ولا تعارض بين حديث ابن عمر في الصحيحين، وبين هذين الحديثين رقم (٤٣١، ٤٣٢)؛ فإنَّ هذين الحديثين بيَّنا حكم الثياب الحُمر المصبوغة بالعصفر.
أما حديث ابن عمر: فهو صبغ لحيته بالصفرة، وهذا مستحب.
٦ - أما الحديث رقم (٤٣٣): فيدل على إباحة لبس ما فيه عرض أربع أصابع، فما دونه من الحرير.
٧ - ويدل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ حتى بعد وفاته، ولكنه لا يلحقه أحد في ذلك؛ فلا يجوز التبرك بآثار أحد، مهما سمت منزلته بالعلم والصلاح.
٨ - قولها: "جبة النبي- ﷺ مكفوفة الكُمِّين والفرجين بالديباج" -فيه دلالة على جواز تحلية هذه الأماكن بالديباج في الجبة والعباءة، ونحو ذلك من ألبسة الرجال.
قال شيخ الإسلام: باب الذهب والحرير واحد، فالعباءة التي تعمل بالزري والذهب لا بأس به، لأنَّها تابعة، وليست مستقلة.
* فوائد:
الأولى: أجمع العلماء على تحريم التشبه بالكفار؛ فإنَّ مخالفتهم أمر مقصود للشارع، وليس من التشبه اتخاذ اللباس الذي يلبسونه ويلبسه المسلمون، وليس خاصًّا بهم؛ فإنَّ هذا لا يعتبر شعارًا خاصًا بهم، ولا يعتبر لابسه مقلدًا، أو متبعًا لهيئاتهم وأزيائهم.
الثانية: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في التصوير والصور، ولو عرضنا أدلتهم، لطال البحث، ولكن نلخص منها ما تيسر في الفقرات الآتية:
- أجمع العلماء على تحريم الصور المجسمة لذوات الأرواح؛ للنصوص الصحيحة الصريحة في ذلك.
- اختلفوا في الصور الشمسية: فذهب بعضهم إلى دخولها في التحريم؛ مستدلاًّ بعموم النصوص.
стр. 1297
وذهب بعضهم إلى: إباحتها؛ وأنها لا تدخل في عموم النصوص، وأنه ليس تصويرًا، وإنما هو إمساك للصورة بمواد خاصة، وأنه أشبه بمقابلة المرآة، وبروز صورة الإنسان أمامه، إلاَّ أنَّ هذه حُبِسَت، والأخرى زالت.
وجمهور العلماء يخصصون من عموم النصوص لعب الأطفال؛ لقصة عائشة، وليتدرب الصغيرات بهن على تربية الأطفال، ولكن على ألا يتوسع في هذه اللعب التي صارت الآن كأنها تماثيل لصور مجسَّمة ذات أرواح.
الثالثة: الإسبال:
(أ) جاء في البخاري (٥٧٨٤)، ومسلم (٢٠٨٥): "من جرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة".
(ب) وجاء في البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم: (٢٠٨٥) عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا".
(ج) وجاء في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ... " وذكر منهم: "المسبل إزاره".
(د) وروى أبو داود (٤٠٤٨) بإسناد حسن عن جابر بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ "إيَّاك وإسبال الإزار؛ فإنَّها من المخيلة، وإنَّ الله لا يحب المخيلة".
(هـ) وجاء في البخاري (٣٤٦٥) عن ابن عمر: "أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي، إلاَّ أن أتعاهده، فقال له رسول الله ﷺ : إنك لست ممن يفعله خيلاء".
(و) وجاء في البخاري (٥٧٨٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار، ففي النار".
هذه غالبية الأحاديث الواردة في الإسبال.
وإذا تأملها القارىء وجد أنَّ بعضها مطلقٌ، وبعضها مقيَّدٌ بقصد الخيلاء،
стр. 1298
والقاعدة الأصولية هي "حمل المطلق على المقيد"، فيكون الذي لم يُرِد الخيلاء غير داخل في الوعيد، الذي يقتضي تحريم الإسبال، ولذا قال الإمام النووي في "شرح مسلم" ما يأتي:
وأما قوله ﷺ : "المسبل إزاره" فمعناه: المرخي له، الجارّ له خيلاء، وهذا يخصص عموم المسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد: من جره خيلاء، وقد رخَّص النبي ﷺ في ذلك لأبي بكر الصديق ﵁ قال: "لستَ منهم"؛ إذ كان جره لغير الخيلاء.
وظواهر الأحاديث في تقييده بالجر خيلاء -تدل على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على هذا الفرق كما ذكرنا.
وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار-: فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلاَّ فمنع تنزيه.
وأما الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين ففي النار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأَنَّه مطلق فوجب حمله عى المقيد. اهـ كلام النووي، والله أعلم.
وبعضهم: لا يرون حمل مطلق أحاديث الإسبال على مقيدها، وإنما جعلوا هذا من باب اختلاف السبب والحكم في الدليلين، وإذن فلا يُحْمل أحدهما على الآخرة؛ ذلك أنَّ الوعيد فيمن جرَّ ثوبه خيلاء، هو أنَّ الله لا ينظر إليه، نظرَ رحمةٍ وعطفٍ.
وأما الوعيد فيمن أنزل ثوبه عن كعبيه أنَّ النار لهما وحدهما، فالعقوبة الأولى عامة، والعقوبة الثانية جزئية، وكذلك السبب مختلف فيهما، فأحدهما: جر إزاره خيلاء، والثانى: أنزله إلى أسفل من كعبه بلا خيلاء.
وهذا القول أحوط، وأما القول الأول فهو أصح من حيث الدليل، وأجود من حيث التأصيل، والله أعلم.
стр. 1299
كتاب الجنائز
مقدِّمة
الجنائز: جمع: "جنازة"، بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح -: اسم للنعش عليه الميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش، ولا جنازة، وإنما يقال: سرير، وهي مشتقة من "جَنِز" بكسر النون: إذا ستر؛ قاله ابن فارس.
وللميت أحكام ذكر هنا منها الصلاة، وما يسبقها من تغسيل وتكفين، ثم ما بعدها من دفنٍ وتعزيةٍ، وذكرت هنا لمناسبة الصلاة المعروفة.
والموتُ ليس فناء، وإنما هو انتقال الروح من عالم إلى عالم آخر، فهو مفارقة الروح للبدن، والروح باقٍ لا يفنى عند أهل السنة؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، أي: عند موت أجساده.
قال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأنَّ ذلك يعرض عليه، ويُسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، وجاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم إذا شاء الله، كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم، والقصد أنَّ الأرواح باقية في حياة برزخية، الله أعلم بكيفيتها ونوعها.
والمستحب لكل إنسان ذكر الموت، والاستعداد له؛ لما روى الترمذي (٢٣٠٧) والنسائي (١٨٢٤)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أكثروا ذِكرَ هاذم اللذات"، والهاذم: القاطع.
стр. 1300
والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والإقبال على الله بالطاعات.
