← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وذلك بانقطاع الأمطار، وقلة المرعى. ٣ - أنَّ الصحابة ﵃ ما كانوا يأتون إلى قبر النبي ﷺ ، فيطلبون منه الدعاء، ويتوسلون بذاته وجاهه إلى الله تعالى؛ لعلمهم أنَّ دعاءه انقطع بوفاته ﵊ أما التوسل بذاته أو جاهه فإنَّه ليس بمشروع، وما ليس بمشروع فهو بدعة. لذا فإنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة معه ﵃ طلبوا من العباس بن عبدالمطلب ﵁ أن يدعو الله ﵎ لهم بالسقي، وهم يؤمنون على دعائه، فهذا أمر جائز مشروع. ٤ - قال العباس في دعائه: اللهمَّ إنَّه لم ينزل بلاء إلاَّ بذنب، ولم يُكشف إلاَّ بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأَرْخَتِ السَّماءُ مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس. ٥ - هذا الحديث مثار جدل بين المبتدعة الذين يرون جواز التوسل بذات المخلوق، وجاهه من الأحياء والأموات، وبين أهل السنة الذين يرون في هذا الحديث دليلاً صريحًا على أنَّ التوسل هو بالدعاء، وأنَّ التوسل بالذات والجاه غير جائز، ذلك أنه لو كان جائزًا، فإنَّ كرامة النبي ﷺ عند ربه ورفعة مقامه ما نقصت بموته، بل هي باقية، فلماذا عدل الصحابة عن التوسل بذاته إلى طلب الدعاء من العباس؟. والجواب: ما كان إلاَّ لأن طلب الدعاء من الميت -مهما عظمت منزلته- غير ممكن، فطلب ذلك من الحي القادر عليه، فهذا هو التوجيه الصحيح. ٦ - وبهذا ظهر ما يردده شيخ الإسلام في كتبه، من أن أي مبطل يحتج على باطله بدليل صحيح، يكون حجة عليه، لا حجة له. ٧ - وبهذه المناسبة، فإننا نسوق خلاصة عن أقسام التوسل وأحكامه:

стр. 1262

التوسل خمسة أقسام: أحدها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته العلى، فهو مشروع؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وجاء في البخاري (٧٣٩٢)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة". وما رواه الإمام أحمد (١/ ٣٩١) من حديث ابن مسعود عن رسول الله ﷺ ؛ أنَّه قال: "ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال ... أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك -إلاَّ أذهب الله همَّه وحزنه". الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح للداعي، فهو أيضًا مشروع، وأقرب مثال لذلك: ما جاء في الصحيحين من قصة أصحاب الغار الثلاثة، الذين انطبقت عليهم الصخرة، ولم ينجهم من محنتهم إلاَّ التوسل بصالح أعمالهم، وحديثهم وقصتهم مشهورة. وقال الصالحون المؤمنون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران]. الثالث: التوسل بدعاء الرجل الصالح، ومثاله: حديث الباب، فهو صريح في ذلك؛ فإنَّ تقدير الكلام: "اللَّهم، إنا كنَّا نتوسل إليك بدعاء نبينا فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا"؛ إذ لو كان المراد: التوسل بالجاه؛ لما قدموا العباس، فإنَّ جاه النبي ﷺ باقٍ، حيًّا وميتًا، وهذه التوسلات الثلاثة جائزة. الرابع: التوسل بالجاه أو بالحق؛ كأن يقول: أتوسل إليك بجاه النبي ﷺ ، أو بحق النبي ﷺ ، أو بحق فلان، فهذا توسل بدعي، غير شرعي؛ لأنَّه لم يرد في كتاب، ولا سنة، ولم ينقل عن الصحابة، ولا عن أحد من

стр. 1263

أصحاب القرون المفضلة، أما ما يقال: "توسلوا بجاهي؛ فإنَّ جاهي عند الله عظيم"، فقال شيخ الإسلام: هذا حديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلمِ، مع العلم بأنَّ جاهه عند الله أعظم من جاه موسى الذي قال الله عنه: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب]. الخامس: التوسل بالذات؛ وهذا ما يفعله المشركون مع أصنامهم، فكانوا يتوسلون بها إلى الله تعالى، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وأما الرابع: فمن وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، ولكنه لا يُخرجُ صاحبه من الإسلام. ***

стр. 1264

٤١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - حسر: يقال: حسر الشيء يحسره حسرًا -من بابي نصر وضرب- أي: كشفه، ويقال: حسر كمه عن ذارعه؛ أي: كشفه، والمعنا: كشف عن بعض بدنه. - حديث عهد: من: حدث الشيء يحدث حدوثًا، نقيض "قدُم"، فالحديث الجديد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب التعرض لأول المطر؛ ليصيب البدن والثوب والرحل، فرحًا بنعمة الله تعالى، واغتباطًا بنزوله، ولأنَّه لا يزال على نقاوته، وطهارته الكاملة، فلم تصبه الأرض، ولم يختلط بغيره مما يعكر صفوه، ويغير طعمه. ٢ - الله جلَّ وعلا في جهة العلو، والمطر نازلٌ من العلو، فهو وإن لم يبلغ علوَّ الله ، فهو آتٍ من العلو، وفيه بركة صنع الله الحديثة؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وروى الشافعي في " الأم" بسنده مرسلاً عن النبي ﷺ قال: "اطلبوا استجابة الدعاء عند نزول المطر، وإقامة الصلاة". قال في "شرح الإقناع": روي: أنَّه ﷺ كان يقول إذا سال الوادي: "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا، فنتطهر منه" [رواه الشافعي في

стр. 1265

"الأم" (١/ ٢٥٢)]. ٣ - قال في "شرح الإقناع": ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج رحله وثيابه؛ ليصيبها المطر، وهو الاستمطار؛ لحديث أنس. ٤ - قال في "شرح الإقناع": ويسن أن يقول: مُطرنَا بِفضل الله ورحمته، ويحرم قول: مُطرنا بِنَوْءِ كَذا؛ لِمَا في البخاري (٨٤٦) ومسلم (٧١)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ وكافرٌ، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي، وكافرٌ بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنَوْءِ كَذَا، فذلك كافرٌ بي، مؤمنٌ بالكواكب". ذلك أنَّ العرب كانت تزعم أنه مع سقوط نجم وطلوع نظيره، يكون مطر، فينسبونه إليهما، وإضافة المطر إلى النوء دون الله تعالى كفر إجماعًا، ويحرم نسبته إلى النجم، وإن قصد نسبة الفعل إلى الله تعالى، ويباح: مطرنا في نوء كذا، كما يُقال: مُطرنا في شهر كذَا. ٥ - قال ابن القيم: ثم يرسل تعالى الرياح، فتحمل الماء من البحر، وتلقحها به، ولذا نجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الأمطار، وإذا بعدت عن البحر، قلَّ مطرها، فالمطر معلوم عند السلف والخلف؛ أنَّ الله تعالى يخلقه من الهواء، من البخار المتصاعد، فإنَّه لم يخلق شيئاً إلاَّ من مادة. ٦ - قوله: "فحسر ثوبه، حتى أصابه المطر" هل هذا الأمر مشروع، أو مباح؟ يحمل على أحد أمرين: أحدهما: إن كان فعله النبي ﷺ على قصد التعبد، فهو مشروع. الثاني: وإن كان فعله على سبيل العادة، فإنه لا يدل على مشروعية الفعل. والتعليل بإنَّه حديث عهد بربه، يدل على قصد العبادة. ٧ - فعل النبي ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط.

