وقال الشيخ في موضعٍ آخر: لا يقضي الوتر، ومراده على صفته؛ لأن المقصود به أن يكون آخر الليل، على أن وتر النهار المغرب.
والراجح قضاء الوتر نهارًا شفعًا، كما اختاره الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى.
***
стр. 982
٣١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ ألاَّ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أوَّلَهُ، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَليُوتِرْ آخِرَ اللَّيْل؛ فَإنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- طمع: في الشيء طمعًا وطماعة، فهو طامع، والطمع: الأمل والرجاء، وأكثر ما يستعمل فيما يقرب حصوله، جمعه: أطماع.
- مشهودة: يقال: شهد يشهد شهودًا، بمعنى: حضر واطلع على الشيء، فهو شاهد بمعنى: حاضر، وشاهد ذلك أنَّ الله تعالى ينزل آخر الليل، فينادي خلقه ويجيب أسئلتهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ الوتر يجوز في أول الليل وفي آخره، فوقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ومن كل الليل أوتر النبي ﷺ .
٢ - أنَّ تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن قوي على القيام، وطمع في أن يستيقظ قبل الفجر؛ لقول عائشة: "وانتهى وتره إلى السحر" [رواه مسلم (٧٤٥)]، ولأنَّ صلاة آخر الليل تشهدها الملائكة، وهذه ميزة كبرى، ولأنَّ هذا هو وقت المناجاة، حينما ينزل الرب جلَّ وعلا إلى السماء الدنيا، كما جاء في البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني
стр. 983
فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، ولأنَّ الوتر آخر الليل هو التهجد الذي ذكره الله فى كتابه العزيزة فإنَّ التهجد لا يكون إلاَّ بعد نوم، وهو وقت الناشئة التي قال تعالى فيها: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل] فإنَّ النَّاشئة لا تكون إلاَّ بعد رقدة.
٣ - أما من يخشى ألا يقوم آخر الليل؛ فيلوتر قبل أن ينام؛ لحديث أبي هريرة: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: وذكر منهنَّ: وأن أوتر قبل أن أنام" فأبو هريرة كان يشتغل أول الليل بدراسة الأحاديث وحفظها، فكان ممن لا يستيقظ إلاَّ بعد أن يصبح، فأوصاه النبي ﷺ بأن يوتر قبل أن ينام، وتكون لأبي هريرة، ولمن هو على مثل حاله.
***
стр. 984
٣١٣ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة والحاكم، ووافقه الذهبي.
فأما صدره: فلا ينافي حديث أبي سعيد المتقدم (٣١١)، فالذي معنا في حق المستيقظ الذاكر، والذي قبله في حق النائم، أو الناسي.
وأما آخره: -وهو قوله: "فأَوترُوا قبل طلوع الفجر"- فقد جاء في صحيح مسلم (٧٥٤) من حديث جابر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أوترُوا قبل أن تصبحوا"، وقد صححه النووي في "الخلاصة".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث تقدم معناه في عدة أحاديث، وهو أنَّ وقت الوتر من صلاة العشاء، ويمتد حتى طلوع الفجر الثاني، وأنَّ من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع عليه الفجر -فقد فاته الوتر، الذي هو من صلاة الليل، فأمر ﷺ بالوتر قبل طلوع الفجر؛ لئلا يفوت وقته.
٢ - وتقدم أنَّ الصحيح أنَّ فوات الوتر في حق تاركه عمدًا حتى طلع الفجر، أما من نام عنه أو نسيه، فإنَّ وقته أداء إذا استيقظ أو ذكر؛ فيكون هذا الحديث مخصوصًا بالحديث المتقدم: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا أصبح أو ذكر".
стр. 985
وهذا القول يجمع الأحاديث المتعارضة في فوات الوتر، في حق النائم والناسي، وأدائه في وقته.
٣ - روى مسلم (٧٤٦) عن عائشة ﵂ قالتْ: "كان رسول الله ﷺ إذا لم يصل من الليل، منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه- صَلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة".
***
стр. 986
٣١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ". روَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٣١٥ - ولَهُ عَنْهَا: "أنَّهَا سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لاَ، إلاَّ أنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيْبِهِ" (٢).
٣١٦ - وَلَهُ عَنْهَا: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّيْ قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا" (٣).
ــ
* مفردات الأحاديث:
- مغيبه: يقال: غاب يغيب غيبًا، فهو غائب، بمعنى: سافر وبعد، والمغيب اسم زمان ومكان.
- قطُّ: بفتح القاف وضم الطاء مشددة، قال في "المعجم الوسيط": قطّ ظرف زمان لاستغراق الماضي، والعامة تقول: لا أفعل قط، وهو غلط، قلتُ: لأنها مختصة بالزمن الماضي.
- سُبْحَة الضحى: بضم السين المهملة وسكون الباء التحتية الموحدة؛ أي: صلاة النافلة، فالتسبيح يكون بمعنى الذكر والصلاة، يقال: يسبح فلان؛ أي: يصلي السبحة، فريضةً كانت أو نافلةً.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بأحكام صلاة الضحى، وهي سنة جاء فيها ما
стр. 987
رواه الإمامان: البخاري (١٨٨٠)، ومسلم (٧٢١) عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام".
٢ - الحديث رقم (٣١٤) يدل على مشروعية صلاة الضحى، وأنَّه ﷺ كان يصليها أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله.
٣ - حديث رقم (٣١٥) يدل على أنَّه ﷺ ما كان يصليها، إلاَّ أن يأتي من سفر، فكأنَّها قيَّدت الحديث الأول بهذا الحديث، فصارت صلاته لها حينما يقدم من السفر.
٤ - حديث رقم (٣١٦) يدل على أنَّه ﷺ ما كان يصليها أبدًا، وهذا يحمل على تقييد الحديث رقم (٣١٥) بالقدوم من السفر أيضا، وأنَّه ما كان يأتي بها، وإنما كان عند القدوم من المغيب.
ومن أجل هذا الاختلاف في الإتيان بها من عدمه، أطال عليها الكلام ابن القيم في "زاد المعاد"، وبيَّن وجه الجمع بين هذه الأحاديث التي فيها نوع تعارض، فقال: اختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق:
(أ) منهم من رجَّح الفعل على الترك؛ بأنَّها تتضمَّن زيادة علم خفيت على الثاني، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ.
(ب) وطائفة ثانية ذهبت إلى: أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يصليها، ولا أبو بكر، ولا عمر".
(ج) وذهبت طائفة ثالثة إلى: استحباب فعلها غبًّا، فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة، واحتجوا بحديث رقم (٣١٥).
