← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٤٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَفْسُ المُؤْمنُ مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). ــ * درجة الحديث: قال صاحب "المحرر": رواه أحمد وابن ماجه (٢٤١٥) وأبو يعلى (١٠/ ٤١٨)، والترمذي وحسنه. قال الشوكاني: رجال إسناده ثقات، إلاَّ عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، فهو صدوق يخطىء، وقد تابعه الزهري عن أبي سلمة عن ابن حبان في صحيحه، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، كما صححه ابن حبان وأبو نعيم. * مفردات الحديث: - نفْس المؤمن: قال ابن القيم: مذهب جمهور العلماء: أنَّ النفس والروح مسماهما واحد، وأنَّ الفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا بالذات، وأنَّ الروح جسم نوراني خفيف، يسري في الأعضاء سريان الماء في العود، والدهن في الزيتون، فإذا فارقها وانفصل عنها إلى عالم الأرواح، فسدت تلك الأعضاء. - معلقة بدَينه: أي: محبوسة ومرهونة، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر]. - بدَيْنه: بفتح الدال، والدَّين: كل ما يجب على الشخص أداؤه. - حتى يُقضى عنه: "حتى" للغاية، فلا يزال الرهن قائماً، حتى قضاء الدين عن الميت.

стр. 1332

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على التشديد في أمر الدَّيْن، وأنَّ نفس المؤمن مرهونة به حتى يُقضى عنه، ومعنى "رهنها" حبسها عن مقامها الكريم؛ كما جاء في الحديث: "إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دَيْن عليه، حتى يقضيه عنه وارث" ونحوه. ٢ - الحكمة في هذا: أنَّ حقوق الآدميين مبنية على الشح، وعدم السماح فيها. ٣ - جاء من التشديد فيها: ما رواه الإمام أحمد (١٣٧٤٥) وأبو داود (٣٣٤٣) والنسائي (١٩٦٢) عن جابر قال: "كان النبي ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتي بميت، فسأل: أعليه دينٌ؟ قالوا: نعم عليه ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليه، فلما فتح الله على رسوله، قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديْناً فعليَّ، ومن ترك مالاً فلورثته". ٤ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ٥ - قال في "الدليل وشرحه": وتكفر الشهادة جميع الذنوب سوى الدين، قال الشيخ تقي الدين: وكذا مظالم العباد. وذلك لما روى مسلم (١٨٨٦) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يغفر الله للشهيد كل ذنب، إلاَّ الدَّين". ٦ - يجب المبادرة بقضاء دين الميت إنَّ وجد له تركة، فإنَّ ذمته لا تزال مشغولة بديْنه بعد موته، حتى يُقْضى عنهُ. ٧ - إذا كان الأمر في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة هكذا -فكيف يكون بما أُخذ غصباً، ونهباً، وسلبًا، ونحوها؟! ٨ - تجب المبادرة في قضاء دين الميت، فإن تعذر قضاؤه في الحال، استُحب

стр. 1333

لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه، ويصح ضمان الدين عنه؛ لقصة أبي قتادة لما قال رسول الله ﷺ : "أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليَّ دينه، فصلَّى عليه"، إلاَّ أنَّ ذمة الميت لا تبرأ قبل قضاء دينه؛ لحديث الباب، ولأنه ﷺ لما قال أبو قتادة: قد قضيتها، قال: "الآن برَّدت عليه جلده". على أن دين الميت إذا كان برهن أو بكفيل، خف حمله عن الميت، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وقد تحمل أبو قتادة دين الميت، فصلَّى عليه النبي ﷺ . ٩ - الدين الذي يكون الميت مرتهنًا به يشمل ديون الناس الخاصة، من ثمنٍ مبيعٍ، وأجرة، وقرض، وغصب، وعارية، وصداق، ودية، وغيرها، كما يشمل حقوق الله من الزكاة، والحج، والنذر، والكفارة، فقد جاء في صحيح البخاري (١٩٥٣): "دين الله أحق بالوفاء"، ويقدم الدَّين على الوصيَّة بإجماع العلماء. ١٠ - فمعنى تعليق النفس بالدين هو مطالبتها بما عليها، وحبسها عن مقامها حتى يُقضى عنه. والمراد بالنفس في هذا الحديث هو: الروح، التي فارقت البدن بعد الحياة، لما روى الإمام أحمد (١٩٦١٦) من حديث سمرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه"، ففيه الحث على الإسراع في قضائه. ***