стр. 1266

٨ - الحديث يدل على قاعدةٍ لأهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى؛ هي أنَّ صفات الله قديمة النوع، حادثة الآحاد؛ بمعنى: أنَّ الله تعالى متصف بصفاته الثابتة الفعلية، اتصافًا أزليًّا أبديًّا، وأما آحادها وأفرادها فتحدث حسب إرادته وحكمته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود]، فالله تعالى -مثلاً- له صفة الخلقِ صفةٌ أزليةٌ أبديةٌ، أما خلقه لهذا المطر فهو حديث جديد. وهذا بخلاف مذهب الأشاعرة، الذين يؤولون صفة الله بالإرداة؛ لأنَّهم ينكرون أن تقوم بالله تعالى أفعال اختيارية؛ لأنَّه -على زعمهم- فعلٌ حادثٌ، والفعل الحادث لا يقوم إلاَّ بحادث، والله منزهٌ عن الحدوث، فهو الأول ليس قبله شيء، وهذا فهم منهم لصفات الله تعالى خاطىء؛ فإنَّ صفات الله تعالى أزلية بأزلية ذاته، والحادث المتجدد دائمًا هو آحادها ومفرداتها، التي تحدث حسب إرادته وحكمته. ***

стр. 1267

٤٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأى المَطَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافعًا". أَخرَجَاهُ (١). ــ * مفردات الحديث: - صيِّبًا: مفعولٌ لفعل محذوف، والتقدير: اجعله صيبًا، كما في رواية النسائي (١٥٢٣)، قال في "النهاية": أصله الواو؛ لأنَّه من: صاب يصوب إذا نزل، ومعناه: منهمرًا متدفقًا. - نافعًا: صفة "صيبًا"، واحترز به عن الصيب الضار. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الدعاء عند نزول المطر، والأفضل أن يكون بهذا الدعاء؛ لثبوت أنَّه من الأدعية النبوية في هذا الموطن. ٢ - الصيب هو المطر المنصب بغزارة، النافع للعباد والبلاد بالخصب والحياة. ٣ - قال الطيبي: هو تتميم في غاية الحسن؛ لأنَّ الصيب مظنة الضرر، و"النافع" احترازٌ من هذا الصيب المخوف. قال في "شرح الأذكار": يجوز أن يكون احترازًا عن مطرٍ لا يترتب عليه نفع، فيكون أعم من أن يترتب عليه ضرر؛ ولذا كان ﷺ يقول: "اللَّهمَّ سُقيا رحمةٍ، لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرق". [رواه البيهقي (٣/ ٣٦٢)]. ٤ - قال الإمام النووي في "الأذكار": روى الشافعي في "الأم" بإسناده حديثًا مرسلاً عن النبي ﷺ قال: "اطلبوا استجابة الدعاء عند: التقاء الجيوش،

стр. 1268

وإقامة الصلاة، ونزول الغيث". قال الشافعي وقد حفظت من غير واحدٍ طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة. ***

стр. 1269

٤٢١ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁:- "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا قَصِيْفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلاً، يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرامِ". رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيْحِهِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ جدًّا، لكن له طرق عديدة بألفاظ مختلفة متقاربة. قال في "التلخيص": أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ، ثم ذكر عدة روايات في الباب، ثم قال: فهذه الروايات عن عشرة من الصحابة، يعطي مجموعها أكثر مما في حديث ابن عمر، وهو أنَّه ﷺ كان إذا استسقى، قال: "اللهمَّ اسقنا، غيثًا، مغيثًا، هنيئًا، مريئًا، سريعًا، غدقًا، مجللاً، سحًّا، طبقًا، دائمًا، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين ... إلخ". * مفردات الحديث: - جللنا: بالجيم من: "التجليل"، والمراد: تعميم الأرض. - كثيفًا: -بفتح الكاف فثاء مثلثة فمثناة تحتية ففاء- أي: متكاثفًا متراكمًا بعضه فوق بعض. - قصيفًا: -بالقاف المفتوحة فصاد مهملة فمثناة تحتية ففاء- وهو ما كان رعده شديد الصوت. - دَلُوقًا: بفتح الدال المهملة وضم اللام وسكون الواو فقاف، والدلوق: المنهمر بغزارة، والمندفع بشدة، يقال: دلق؛ أي: اندفع بشدة.

стр. 1270

- ضَحُوكًا: الضحوك: كثير البرق. - رذَاذًا: -بفتح الراء المهملة فذال معجمة مفتوحة، فذال أخرى- وهو: ما كان مطره دون الطش، والطش: المطر الضعيف. - قِطْقِطًا: بكسر القافين وسكون الطاء الأولى، أصغر، فالقِطْقِطة أصغر المطر، ثم الرَّذاذ، ثم الطش. - سَجْلاً: بفتح السين وسكون الجيم، قال في "النهاية": هي الدلو الملأى ماء، ويجمع على: "سجال". قال في "المحيط": ويستعار السَّجْل للعطاء، وهو المراد هنا. قد يظن أنَّ هذه الصفات للمطر متعارضة، ولكن الأمر بخلاف ذلك؛ فإنَّ الداعي طلب من الله تعالى أنِ ينزل على عباده المطر بهذه الصفات، التي تجمع الغزارة مع الرفق، والإطناب في الدعاء مشروع، والله أعلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه الأدعية المأثورة هي المناسبة لطلب الغيث؛ فينبغي أن يدعى بها في صلاة الاستسقاء، وفي خطبة الجمعة، وفي أي وقت، وذلك عند وجود السبب من القحط والجدب، والتضرر بذلك. ٢ - وصف المطر المطلوب من الله تعالى بأن يجلل الأرض فيعمها، ولا يقصره على بقعة خاصة، وأن يكون كثيف الماء بتراكم سحابه، وأن يكون فيه صوت شديد من قصف رعوده، ولمعان بروقه، وأن يندفع بغزارة، وقوة من شدَّة دفعه، وأن يكون مع غزارته ليِّناً سهلاً، فيكون نزوله من السماء صغارًا، فينساب في الأرض انسيابًا، لئلا يفسد الزروع، ويهدم المباني. والتوسل إليه بجلاله، وكرمه، بصفة الجلال وصفة الكرم، من أنسب الوسيلة؛ لقوله ﷺ : ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام" [رواه الترمذي (٣٥٢٤)]، لاسيما في هذا المقام.