(د) وذهب ابن جرير إلى: أنَّه لا تعارض في الأحاديث، فقال: وليس في
стр. 988
هذه الأحاديث حديث يدفع صاحبه؛ وذلك أنَّ من حكى أنَّه صلَّى الضحى أربعًا جائزٌ أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره في حالة أخرى صلَّى ركعتين، وراه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أن تصلي ستًّا، وآخر يحث على أن تصلى ركعتين، وآخر يحث على عشر، وآخر على اثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عمَّا رأى، أو سمع.
(هـ) وذهبت طائفة خامسة إلى: أنَّها تفعل بسبب، قالوا: وصلاته يوم الفتح إنَّما كانت من أجل الفتح، وصلاته في بيت عتبان بن مالك بسبب عذره من إتيان المسجد، فطلب من النبي ﷺ أن يأتيه في بيته؛ ليصلى له في مكان منه يكون مصلى له، ففعل لأجل هذا السبب.
ومن تأمل الأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلاَّ على هذا القول، وأما أحاديث الترغيب فيها: فالصحيح منها لا يدل على أنَّها سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى بها أبا هريرة؛ لأنَّه قد روي أنَّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلاً من قيام الليل، وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال. اهـ ملخصًا من "زاد المعاد".
واختار شيخ الإسلام المداومة على الركعتين المذكورتين في حديث أبي هريرة: "وركعتي الضحى"؛ اختار ذلك لمن لم يقم في الليل.
٥ - قال النووي: وكون سنة الضحى سنة هو مذهب جمهور السلف، وقول الفقهاء المتأخرين.
٦ - قال في "الحاشية": وصلاة الضحى والترغيب فيها بلغت حد التواتر، وتستحب المداومة عليها لمن لم يقم في ليله؛ لخبر أبي هريرة ونحوه، ولشيخ الإسلام قاعدة: أنَّ ما ليس من الرواتب لا يداوم عليه، حتى لا يلحق بالرواتب، واختار المداومة عليها لمن لم يقم من الليل؛ لتأكدها في حقه.
٧ - قال الشيخ محمد بن محمد بن بدير:
стр. 989
أحببت ألاَّ أترك المقام حتى أبين أمرًا، عسى الله أن ينفع به من شاء من عباده، لقد ثبتت صلاة الضحى من قوله ﷺ ، وحثه أصحابه، وإقرارهم عليها بما لا يدع مجالاً للشك.
منها أحاديث الباب، ومنها ما ثبت في صحيح مسلم (٧٢٢)؛ أنَّه ﷺ وصى بها أبا الدرداء، كما وصى بها أبا هريرة.
وفي صحيح مسلم (٧٢٠) عن أبي ذر في حديث التسبيح والتهليل والتحميد، لأداء صدقات المفاصل قال: "ويجزىء عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى".
وفي البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨) من حديث عائشة ﵂ قالتْ: "إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل -وهو يحب أن يعمل به- خشية أن يعمل به الناس، فيكتب عليهم، وما رأيت رسول الله ﷺ قط يسبح سبحة الضحى، وإني لأسبحها".
ومعلوم أنَّه مما لا يَرِدُ على العقل أن تحافظ أم المؤمنين على صلاة الضحى، ولم يطلع عليها ﷺ ، كما لا يظن بها أن تداوم على عبادة لم تُشرع، وهي الراوية عنه ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" والحديث في الصحيحين، ولكنها اعتذرت عن عدم صلاة الضحى بما ذكرت؛ أنَّه خشية أن يثقل على أمته، بل قررت أنَّ بعض ما كان يدع للتخفيف، كان يحب أن يعمل به، والسياق في مقام صلاة الضحى.
والعجب ممن يستدل على عدم سنيتها: بأنَّ رسول الله ﷺ لم يفعلها، ولا أبو بكر، ولا عمر، بعد اتفاق أهل العلم أنَّ السنة ما ثبت من قوله ﷺ ، أو فعله، أو تقريره، فبعد ثبوت الأمر بها لا يمتري في سنيتها عالم بالسنة وأقسامها، وإلاَّ فعليه أن يئكر فضيلة صوم داود؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يعمل به، مع أنه مدحه، وأمر به عبد الله بن عمر، لما أراد أن يصوم أفضل
стр. 990
الصيام.
هذا على أنَّه ﷺ قد فعلها مرات كثيرة، فالذي أدين الله به أنَّ صلاة الضحى قربة عظيمة، لا يجحدها منصف، وقد ورد فيها من الأدلة، ما لا مجال معه لذي بصيرة أن يتردد في كونها من هدي رسول الله ﷺ ، ولقد أنصف شيخ الإسلام إذ يقول: إنَّ أدلتها بلغت التواتر -يعني: التواتر المعنوي- وبالله التوفيق.
***
стр. 991
٣١٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صَلاةُ الأوَّابِينَ حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ". روَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
*درجة الحديث:
فهو في صحيح مسلم (٧٤٨) من حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: "صلاة الأوَّابين إذا رَمَضْت الفصال من الضحى" والمؤلف ﵀ لم يعزه إليه، ولعله وقع منه سهوًا.
كما أنَّ أحدًا من العلماء لم يعزه إلى الترمذي غير الحافظ، وتبعه الصنعاني والشوكاني.
* مفردات الحديث:
- الأوابين: جمع "أوَّاب"، والأوَّاب: الرجاع إلى الله ﵎، بترك الذنوب، وفعل الطاعات والخير.
- ترْمَض: بفتح التاء وسكون الراء وفتح الميم؛ أي: تحترق أخفافها من الرمضاء، وهي شدة حرارة الأرض من وقوع الشمس على الرمل، عند ارتفاع الشمس.
- الفِصال: بكسر الفاء، جمع "فصيل"، وهو ولد الناقة، سمي بذلك؛ لفصله عن أمه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع: "فُصلان" بضم الفاء وكسرها، وأما جمعه على "فِصال"، فكأنَّهم توهَّموا فيه الصفة، قاله في "المصباح".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح -بعد طلوعها- إلى قبيل
стр. 992
الزوال.
٢ - الحديث الذي معنا يدل على أن أفضل وقت لها، هو ارتفاع الضحى، وارتفاع حر الأرض وقوة الشمس؛ وذلك هو احتراق الفِصَال (أولاد الإبل) من شدَّة الرمضاء.
٣ - سميت تلك الصلاة صلاة الأوابين؛ لأنَّهم آبوا ورحلوا إلى طاعة الله وعبادته، حينما اشتغل الناس بتجارتهم ومتاعهم وزراعاتهم، ومال بعضهم إلى الراحة، فيأتي الأوابون بذكر الله تعالى، وينقطعون عن كل مطلوب سواه، والله الموفق.
***
стр. 993
٣١٨ - وَعنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّة". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف، لكنه قوي بشواهده.
قال الترمذي: غريب، وقال الحافظ: إسناده ضعيف، وقال في "الفتح": له شواهد إذا ضمت إلى حديث أنس تقوَّى بها، وصلح للاحتجاج به.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من صَلَّى الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلَّى ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له بيتًا في الجنة ... ".