стр. 1334

٤٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - بماء وسدرٍ: متعلق بقوله: "اغسلوه". - سِدْرٍ: -بِكسر السين وسكون الدال المهملة آخره راء-: هو شجر النبق، واحده: "سدرة". - ثوبيه: مثنى "ثوب"، والمراد بهما: ثوبي الإحرام اللذين عليه، وهما: الإزار والرداء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بينما رجل من الصحابة واقف بعرفة على راحلته في حجة الوداع محرَّمَاً، فسقط منها، فانكسرت عنقه ومات، فأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوه، ويكفِّنوه في ثوبيه اللَّذين أحرم بهما، والثوبان هما: الرداء والإزار. ٢ - في بعض ألفاظ الحديث: "ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". ومعنى: "لا تحنطوه"؛ أي: لا تطيبوه، ومعنى: "لا تخمروا رأسه"؛ أي: تغطوه؛ لأن الطيب ممنوع على المحرم، وكذا تغطية الرأس للذكر المحرم. ٣ - استحباب الإسراع في تجهيز الميت إذا لم يكن الموت فجأة، فلابد من

стр. 1335

التحقق من وفاته، أو يكون في تأخيره مصلحة من كثرة المصلين، أو حضور قريب ونحو ذلك. ٤ - وجوب تغسيل الميت بالماء، وأنَّ الغسل فرض كفاية، وليس بفرض عين، والفرق بينهما: انَّ فرض الكفاية المقصود منه حصول ذلك الشيء، أما فرض العين فهو مطلوب من كل شخص، وهو قول جمهور العلماء، ولم تخالف في وجوبه إلاَّ المالكية الذين يرون سنيته. ٥ - استحباب العناية بنظافة الميت وتنقيته؛ إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدرًا، وذلك بأن يدق السدر ويخلط بالماء، فيغسل برغوته رأسه، وبثُفْله بقية جسده، فهو مادة منقيَّة ومصلّبة للجسم، فلا يسرع إليه الفساد. ٦ - إذا تغيَّر الماء بالطاهرات، فلا يخرج عن أصل خلقته من بقاء طهوريته، وأنَّه طاهر بذاته، مطهِّر لغيره. ٧ - وجوب تكفين الميت، وأنَّ الكفن ومؤن التجهيز مقدمة على سائر ما يجب في التركة من حقوق، وهي الدين والوصية والإرث، فهي كنفقة الحي، مقدمة على سائر الحقوق أيضًا. ٨ - تحريم تغطية رأس الميت المُحرِم إذا كان ذكرًا، وتحريم تغطيه وجه الأنثى الميتة المُحرمة. ٩ - قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أنَّ المُحرِم إذا مَاتَ يبقى في حقه حكم الإحرام؛ وهو مذهب الشافعي وأحمد. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وهو مقتضى القياس؛ لانقطاع العبادة، وزوال محل التكليف، ولكن النص مقدم على القياس. ١٠ - تحريم الطيب على المحرم، حيًّا كان أو ميتاً، ذكراً أو أنثى؛ لأنَّه ترفُّهٌ منافٍ للإحرام. ١١ - أن المحرم لا يحرم عليه مباشرة الأشياء المنقية، التي ليس فيها طيب، من

стр. 1336

سدرٍ، وأشنانٍ، وصابونٍ، وغيرها. ١٢ - جواز الاقتصار في الكفن على الإزار والرداء، وبهذا يُعلمُ أنَّه يكفي للميت لفافةٌ واحدة. ١٣ - من مات وهو محرم، فعمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، حين يبعث عليه. ١٤ - أنَّ من شرع في عمل صالح من طلب علمٍ، أو جهادٍ، أو غيرهما، ومن نيته أن يكمله، فمات قبل ذلك -بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم القيامة. ١٥ - يستفاد من ظاهر الحديث أنَّ المُحرم إذا مات لا يكمل عنه نسكه، ولو كانت فريضة، وذلك لأمرين: أولاً؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر بإتمام نسكه عنه، ولا قضائه. ثانيًا: أنَّ الميت أبقي على هيئة إحرامه بكشف رأسه، وتجنبه محظورات الإحرام، مما يدل على بقاء إحرامه، ولو كان يُقْضى عنه، لأمكن قضاؤه بعد ساعات من سقوطه، ولأمكن تكفينه وتطييبه، ولكنه أخبر أنَّ هذه الحالة ستكون معه حتى يبعث عليها. ١٦ - جواز التكفين في الثياب الملبوسة، قال ابن الملقن: وهذا إجماع. ١٧ - نقل أبو داود عن الإمام أحمد: قال: في هذا الحديث خمس سننٍ: تكفين الميت في ثوبين، وأنَّ الكفن من أصل المال، ولو أتى على جميعه، وغسل الميت بالسدر في الغسلات كلها، ولا يُخمَّر رأسه، ولا يقرب طيباً إذا كان محرماً. ***