стр. 1271

٣ - وصف المطر بهذه الصفات التي يظهر التفاوت بين أوصافها هو عين الفصاحة والبلاغة، والله تعالى قادر على أن يجمع بينها في شيء واحد؛ فقد وصف عصا موسى بأنها ثعبان مبين، ووصفها بأنَّه حيَّة تسعى، وهما صفتان متباينتان، فهي من حيث عظمها وضخامتها ثعبان، وهي من حيث خفتها وسرعة الحركة حيَّة، وهكذا أوصاف السحاب والمطر. ٤ - البلاغة في الكلام: ما طابقت مقتضى الحال، وقد تقضي الحال الإطناب؛ كمواقف الدعاء، أو مقام الترغيب في العفو؛ كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ [التغابن: ١٤]، والدعاء كمثل هذا الحديث الذي توالت فيه الصفات. ***

стр. 1272

٤٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا، رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا، فَقَدْ سُقِيْتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ". رواه أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ. أخرجه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، إلاَّ أنَّ فيه: محمد بن عون وأباه، والغَالب في مثلهما الجهالة. * مفردات الحديث: - نملة: -بفتح النون وسكون الميم-: حشرة ضعيفة ضئيلة الجسم، من رتبة غشائيات الأجنحة، تتخذ مسكنها تحت الأرض، جمعها: "نمل ونمال". - مستلقية على ظهرها: أي: منقلبة على قفاها. - قوائمها: جمع: "قائمة" وهي من الدابة والحشرة: يداها ورجلاها، سميت: قوائم؛ لأن الدابة تقوم عليها. - بدعوة غيركم: الباء للسببية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الخلائق كلها قد فطرَت على معرفة الله ﵎، وأُلهِمَتْ أنه لا

стр. 1273

ينفعها ولا يضرها إلاَّ ربها، فألقت حوائجها بين يديه، ورفعت فاقَتَها وفقرها إليه. ٢ - أنَّ البهائم مفطورةٌ على معرفة الله تعالي، وملهَمةٌ طاعته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٣ - هذا التوسل وهذا الدعاء اللذان ألهمه الله تعالى هذه النملة في طلب حاجتها من ربها -يتضمن اعترافها أن لا خالق، ولا رازق إلاَّ الله تعالى، فأظهرت الفاقة والحاجة إليه، وطلبت منه المدد والرزق. ٤ - استحباب رفع اليدين حالة الدعاء، لاسيما في الاستسقاء، فقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين. ٥ - أنَّ الخلق كلهم مفطورون على أنَّ الله تبارك وتعالي في السماء، فله العلو المطلق في ذاته، وصفاته، وقدره، وقهره. ٦ - أنَّ الاستسقاء شريعة من قبلنا من الأمم، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]. ٧ - هذه المعجزة لنبي الله سليمان ﵇ في معرفته منطق الطير، والحيوان والحشرات، ومع أنَّها معجزة، فهي كرامة من الله تعالى له؛ فإنَّه سأل الله تعالى، فقال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]: فأعطاه الله ما سال، وقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص: ٣٩]، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ [ص]. ٨ - قوله: "رافعة قوائمها إلى السماء" هذا من أدلة علو الله تعالى على خلقه، فصفة العلو ثابتة لله تعالى في: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل والفطرة. أما الكتاب: فمثل قو له تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة].

стр. 1274

وأما السنة: فمثل جواب الجارية لما قال لها ﵊: "أين الله؟ فقالت: في السماء" [رواه مسلم (٥٣٧)]. وأما الإجماع: فهو مذهب الصحابة، والتابعين، وجميع سلف الأمة على مر العصور. وأما العقل: فإنَّ الله تعالى منزهٌ عن النقص، ثابتٌ له الكمال، فالسفل نقصٌ، والعلو كمالٌ، فهو المستحق له. وأما الفطرة: فإنَّ أي حي يشعر بقرارة نفسه عند الدعاء، وعند ذكر الله أنَّ هناك مناطًا يشده إلى العلو، ومن ذلك هذه الحشرة التي رفعت قوائمها إلى السماء تدعو الله، عندها فطرة غريزية، أن ربها المطلوب منه الرزق في العلو. والذين أنكروا علو الله تعالى طائفتان ضالتان: إحداهما: قالت: إنَّ الله موجود في كل مكان، في البحر والبر والجو، ولم ينزهوه تعالى عن الأمكنة القذرة، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا؛ وهؤلاء حلولية. الطائفة الثانية: أخْلَوا الله تعالى من كل مكان، فلا هو في العلو، ولا في السفل، ولا في اليمين ولا الشمال، ولا داخل العالم ولا خارجه، فلو وصف العدم، لم يوصف بأكثر من هذا؛ فمعنى هذا أنَّه لا يوجد. وهدى الله تعالى، ووفق أهل السنة والجماعة، فكان من أصول الإيمان عندهم إثبات العلو المطلق في ذات الله وصفاته، والأدلة النقلية والعقلية تقرر هذه الحقيقة، ومن حُرِم الإيمان بهذا، فقد فاته الإيمان الصحيح. ٩ - الحديث وإن تكلَّم بعض العلماء في صحة سنده، فمعناه صحيح من حيث نطق النملة، وسماع سليمان ذلك منها، ومعرفته كلامها، وقد جاء مثله في القرآن؛ حيث قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ

стр. 1275

ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل]، وكذلك معرفة النملة ربها ودعاؤها، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وأما طلبها الرزق من الله تعالى، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد ألهم الله تعالى كل حي، وفطره إلى طلب رزقه من مصدره، فقال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه]. ***