وتسن عيادة المريض؛ لما في البخاري (١٢٤٠) ومسلم (٢١٦٢) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ:"حق المسلم على المسلم ستٌّ: إذا رأيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتَّبِعْه".
وإذا عاده، رقاه، وأفضلها: ما رواه البخاري (٥٧٤٢) عن أنس قال: كانت رقية النبي ﷺ : "اللَّهمَّ رب الناس، مذهب الباس، اشفِ أنت الشافي، شفاءً لا يغادر سقمًا"، وسورة الفاتحة قال عنها ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري (٢٢٧٦): "وما يدريك أنَّها رقية"، وينفس له في الأجل، ويُدخل على قلبه السرور، ولا يطيل عنده الجلوس، ولا بأس أن يخبر المريض عن حال مرضه، ولو لغير طبيب، إذا لم تكن شكوى، ويسن الصبر، ويجب منه ما يمنع من محرم.
ويستحب للمريض حسن الظن بالله تعالى؛ لما روى مسلم (٢٨٧٧) عن جابر؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يموتن أحدكم، إلاَّ وهو يحسن الظن بالله تعالى".
وفي الصحيح: "أنا عند حُسن ظنِّ عبدي بي".
ويباح التداوي بمباحٍ؛ لما في صحيح البخاري (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما نزل داءٌ، إلاَّ وأنزل الله له شفاءً"
وإذا كان المريض في حالٍ خطرة يُذكَّر بالتوبة، وقضاء الديون، والوصية فيما يجب عليه بيانه، ويكون ذلك بلطف، ولا يشعر معه بالخوف من دنو أجله.
فإذا حضره الموت، سُنَّ لمن حضره تلقينه الشهادتين بلطف، وتوجيهه
стр. 1301
إلى القبلة، فإذا مات غُمضت عيناه، وليِّنت مفاصله، وَأُسْرِعَ في تجهيزه، ما لم يكن في تأخيره مصلحة.
قال ابن القيم: كان هدي النبي ﷺ في الجنائز أكمل هدي، فهو مشتمل على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان إلى الميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، من عيادة وتلقين وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله، وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، ويُثْنون عليه، ويصلون على نبيه ﷺ ، ويسألون للميت المغفرة والرحمة، ثم يقفون على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيارة إلى قبره والدعاء، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا بالإحسان إلى أهله وغير ذلك.
* قرار المجمع الفقهي بشأن حكم التداوي والعلاج الطبي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٦٧) بشأن العلاج الطبي:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعوية من (٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢ هـ الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢ م).
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "العلاج الطبي"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرر:
أولاً: التداوي:
الأصل في حكم التداوي أنَّه مشروع؛ لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية، والعملية، ولِما فيه من "حفظ النفس"، الذي هو أحد المقاصد
стр. 1302
الكلية من التشريع.
وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص:
فيكون واجبًا على الشخص؛ إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه، أو أحد أعضائه، أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره؛ كالأمراض المعدية.
ويكون مندوبًا؛ إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن، ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى.
ويكون مباحًا؛ إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.
ويكون مكروهًا؛ إذا كان في فعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها.
ثانيًا: علاج الحالات الميئوس منها:
(أ) مما تقتضيه عقيدة المسلم أنَّ المرض والشفاء بيد الله ، وأنَّ التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون، وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله، وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب على رعايته، وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه.
(ب) أنَّ ما يعتبر حالةً ميئوسًا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء، وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان، وتبعاً لظروف المرضى.
ثالثاً: إذن المريض:
(أ) يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان من أهل الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية، أو ناقصها -اعتبر إذن وليه، حسب ترتيب الولاية الشرعية، ووفقًا لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه، ومصلحته ورفع الأذى عنه، على أنَّه لا يعتبر بتصرف الولي في عدم الإذن، إذا كان واضح
стр. 1303
الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء، ثم إلى ولي الأمر.
(ب) لولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال؛ كالأمراض المعدية، والتحصينات الوقائية.
(ج) في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر، لا يتوقف العلاج على الإذن.
(د) لابد في إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه (كالمساجين)، أو الإغراء المادي (كالمساكين)، ويجب ألا يترتب على إجراء الأبحاث الطبية على عديمى الأهلية، أو ناقصيها، ولو بموافقة الأولياء. والله أعلم.
* قرار المجمع الفقهي الإسلاميى التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن ضوابط كشف العورة أثناء علاج المريض:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت (٢٠ من شعبان ١٤١٥ هـ ٢١/ ١/ ١٩٩٥ م) قد نظر في هذا الموضوع، وأصدر القرار التالي:
١ - الأصل الشرعي أنَّه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس، ولا كشف عورة المرأة للمرأة، ولا عورة الرجل للرجل.
٢ - يؤكد المجمع على ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بقراره رقم: (٨٥/ ١٢/ ٨٥ في ١ - ٧/ ١/ ١٤١٤ هـ) وهذا، نصه: "الأصل أنه إذا توفرت طبيبة مسلمة متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم بذلك طبيبة غير
стр. 1304
مسلمة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم، يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة" انتهى.
٣ - وفي جمع الأحوال المذكورة، لا يجوز أن يشترك مع الطبيب إلاَّ من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت.
٤ - يجب على المسؤولين في الصحة والمستشفيات حفظ عوارت المسلمين والمسلمات، من خلال وضع لوائح وأنظمة خاصة تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتيب ما يلزم لستر العورة، وعدم كشفها أثناء العمليات إلاَّ بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعًا.
٥ - ويوصي المجمع بما يلي:
(أ) أن يقوم المسؤولون عن الصحة بتعديل السياسة الصحية فكرًا ومنهجاً وتطبيقًا، بما يتَّفق مع ديننا الإسلاميْ الحنيف وقواعده الأخلاقية السامية، وأن يولوا عنايتهم الكاملة لدفع الحرج عن المسلمين، وحفظ كرامتهم وصيانة أعراضهم.
(ب) العمل على وجود موجه شرعي في كل مستشفى للإرشاد والتوجيه للمرضى.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 1305
٤٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّات المَوْتِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. أخرجه النسائي، والترمذي، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وابن حبان، والحاكم (٤/ ٣٥٧)، والضياء المقدسي (٥/ ٧٦)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وابن السكن، وابن طاهر، وأعلَّه الدارقطني بالإرسال. وله شواهد كثيرة منها:
١ - حديث ابن عمر ورجاله موثوقون غير القاسم، فأورده ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
٢ - حديث أنس مرفوعاً، به أخرجه أبو نعيم والخطيب والضياء المقدسي، وسنده صحيح على شرط مسلم.
٣ - حديث عمر مرفوعاً به، أخرجه أبو نعيم ورجاله ثقات غير عبد المالك بن يزيد، فقال الذهبي: لا يُدرى من هو.
* مفردات الحديث:
- هاذم: مجرور؛ لأنَّه مضاف إليه.
هاذم: تقرأ بالذال المعجمة؛ فيكون معناها: قاطع اللذات، وتقرأ بالدال المهملة؛ فيكون معناها مزيل اللذات، والمعنيان متقاربان.
- الموت: يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجر.