стр. 1337

٤٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا أرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: وَاللهِ مَا نَدْرِي نُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أمْ لاَ؟ .. " الحَديث. رواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ. أخرجه أبو داود، وابن الجارود (١٣٦٢)، والحاكم (٣/ ٦١)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي، وأحمد بسند صحيح، وله شاهدٌ عن بريدة صححه الحاكم والذهبي. قال ابن عبد الهادي: رواته ثقات، ومنهم ابن إسحاق، وهو الإمام الصدوق، وصححه السندي، وله شواهد. * مفردات الحديث: - نُجَرِّدُ: يقال: جرد جرْدًا من باب قتل، وتجرّد من ثيابه -بالتثقيل-: نزع ثيابه من جسده، وتعريته منها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام الحديث عند أبي داود: "فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، ثم كلمهم مكلِّمٌ من ناحية البيت -لا يدرون من هو-: اغسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه". ٢ - فيه دليل على أنَّ المستحب هو تجريد الميت عند غسله، إلاَّ أنَّه يستحب أن يكون في مكان له سقف، ولو من خيمة ونحوها.

стр. 1338

٣ - في الحديث أنَّ لرسول الله ﷺ خاصية ليست لغيره من الموتى. ٤ - غسَّل النبيَّ ﷺ : عليُّ بن أبي طالب، وساعده عمُّه العباس، وابناه: الفضل وقثم، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله ﷺ ﵃ وكانت عائشة ﵂ تقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ، ما غسَّل رسول الله ﷺ إلاَّ نساؤه". [رواهُ أَحمد (٢٥٧٧٤)]. ***

стр. 1339

٤٤٥ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنا النَّبِيُّ ﷺ ونَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنها ثَلاَثًا، أوْ خَمْسًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذلِكَ، بِمَاءِ سِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيْرَةِ كَافُورًا، أوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، فَلَمَّا فَرَغْنا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: أشعِرنَهَا إِيَّاهُ". مُتَّفَقٌ عَليهِ. وَفِي رِوَايَةِ: "ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". وَفِي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ: "فَضَفَّرْنَا شَعَرَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا" (١). ــ * مفردات الحديث: - نُغَسِّلُ: -بضم النون وتشديد السين-: من غسَّل يغسل تغسيلاً. - ابنته: هي: زَينب على المشهور، أكبر بناته، زوج أبي العاص بن الربيع، ووفاتها في سنة ثمان من الهجرة. - إنْ رَأيتُنَّ ذلِكَ: أَيْ: إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث، أو خمس غسلات، وهو تخيير مصلحة، والرؤية هنا علمية. - سدر: واحده: "سدرة"، وهو شجر النبق، له خاصيَّة في تصليب الجسم. - كافور: شجر من الفصيلة الغارية، والمراد هنا به: المادة المتخذة من هذه الشجرة بلون البلور الأبيض، لها رائحة عطرية، وطعم، من خواصه أنَّه يطرد الهوام عن الميت.

стр. 1340

- شيئًا من كافور: شكٌّ من الراوي أي اللفظين قال. و"شيئًا" نكرة في سياق الإثبات، فصدق بكل شيء منه. - آذنَّاه: بهمزة ممدودة في أوله، ثم ذال معجمة، ثم نون مشددة؛ أي: أعلمناه. - حقوه: بفتح الحاء وكسرها وسكون القاف والحقو في الأصل: معقد الإزار؛ وأطلق على الإزار مجازًا. - أشعرْنَها: الشعار هو: الثوب الذي يلي الجسد؛ أي: اجعلنه شعارها، الذي يلي جسدها. - ابدأْنَ: بلفظ خطاب جمع المؤنث. - بميامنها: جمع "ميمنة". - فضفَّرنَا: بالضاد المعجمة وتخفيف الفاء من: الضفر، وهو نسج الشعر عريضاً. - ثلاثة قرون: انتصاب "ثلاثة"، يجوز أن يكون بنزع الخافض؛ أي: في ثلاثة قرون. - القرون: جمع: القرن، وهو الضفيرة من الشعر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذه المتوفاة هي زينب بنت رسول الله ﷺ ، أرشد النبيُّ ﷺ غاسلاتها، وفيهن أم عطية إلى صفة الغسل الشرعي الكامل؛ لتُنْقل من هذه الحياة طاهرة نقية. ٢ - وجوب غسل الميت، وأنه فرض كفاية عند الجمهور، وعند المالكية سنة، وهو قول مرجوح. وإذا عدم الماء، فعند كثير من الفقهاء أنَّ الميت يُيمم، واختار شيخ الإسلام، أنَّه لا يشرع؛ لأنَّه لا يحصل منه نظافة حسية، وهي المرادة. ٣ - الواجب: أنَّه لا يُغسِّل المرأة إلاَّ جنس النساء، وبالعكس، إلاَّ ما استثني من