стр. 1276

٤٢٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الاستسقاء عند الحاجة إليه. ٢ - الظاهر أنَّ الاستسقاء هنا بمجرد الدعاء؛ فيكون هذا الحديث هو النوع الثالث في الاستسقاء بالدعاء فتقدم، بخطبة الجمعة، وهذا ثالثهما. ٣ - المبالغة في رفع اليدين، حتى تنحرف اليدين؛ بحيث يكون ظهور الكفين نحو السماء. ٤ - قال الإمام النووي في "شرح المهذب": فصلٌ في رفع اليدين في الدعاء: فرع: استحباب رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة، وبيان جملة من الأحاديث الواردة فيه: - عن أنس ﵁:- "أنَّ النَّبيَّ ﷺ استسقى، ورفع يديه" [رواه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧)]. - عن سلمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله حييٌّ كريمٌ سخيٌّ، إذا رفع الرجل يديه إليه، يستحي أن يردهما صفرًا خائبتين" [رواهُ أبو داود (١٤٨٨)]. - عن أنسٍ قال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلَّى رفع يديه، يدعو على الذين قتلوا أصحابه" [رواه البيهقي (٢٠٧٢) بإسناد صحيح]. - عن عائشة ﵂ في خروج النبي ﷺ في الليل إلى البقيع للدعاء لهم، قالت: "فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انصرف"

стр. 1277

[رواه مسلم (١٧٤)]. - عن عمر بن الخطاب ﵁: "لما نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين يوم بدر، استقبل نبيُّ الله القبلة، ثم مدَّ يديه، وجعل يهتف بربه" [رواه مسلم (١٧٦٣)]. - عن ابن عمر ﵄ "أنَّه كان في الجمرة، ثم استقبل القبلة، يدعو ويرفع يديه، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله" [رواه البخاري (١٧٥١)]. - عن أبي موسى الأشعري ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ استغفر لأبي عامر الأشعري، فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: اللهمَّ، اغفر لعبدك أبي عامر. ورأيتُ بياض إبطيه" [رواه البخاري (٢٤٨٤) ومسلم (٢٤٩٨)]. ثم ساق -رحمه "لله تعالى- جملة من الأحاديث في مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وقد عدَّ أهل العلم رفع اليدين في الدعاء من التواتر المعنوي، والله أعلم. ٥ - فَهِم بعض العلماء من هذا الحديث: أنَّ الدعاء لرفع ضرر يكون بظهر الكف، فقد قال النووي: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في الدعاء لرفع بلاء -كالقحط، ونحوه- أن يرفع يديه، ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جعل بطن كفيه إلى السماء. واحتجوا بهذا الحديث. اهـ كلامه. أما شيخ الإسلام: فيختار أن تكون بطونهما نحو السماء. ***

стр. 1278

باب اللباس مقدِّمة لَبِسَ الثوبَ -من باب تعب- لُبْسًا، بضم اللام، وأما اللَّبس، بكسر اللام، واللِّباس، فهو ما يلبس، وجمع اللباس: لُبس؛ مثل: كتاب وكُتب، وذكر اللباس بعد الصلاة؛ لأن ستر العورة أحد شروط الصلاة، ولذا قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. قال ابن كثير ﵀: ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولاسيما يوم الجمعة، ويوم العيد، والطيب؛ لأنَّه من الزينة، والسواك؛ لأنَّه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب البياض. والأصل في اللباس الحل كغيره من أنواع المباحات؛ كالمآكل والمشارب، والمراكب والمساكن وغيرها. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وروى البيهقي (٣/ ٢٧١) عن عمران بن حصين؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ الله يحب إذا أنعم على عبده، أن يرى أثر نعمته عليه". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأصل في المعاملات والعادات الإباحة؛ فلا يحرم منها، إلاَّ ما حرمه الله ورسوله. وبهذا، فالشريعة الإسلامية السمحة تعطي المجال الواسع في الاستمتاع بما أباح الله تعالى من زينة الحياة الدنبا، بلا حرج ولا ضيق، أما المحرمات

стр. 1279

فهي أشياء محدودة معدودة ترجع إلى ضوابط تحصرها وتحدها، وذلك مثل: أولاً: الذهب والفضة والحرير للرجال، ورد في تحريمها النصوص، وظهرت الحكمة من منعهم منها. ثانيًا: التشبه: إما بالكفار فيما اختصوا به، وصار سيما لهم، فالتشبه بهم محرمٌ، فمن تشبه بقوم فهو منهم، وإما تشبه الرجال بالنساء أو العكس، فإنَّ لكل جنس من الذكور والإناث لباسًا خاصًّا، وهيئةٌ خاصَّةٌ، يحرم على الجنس الآخر التشبه بها، وقد وردت النصوص في هذا، وظهرت آثار حكمة الله تعالى في ذلك. ثالثًا: الإسراف والتبذير وإضاعة المال في ذلك، فهو محرم؛ فإنَّ الله تعالي ذمَّ أولئك؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]. فهذه الضوابط وأمثالها هي التي تُخْرج العادات عن أصلها من الحل إلى الحرمة، ونصوص ما أشرنا إليه موجودة مشهورة، وما علينا إلاَّ الامتثال، والوقوف عند حدود ما أباح الله تعالى. ***

стр. 1280

٤٢٤ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِر والحَرِيرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ؛ أخرجه البخاري تعليقًا، قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": التعليق في أحاديث البخاري قطع إسنادها، فصورته صور الانقطاع، وليس حكمه حكمه، فما وجد من ذلك فهو من قبيل الصحيح، لا من قبيل الضعيف، فما أخرجه من حديث أبي عامر الأشعري عن رسول الله ﷺ : "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير" -صحيحٌ، معروفُ الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لغير الأسباب التي يصحبها خلل الانقطاع. لذَا فقد صحح هذا الحديث البخاري؛ حيث أورده في صحيحه مجزومًا به، كما صححه ابن القيم، وابن الصلاح، والعراقي، وابن حجر، وابن عبد الهادي، والشوكاني. * مفردات الحديث: - ليكونن: مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد. - أقوام: جمع "قوم"؛ وهم الجماعة من الرجال؛ قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] وقال زهير:

стр. 1281

وما أدري ولست إخال أدري ... أَقَوْمٌ آل حصن أم نساءُ؟ قال في "المصباح": القوم جماعة الرجال، ليس فيهم امرأة، والجمع: "أقوام"؛ سُمّوا بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات. - يستحلون: مستحلين لباس الحرير والخز. - الحِر: -على الرواية الأخرى وهي الصحيحة- هو قُبُل المرأة. قال في "المصباح": بالكسر وتشديد الراء. قال ابن الأثير في "النهاية" نقلاً عن أبي موسى إنَّه بالتخفيف، قال: ومنهم من يشدد الراء وليس بجيد، والأصل "حرح"، فحذفت الحاء التي هي لام الكلمة، ثم عوض عنها راء، وأدغمت في عين الكلمة، وإنما قيل ذلك؛ لأنَّه يصغر على: "حريح"، ويجمع على: "أحراح"، والتصغير وجمع التكسير يردان الكلمة إلى أصلها، وقد يستعمل استعمالاً يدوم من غير تعويض، وإنما حذفت لامه اعتباطًا، أي: بدون إعلال ولا تعويض. قال الشيخ أحمد محمد شاكر: وهذه الرواية الصحيحة في جميع نسخ البخاري وغيره، ورواه بعض الناقلين "الخز" -بالخاء والزاي المعجمتين-: نوع من الإبريسم، وهو تصحيف؛ كما قال الحافظ أبوبكر بن العربي. [انظر: فتح الباري (١٥/ ٥٢)]. - الحرير: أي: الأصلي وهو خيط دقيق تفرزه دودة القز، أما الحرير الصناعي فهو ألياف تتخذ من عجينة الخشب، أو نسالة القطن. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يخبر ﷺ أنَّه سيكون من أمته من يأتون فاحشة الزنا مستحليها. ٢ - يخبر ﷺ أنَّه سيكون من أمته من يلبس الحرير من الرجال مستحلين لبسه، ويبيح الزنا، وقد وقع ما أخبر عنه ﷺ فها هي أنظمة الدول التي تَدَّعِي الإسلام، تبيح الزنا، وتجعل له أسواقًا ومحالات خاصة، وتأخذ عليه

стр. 1282

المومسات الضرائب، وتقرر لهن الأطباء، وتشملهن بعنايتها الصحية والاجتماعية، وها هم الرجال ممن يدَّعون الإسلام يلبسون الذهب، ويأكلون ويشربون في أواني الفضة في الفنادق الراقية، والحفلات الكبيرة، ويلبسون الحرير مستحلين كل ذلك. ٣ - أنَّ استحلال شيء من هذه الأمور التي علم تحريمها من الدين بالضرورة -هو تكذيب للنصوص الواردة في كتاب الله تعالى، والثابتة عن رسوله ﷺ ومن كذَّب تلك النصوص- فهو كافر خارج عن الملة الإسلامية. وقوله ﷺ : "من أمتي" يحتمل أحد أمرين: (أ) إما أنه سمي من الأمة؛ باعتبار ما يسبق قبل استحلاله لهذه الأشياء، وهذا جائز لغةً؛ باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. (ب) وإما أنَّه من أمة الدعوة فقط، وليس من أمة الإجابة. ٤ - الحديث فيه بيان معجزة من معجزات النبي ﷺ ؛ فإنَّه ﷺ قال: "سيكون من أمتي،، ولم يوجد إلاَّ في الأزمنة الأخيرة التي طغت فيها أخلاق الفرنج على أخلاق الأمة الإسلامية، فوجدت هذه الأمور في البلاد التي يدعي قادتها الإسلام، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. * فائدة: حكم اللباس يكون على أربعة أنواع: أحدها: التحريم العام؛ وذلك اللباس المصور والمغصوب ونحوه، فهذا تحريمه عام على الذكور والإناث. الثاني: التحريم الخاص؛ وذلك الحرير على الرجال. الثالث: التحريم الطارىء وهو المخيط على الرجل المُحْرِم. الرابع: الحل؛ وهو الأصل في اللباس وغيره من العادات، وهذا هو الكثير،

стр. 1283

ولهذا صار المحرَّم معدودًا، والمباح لا حدَّ له، ولا عد. ٥ - الخزّ: دودة تفرز خيوطًا تنسجها على بدنها، فإذا غطت نفسها بهذا النسيج ماتت، ونسجها هو حرير الخز، وهو المحرَّم على الذكور. وفي زماننا هذا، وجد خز صناعي يشابه الخز الطبيعي من كل وجه، فهذا لا يدخل في التحريم؛ لأنَّ التحريم مرده إلى الله تعالى ورسوله، فما لم يحرماه ليس حرامًا، والأصل الإباحة، إلاَّ أَنَّه ينبغي اجتنابه لمحاذير أخر: (أ) أنه مشابه للحرير الأصلي؛ فالجاهل باللباس يظنه حريرًا، فيقتدي به، فيفتح باب شر. (ب) أنَّ من رعى حول الحمى، وقع فيه، فقد يستدرج من التقليد إلى الأصلي. (ج) أنه يسبب ليونة، وميوعة في الرجال، والمطلوب في الرجل الصلابة، والرجولة. (د) أنه يسبب غِيبته وتجريحه ممن يظن أنَّ ما عليه حرير طبيعي، فالابتعاد عنه أولى، وأبعد عن الشر. ٦ - ما يسمى ذهبًا، وليس بذهب أحمر؛ مثل: البلاتين، والماس -لا يأخذ حكم الذهب في التحريم. ***

стр. 1284

٤٢٥ - وَعنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - الديباج: قَالَ في "المصباح": اختلف في الياء، فقيل زائدة، ووزنه: فيعال، ولهذا يجمع بالياء، فيقال: "ديابيج"، وقيل: هي أصل، والأصل: "دبَّاج" بالتضعيف، فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولهذا يرد إلى أصله في الجمع فيقال: "دبابيج"، بباء موحدة بعد الدال؛ وهو نوع من الثياب، سداه ولحمته من الحرير. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. ٢ - النهي يقتضي تحريم ذلك، وتحريمه جاء على الأصل، فهو محرَّم على الرجال والنساء والأطفال، فليس في النساء حاجة إلى إباحة ذلك لهن، كما أبيح لهن لبس حلي الذهب والفضة. ٣ - النهي عن الجلوس على الحرير الديباج، والنهي يقتضي التحريم. ٤ - نهي الرجال عن لبس الحرير والديباج، والنهي يقتضي تحريم ذلك، أما النساء فمباح لهن لبسه؛ لحاجتهن إلى الزينة، فالإسلام فرَّق بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالزينة والتجمل؛ فأباح للمرأة أن تتحلى بما جرت العادة بلبسه من ذلك، وحرمه على الرجال؛ لأنَّه يخالف طبيعة الرجولة،