стр. 1306
فأما الرفع فعلى تقدير: خبر مبتدأ محذوف، وأما النصب فعلى تقدير: أعني: الموت، وأما الجر فهو عطف بيان، ولعلَّ الأخير أقربها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - معناه: أنَّ الموت يزيل لذات الحياة الدنيا، فيقطعها عن الإنسان بسبب الموت.
٢ - ذكر الموت أعظم واعظٍ للإنسان، وأكبر مذكِّر له عن طول الأمل، والاغترار بالحياة، والركون إليها.
٣ - لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر الموت، الذي هو أعظم واعظ؛ فإن ذكره الموت يحثه على الطاعات، والاستعداد لما بعده.
٤ - جاء في بعض الأحاديث: "لا تذكرونه في كثيرٍ إلاَّ قلَّله، ولا قليل إلاَّ كثَّره"، ففي كثرة ذكر الموت قصر الأمل وانتظار الأجل.
٥ - الإنسان في هذه الحياة الدنيا: إما أن يكون في ضيق أو سعة، نعمة أو نقمة، فهو محتاج إلى ذكر الموت في كلا الحالتين، فإنَّ ذكره في نعمة لم يغفل، وإن ذكره في نقمة لم يجزع.
وسئل ابن مسعود ﵁ أي الناس أكيس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعداداً، أولئك الأكياس.
٦ - قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-: الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعِدُ بالبقاء ثم تخلف في الوفاء، وتنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيرًا عنيفًا، ومرتحلة ارتحالاً سريعًا، ولكن الناظر قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائها.
٧ - قال شيخ الإسلام: لا يستحب للمسلم أن يخط قبره قبل أن يموت؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري متى يموت، ولا أين يموت.
وإذا كان مقصود العبد الاستعداد للموت، فهذا يكون بالعمل الصالح، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله.
стр. 1307
٤٣٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإنْ كَانَ لاَبُدَّ مُتَمَنِّياً، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ، أحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوفَّنِي مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا يتمنين: "لا" ناهية، والفعل مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم.
يتمنين: يقال: تمنى الرجل الشيء تمنيًا: أراده برغبة، مأخوذ من: المُنَي، وهو القدر؛ لأنَّ صاحبه يقدر حصوله.
فالتمني يطلق في اللغة على: طلب حصول الشيء، على سبيل المحبة.
- لِضُرّ: بضم الضاد، ويجوز فتحها، والضر: ما هو كائن من سوء حالٍ، أو فقرٍ، أو شدةٍ في بدن.
- لابد: أي: لا فرار ولا محالة متمنيًا، فليفوض الأمر إلى الله، وليقُل الدعاء الوارد.
- أحيني: بهمزة قطع؛ أي: أبقني حيًّا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يكره تمني الموت عند الوقوع في محنة دنيوية، أو خوف من عدوٍّ، أو مرض نزل به، أو فاقة حلت به، أو نحو ذلك من مشاق الدنيا.
٢ - الحكمة في هذا: أنَّه منافٍ للصبر الذي أُمرنا به، ووُعدنا عليه الأجر العظيم،
стр. 1308
ولأنَّه يدل على الجزع، وعدم الثبات والاحتساب على قضاء الله تعالى.
٣ - إن كان غير صابر، ولابد من الدعاء، فليقل: "اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي"، هذا هو الرخصة؛ ذلك أنَّ الدنيا دار ممر، والأخرى هي المقر، فلا يعلم المبتلى في بدنه، أو ماله، أو جاهه، أو غير ذلك، أنَّ لك خيرٌ له في أُخْراه، إذا صبر واحتسب.
٤ - أما إذا كان الخوف من الفتنة في الدين، فإنَّه لا بأس من تمني الموت، فقد قالت مريم ﵍: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم].
فهي قد تمنت الموت، لا جزعًا من وجع الولادة، وإنما تمنت الموت خوفًا من الفضيحة، حينما ينكر قومها أمرها، ويظنون بها الشر، ثم يقعون في ذمها وعرضها.
وكذا جاء في الحديث: "وإذا أردتَ بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون" [رواه الترمذي (٣٢٤٧) وصححه].
فتمني الموت في الفتنة في الدين جائز، وليس مما يتناوله الحديث.
٥ - مناسبة هذا الدعاء لمن أراد تمني الموت أن يفوض الأمر إلى الله تعالى، فهو جلَّ وعلا الذي يعلم مصالح العبد، وما هو أولى به في الحياة، أو الموت.
٦ - يدل الحديث وأمثاله على وجوب الصبر، وحكاه شيخ الإسلام إجماعاً، وقال: إنَّ الثواب على المصائب معلق على الصبر عليها، وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنَّه يوجب رضا الله .
والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحوها.
والشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر، وهي مطلوبة شرعًا، مندوب
стр. 1309
إليها إجماعًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
قال ابن كثير: "ابتليناهم بالمصائب والشدائد".
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣]، ومن شكا إلى الناس: وهو في شكواه راضٍ بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعًا، وجاز؛ لقوله ﷺ :"أجدُني مغمومًا"، وقوله: "وارأساه"، وقوله: "أُوْعَكَ كمَا يُوعَك رجلان منكم"، ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، وإذا كانت مما يمكن كتمانه، فكتمانه من الأعمال الخفية لله تعالى.
٧ - في البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣): "مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".
قال الإمام أحمد: يكون خوف العبد ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب على صاحبه، هلك.
قال الشيخ: هذا هو العدل؛ لأنَّ من غلب عليه الخوف، أوقعه في نوع من اليأس، ومن غلب عليه الرجاء، أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله، فالرجاء بحسب ترجيحه رحمة الله، وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريطه.
٨ - ظهر في هذه العصور الحديثة ظاهرة الانتحار، وهي قتل الإنسان نفسه لنكبة تصيبه من نكبات الحياة، إما من قلَّة ذات يده، وإما رغبة دنيوية فاتته، ومحنة نزلت به، أو طول مرض معه، فيتملكه الجزع ويطير صوابه، فيقتل نفسه بغرقٍ، أو حرقٍ، أو إلقاء نفسه من شاهقٍ، أو يلقي نفسه أمام قطار، أو غير ذلك، إنَّ مضار هذه الظاهرة الشنيعة خطيرة جدًّا من: مخالفة للشرع، ومخالفة للطبع، وهذه بعض محاذيرها:
أولاً: إنَّها مخالفة لشريعة الله -تعالى- بأوضح نصوصه الكريمة، قال
стр. 1310
تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء]، ولما جاء البخاري (٦١٠٥)، ومسلم (١١٠) عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل نفسه بشيء، عُذِّب به يوم القيامة".
وفي صحيح البخاري (٣٠٧٤): "أنَّ رسول الله ﷺ قال عن الرجل الذي آلمته الجراح، فقتل نفسه، فقال ﷺ : هو من أهل النار".
ثانيًا: إنَّ من قتل نفسه فليس بمؤمن؛ لأنَّ صفة المؤمن إنَّ أصابته سرَّاء شكر، وإن أصابته ضرَّاء صبر.