قال المنذري: رواه الطبراني في "الكبير" ورواته ثقات، وفي موسى بن يعقوب الزمعي خلاف، وقد روي عن جماعة من الصحابة ومن طرق.
...
стр. 994
٣١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيْتِي، فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ". روَاهُ ابنُ حِبَانَ فِي "صَحِيْحِهِ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال محقق كتاب "صحيح ابن حبان": سنده على شرط مسلم، إلاَّ أنَّ فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب، وثَّقه أبو زرعة والدارقطني، إلاَّ أنَّهم اختلفوا في سماعه من عائشة.
* ما يؤخذ من الحديثين (٣١٨، ٣١٩):
١ - يدل الحديث رقم (٣١٨) على أنَّ صلاة الضحى تصلى اثنتي عشرة ركعة، وهي لا تنافي الأعداد الأخر؛ فإنَّ أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة.
أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فأكثرها ثمان؛ لما جاء في البخاري (١١٧٦) ومسلم (٣٣٦) عن أم هانىء: "أنَّ النبيَّ ﷺ في عام الفتح صلَّى ثماني ركعات، سُبحَة الضحى".
٢ - أما الحديث رقم (٣١٩): فيفيد أنَّ صلاة الضحى ثماني ركعات.
قال محرره: أرى أنه لا تعارض بين الأحاديث الواردة في عدد صلاة الضحى، والجمع بينها متيسر، كما قال ابن جرير فيما تقدم، فكل واحد من الصحابة حدث بما رأى وما سمع، والنبي ﷺ تارةً يصليها ركعتين، وتارةً يصليها أربعًا، وتارةً يصليها ستًّا، وتارةً يصليها ثمانيًا، وأخرى يصليها اثنتي عشرة ركعة، ولا منافاة ولا تعارض، والله أعلم.
стр. 995
٣ - الخلاصة مما تقدم: أنَّ سنة الضحى استفاضت أخبارها، وأنَّه يستحب المداومة عليها، لمن لم يصل بالليل؛ لئلا تفوته عبادة النهار والليل معًا، وأما من له صلاة الليل فإنَّه من الأفضل أن يغب فيها، وأنَّ أقلَّها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة، وأنَّ وقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال.
* فائدة:
اختلفت الأحاديث عن عائشة في صلاة الضحى، فمرويٌّ عنها:
١ - صلاها من غير تحديد عدد: "يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله". [رواه مسلم (٧١٩)].
٢ - قالت "دخل رسول الله ﷺ بيتي، وصلَّى الضحى ثماني ركعات". [روه ابن حبان (٣/ ٤٥٩)].
٣ - قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى، إلاَّ أن يجىء من مغيبه". [أخرجه مسلم (٧١٧)].
٤ - قالت: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى، وإني لأسبحها". [رواه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨)].
وقد جمع القاضي عياض بين إثبات الصلاة ونفيها: بأنَّها في الإثبات نقلت أخبار من رآه من الصحابة، فروت عنه دون أن تنسب إليه، وأما روايات النفي فإنَّها لم تشاهده يصليها.
وهذا جمع لا بأس به، وإذا أمكن الجمع يصار إليه، والله أعلم.
***
стр. 996
باب صلاة الجماعة والإمامة
مقدِّمة
سميت: "جماعة"؛ لاجتماع المصلين في فعلها زمانًا ومكانًا، فإذا أخلَّوا بهما، أو بإحداهما، لم تسم جماعة، ومن هذا يُعلم أنَّ الصلاة خلاف الإمام بواسطة المذياع، أو التلفاز، لا تصح؛ لأنَّها ليست صلاة مع جماعة.
اتَّفق العلماء على مشروعية صلاة الجماعة، واختلفوا في حكمها.
فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى: أنَّها سنة غير واجبة؛ لما في الصحيحين: "تفضل صلاة الجماعة صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة"، ففيها فضل، ولأنَّ النبي ﷺ لم يُنْكر على الرجلين اللذين قالا: صلينا في رحالنا.
وذهب الإمام أحمد إلى: وجوبها للصلوات الخمس على الرجال المكلفين، وقال به طائفة من السلف من الصحابة والتابعين.
ودليلهم: ما في البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والَّذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطب ... إلى آخر الحديث".
وجاء رجل أعمى يستأذنه في الصلاة في بيته لبُعْدِ مكانه، فقال: "لا أجدُ لك رخصة" [روَاهُ أبو داود (٥٥٣)]، وبأنَّه أمر بها حال الخوف والقتال، مع ما في ذلك من خلل في أركانها وشروطها وواجباتها.
وشط شيخ الإسلام، فقال: إنَّ الجماعة شرط لصحة الصلاة، فلا تصح
стр. 997
بدونها، وقد قال الموفق بن قدامة: لا نعلم أحدًا أوجب الإعادة على من صلَّى وحده.
والمشهور من المذهب: أنَّ له فعل الجماعة في بيته، والمسجد أفضل.
ولكن ابن القيم ردَّ ذلك، واستدل على وجوبها في المسجد، فقال: ومن تأمل السنة حق التأمل، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض على الأعيان، إلاَّ لعارض يجوز معه ترك الجماعة، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار.
وقال الشيخ تقي الدين: الصلاة في المساجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته، ففي تركها محو لآثار الصلاة.
ومن أدلة الشيخين على وجوبها في المسجد: ما جاء في صحيح مسلم (٦٥٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليصلِّ هذه الصلوات الخمس؛ حيث ينادى بهن، فالله شرع سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنَّكم لو صلَّيتم في بيوتكم، كما صلى هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة فبيكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف".
* حكمةُ الجماعة في المساجد:
شرَع الله لهذه الأمة المحمدية الاجتماعات المباركة في أوقات، منها: ما هو في اليوم والليلة، وهو الصلوات المكتوبة، حينما يجتمع أهل الحي في مسجد واحد، يتعارفون فيه ويتآلفون.
ومنها: ما هو في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، حينما يجتمع أهل البلد، أو أهل الحي الكبير في مسجد جامع، لنفس الأغراض الكريمة.
ومنها: ما هو في العام؛ كصلاة العيدين، الذي يجمع أهل المصر الواحد في صعيد واحد، أو يجمع وفود المسلمين من أقطار الدنيا كلها في عرفة، وفي
стр. 998
مشاعر الحج؛ ليشهدوا منافع لهم من التعاون والتآلف والتشاور، وتبادل الأفكار والآراء، فيما يعود على المسلمين بالخير والبركة.
ومن فوائد صلاة الجماعة الائتلاف والتعارف، وتعلم الجاهل من العالم، والتنافس في أعمال الخير، وعطف القوي على الضعيف، والغني على الفقير، وغير ذلك مما يفوت الحصر ... والله الموفق.