стр. 1285

والخشونة المطلوبة في الرجل؛ ولذا جاء في الحديث: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذ حريرًا، فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا، وجعله في شماله، وقال: إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حلٌّ لنسائهم" [رواه ابن ماجه (٣٥٩٧)]. ٥ - يستثنى من ذلك بعض الأشياء للحاجة إليها ومنها: إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من فضة، واتخاذ الأنف من الذهب أو الفضة، وتركيب الأسنان منهما عند الحاجة. ويباح للرجال خاتم من فضة، وتحلية السلاح، وغيرها من أدوات الحرب، ولبس الحرير في الحرب، أو من أجل حِكَّة وحساسية، فهذه أمور أبيحت؛ لِما ورد فيها من النصوص، ولأنَّها لا تمس المعاني، التي نُهي فيها عن استعمال الذهب والفضة والحرير. ٦ - قال شيخ الإسلام: ما حرم لخبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من الترف والخيلاء؛ فإنَّ هذا يباح للحاجة كما أبيح للنساء الحلي والحرير، وأبيح للرجال اليسير من الحرير؛ كالعَلم ونحو ذلك. ***

стр. 1286

٤٢٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إلاَّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ، أو ثَلاَثٍ، أو أرْبعٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ٤٢٧ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والزُّبيْرِ فِي قَمِيْصِ الحَرِيرِ فِي سَفَرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ــ * مفردات الحديث: - القميص: جمعه: "قمصان، وقمص" بضمتين: ما يفصل على هيئة البدن، ويلبس تحت الدثار. - من حِكة: "من" سببية؛ أي: لأجل حكة حصلت بأبدانهما، فتكون دالة على العلة، والحِكة: -بكسر الحاء وتشديد الكاف- علة في الجلد، توجب الحكاك؛ كالجرب. ...

стр. 1287

٤٢٨ - وَعَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: "كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةَ سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: كساني: أي: ألبسني، وأعطاني. حُلَّة: -بضم الحاء المهملة وتشديد اللام-: ثوبان: إزارٌ، ورداءٌ. سِيراء: -بكسر السين المهملة ثم ياء تحتية مثناة مفتوحة بالمد:- نوع من البرود فيه خطوط صفر. و"سيراء" منصوبة صفة لـ"الحلة"، أو بالجر، لكونها مضافةٌ إليها "الحلة". فشققتها: أي: قطعتها، ففرقتها وقسمتها. نسائي: أي: النسوة اللاتي في بيته؛ مثل زوجته، وأمه، وبنت عمه حمزة، وامرأة أخيه عقيل، واسم كل واحدة منهن: فاطمة، فقد جاء في بعض الروايات: "فشققتها خُمُرًا بين الفواطم". ...

стр. 1288

٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِم". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح. ورجاله ثقات، فمنهم رجال الشيخين، غير أنَّه منقطع؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، كما قال ذلك الدارقطني والحافظ وغيرهما، وله شواهد أسانيدها ضعيفة. قال الشيخ الألباني: وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها، ينجبر بها الضعف. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - الحديث رقم (٤٢٦): يدل على تحريم لبس الحرير للرجال، جاء هذا القيد من أدلة أُخر، والتحريم وتقييده إجماع العلماء. ٢ - يستثنى من التحريم العَلَم البسيط الذي يقدر بإصبعين إلى أربعة أصابع؛ فهذا مباح إجماعًا. ٣ - قوله: "موضع أصبعين، أو ثلاثٍ، أو أربع" ليس هذا شكًّا من أحد الرواة، وإنَّما هو للتشريع، والمراد به التخيير، كما جاء في فديه الأذى قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٤ - أما الحديث رقم (٤٢٧): فيدل على تحريم لبس الحرير على الرجال.

стр. 1289

٥ - ويدل على الرخصة في لبسه للحاجة إليه؛ كالعلاج به من مرض الحكة والحساسية. ٦ - قال شيخ الإسلام: ما حرم لأجل خبثه، أشد تحريمًا مما حرم للسرف ونحوه. ٧ - وأما الحديث رقم (٤٢٨): فإنَّه يدل على تحريم لبس الحرير على الرجال؛ فإنَّ الحُلَّة المذكورة حرير خالص. ٨ - إباحة الحرير للنساء؛ فإنَّ عليًّا ﵁ شقها خُمُرًا للفواطم، وهي زوجته: فاطمة بنت النبي ﷺ ، وأمه وهي فاطمة بنت أسد، وابنة عمه فاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت شيبة بن ربيعة امرأة أخيه عقيل بن أبي طالب. ٩ - وأما الحديث رقم (٤٢٩): فيدل على تحريم الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء، فهو محرم على الرجال لبسًا، وافتراشًا، واستعمالاً، ومباح للنساء لبسًا فقط؛ للحاجة إلى الزينة، وما عدا ذلك من الاستعمالات، فيبقى على أصل التحريم، والله أعلم. ١٠ - قوله: "رخص" تقدم لنا أن الرخصة: لغة: الانتقال من صعوبة إلى سهولة، وأنَّها شرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. فإن قيل: الشريعة الإسلامية كلها يسرٌ وسهولةٌ، فكيف سميت هذه رخصة؟ الجواب: أن نقول: إنَّ هذه رخصة جاءت لسبب؛ لتخرج بعض الناس من حكم الإيجاب، أو التحريم إلى الإباحة. ١١ - تقدم أنَّ حِل الحرير والذهب لعموم النساء، الكبار والصغار، وقلنا: إنَّ العلة هي حاجتهن إلى الزينة. فيرد علينا؛ أنَّ الطفلة ليست بحاجة إلى الزينة. والجواب: أنَّ العلة إذا لم يُنصَّ عليها من الشارع، وإنما استنبطت استنباطًا -فإنَّها لا تخصص العموم؛ فإنَّه من الجائز أن يكون هناك علة أخرى غير معلومة لنا.

стр. 1290

٤٣٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ -يُحِبُّ إِذَا أنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً، أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ". رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ بشواهده منها: ١ - حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الترمذي (٢٨١٩) وحسنه، والحاكم (٤/ ١٥). ٢ - حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (٨٠٤٥) والبيهقي في "الشعب" (٥/ ١٦٣). ٣ - حديث أبي الأحوص عن أبيه، أخرجه أبو داود (٤٠٦٣) والنسائي (٥٢٢٤)؛ فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، فيصير حسنًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب إظهار نعمة الله على العبد، إذا أعطاه الله، ووسَّع عليه، وليظهر ذلك في لباسه، وطعامه، وشرابه، ومسكنه، وكل مظهر من المظاهر المباحة في الحياة. ٢ - أنَّ المراد بإظهار نعمة الله تعالى على العبد: أن يكون بغير قصد الخيلاء والفخر، وكسر قلوب الفقراء واحتقارهم. وهذا هو المراد من الحديث، فهو مقيَّد بنصوص هذه المعاني. ٣ - أمَّا الذي ليس عنده سعة من المال، فلا ينبغي أن يظهر بمظهر الكاذبين في أفعالهم، بل يلبس ويطعم ونحوه بقدر ما أعطاه الله تعالى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