ثالثًا: إنَّ هذا دليل على- الجُبْن والسلبية، وعدم التحمل، ومجابهة الأمور ومعالجتها، والخروج منها، والتغلب عليها.
رابعًا: إنَّ هذا دليل على ضعف العقل، وضعف الإيمان؛ ذلك أنَّه يريد بالموت الراحة مما هو فيه، وهو بقتله نفسه، انتقل من عذاب نفسي إلى عذاب أعظم مما هو في الحياة؛ كالمستجير من الرمضاء بالنار، نسأل الله السلامة.
قال الأستاذ أحد عساف في كتابه: "الحلال والحرام": وخلاصة القول: إنَّ الانتحار وَهنٌ في الإرادة، وضررٌ في العزيمة، وضعفٌ في الإيمان؛ لذلك كان جزاء فاعله النار.
فعلى المؤمن أن يصبر على البلاء مهما اشتد به؛ فإنَّ مع العسر يسرًا، ولكل شدَّة فرج، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
خامسًا: أشار النبي ﷺ إلى المعنى الذي من أجله ينهى عن تمني الموت، وهو انقطاع الأعمال الصالحة بالموت، ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال، ولو لم يكن إلاَّ استمرار الإيمان، فأي عمل أعظم منه، ولذا جاء في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يتمنين أحدكم الموت: إما محسناً، فلعله يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب".
стр. 1311
٤٣٦ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِيْنِ". رَوَاهُ الثَّلاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أحمد (٢٢٥٣٨)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن بريدة، ورمز له السيوطي بالحُسن.
قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقرَّه الذهبي.
وقال البيهقي: رجال أحمد رجال الصحيح.
وقال الهيثمي: رجاله ثقات، فهم رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- بعَرَق: بفتح العين والراء بعدهما قاف مثناة، والعَرَق: ما رشح من مسام الجلد من غدد خاصة، وفي الحديث أحد معنيين: أنَّه كناية عن الكد في طلب الرزق الحلال، وإما أن يراد به: شدة النزع عند الموت.
- الجَبين: -بفتح الجيم وكسر الباء الموحدة-: هو ما فوق الصدغ عن يمين الجبهة أو شمالها، وهما جبينان، وجمعه: أَجْبُن وَأَجْبُنة وجُبُن.
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث يحتمل أحد معنيين:
١ - مكابدة الإنسان ما في هذه الحياة من الشدائد والمشاق، فالإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها، حتى الموت، والمؤمن يكابدها بطرق
стр. 1312
الحلال والسبل المشروعة، فيتحرى الحلال وصحة العقود، ويحترز عن الشبهات، فيكون غالباً رزقُه مقتدراً عليه بقدر كفايته، فيموت وهو لم ينعم بعيش هنيء، وطعام لين، وإنما يموت وجبينه يتفصد عرقاً من تعب الحياة؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد].
٢ - أنَّ المؤمن يكابد من شدة النزع وسياق الموت ما يكفر الله به ما بقي من ذنوبه؛ ولذا جاء في الحديث أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته".
وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن عائشة قالت: "حضرت موت أبي، فأصابته غشية"، وقال ﷺ وهو في سياق الموت: "إنَّ للموت سَكَرَات" [رواه البخاري (٤١٨٤)].
فالمؤمن يموت وجبينه يقطر من شدة النزع؛ ليمحص الله ذنوبه عند آخر مرحلة من مراحل الحياة، وأول منزلة من مراحل الآخرة، ليخرج من هذه الحياة نقيًّا خالصاً.
***
стр. 1313
٤٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لاَ إِلهَ إِلاَّ الله" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَة (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لقِّنوا: فعل أمر من: التلقين؛ وهو التذكير.
قال في "المصباح": لقنته الشيء فتلقنه، إذا أخذه من فيك مشافهة، فمعناه: أنَّ الإنسان يقول الشيء ويتبعه غيره.
- موتاكم: يعني: الذي ظهرت عليه علامات الموت؛ وذلك عند الاحتضار، وتسميتهم موتى باعتبار ما سيكون.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب تلقين المحتضر كلمة الإخلاص: "لا إله إلاَّ الله"، وبقية الحديث عند ابن حبان: "فمن كان آخر قوله: لا إله إلاَّ الله، دخل الجنة".
٢ - قال المُنَاوي عن حديث الباب: إنَّه متواتر، والتلقين المذكور سنة مأثورة؛ لهذا الخبر، والمسلمون أجمعوا عليها.
٣ - قال الفقهاء: يلقنه مرة واحدة، ولا يزيد لئلا يضجره، إلاَّ أن يتكلم بعد تلقينه فيعيد عليه التلقين؛ ليكون آخر كلامه: لا إله إلاَّ الله.
٤ - عظم هذه الكلمة الجليلة بكبر فائدتها، وأنَّ قولها بإخلاص، والعمل بها سبب للنجاة من النار ودخول الجنة. اللهم أحينا عليها، وأمِتنا عليها.
стр. 1314
٥ - قال ابن القيم: يستحب التأذين في أذن المولود اليمنى، والإقامة في اليسرى؛ ليكون أول ما يقع في سَمْع الإنسان كلمات الأذان، كما يلقن عند خروجه من الدنيا، فتكون دعوته إلى الله تعالى، وإلى دينه الإسلام سابقة على دعوة الشيطان.
***
стр. 1315
٤٣٨ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ، ؤصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه أحمد (١٩٧٩٠)، وأبو داود، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٧٥٣)، والبيهقي (٣/ ٣٨٣)، والضياء المقدسي.
قال الحاكم: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره.
وقال النووي في "الأذكار": إسناده ضعيف، ففيه مجهولان، لكن لم يضعِّفه أبو داود، وقال ابن حجر: أعله ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، المذكُورَين في إسناده.
وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.
* ما يؤخذ من الحديث:
الحديث صحَّحه طائفة من العلماء، وضعَّفه طائفة أخرى، ومعناه يحتمل أمرين:
الاحتمال الأول: أن يراد به قراءة السورة المذكورة عند المحتضر، ويسمى المحتضر ميتاً باعتبار ما سيكون؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر]، فتستحب قراءتها عند المحتضر.
стр. 1316
قال الإمام أحمد (١٦٥٢١) حدثنا: صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يس عند الموتى، خُفِّف عنهم بها، وصحَّح إسناده ابن حجر في "الإصابة".
وأسند صاحب "الفردوس" عن أبي الدرداء وأبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ميت يموت، فيقرأ عنده يس، إلاَّ هون الله عليه".
قال شيخ الإسلام: تستحب قراءة يس، عند المحتضر، وقيل: الحكمة في قراءتها: اشتمالها على تغيير الدنيا وزوالها، والوعد بالبعث والقيامة، ونعيم الجنة وما أعدَّ الله فيها، ويتذكر بقراءتها تلك الأحوال التي توجب زهده في الدنيا المنتقل عنها إلى الآخرة المقبل عليها، فتسهل عند ذلك خروج روحه، ففي السورة طائفة من الأدلة النقلية والعقلية على إمكان البعث والحياة الأخرى.