***
стр. 999
٣٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةً". مُتَّفقٌ علَيْهِ (١).
وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "بِخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا" (٢).
وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وقَالَ: "دَرَجَةً" (٣).
ــ
*مفردات الحديث:
- الفَذ: -بفتح الفاء والذال المعجمة المشددة-، أي: الفرد، جمعه: فذوذ، يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده.
- أفضل: أفعل تفضيل، وهو مصاغ على وزن أفعل؛ للدلالة على أنَّ شيئين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر فيها.
قال العيني: عامة نسخ البخاري بلفظ: "تفضيل صلاة الفذ"، والذي في مسلم: "أفضل" التي هي للتفضيل، والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من "تفضيل".
- درجة: تمييز للعدد المذكور، والمراد: أنَّه يحصل من صلاة الجماعة، مثل أجر صلاة المنفرد سبعًا وعشرين جزءًا؛ كما في الرواية الأخرى، فالجزء مؤول بالدرجة.
стр. 1000
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث بيان فضل صلاة الجماعة، وأنَّها تفضل على صلاة المنفرد بسبعٍ وعشرين درجة، والمراد: أنَّه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر المنفرد سبعًا وعشرين مرة.
٢ - لا يقنع بالدرجة الواحدة من الدرجات الكثيرة إلاَّ أحد رجلين: إما غير مصدق لتلك النعمة العظيمة، أو سفيه لا يهتدي لطريق الرشد والتجارة المربحة.
٣ - المراد بالمنفرد: الذي صلَّى وحده في بيته بدون عذر، أما المعذور فأجره تام، وهذا الحديث مبيَّن بأحاديث أخر؛ مثل حديث: "إذَا مرض العبد، أو سافرة كُتبَ لَهُ ما كان يعمل، صحيحًا مُقيمًا" [رواه البخاري (٢٩٩٦)].
٤ - أنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ فإنَّها تصح صلاة المنفرد، مع الإثم الذي يلحقه، إذا لم يكن عذر في ترك الجماعة.
والدليل على صحتها وإجازتها: أنَّ فيها أجرًا أو فضلاً، فإنَّ قوله: "أفضل" أفعل تفضيل، وهي صيغة تدل على أنَّ شيئين اشتركا في صفة، وزاد واحد على الآخر فيها، فقد اشترك المنفرد والمصلي في جماعة، وزاد المصلي مع الجماعة على المنفرد بالأجر والدرجات.
قال الموفق: لا نعلم أحدًا أوجب الإعادة على من صلَّى وحده.
٥ - تفاضل الأعمال الصالحة بحسب تأديتها.
قال الطيبي: في حديث أبي هريرة: "بخمس وعشرين"، وفي حديث ابن عمر: "بسبع وعشرين"؛ ووجه التوفيق؛ أنَّ الزائد متأخر عن الناقص؛ لأنَّ الله يزيد عباده من فضله، ولا ينقصهم عن الموعود شيئًا؛ فإنَّه ﷺ بشر المؤمنين أولاً بمقدار فضلها، ثم رأى ﷺ أنَّ الله تعالى يمن عليه، وعلى أمته، فبشرهم به، وحثَّهم على الجماعة، وهذا الذي ذكرنا هو الضابط في
стр. 1001
التوفيق بين الأحاديث المختلفة من هذا النوع.
٦ - التفاوت هنا خاص بالصلاة جماعة، أو منفردًا بلا عذر، وهناك تفاوت كبير في الأجر أيضًا من حيث الخشوع، والحضور في الصلاة، وأدائها بإحسان، أو أقل من ذلك إلى آخر درجة في الثواب.
٧ - وجه قصر أبواب الفضيلة في خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين تارة أخرى، يرجع إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك حلها، وتفاصيلها.
ولعل اختلاف ذلك يرجع إلى حال المصلي والصلوات، بحسب كمال الصلاة والمحافظة على هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وحال الإمام، وشرف البقعة، وهناك تفاوت من حيث نوعية المسجد بالقرب والبعد، وقدم الطاعة فيه من عدمها، وهناك اعتبارات أخر لفضل صلاة على صلاة أخرى، ترجع إلى تكميلها وتقويمها، فإنَّ المصلي قد لا يرجع من صلاته إلاَّ بنصفها، أو بثلثها، أو رُبعها، أو سدسها، أو بِعشرها، وكل هذا التفاوت راجع إلى تكميلها وعدمه.
٨ - الحديث لا يدل على وجوب صلاة الجماعة، كما أنَّه لا يدل على عدم الوجوب، فليس فيه دليل للطرفين؛ ذلك أنَّ فضل العمل، وترتب الثواب عليه، يكون في الأعمال الواجبة، الأعمال المستحبة؛ فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١٠، ١١]،، فالإيمان بالله ورسوله من أوجب العبادات.
وجاء في "جامع الترمذي" (١٨٥٧) من حديث عبد الله بن سلام؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال؛ "أيُّهَا النَّاسُ"، أفْشُوا السلام، وأطْعِمُوا الطَّعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والنَّاس نيام، تدخلوا الجنة بِسلام"
فهذه طائفة بعضها مستحب، وبعضها واجب.
стр. 1002
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الجمع بين حديث: "السبع والعشرين" و"الخمس والعشرين" وأقربها إلى الصواب أن يقال: إنَّ العدد القليل لا ينافي العدد الكثير؛ لأنَّ مفهوم العدد غير وارد، على الصحيح من أقوال الأصوليين، فهو داخل ضمنه.
***
стр. 1003
٣٢١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذِّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلى رِجَالٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بيهوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهُمْ أنَّه يَجِدُ عَرْقًا سَمِيْنًا، أوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ -لَشَهِدَ العِشَاءَ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- والذي نفسي بيده: أي: والله الذي نفسي بيده، وهو قسمٌ كان النبي ﷺ يُقسمُ به.
- لقد هممت: "اللام" واقعة في جواب القسم، والجملة جواب القسم أكَّده باللام، وكلمة: "قد هممت بالأمر"؛ الهَمُّ: هو العزم على القيام به، ولم يفعله.
- فيحتطبَ: بالنصب؛ أي: يجمع الحطب.
- فأحرِّق: بالتشديد، من: التحريق، والمراد به: التكثير، يقال: حرَّقه إذا بالغ في تحريقه.
- آمر بالصلاة: الألف واللام إن كانت للجنس فهو عامٌّ، وإن كانت للعهد ففي رواية: "أنَّها العشاء"، وفي أخرى: "أنَّها الفجر"، وفي ثالثة: مطلقة، ولا تشاح بينها؛ لجواز تعدد الواقعة.