стр. 1291

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ٤ - أنَّ إظهار نعمة الله على العبد أمر محبوب إلى الله تعالى؛ لأنَّه من شُكْرِ الله على نعمه؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى]. ٥ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، إثباتاً حقيقيًّا، يليق بجلالته وعظمته، فلا تعطيل ولا تمثيل، وإنما إثبات لحقيقة الصفة وتفويض لكيفيتها، وهكذا جميع صفات الله تعالى الفعلية والذاتية، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي سَلِمُوا به من نفي المعطلين، وإثبات المشبهين. ٦ - قوله: "على عبده" عبودية الله تعالى قسمان: أحدهما: عبودية عامة تشمل جميع خلقه؛ قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم]. الثاني: عبودية خاصة بعباده المؤمنين، الموصوفين بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ...﴾ [الفرقان: ٦٣]، إلى آخر الآيات. ***

стр. 1292

٤٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ والمُعَصْفَرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - القسي -بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء-: نسب ثياب مضلعة فيها حريرٌ، تنسب إلى قرية في مصر بالقرب من دمياط، كان ينسج فيها الثياب. قال العيني: والآن خربة. قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يقولون "القِسي" بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها. - المعصفر: بصيغة اسم المفعول من الرباعي هو المصبوغ بالعصفر، نبت صيفي من الفصيلة المركبة، وهي أنبوبية الزهر، يخرج منه صبغ أحمر، يصبغ به الحرير ونحوه. ...

стр. 1293

٤٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: "رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثوْبَينِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّكَ أمَرَتْكَ بهَذَا"؟! رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * المفردات: - رَأى عليَّ: -بتشديد الياء-: حرف جر مع ياء المتكلم. - أُمُّك أمرتْكَ: استفهام إنكاري بهمزة محذوفة، تقديره: أأمك أمرتك بهذا؟!. قاله تغليظًا، وإظهارًا لشدة كراهته. ...

стр. 1294

٤٣٣ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ "أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَكْفُوفَةَ الجَيْبِ وَالكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَزَادَ: "كَانَتْ عِنْدَ عَائشِةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يلْبسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا". وَزَادَ البُخَارِيُّ في "الأدَبِ المُفْرد": "وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ والجُمُعَةِ" (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. هذا الحديث قطعة منه في صحيح مسلم، فعن أسماء بنت أبي بكر: أنَّها أخرجت جبة طيالسية سروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: "هذه جبة رسول الله ﷺ كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النَّبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُسْتَشْفَى بها". * مفردات الحديث: - للوفد: -بفتح الواو وسكون الفاء- مفرده: "وافد"، وأما جمع الوفد فهو: وفود وأوفاد، والوفد: جماعة كريمة تذهب إلى أمير أو كريم. - جُبَّة: -بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة-: ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدَّم، يلبس فوق الثياب.

стр. 1295

- مكفوفة: يكف جوانبها ويعطف عليها، والكف يكون في الذيل والفرجين والكمين. - الجيْب: بفتح فسكون، جمعه: أجياب وجيوب، وجيب القميص: هو ما يشق، ويفتح علي النحر. - الفرجين: بفتح فسكون-: تثنية "فرج"، وهو في الأصل: انفتاح في الشيء، ومنه: شق الثوب الذي يكون على الصدر، يبتدىء من عند النحر، وربما ينتهي إلى القدمين، ثم أطلق الفرجان على حافتي الفتحة. - الديباج: هو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، معرب من الفارسية، جمعه: "دبابيج". * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - الحديث رقم (٤٣١): نهي عن لبس القَسِّي والمعصفر، والنهي يقتضي التحريم، والحكمة في ذلك: أنَّ القسِّي نوع من الحرير، وأما المعصفر: فالثوب المصبوغ بالعصفر المعروف. ٢ - وفيه استحباب التجمل للوفود والحفلات، والاجتماعات العامة، ففيه مظهر حَسن للمسلمين. ٣ - النهي عن ذلك خاص بالرجال دون النساء، لأنَّ الحديث مخصص بأحاديث أخر. ٤ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ المعصفر مكروه، وأما جمهور العلماء: فيرون إباحة لبسه؛ لما في البخاري (٥٨٥١)، ومسلم (١١٨٧) من حديث ابن عمر قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يصبغ بالصفرة"، وهي الرواية الثانية عن أحمد، اختارها الموفق، قال في "الفروع": وهو أظهر، وكذا في "الإنصاف". ٥ - أما الحديث رقم (٤٣٢): فيدل على تحريم لبس الثوب المعصفر على الرجال، وأنَّه خاصٌّ بالنساء، وتقدم الخلاف في ذلك.

стр. 1296

ولا تعارض بين حديث ابن عمر في الصحيحين، وبين هذين الحديثين رقم (٤٣١، ٤٣٢)؛ فإنَّ هذين الحديثين بيَّنا حكم الثياب الحُمر المصبوغة بالعصفر. أما حديث ابن عمر: فهو صبغ لحيته بالصفرة، وهذا مستحب. ٦ - أما الحديث رقم (٤٣٣): فيدل على إباحة لبس ما فيه عرض أربع أصابع، فما دونه من الحرير. ٧ - ويدل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ حتى بعد وفاته، ولكنه لا يلحقه أحد في ذلك؛ فلا يجوز التبرك بآثار أحد، مهما سمت منزلته بالعلم والصلاح. ٨ - قولها: "جبة النبي- ﷺ مكفوفة الكُمِّين والفرجين بالديباج" -فيه دلالة على جواز تحلية هذه الأماكن بالديباج في الجبة والعباءة، ونحو ذلك من ألبسة الرجال. قال شيخ الإسلام: باب الذهب والحرير واحد، فالعباءة التي تعمل بالزري والذهب لا بأس به، لأنَّها تابعة، وليست مستقلة. * فوائد: الأولى: أجمع العلماء على تحريم التشبه بالكفار؛ فإنَّ مخالفتهم أمر مقصود للشارع، وليس من التشبه اتخاذ اللباس الذي يلبسونه ويلبسه المسلمون، وليس خاصًّا بهم؛ فإنَّ هذا لا يعتبر شعارًا خاصًا بهم، ولا يعتبر لابسه مقلدًا، أو متبعًا لهيئاتهم وأزيائهم. الثانية: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في التصوير والصور، ولو عرضنا أدلتهم، لطال البحث، ولكن نلخص منها ما تيسر في الفقرات الآتية: - أجمع العلماء على تحريم الصور المجسمة لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك. - اختلفوا في الصور الشمسية: فذهب بعضهم إلى دخولها في التحريم؛ مستدلاًّ بعموم النصوص.