الاحتمال الثاني: أن يراد بقراءتها على الموتى يعني بعد موتهم، ويكون المراد: إهداء ثواب قراءتها إليهم.
* خلاف العلماء:
القُرب التي تهدى إلى الميت، أو الحي على نوعين: متفق عليه، ومختلف فيه، فمن الأول:
١ - الدعاء والاستغفار: ودليله نحو: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
٢ - الصدقة: لما جاء في البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عن عائشة ﵂ أنَّ سعد بن عبادة قال: "يا رسول الله، إنَّ أمي افْتُلِتَتْ نفسها، ولم توصِ، فلها أجر، إن تصدَّقت عنها؟ قال: نعم".
٣ - الحج والعمرة: لما جاء في البخاري (١٨٥٢) عن ابن عباس: "أنَّ امرأة من جهينة قالت: يا رسول الله، إنَّ أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت
стр. 1317
قاضيته؟! اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء".
٤ - الصيام: لما في البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من ماتَ وعليه صيام صام، عنه وليه".
فهذا النوع مما اتُّفق على جوازه.
قال شيخ الإسلام: اتَّفق أئمة الإسلام على انتفاع الميت بالدعاء له، وما يُعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة، والإجماع، فمن خالف ذلك، كان من أهل البدع، ولم يخالف في هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وإنما اختلفوا في العبادات البدنية المحضة؛ كالصلاة وتلاوة القرآن:
الثاني: ذهب الحنفية والحنابلة ومتأخرو الشافعية والمالكية إلى وصول ثوابها من الحي إلى الميت والحي.
وذهب متقدمو الشافعية ومتقدمو المالكية إلى عدم وصول ثواب العبادات البدنية المحضة لغير فاعلها.
استدلَّ المانعون وهم متقدمو الشافعية بأدلةٍ، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم].
قال ابن كثير في تفسيره: أي: كما لا يحمل وزر غيره، كذلك لا يحل له من الأجر إلاَّ ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أنَّ القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنَّه ليس من عملهم، ولا كسبهم.
كما استدلوا: بما أخرجه مسلم (١٦٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: ولدٍ صالح يدعو له، أو صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به من بعده".
стр. 1318
وهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وجده وعمله؛ كما جاء في الحديث: "إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، والصدقة الجارية" [رواه أبو داود (٣٥٢٨)]، كما أنَّ الوقف ونحوه من أثر عمله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
والعلم الذي نشره في الناس، إذا اهتدى به الناس من بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وجاء في صحيح مسلم (٢٦٧٤) أنَّ النَّيَّ ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أفضل العبادات ما وافق هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه.
قال ابن مسعود: من كان منكم مستنًّا، فليستن بمن مات، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ .
والذي كان معروفًا عند لقرون المفضلة أنَّهم كانوا يعبدون الله تعالى بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها، ويدعُون للمؤمنين والمؤمنات -كما أمر الله بذلك- لأحيائهم وأمواتهم.
ولم يكن من عادتهم إذا صلوا تطوعًا، أو صاموا تطوعًا، أو حجوا، أو قرأوا القرآن -يُهدون ذلك لموتاهم المسلمين، بل كان عادتهم الدعاء لهم، فلا ينبغي للناس أن يَدَعو طريق السلف؛ فإنَّه أفضل وأكمل.
أما الفريق الذين يرون وصول ثواب الأعمال البدنية المحضة، فيقولون، ومنهم: ابن قدامة في "المغني" لما ذكر الأحاديث الدالة على وصول الدعاء، والصدقة، والحج ونحوها -قال:
وهذه أحاديث صحاح، فيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القُرب؛ لأنَّ الصوم والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها.
стр. 1319
قال في "شرح الزاد" وغيره، من كتب الحنابلة: وأي قُربة من دعاء واستغفار وصلاة وصوم وحج وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم، وجعل ثوابها لميت مسلمٍ، أو حيٍّ -نفعه ذلك.
قال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير؛ للنصوص الواردة فيه.
قال ابن القيم: من صام أو صلَّى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء -جاز ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، ويحصل له الثواب بنيته له، ولكن تخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل، ويدعو كما ورد في الكتاب والسنة.
وبحثها ابن القيم في كتاب "الروح" بحثًا وافيًا مستفيضًا، وصحَّحَ وصول ثواب جميع القُرب والأعمال الصالحة إلى الميت، ودلل عليها، وردَّ حجج المعارضين، وننقل خلاصة قليلة منها فيما يأتي، تتميمًا للفائدة:
اختلف العلماء في العبادات البدنية؛ كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر:
فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها.
ومذهب مالك والشافعي أنَّ ذلك لا يصل.
والدليل على انتفاع عنه بغير ما تسبب به:
١ - حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث ... " إلخ [رواه مسلم (١٦٣١)].
حديث: "من سنَّ سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سنَّ سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ... " إلخ [رواه مسلم (١٠١٧)].
٢ - انتفاعه بغير ما تسبب به في القرآن والسنة والإجماع وقواعد الشرع:
стр. 1320
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] إلخ.
وفي سنن أبي داود (٣١٩٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء".
وفي حديث صحيح مسلم (٩٧٤): "كان ﷺ يعلمهم؛ إذا خرجوا إلى المقابر يقولون: السلام عليكم ... " إلخ.
٣ - وصول ثواب الصدقة؛ كما في البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) من حديث عائشة ﵂ في الرجل الذي قال للنبي ﷺ : "إنَّ أمي ماتت ولم توصِ، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم".
٤ - وصول ثواب الصوم؛ كما في حديث عائشة عند البخاري (١٩٥٢) "من مات وعليه صوم، صام عنه وليه".
وفي البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، دين الله أحق أن يقضى".
٥ - وأما وصول ثواب الحج: ففي صحيح البخاري (٧٣١٥) عن ابن عباس: "أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله إنَّ أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها، فالله أحق بالقضاء"
قال -رحمه الله تعالى-: هذه نصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت، إذا فعلها الحي عنه، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر، فوصول الجميع محض القياس، فإنَّ الثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه منه بعد.
стр. 1321
أدلة المانعين:
١ - قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ - "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلاَّ من ثلاث".
٣ - العبادات نوعان: نوع تدخله النيابة؛ كالصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، ونوع لا تدخله النيابة بحال؛ كالإسلام والصلاة والقراءة والصيام، فهذا النوع يختص بفاعله لا يتعداه، ولا ينتقل عنه، كما أنَّ في الحياة ما لا يفعله أحد عن أحد.
٤ - وقد جاء في "سنن النسائي الكبرى" (٢/ ١٧٤) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن يُطعِمُ عنهُ".
٥ - معارَض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة؛ فإنَّ أحدًا لا يفعلها عن أحد.
أجاب الذين يرون وصول الثواب بما يلي:
قال ابن القيم: ليس فيما ذكرتم ما يعارض الكتاب والسنة، واتفاق السلف، ومقتضى قواعد الشرع.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]-فيبين مقتضى عدل الرب أنَّه لا يعاقب أحداً بجُرم غيره، وأنَّ الإنسان لا يفلح إلاَّ بعمله وسعيه، فالآية الأولى تؤمن من أخذ العبد بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا، والآية الثانية تقطع طمعه من نجاته، بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حُسن اجتماع هاتين الآيتين.