- فَيَؤُمَّ الناس: الفعل منصوب؛ لأنَّه معطوف على "آمر" و"الناس" منصوب؛
стр. 1004
لأنَّه مفعول، والجملة في محل نصب على أنَّها صفة لقوله: "رجلًا".
- أخالف: قال في "الصحاح": خالف إلى فلان: أتاه إذا غاب عنه، والمعنى: خالفت ما أظهرت من إقامة الصلاة، واشتغال بعض الناس بها.
- بيوتهم: جمع "بيت"، قال صاحب "المُغرب": البيت اسم للسقف، سمي به؛ لأنَّه يُبات فيه.
- عرْقًا: بفتح المهملة وسكون الراء ثم قاف، جمعه: "عراق"، هو العظم إذا أخذ أكثر ما عليه من الهبر، وعليه لحوم رقيقة طيبة، وقد جمع بين السمن في العرق، والحُسن في المرماتين، ليوجد الباعث النفساني في تحصيلهما.
- وَمرْماتَيْنِ: تثنية -مرماة- بكسر الميم فَراء ساكنة فميم مفتوحة فألف فتاء التأنيث، هي ما بين أضلاع الشاة من اللحم، وقيل: ما بين ضلعي الشاة من اللحم.
ثم جاء حرف العطف في هذا الحديث ثلاث مرات، مترقيًا من الأهون إلى ما هو أشد منه، ثم إلا أغلظها، فكل مرتبة أعلى مما قبلها؛ وذلك لتفاوت ما بين مدخولاتها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ صلاة الجماعة في المساجد فرض عين على الرجال البالغين؛ على الصحيح من أقوال العلماء.
٢ - أنَّ من ترك صلاة الجماعة -بلا عذر- استحق العقوبة الرادعة.
٣ - فضل صلاتي العشاء والفجر؛ لما في الإتيان إليهما من المشقة، ولما فيهما من الأجر.
٤ - أنَّما ثقلت صلاتا العشاء والفجر على أرباب البطالة والكسل؛ لضعف الداعي الإيماني في قلوبهم، فيغلب عليهم جانب الراحة والدعة والنوم، ولأنَّهم لا يُرَوْنَ في هاتين الصلاتين، فلا يُفْتقَدُون.
стр. 1005
٥ - الحديث دليل على القاعدة الشرعية: "درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح"، فالمصلحة التي تحصل من إقامة العقوبة على المتخلفين عن الجماعة- تسبب مفسدة تعذيب من لايستحق العقوبة من النساء والذرية، فامتنع هذا لهذا.
٦ - جواز القسم على الأمر المهم حيًّا أو منعًا، أو إثباتًا أو نفيًا.
٧ - جواز مخادعة الفساق في أماكن فسقهم؛ للقبض عليهم متلبسين بجريمتهم، لتقوم الحجة عليهم، ويسقط اعتذارهم.
٨ - أنَّ ضعيف الإيمان يقدم خسيس الدنيا، ويفضله على ما عند الله من حسن الجزاء، وعظيم الثواب، فينبغي للمؤمن أن ينتبه ويفطن لها، ويسأل الله العافية.
٩ - قال في "الفتح": ولا منافاة بين الاستدلالين على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وبين الحديث المتقدم عن ابن عمر: "صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ .. إلخ"؛ فإنَّ حديث ابن عمر يدل على صحة صلاة الفذ، وحديث أبي هريرة هذا يدل على إثم من تخلف عن الجماعة، غير أنَّه ليس بشرط في صحة الصلاة، فتصح صلاة الفذ ويأثم، إلاَّ أن يكون تخلفه عن عذر.
فثبوت عذر التخلف لمرض، أو مطر، أو خوف، أو نحو ذلك لا شكَّ فيه عند أهل العلم؛ لحديث الإذن بالصلاة في الرحال في الليلة المطيرة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يأمر المنادي، فينادي بالصلاة: صلوا في رحالكم" في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة، وكما جاء ذلك أيضًا في الصحيحين من حديث ابن عباس، ﵄.
١٠ - فيه دليل على جواز استخلاف الإمام من يصلي بالناس، إذا عرض له
стр. 1006
شغل، ولكنه لا يعطى عذرًا لمن ينصب نفسه إمامًا بالمسجد، ثم يهمله إلى نائب ببعض ما جعل له في أرزاق وجُعُل.
* خلاف العلماء:
أجمع المسلمون على مشروعية صلاة الجماعة، وأنَّها من أفضل الطاعات، وإنما اختلف الأئمة في حكمها، فقد تقدم أنَّ الأئمة الثلاثة يرون أنَّ صلاة الجماعة سنة مؤكدة، لا واجبة.
وأنَّ الظاهرية يرونها شرطًا لصحة الصلاة، وتبعهم ابن عقيل، وتقي الدين بن تيمية.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها واجبة على الأعيان، ولو لم تكن في مسجد.
قال ابن القيم: من تأمل السنة، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض عين، فقد قال ﷺ للرجل الأعمى: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب.
ولولا ما في بيوت المتخلفين عن الجماعة من النساء، لحرَّق عليهم بيوتهم بالنار، وإذا كان المنفرد لا تصح صلاته خلاف الصف، فكيف من صلَّى منفردًا في بيته؟!.
وقال ابن مسعود: من سرَّه أن يلقى الله مسلمًا، فليصلِّ هذه الصلوات الخمس؛ حيث ينادى بهن، فما يتخلَّف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق.
وقال ابن عباس عن رجل لا يحضر الجماعة، هو في النار.
وقال شيخ الإسلام: وجوبها على الأعيان هو إجماع الصحابة وأئمة السلف، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة.
***
стр. 1007
٣٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ "أثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِيْنَ: صَلاَةُ العِشَاءِ، وصَلاَةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا". مُتَّفقٌ علَيْهِ (١).
وَعَنْهُ قَالَ: "أتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلى المَسْجِدِ، فَرخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بالصَّلاَةِ؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَأَجبْ". رَوَاهُ مُسْلمٌ (٢)
ــ
*مفردات الحديث:
- ما فيهِمَا: أي: صلاتي الفجر والعشاء من الثواب والفضل.
- حبوًا: بفتح المهملة وسكون الباء وآخره واو؛ أي: مشيًا على اليدين والركبتين؛ كحبو الصبي.
- حبوًا: منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: لأتوهما، ولو كان إتيانًا حبوًا.
- النداء بالصلاة: المراد به: الأذان.
- رجل أعمى: هو عبد الله بن أم مكتوم، كما جاء في رواية أبي داود، وغيره من أصحاب السنن.
стр. 1008
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لما كان المنافقون يراؤون الناس بعبادتهم، ولا يريدون بها وجه الله تعالى، صارت الصلاة عليهم ثقيلة، وأثقلها عليهم هما الصلاتان اللتان لا يراهم فيهما الناس-: العشاء والفجر؛ فإنَّ الناس يؤدونهما في ظلام، قبل إسراج المساجد.