стр. 1297

وذهب بعضهم إلى: إباحتها؛ وأنها لا تدخل في عموم النصوص، وأنه ليس تصويرًا، وإنما هو إمساك للصورة بمواد خاصة، وأنه أشبه بمقابلة المرآة، وبروز صورة الإنسان أمامه، إلاَّ أنَّ هذه حُبِسَت، والأخرى زالت. وجمهور العلماء يخصصون من عموم النصوص لعب الأطفال؛ لقصة عائشة، وليتدرب الصغيرات بهن على تربية الأطفال، ولكن على ألا يتوسع في هذه اللعب التي صارت الآن كأنها تماثيل لصور مجسَّمة ذات أرواح. الثالثة: الإسبال: (أ) جاء في البخاري (٥٧٨٤)، ومسلم (٢٠٨٥): "من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة". (ب) وجاء في البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم: (٢٠٨٥) عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا". (ج) وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ... " وذكر منهم: "المسبل إزاره". (د) وروى أبو داود (٤٠٤٨) بإسناد حسن عن جابر بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ "إيَّاك وإسبال الإزار؛ فإنَّها من المخيلة، وإنَّ الله لا يحب المخيلة". (هـ) وجاء في البخاري (٣٤٦٥) عن ابن عمر: "أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، إلاَّ أن أتعاهده، فقال له رسول الله ﷺ : إنك لست ممن يفعله خيلاء". (و) وجاء في البخاري (٥٧٨٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار، ففي النار". هذه غالبية الأحاديث الواردة في الإسبال. وإذا تأملها القارىء وجد أنَّ بعضها مطلقٌ، وبعضها مقيَّدٌ بقصد الخيلاء،

стр. 1298

والقاعدة الأصولية هي "حمل المطلق على المقيد"، فيكون الذي لم يُرِد الخيلاء غير داخل في الوعيد، الذي يقتضي تحريم الإسبال، ولذا قال الإمام النووي في "شرح مسلم" ما يأتي: وأما قوله ﷺ : "المسبل إزاره" فمعناه: المرخي له، الجارّ له خيلاء، وهذا يخصص عموم المسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد: من جره خيلاء، وقد رخَّص النبي ﷺ في ذلك لأبي بكر الصديق ﵁ قال: "لستَ منهم"؛ إذ كان جره لغير الخيلاء. وظواهر الأحاديث في تقييده بالجر خيلاء -تدل على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على هذا الفرق كما ذكرنا. وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار-: فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلاَّ فمنع تنزيه. وأما الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين ففي النار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأَنَّه مطلق فوجب حمله عى المقيد. اهـ كلام النووي، والله أعلم. وبعضهم: لا يرون حمل مطلق أحاديث الإسبال على مقيدها، وإنما جعلوا هذا من باب اختلاف السبب والحكم في الدليلين، وإذن فلا يُحْمل أحدهما على الآخرة؛ ذلك أنَّ الوعيد فيمن جرَّ ثوبه خيلاء، هو أنَّ الله لا ينظر إليه، نظرَ رحمةٍ وعطفٍ. وأما الوعيد فيمن أنزل ثوبه عن كعبيه أنَّ النار لهما وحدهما، فالعقوبة الأولى عامة، والعقوبة الثانية جزئية، وكذلك السبب مختلف فيهما، فأحدهما: جر إزاره خيلاء، والثانى: أنزله إلى أسفل من كعبه بلا خيلاء. وهذا القول أحوط، وأما القول الأول فهو أصح من حيث الدليل، وأجود من حيث التأصيل، والله أعلم.

стр. 1299

كتاب الجنائز مقدِّمة الجنائز: جمع: "جنازة"، بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح -: اسم للنعش عليه الميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش، ولا جنازة، وإنما يقال: سرير، وهي مشتقة من "جَنِز" بكسر النون: إذا ستر؛ قاله ابن فارس. وللميت أحكام ذكر هنا منها الصلاة، وما يسبقها من تغسيل وتكفين، ثم ما بعدها من دفنٍ وتعزيةٍ، وذكرت هنا لمناسبة الصلاة المعروفة. والموتُ ليس فناء، وإنما هو انتقال الروح من عالم إلى عالم آخر، فهو مفارقة الروح للبدن، والروح باقٍ لا يفنى عند أهل السنة؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، أي: عند موت أجساده. قال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأنَّ ذلك يعرض عليه، ويُسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، وجاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم، والقصد أنَّ الأرواح باقية في حياة برزخية، الله أعلم بكيفيتها ونوعها. والمستحب لكل إنسان ذكر الموت، والاستعداد له؛ لما روى الترمذي (٢٣٠٧) والنسائي (١٨٢٤)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أكثروا ذِكرَ هاذم اللذات"، والهاذم: القاطع.

стр. 1300

والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والإقبال على الله بالطاعات. وتسن عيادة المريض؛ لما في البخاري (١٢٤٠) ومسلم (٢١٦٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ:"حق المسلم على المسلم ستٌّ: إذا رأيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتَّبِعْه". وإذا عاده، رقاه، وأفضلها: ما رواه البخاري (٥٧٤٢) عن أنس قال: كانت رقية النبي ﷺ : "اللَّهمَّ رب الناس، مذهب الباس، اشفِ أنت الشافي، شفاءً لا يغادر سقمًا"، وسورة الفاتحة قال عنها ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري (٢٢٧٦): "وما يدريك أنَّها رقية"، وينفس له في الأجل، ويُدخل على قلبه السرور، ولا يطيل عنده الجلوس، ولا بأس أن يخبر المريض عن حال مرضه، ولو لغير طبيب، إذا لم تكن شكوى، ويسن الصبر، ويجب منه ما يمنع من محرم. ويستحب للمريض حسن الظن بالله تعالى؛ لما روى مسلم (٢٨٧٧) عن جابر؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يموتن أحدكم، إلاَّ وهو يحسن الظن بالله تعالى". وفي الصحيح: "أنا عند حُسن ظنِّ عبدي بي". ويباح التداوي بمباحٍ؛ لما في صحيح البخاري (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما نزل داءٌ، إلاَّ وأنزل الله له شفاءً" وإذا كان المريض في حالٍ خطرة يُذكَّر بالتوبة، وقضاء الديون، والوصية فيما يجب عليه بيانه، ويكون ذلك بلطف، ولا يشعر معه بالخوف من دنو أجله. فإذا حضره الموت، سُنَّ لمن حضره تلقينه الشهادتين بلطف، وتوجيهه
следующие страницы →