والآية لم تنف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفت ملكه لسعي غيره، وبَينَ الأمرين من الفرق ما لا يخفى، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء
стр. 1322
أن يبذله لغيره، وإن شاء يُبْقيه لنفسه، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
وأما الاستدلال بحديث: "إذا مات ابن آدم"، فاستدلال ساقط؛ فإنَّه ﷺ لم يقل: انقطع انتفاعه، فالمنقطع شيء، والواصل إليه شيء آخر.
وأما القول بأنه لو نفعه عمل غيره، لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه -فالجواب: أنَّ هذا جمع بين ما فرق الله بينه؛ كما يقاس الربا على البيع، والميتة على المذكى.
وأما العبادات فنوعان: نوع تدخله النيابة، ونوع لا تدخلها، فمن أين لكم هذا الفرق؟ وقد شُرع الصوم عن الميت، مع أن الصوم لا تدخله النيابة، وشرع في فرض الكفاية أنه إذا فعله مَن يكفي سقط عن الباقين.
وقد أطال البحث والنقاش، وصحح وصول ثواب جميع الأعمال من الحي إلى الميت والحي، رحمه الله تعالى.
***
стр. 1323
٤٣٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ. اتَّبَعَهُ البَصَرُ. فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أهْلِهِ، فَقَالَ: لاَ تَدْعُو علَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ علَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لأَبِي سلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهدِيِّينَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- شقَّ بَصَرُهُ: -بفتح الشين المعجمة-: رفع وشخص وبصره، وهو فاعل "شق".
قال النووي: وضبط بعضهم "بصرَ" بالنصب، وهو صحيح أيضًا، والشين مفتوحة بلا خلاف.
- الروح: بضم الراء، جمعه: أرواح، وهو مخلوق، وهو من أمر الله تعالى يكون في وجوده في البدن الحياة، وبفقده الممات، يذكَّر ويؤنَّث، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
- اتبعه البصر: همزته همزة وصل، ومعناها ما جاء في رواية مسلم "تبعه" بحذف الهمزة، ومعناه: أنَّ الروح إذا خرج من الجسد تبعه البصر، ناظرًا أين يذهب، قاله النووي.
- فضجَّ ناسٌ من أهله: يقَال: ضجَّ فُلانٌ يضُج ضجيجًا، بمعنى: صاح، وقال في "النهاية": الضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع، والمعنى:
стр. 1324
صاحوا، أو صوَّتوا من شدة المصيبة، والفاء للتعقيب.
- إنَّ الروح إذا قبض، اتبعه البصر: للجسد تعلق شديد في الروح في حال الحياة، ثم بعد الموت يظل البصر يتبع الروح؛ لينظر أين ذهبت.
- الملائكة تؤمن: تدعو معكم، وتقول: "آمين" على دعائكم، ومعنى "آمين": اللهم استجب.
- المهديين: الذين هداهم الله تعالى، ودلَّهم على طريق الرشد، والسداد في حياتهم ومماتهم.
- افسح لهُ في قبره: وسِّع له ومدَّ له في قبره؛ بحيث يكون عليه روضة من رياض جنَّتك.
- نوِّر له فيه: فدعاء الصالحين من أسباب نور القبرة ففي البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ هذه القبور ظلمة علن أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها بصلاتي عليهم".
- واخلفه في عقبه: واجعل لمن ترك بعده من الأهل والذرية خليفة صالحاً في أحوال دينهم ودنياهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز النظر إلى وجه الميت.
٢ - استحباب تغميض عيني الميت بعد وفاته.
٣ - أنَّ الوفاة تكون بمفارقة الروح البدن.
٤ - النهي عن الضجيج والصراخ ورفع الصوت عند مصيبة الموت أو غيره، ولعلَّ بعض آل أبي سلمة أتَوْا عند وفاته، وفعلوا ما اعتادوا أن يفعلوه في الجاهلية من قولهم: "وا ويلاه وا ثبوراه"، ونحوه؛ فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلاَّ بخير".
٥ - استحباب الدعاء بالخير عند الوفاة بالاسترجاع، وسؤال الرحمة للميت،
стр. 1325
ونحو ذلك.
٦ - من رحمة الله تعالى بخلقه أن جعل ملائكته يواسون المسلمين عند مصائبهم، فيؤمنون على دعائهم، ويحضرون عندهم.
٧ - استحباب الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة، ورفع الدرجات في الجنة، وحشره مع أولياء الله تعالى المهديين من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين.
٨ - ثبوت نعيم القبر من اتساعه له وتنويره، فيكون فيه روضة من رياض الجنة، فهو أول منازل الآخرة.
٩ - استحباب الدعاء لأهل الميت وعقِبه؛ بأن يخلفهم عنه خيرًا، وأن يعوِّضهم عن فقْده أجراً.
١٠ - الفضيلة العظيمة والمنقبة الكبيرة لأبي سلمة ﵁ بهذا الدعاء النبوي المبارك، الذي نعلم أنَّه قبل منه ما كان في الدنيا، حيث صار عقبه في أهله هو أنَّ رسول الله ﷺ تزوج امرأته، فصارت من أمهات المؤمنين، وتشرف أولاده، فصاروا ربائب للنبي ﷺ ، رُبوا في بيته، وعاشوا في كنفه، وصاروا في كفالته، ونظن الظن القوي أنَّ الله تعالى استجاب دعاء النبي ﷺ ، فغفر له ذنوبه، ورفع درجته في المهديين.
وأبو سلمة المخزومي القرشي من السابقين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين: الحبشة والمدينة، وشهد بدراً وأُحُدًا، وجرح فيه واندمل جرحه، ثم انتقض عليه، ومات منه بعد أشهر، ﵁.
وهنا بحثان يتعلقان بهذا الحديث:
البحث الأول: ما هي حقيقة الوفاة؟
قال الأطباء: جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس، والقلب، والدورة الدموية، ولذا فإنَّ توقف جذع الدماغ وموته يؤديان لا محالة إلى توقف
стр. 1326
القلب، والدورة الدموية، والتنفس، ولو بعد حين.
ولذا فإنَّ لجنة "مجمع الفقهي الإسلامي في جدة" المكونة من أعضائها الشرعيين والأطباء، وهم كلٌّ من:
١ - الشيخ مختار السلامي، مفتي تونس.
٢ - الشيخ مصطفى الزرقا، من كبار فقهاء حلب.
٣ - الطبيب أشرف الكردي، أخصائي الأمراض العصبية.
٤ - الطبيب محمد علي البار، أخصائي الأمراض الباطنية.
قرروا في "١١ صفر عام: ١٤٠٧ هـ رقم: ١٧" ما يلي:
بحكم النظرين الشرعي والطبي؛ بأنَّ الشخص قد مات، إذا تبينَّ فيه إحدى العلامتين:
الأولى: إذا توقف قلبه، وتنفسه، توقفًا تاماً، وحَكَمَ الأطباء بأنَّ هذا التوقف لا رجعة بعده.