٢ - كما أنَّ هاتين الصلاتين تقعان في وقت الراحة، والدعة، والنوم، فلا ينشط لهما إلاَّ من في قلبه وازع من إيمان بالله تعالى، يزعجه ويقلقه حتى يؤديهما، أما الذي قلبه خال من الإيمان -وأول من يوصف بذلك هم المنافقون- فلا ينشطون لهاتين الصلاتين.
٣ - هاتان الصلاتان عظيمتا الأجر، كبيرتا الأمر، فلو علم هؤلاء المتخلفون عنهما، ما أعدَّ الله من الثواب لِمَنْ أداهما جماعة -لأتوهما ولو حبوًا على رُكبهم كحبو الطفل.
٤ - في الحديث دليلٌ على وجوب صلاة الجماعة في المسجد؛ ذلك أنَّ النَّبىَّ ﷺ لم يجد رخصة لرجل أعمى، ليس له قائد يأتي به إلى المسجد، فكيف بالبصير القادر؟!
٥ - فيه بيان نعمة الإيمان بالله تعالى، ورجاء ثوابه؛ فإنَّ ذلك يخفف الطاعة على صاحبها ويحببها إليه، ويسهلها له، وييسرها عليه، كما أنَّ نقمة النفاق -والعياذ بالله- تكون ظلامًا على صاحبها فيظلم قلبه، وتعمي بصيرته، وينسى نفسه، حتى تثقل عليه الطاعات، ويكره العبادات، فينزل به هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وهو على حاله من الغفلة والضلال.
٦ - قال شيخ الإسلام: حديث الأعمى نصٌّ في إيجاب الجماعة، والرجل الأعمى هو ابن أم مكتوم؛ كما جاء ذلك صريحًا في بعض الروايات.
وقال ابن عباس عن رجل يصلي بالليل، ولا يحضر الجماعة، فقال: هو
стр. 1009
في النار.
وقال الشافعي: أما الجماعة، فلا رخصة فيها إلاَّ من عذر.
وقال النووي: الجماعة مأمور بها؛ للأحاديث الصحيحة المشهورة، وإجماع المسلمين.
وقال شيخ الإسلام: من أصرَّ على ترك الجماعة فهو آثم مخالف للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.
وقد مرَّ أنَّه ﵀ يرى أنَّ الجماعة، شرط لصحة الصلاة في حق غير المعذور.
وقال ابن كثير: وما أحسن ما يستدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة بصلاة الخوف؛ حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنَّها واجبة ما ساغ ذلك.
٧ - ظاهر حديث الأعمى تقييد وجوب الإتيان إلى النداء بسماع النداء سماعًا مجردًا؛ لأنَّه قد يسمع غير مجرد، والمسألة عرفية.
٨ - ترخيص النبي ﷺ للرجل الأعمى بترك الجماعة، ثم رده -يحتمل أنَّه كان بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنَّه قد تغيَّر اجتهاده ﷺ .
***
стр. 1010
٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ، فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذُرِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ.
وإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وقْفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضيعيف؛ قال في "التلخيص": رواه أبو داود والدارقطني، وفيه: أبو جناب ضعيف ومدلس، وقد ضعفه الحافظ ابن الملقن من هذا الوجه، وقد رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم من طريق أخرى مرفوعًا: "من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلاَّ من عذر"، لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة.
وله شواهد منها: حديث أبي موسى، رواه الحاكم والبيهقي، وقال: الموقوف أصح، ورواه العقيلي عن جابر وضعفه، ورواه ابن عدي عن أبي هريرة وضعفه.
* مفردات الحديث:
- عذر: بضم الذال للاتباع، وتسكن، وجمعه: "أعذار"، والعذر: الحجة التي يعتذر بها، وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه، فيقال: معذور؛ أي: غير ملوم فيما صنع.
стр. 1011
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث حجة قوية لمن يقول: إنَّ صلاة الجماعة فرضُ عينٍ، وأنَّه يجب أداؤها بالمسجد.
٢ - قوله: "من سمع النداء" مفهوم الحديث أنَّ الذي لا يسمع النداء؛ لبعده عن مكان النداء -فإنه لا يجب عليه الحضور، فأما من كان بمكان بحيث يسمعه، فإنَّه يجب عليه الحضور.
٣ - أما سماع النداء من مكان بعيد يشق الوصول إليه بواسطة مكبر الصوت-: فهذا سماع لا يتعلق به حكم، فلا يجب على سامعه الحضور؛ فإنَّ العبرة بالمعاني المرادة في هذه الفقرة، وفي التي قبلها، ومراد الشارع معروف من الأمر.
٤ - أما قوله: "فلا صلاة له"، فإنَّ النفي في الأصل يكون نفيًا لذات الشيء، فإن لم يمكن نفي الذات كان نفيًا لحقيقته الشرعية، وهذا معناه نفي الصحة، فإن لم يمكن فهو نفي لكمال الشيء.
وفي هذا الحديث نفي الذات متعذر؛ لأنَّ سورة الصلاة موجودة، ونفي الصحة ممكن، لو لم يعارضه أحاديث تنافيه، وتصحح صلاة المنفرد، ولو بدون عذر، ومنها: حديث يزيد بن الأسود الآتي.
فيكون الجمع بين هذا الحديث، وبين ما عارضه من الأحاديث-: هو أنَّ النفي يكون لنفي الكمال، وتكون صلاة المنفرد بلا عذر صلاة ناقصة، قليلة الثواب، إلاَّ أنَّها مجزئة للذمة، مع الإثم الذي حمله المتخلف عن الجماعة بلا عذر.
قال الطيبي: اتَّفقوا على أنَّه لا رخصة في ترك الجماعة لأحدٍ، إلاَّ من عذرٍ؛ لحديث ابن عباس، وحديث الأعمى.
قال عطاء: ليس لأحد رخصة أن يدع الجماعة إذا سمع النداء، لا في
стр. 1012
الحضر، ولا في السفر.
٥ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإنَّ الله شرع لنبيه سنن الهدى، وأداء هذه الصلوات الخمس في المساجد من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف" [رواه مسلم (٦٥٤)].
٦ - قال ابن القيم: ومن تأمَّل السنة، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض عين، إلاَّ لعارض يجوز معه ترك الجماعة، وقد علم من الدين بالضرورة أنَّ الله شرع الصلوات الخمس في المساجد، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة.
٧ - قال جمهور العلماء: صلاة الفرض إذا أتى بها المصلي على وجهها الكامل ترتَّب عليه شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإن أداها على غير وجهها الكامل، حصل سقوط الفرض عنه دون حصول الثواب.
