، ثم دخل فيه، أو وقف معه آخر -فركوعه صحيح، وقد أدرك الركعة. ٢ - أنَّ المشي اليسير في الصلاة لمصلحتها لا يضر الصلاة، ولا يُخِلُّ بها. ٣ - أنَّ الركعة تدرك بإدراك الركوع مع الإِمام؛ فالنبي ﷺ أجاز له ركعته، ولو كانت غير جزئة لأمره بالإعادة، كما أمر المسيء في صلاته بالإعادة، وإنما يعذر المخل في عبادته بما فات وقته من الأعمال التي عملها -جهلًا- على

стр. 1052

وجه غير صحيح. ولِمَا روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة". قال الشيخ حمد بن عبد العزيز: إذا أدرك المأموم الإِمام راكعًا فدخل معه، فهو مدرك الركعة. وهذا هو المروي عن السلف، وعليه عامة الأمة من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة وأتباعهم، فلا يعرف عن السلف خلاف ذلك. وقد حكى الإجماع على ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى. ٤ - نهى النَّبي ﷺ أبا بكرة عن العَدْو؛ لأنَّه مناف للسكينة والوقار، ولِما في البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢): "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا". قال ابن القيم في "بدائع الفوائد": وقول النبي ﷺ لأبي بكرة: "لا تَعدُ" نهي عن شدة السعي. ٥ - المستحب لمن أتى إلى الصلاة أن يأتي إليها بسكينة ووقار، فهذا هو أدبها، وَلْيُصَلِّ ما أدركه، وليقض ما فاته منها, وليمتثل نهي النبي ﷺ ؛ فإنَّ الحكم عام، ولما روى البيهقي في "سننه" (٢/ ٩٠) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تأتون الصلاة تسعون". ٦ - هذه المنقبة الكبرى لأبي بكرة ﵁ من رضاء النبي ﷺ ، ودعائه له، وتأييد أنَّ ما فعله هو من دواعي الحرص على العبادة، وطاعة الله. ٧ - اشتراط المصافة في الصلاة؛ فإنَّ من صلَّى خلف الصف بدون عذر، فلا تصح صلاته؛ لحديث: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" [رواه أبو داود (٦٨٢)] وهذا ما عليه أبو بكرة حينما دخل في الصف، وهو في الركوع، وأقرَّه النبي ﷺ ، وسيأتي بحث هذه المسألة. ٨ - المستحب الدخول في الصلاة مع الإِمام على آية حال وجده عليها.

стр. 1053

٣٣٩ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁:- "أنَّ رسُولَ الله ﷺ رَأى رَجُلاً يُصَلِّيِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أنْ يُعِيدَ الصَّلاَةَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوَد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أحمد، وأبو داود، والطحاوي، والبيهقي (٣/ ٢٠٥)، والترمذي وقال: حديث حسن. ورجاله ثقات. كما حسَّنه كلٌّ من أحمد وإسحاق وأبو حاتم، وقال ابن عبد البر: في إسناده اضطراب، لكن قال ابن سيد الناس: الاضطراب الذي فيه مما لا يضره. ...

стр. 1054

٣٤٠ - وَلَهُ عَنْ طَلْقٍ ﵁: "لا صَلاَةَ لِلْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ" (١). وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ في حديث وابِصَة: "أَلاَ دَخَلْتَ مَعَهُمْ، أوِ اجْتَررْتَ رَجُلًا؟! " (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث فيه فقرتان: إحداهما: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، وهذه جملة صحيحة، ورجالها ثقات. الثانية: "ألا دخلت معهم، أو اجتررت رجلًا؟! "، فهذه لا تصح؛ لضعفها, ولأنَّه قد تفرد بها المسري بن إسماعيل، وهو متروك. تنبيه: وَهِمَ الحافظ في قوله: "عن طلق"، وإنما هو عن علي بن شيبان، ﵁. * مفردات الحديث: - لا صَلاَة: تقدم كلام ابن دقيق العيد من أنَّ الأولى حمل النفي على الفعل الشرعي؛ فيكون "لا صلاة" نفيًا للصلاة الشرعية. - اجتررت: من جررت الحبل ونحوه جرًّا: لسحبته فانجر، والمراد: جذب الرجل من الصف بلطف وإقامته معك ليصافك. - ألا دخلت: بهمزة الاستفهام مع النفي، والوجه الثاني: فتح الهمزة وتشديد

стр. 1055

اللام، على أنَّها للتحضيض. * ما يؤخذ من الحديثين: (٣٣٩، ٣٤٠): ١ - الحديث رقم: (٣٣٩) يدل على وجوب الصلاة في الصف، فمن صلَّى منفردًا، لم تصح صلاته، وعليه إعادة الصلاة. ٢ - الحديث قال به الإِمام أحمد، فلم يُجِز صلاة المنفرد خلف الصف، أما الشافعي فيقول: لو ثبت هذا الحديث لقلت به، قال البيهقي: الاختيار أن يتوقى ذلك؛ لثبوت الخبر المذكور، وهذا الحديث لا ينافي حديث أبي بكرة في مذهب الإِمام أحمد، فإنَّه يصحح صلاة من ركع دون الصف، ثم دخل فيه، أو وقف معه آخر قبل سجود الإِمام. ٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اختار تقي الدين، وابن القيم وغيرهما من المحققين؛ أنَّ من وجد في الصف محلاًّ يقف فيه، فلا يحل له أن يقف وحده خلف الصف، وإن لم يجد محلاً يقف فيه، وَجَبَ عليه أن يصف وحده، ولا يترك الجماعة. وهذا هو الصواب الموافق لأصول الشريعة، وقواعدها. ٤ - أما الحديث رقم: (٣٤٠) فيدل أيضًا على عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف، والأفضل حمله على من وجد محلاًّ في الصف، فلم يقف فيه، وإنما وقف وحده منفردًا، أما مع عدم وجود فرجة في الصف، فالأحسن هو القول بصحة صلاته؛ بناءً على قاعدة: "سقوط الواجبات عند عدم القدرة عليها"؛ فهذه هي قاعدة الشرع في كل الواجبات الشرعية. قال شيخ الإِسلام: ومن الأصول الكلية أنَّ المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب، فلم يوجب الله تعالى ما يعجز عنه العبد، كما أنَّه لم يحرم عليه ما اضطر إليه. ٥ - أما قوله: "أو اجتررت رجلًا": فقال الألباني في "الأحاديث الضعيفة"
следующие страницы →