الثانية: إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وَحَكَمَ الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأنَّ هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ الدماغ في التحلل، ففي هذا الحال يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على المحتضر، وإن كان بعض الأعضاء كالقلب -مثلاً- لايزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة المذكورة.
أما مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، ففي دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة في يوم السبت ٢٤/ ٢/ ١٤٠٨ هـ إلى يوم الأربعاء الموافق ٢٨/ ٢/ ١٤٠٨ هـ فنص قراره ما يلي:
وبعد المداولة في الموضوع، نتهى المجلس إلى القرار الآتي: المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أنَّ العطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان
стр. 1327
يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعاً إلاَّ، إذا توقف التنفس والقلب توقفاً تامًّا، بعد رفع هذه الأجهزة.
وصلَّى الله وسلمَّ على نبينا محمد.
قال محرره -عفا الله عنه-: ما دمنا علمنا من الأطباء أنَّ موت الدماغ هو موت حقيقي، لا رجعة بعده، وأنه إذا مَات الدماغ، مات القلب لا محالة، وإن استمرَّ نبضه وضخه بفعل أجهزة الإنعاش، فيعتبر نزع أجهزة الإنعاش عن المحتضر ليس قضاء عليه، وتعجيلاً بموته؛ لأنَّه في عداد الموتا طبيًّا، فيكون نزعها جائزاً شرعاً.
البحث الثاني في الروح:
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء].
قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: الروح أمر مجهول، لا نقول فيه إلاَّ أنَّه من أمر ربنا، وما أُوتي البشر من العلم إلاَّ قليلاً، والرسول ﷺ يوضح لنا متى تنفخ الروح في الجنين، وأنَّ ذلك بعد مروره في مراحل وأطوار مختلفة، حتى إذا تكونت أعضاؤه، بدأت في الجنين حركات إرادية، وترتسم على وجهه علامات الرضا والضيق، كل ذلك يدل على نفخ الروح.
قال الرازي: الروح موجود، وهو مغاير لهذه الأجسام والأعراض، ذلك أنَّ الأجسام أشياء تحدث من العناصر، أما الروح فإنَّه ليس كذلك، بل هو جوهر بسيط، مجرد يحدث بقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة] ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته نفيه؛ إنَّ أكثر حقائق الأشياء وماهيتها مجهولة.
وقال ابن القيم: الصحيح أنَّ الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، فالروح جسم نوراني علوي خفيف متحرك، ينفذ في الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في العود، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في
стр. 1328
الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهلذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء، وخرجت عن قبول تلك الآثار -ارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح.
وهذه هو الصواب، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دلَّ الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة.
فالروح هي مناط التكليف، ومدار الأمر والنهي، والصلاح والفساد، وما الجسم إلاَّ لباس لها، وشكل ظاهر، فهي اللب والجوهر. اهـ كلامه.
قال محرره -عفا الله عنه-: وهذا الارتباط بين الروح والجسد، الذي ذكره العلامة الإمام ابن القيم يشير إليه الحديث الشريف الذي معنا.
قال ﷺ : "إنَّ الروح إذا قبض، اتبعه البصر" فشق بصر الميت، وسبحان المحيط علمه بكل شيء.
فقوله: " إذا قبض"، قوله: "اتبعه البصر" -دليلٌ قاطعٌ على أنَّ الروح جسم، فالقبض لا يكون إلاَّ لجسم، والبصر لا يتبع إلاَّ شيئاً مرئيًّا، هو الجسم. وقال الدكتور حسن الشرقاوي: ويخلط علماء الروح الحديث خلطاً شديداً، فيندفعون في دعاواهم الزائفة، فيستجلبون أجساماً عن طريق الوسطاء، زاعمين أنَّهم أحضروا الروح، ويستخدمون لذلك وسائل مادية.
ويمكن القول بأنَّ هذا النوع من الاتصال يتم بين الإنس والجن، وليس للروح أي علاقة بهذه التجارب المادية؛ لأنَّ الروح من اختصاص الله، وليست في مقدور الإنسان، ومهما تقدم العلم، فإنه سيظل عاجزاً عن إدراك كُنْهِ الروح، وأصحاب هذه التجارب خلطوا بين عالم الجن وعالم الروح، فتجاربهم نوع من العبث، والله أعلم.
***
стр. 1329
٤٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِيْنَ تُوُفِّيَ، سُجِّي بِبردِ حِبَرَةَ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- سُجِّيَ: بضم السين -مبني للمجهول- وبعد السين جيم معجمة تحتية، بمعنى: غطي.
- بُرد: -بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة-: كساء له أعلام، جمعه: أبراد وبرد.
- حِبَرَة: -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث-: ثوب من قطن أو كتان، مخطط يصنع باليمن.
يقال: برد حبير، وبرد حِبرة، على الوصف والإضافة، والجمع: حُبُر وحُبرات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب تغطية جسد الميت كله، فهو أفضل من بقائه مكشوف الوجه والأطراف، فالإنسان بعد وفاته عورة، يستحب مواراتها قبل الدفن بالتسجية بما يخفى سوأتها؛ قال تعالى حكاية عن ابن آدم: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]، والسوأة: الجيفة.
٢ - قال النووي: إنَّ هذه التسجية مجمع عليها، وحكمة ذلك صيانة الميت عن الانكشاف، وستر صورته -المتغيرة بوفاته- عن الأعين.
...
стр. 1330
٤٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ أَبَا بكْرٍ الصِّدِّيقَ. ﵁ قَبَّل النَّبِيَّ بعْدَ مَوْتهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز تقبيل الميت لمن يجوز له تقبيله في حال الحياة، والنظر إلى وجهه.
٢ - شدة محبة أبي بكر الصديق ﵁ للنبي ﷺ ، وثباته عند وفاته، مع أنَّه أشد الصحابة مصيبة بوفاته وفَقْده، قال كثير من المؤرخين: إنَّ سبب وفاة أبي بكر؛ كمدٌ على فقد النبي ﷺ .
٣ - قصة أبي بكر عند وفاة النبي ﷺ ، وثباته وتهدئته المسلمين في تلك الساعة الصعبة الشديدة، ورباطه جأشه، وخطبته ينعي النبيَّ ﷺ ، ويعزِّيهم ويثبتهم -أمرٌ مشهور، وموقفٌ فريدٌ، لا يقفه إلاَّ أولو العزم من الرجال، فرضي الله عنه وأرضاه.
***
стр. 1331
٤٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَفْسُ المُؤْمنُ مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال صاحب "المحرر": رواه أحمد وابن ماجه (٢٤١٥) وأبو يعلى (١٠/ ٤١٨)، والترمذي وحسنه.
قال الشوكاني: رجال إسناده ثقات، إلاَّ عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، فهو صدوق يخطىء، وقد تابعه الزهري عن أبي سلمة عن ابن حبان في صحيحه، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، كما صححه ابن حبان وأبو نعيم.