***
стр. 1013
٣٢٤ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأسْوَدِ ﵁: "أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِيَا، فَدَعَا بهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا مَنَعَكُمَا أنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالاَ: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنا، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلاَ، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أدْرَكتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا معَهُ، فَإنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلاَثَةُ، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّان (١).
ــ
*درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ قال في "التلخيص": رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني (١/ ٤١٣) وابن حبان والحاكم كلهم من طريق: يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، ويعلى بن عطاء من رجال مسلم، وجابر وثَّقه النسائي وغيره، فسند الحديث صحيح.
*مفردات الحديث:
- إذا: فجائية، بعلامة دخولها على الجملة الاسمية.
- تَرْعُد: -بفتح التاء وسكون الراء المهملة وضم العين المهملة فدال مهملة- أي: ترجف من الخوف.
- فرائصهما: الفريصة هي: اللحمة بين الجنب والكتف.
стр. 1014
- رحالنا: مسكن الإنسان وما يتبعه من أثاث، وفي الحديث: "إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال".
- فلا تفعلا: "لا" ناهية، والفعل بعدها جزم بها بحذف النون، والألف فاعل.
- أدركتما: يقال: أدركت الشيء: إذا طلبته فلحقته.
- نافلة: يعني: الصلاة الأولى لهما فريضة، وهذه المُعَادَةُ تطوع، والنافلة للزيادة في الأجر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على استحباب إعادة الجماعة لمن صلَّى، ثمَّ جاء المسجد، فوجد الناس يصلون، أو أقيمت الصلاة، وهو في المسجد.
٢ - يدل على صحة الصلاة في البيت، ولو من دون عذر، ولكنه يأثم بترك الجماعة في المسجد بدون عذر، كما تقدم في حديث أبي هريرة وغيره.
٣ - يدل على أنَّ صلاة الفريضة هي الأولى؛ سواء كانت في جماعة أو صلاها وحده، وأنَّ المعادة هي النافلة.
٤ - فيه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويكون بالحكمة والموعظة الحسنة.
٥ - فيه حُسْن خُلقِ النبي ﷺ ، وحُسن تعليمه؛ فإنَّه سأل في بادىء الأمر عن سبب عدم دخولهما في الصلاة، فلما علم أنَّه لا عذر لهما، أرشدهما إلى ما ينبغي لهما فعله، كل ذلك بلطف وتوجيه حسن.
٦ - حضور الجماعة، وعدم الدخول مع الإمام فيها مما يسيء الظن؛ بأنَّ المتخلف يكره الإمام، أو بأنَّه لا يصلي، أو غير ذلك من الظنون، والإنسان يطلب منه دفع سوء الظن عن نفسه، ولا يعتبر هذا رياء.
٧ - أنَّ العبادة إذا انتهت لا يجوز إلغاؤها، وإنما قد وقعت موقعها، ولو صلح إلغاؤها لأَمرَ هذين الرجلين بإلغاء الصلاة التي وقعت في البيت، وجعل الفريضة هي التي مع الجماعة، والأولى نافلة.
стр. 1015
٣٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كبَّرَ فَكبِّروا، وَلاَ تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكبرِّ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكعُوا، وَلاَ تَرْكعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَّا لَكَ الحَمْدُ، وَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلاَ تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا صلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أجْمَعِيْنَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ؛ وورد عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أنس، وعائشة، وجابر، وأبو هريرة.
فأما حديث أبي هريرة، وهو حديث الباب، فله عدة طرق:
الأولى: الأعرج عنه، أخرجه البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤١٤)، وأحمد (٧١٠٤).
الثانية: أبو علقمة عنه، رواه مسلم (٤١٦).
الثالثة: أبو يونس مولى أبي هريرة عنه، أخرجه مسلم (٤١٤).
الرابعة؛ أبو صالح عنه، رواه أبو داود (٦٠٣) والنسائي (٩٢١)، وزاد: "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال أبو داود: هذه الزيادة ليست بمحفوظة، وقد صحَّت هذه الزيادة عند مسلم، وأخرجها في صحيحه (٤٠٤)، ومما يقوي هذه
стр. 1016
الزيادة أنَّ لها شاهدًا من حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم (٤٠٤) وغيره.
* مفردات الحديث:
- إنَّما: للحصر، وهو إثبات الحكم في المحصور فيه؛ كوجوب الاقتداء في هذا الحديث، ونفيه عمَّا عداه.
- جُعِلَ الإمام: مبني للمجهول، والجعل يأتي لمعنيين: أحدهما: قدري، والآخر: شرعي، فإن كان بمعنى الخلق فهو قدري؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر]، وإن كان أمرًا، أو نهيًا، فهو شرعي؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والفرق بين الجعلين: أنَّ القدري لا يتخلف، بخلاف الشرعي فقد يتخلف.
- ليؤتَمَّ به: أي: لِيُقْتَدى به في الصلاة، ويتابع.
- فإذا كبر: "إذا" ظرف زمان للمستقبل، متضمن معنما الشرط، مضاف إلى الجملة بعده.
- فكبروا: الفاء رابطة لجواب الشرط، وهي عاطفة، وتفيد الترتيب مع التعقيب؛ فتكون أفعال المأموم عقب أفعال الإمام، بلا تراخ.
- ولا تكبروا حتى يكبر: جاءت لتأكيد ما قبلها، بإبراز المفهوم بصورة المنطوق.
- ربنا ولك الحمد: جاء في بعض روايات الحديث بحذف الواو، وبعضها بإثباتها؛ أي: "ربنا ولك الحمد"، فمن أثبتها قال: إنَّ فيها معنى زائدًا، ومن حذفها قال: الأصل عدم التقدير.
قال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح.
- فصلوا قعودًا: أي: قاعدين وهو الحال.
- أجمعين: توكيد معنوي لواو الجماعة في "فصلوا".
стр. 1017
وأما "قعودًا" فهي حال من واو الجماعة أيضا، نصب على الحال، وأكثر الروايات "أجمعون" بالرفع تأكيدًا لضمير الجمع قي "فصلوا".
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث يدل على الآتي من الأحكام:
١ - وجوب متابعة الإمام، وأنَّه القدوة في تنقلات الصلاة، وسائر أعمالها وأقوالها؛ فلا يجوز الاختلاف عليه.
٢ - أنَّ الأفضل أن تأتي تنقلات المأموم بعد تنقلات الإمام، فتكون عقبه، فلا تخلف في الانتقال من ركن إلى ركن؛ ذلك أنَّه عطف بين تنقلات الإمام وتنقلات المأموم بالفاء، الدالة على الترتيب والتعقيب.
٣ - أنَّ مسابقة الإمام محرَّمة، وإذا وقعت عمدًا بطلت صلاته، وسيأتي بيان ذلك وتفصيله إن شاء الله تعالى.
٤ - أنَّ التخلف عنه كمسابقته، لا تجوز.