* مفردات الحديث:
- نفْس المؤمن: قال ابن القيم: مذهب جمهور العلماء: أنَّ النفس والروح مسماهما واحد، وأنَّ الفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا بالذات، وأنَّ الروح جسم نوراني خفيف، يسري في الأعضاء سريان الماء في العود، والدهن في الزيتون، فإذا فارقها وانفصل عنها إلى عالم الأرواح، فسدت تلك الأعضاء.
- معلقة بدَينه: أي: محبوسة ومرهونة، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر].
- بدَيْنه: بفتح الدال، والدَّين: كل ما يجب على الشخص أداؤه.
- حتى يُقضى عنه: "حتى" للغاية، فلا يزال الرهن قائماً، حتى قضاء الدين عن الميت.
стр. 1332
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على التشديد في أمر الدَّيْن، وأنَّ نفس المؤمن مرهونة به حتى يُقضى عنه، ومعنى "رهنها" حبسها عن مقامها الكريم؛ كما جاء في الحديث: "إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دَيْن عليه، حتى يقضيه عنه وارث" ونحوه.
٢ - الحكمة في هذا: أنَّ حقوق الآدميين مبنية على الشح، وعدم السماح فيها.
٣ - جاء من التشديد فيها: ما رواه الإمام أحمد (١٣٧٤٥) وأبو داود (٣٣٤٣) والنسائي (١٩٦٢) عن جابر قال: "كان النبي ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتي بميت، فسأل: أعليه دينٌ؟ قالوا: نعم عليه ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليه، فلما فتح الله على رسوله، قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديْناً فعليَّ، ومن ترك مالاً فلورثته".
٤ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة.
٥ - قال في "الدليل وشرحه": وتكفر الشهادة جميع الذنوب سوى الدين، قال الشيخ تقي الدين: وكذا مظالم العباد.
وذلك لما روى مسلم (١٨٨٦) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يغفر الله للشهيد كل ذنب، إلاَّ الدَّين".
٦ - يجب المبادرة بقضاء دين الميت إنَّ وجد له تركة، فإنَّ ذمته لا تزال مشغولة بديْنه بعد موته، حتى يُقْضى عنهُ.
٧ - إذا كان الأمر في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة هكذا -فكيف يكون بما أُخذ غصباً، ونهباً، وسلبًا، ونحوها؟!
٨ - تجب المبادرة في قضاء دين الميت، فإن تعذر قضاؤه في الحال، استُحب
стр. 1333
لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، ويصح ضمان الدين عنه؛ لقصة أبي قتادة لما قال رسول الله ﷺ : "أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه، فصلَّى عليه"، إلاَّ أنَّ ذمة الميت لا تبرأ قبل قضاء دينه؛ لحديث الباب، ولأنه ﷺ لما قال أبو قتادة: قد قضيتها، قال: "الآن برَّدت عليه جلده".
على أن دين الميت إذا كان برهن أو بكفيل، خف حمله عن الميت، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وقد تحمل أبو قتادة دين الميت، فصلَّى عليه النبي ﷺ .
٩ - الدين الذي يكون الميت مرتهنًا به يشمل ديون الناس الخاصة، من ثمنٍ مبيعٍ، وأجرة، وقرض، وغصب، وعارية، وصداق، ودية، وغيرها، كما يشمل حقوق الله من الزكاة، والحج، والنذر، والكفارة، فقد جاء في صحيح البخاري (١٩٥٣): "دين الله أحق بالوفاء"، ويقدم الدَّين على الوصيَّة بإجماع العلماء.
١٠ - فمعنى تعليق النفس بالدين هو مطالبتها بما عليها، وحبسها عن مقامها حتى يُقضى عنه.
والمراد بالنفس في هذا الحديث هو: الروح، التي فارقت البدن بعد الحياة، لما روى الإمام أحمد (١٩٦١٦) من حديث سمرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه"، ففيه الحث على الإسراع في قضائه.
***
стр. 1334
٤٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بماء وسدرٍ: متعلق بقوله: "اغسلوه".
- سِدْرٍ: -بِكسر السين وسكون الدال المهملة آخره راء-: هو شجر النبق، واحده: "سدرة".
- ثوبيه: مثنى "ثوب"، والمراد بهما: ثوبي الإحرام اللذين عليه، وهما: الإزار والرداء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بينما رجل من الصحابة واقف بعرفة على راحلته في حجة الوداع محرَّمَاً، فسقط منها، فانكسرت عنقه ومات، فأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوه، ويكفِّنوه في ثوبيه اللَّذين أحرم بهما، والثوبان هما: الرداء والإزار.
٢ - في بعض ألفاظ الحديث: "ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
ومعنى: "لا تحنطوه"؛ أي: لا تطيبوه، ومعنى: "لا تخمروا رأسه"؛ أي: تغطوه؛ لأن الطيب ممنوع على المحرم، وكذا تغطية الرأس للذكر المحرم.
٣ - استحباب الإسراع في تجهيز الميت إذا لم يكن الموت فجأة، فلابد من
стр. 1335
التحقق من وفاته، أو يكون في تأخيره مصلحة من كثرة المصلين، أو حضور قريب ونحو ذلك.
٤ - وجوب تغسيل الميت بالماء، وأنَّ الغسل فرض كفاية، وليس بفرض عين، والفرق بينهما: انَّ فرض الكفاية المقصود منه حصول ذلك الشيء، أما فرض العين فهو مطلوب من كل شخص، وهو قول جمهور العلماء، ولم تخالف في وجوبه إلاَّ المالكية الذين يرون سنيته.
٥ - استحباب العناية بنظافة الميت وتنقيته؛ إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدرًا، وذلك بأن يدق السدر ويخلط بالماء، فيغسل برغوته رأسه، وبثُفْله بقية جسده، فهو مادة منقيَّة ومصلّبة للجسم، فلا يسرع إليه الفساد.
٦ - إذا تغيَّر الماء بالطاهرات، فلا يخرج عن أصل خلقته من بقاء طهوريته، وأنَّه طاهر بذاته، مطهِّر لغيره.
٧ - وجوب تكفين الميت، وأنَّ الكفن ومؤن التجهيز مقدمة على سائر ما يجب في التركة من حقوق، وهي الدين والوصية والإرث، فهي كنفقة الحي، مقدمة على سائر الحقوق أيضًا.
٨ - تحريم تغطية رأس الميت المُحرِم إذا كان ذكرًا، وتحريم تغطيه وجه الأنثى الميتة المُحرمة.
٩ - قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أنَّ المُحرِم إذا مَاتَ يبقى في حقه حكم الإحرام؛ وهو مذهب الشافعي وأحمد.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وهو مقتضى القياس؛ لانقطاع العبادة، وزوال محل التكليف، ولكن النص مقدم على القياس.
١٠ - تحريم الطيب على المحرم، حيًّا كان أو ميتاً، ذكراً أو أنثى؛ لأنَّه ترفُّهٌ منافٍ للإحرام.
١١ - أن المحرم لا يحرم عليه مباشرة الأشياء المنقية، التي ليس فيها طيب، من