٥ - أنَّ المشروع في حق الإمام والمنفرد هو قول: "سمع الله لمن حمده" عند الرفع من الركوع، وأنَّ ذلك لا يشرع في حق المأموم.
٦ - يستفاد من الحديث أنَّ حالة المأموم تنقسم إلى أربع حالات:
إحداها: أن يسبقه، فهذا محرم مع العمد، ومبطل للصلاة على القول الراجح، كان كان السبق في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد.
الثانية: أن يوافق المأموم في أقواله وتنقلاته، فهذا مكروه، وبعضهم حرَّمه، ولا يبطل الصلاة إلاَّ في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد معه.
الثالثة: أن يتخلف عنه، والتخلف كالسبق في أحكامه.
الرابعة: أن يتابعه في أقواله وأفعاله، وهذا هو المشروع الذي يدل عليه الحديث، المرتِّب فعل الماموم بعد الإمام بـ"الفاء" المفيدة للترتيب والتعقيب.
стр. 1018
٧ - قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" الائتمام: هو الاقتداء والاتباع، ومن شأن التابع ألا يسابق متبوعه ولا يوافقه، بل يأتي على أثره.
٨ - أنَّ المشروع في كل من الإمام والمأموم والمنفرد بعد الرفع من الركوع -قول "ربنا ولك الحمد ... إلخ"؛ فـ"سمع الله لمن حمده" هو الذكر المناسب من الإمام، وأما "ربنا ولك الحمد" فهي مناسبة من الكل.
٩ - أنَّ الإمام الراتب إذا صلَّى قاعدًا لعذر، فإنَّ من تمام الاقتداء والمتابعة أن يصلي المأمومون قعودًا، ولو من دون عذر.
١٠ - قال شيخ الإسلام: إنَّ الحديث يدل على أنَّ المأموم إذا كان يرى مشروعية جلسة الاستراحة مطلقًا، والإمام لا يراها أنه يتابع إمامه، ولا يجلس لها، وبالعكس إذا كان الإمام يراها، والمأموم لا يراها، فإنه يجلس، وهذا كله تحقيق للمتابعة.
١١ - مذهب الإمام أحمد: أنَّها لا تصح إمامة العاجز عن القيام إلاَّ بمثله، إلاَّ الإمام الراتب، فإذا عجز عن القيام لمرض يرجى زواله، صحَّت خلفه، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، ولو مع قدرتهم على القيام، إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، وعجز عن القيام أثناءها فجلس، صلُّوا خلفه قيامًا وجوبًا.
١٢ - اتَّفق العلماء على تحريم مسابقة المأموم لإمامه، واختلفوا في بطلان صلاته:
فذهب الجمهور إلى: أنَّها لا تبطل.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ من سبق إمامه بركن كركوع وسجود، فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل عمدًا حتى لحقه الإمام فيه، بطلت صلاته.
١٣ - قال الشيخ تقي الدين أيضًا: اتَّفق الأئمة على تحريم مسابقة الإمام عمدًا، وهل تبطل الصلاة بمجرده؟ قولان في مذهب أحمد وغيره، وقد
стр. 1019
استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك، كما أجمعوا على أنَّها لا تبطل إذا سبقه سهوًا، إلاَّ أنَّه لا يعتد بما سبق به إمامه؛ لأنَّه فعله في غير محله، ووجه عدم بطلانها بالسبق سهوًا: أنَّها زيادة من جنس الصلاة وقعت سهوًا لا عمدًا.
وقال الشيخ تقي الدين: الصحيح ما ذكره الإمام أحمد في رسالته من أنَّ مجرد السبق عمدًا يبطل الصلاة؛ لأنَّ الوعيد للنهي، والنهي يقتضي الفساد.
١٤ - الحديث حجة في أنَّ المأموم لا يجمع بين التسميع والتحميد عند الرفع من الركوع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وإنما الذي يجمع بينهما هو الإمام والمنفرد.
بخلاف الشافعية: فإنَّهم يرون الجميع بينهما؛ لما في مسلم (٤٧٦) من "أنَّه ﷺ كان إذا رفع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربنَّا ولك الحمد" وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي".
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد.
وقال ابن حجر: فأما الإمام فيسمع ويحمد، يجمع بينهما؛ لما ثبت في البخاري أنَّ النبيَّ ﷺ كان يجمع بينهما.
١٥ - "سمع الله لمن حمده" محلها عند رفع رأسه من الركوع، وأما "ربَّنا ولك الحمد" فمحلها بعد الاعتدال من الركوع.
١٦ - أنَّ تكبيرة المأموم تأتي بعد تكبيرة الإمام بلا تخلف؛ سواء في تكبيرة الإحرام، أو في تكبيرات الانتقال، فإن وافقه في التكبير، فإن كبَّر الإمام والمأمومون معًا، ففي تكبيرة الإحرام، لا تنعقد صلاة المأموم، وفي سائر التكبيرات يُكره ذلك.
стр. 1020
١٧ - يقاس ما لم يذكر من أعمال الصلاة على ما ذكر منها هنا، فيستحب المتابعة والاقتداء؛ فإنَّ قوله: "إنَّما جُعل الإِمام؛ ليُوْتَمَّ به" أداة حصر، تشمل جميع أعمال الصلاة.
١٨ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ولا عكسه، ولا كل مفترض خلاف مفترض لفرض آخر، مخالف له وقتًا أو اسمًا؛ لحديث: "فلا تختلفوا" والرواية الأخرى عن الإمام صحة ذلك كله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّه ﵀ يجيز أن يصلي شخص خلف شخص آخر، يخالفه في النية والأفعال، فمن صلَّى العشاء خلف من يصلي المغرب، إذا سلم إمامه قام وأتى بالركعة الرابعة، ومن صلَّى المغرب خلف إمام يصلي العشاء فهو مخيَّر، فإما أن ينتظر حتى يلحقه الإمام في التشهد فيسلم بعده، وإما أن ينوي الانفراد، ويسلم قبله.
ومثله لو صلَّى العشاء خلف من يصلي التراويح، فإذا سلم الإمام من الركعتين، قام وأتي بالركعتين الباقيتين.
١٩ - عموم الحديث بمنع مخالفة المأموم للإمام يشمل النية؛ فلا يجوز أن يصلي الإمام فريضة بمن يصلي نافلة، وبالعكس، لكن حديث معاذ مخصص لهذا الحديث في مسألة اختلاف النية؛ فإنَّ معاذًا يصلي مع النبي ﷺ الفريضة، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له نافلة ولهم فريضة.
٢٠ - قال شيخ الإسلام: مسابقة الإمام عمدًا حرامٌ باتفاق الأئمة، فلا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك؛ لأنَّ المؤتم تابع لإمامه، فلا يتقدم على متبوعه، وفي بطلان صلاته قولان معروفان للعلماء.