стр. 1341

تغسيل المرأة زوجها، والأمة سيدها والعكس، فلكل منهما غسل صاحبه. ٤ - يجوز لرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط، ذكراً أو أنثى؛ لأنَّ عورته لا حكم لها في حياته، فكذا بعد مماته. ولأنَّ إبراهيم ابن النبي ﷺ غسَّله النساء. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أنَّ المرأة تغسل الصبي الصغير من غير سترة، وتمس عورته، وتنظر إليها. ٥ - الواجب غسل الميت مرَّة واحدة، ولكنه يكره الاقتصار عليها، إن لم يخرج منه شيء، فإن خرج شيء حرم الاقتصار، ما دام الخارج لم ينقطع إلى سبع غسلات، والمستحب مع عدم الخارج ثلاث غسلات، وهو سنة إجماعاً. ٦ - الأفضل أن يقطع الغاسل غسلاته على وتر: ثلاث، أو خمسى، أو سبع. ٧ - أن يكون مع الماء سدر؛ لأنَّه ينقِّي الجسد ويصلبه. ٨ - أنَّ الماء المتغير بالطاهر باقٍ على طهوريته. ٩ - الشارع الحكيم أرجع الأمر بالزيادة إلى نظر الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة، لا التشهي، قال بعض العلماء: الأولى عدم الزيادة على السبع، ولكن الحديث بخلاف ذلك، فالأولى حمل كلامهم على أنَّه لم يبلغهم الخبر. ١٠ - أن يُطيَّب الميت مع آخر غسلة من غسلاته؛ لئلا يجري الطيب مع الماء. ١١ - البداءة بغسل الأعضاء الشريفة، وهي الميامن وأعضاء الوضوء، وهي الوجه واليدان والرأس والرجلان، وليس بين الأمرين تنافٍ وإلاَّ كانت البداءة بمواضع الوضوء، وبالميامن معاً. ١٢ - ضفر الشعر ضفائر، وجعله خلف الميت، ذكراً أو أنثى، ولا يسرحه؛ لئلا يقطعه، وهذا الضفر ليس بأمر النبي ﷺ ، ولكن فعلنه الضافرات بعلمه وإقراره. ١٣ - يحرم حلق رأس الميت، وشعر العانة؛ لما فيه من مس عورته، ولا يقص

стр. 1342

شاربه، كما يحرم ختن الأقلف، وتقليم أظافره؛ لأنَّ أجزاء الميت محترمة، فلا تنتهك بذلك، ولم يصح عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه في هذا شيء. ١٤ - التبرك بآثار النبي ﷺ ، وهذا أمر خاص به، فلا يتعداه إلى غيره من العلماء والصالحين ونحوهم؛ لأمور كثيرة: أولاً: إنَّ هذا أمر لا يلحقه أحد فيه؛ لما بينه وبين غيره من البَوْن الشاسع. ثانياً: إنَّ هذه الأمور أمور توقيفية، لا تفعل إلاَّ بشرع، ولا يوجد من الأدلة ما يُعَدِّيها إلى غيره ﷺ . ثالثاً: إنَّ الصحابة يعلمون أبا بكر أفضل الأمة، ولم يَرِد أنَّهم فعلوا معه ما كانوا يفعلونه مع رسول الله ﷺ ، من التسابق على ماء وضوئه ونحوه. رابعاً: أنَّه فتنة لمن تُبُرِّك به، وطريق إلى تعظيمه نفسه، الذي فيه هلاكه. ١٥ - يجب على الغاسل ستر ما رآه من الميت، إنَّ لم يكن حسنًا؛ لما رواه الإمام أحمد (٢٤٣٦٠)، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من غسَّل ميتًا، وأدى فيه الأمانة، ولم ينشر عيبه -خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، ولما روى مسلم (٢٦٩٩) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة". ١٦ - جواز العمل برأي المرأة فيما هو متعلق بشؤون النساء؛ لقوله: "إنَّ رأيتنَّ ذلك". ١٧ - قبول قول أهل الخبرة والمعرفة فيما هو من اختصاص أعمالهم ومهنتهم. ١٨ - قال ابن الملقن: فيه جواز تكفين المرأة، بثوب الرجل. ***

стр. 1343

٤٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ثَلاثَةِ أثْوَابٍ بيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - بيض: -بكسر الباء-: جمع "أبيض". - سَحُولية: -بفتح السين المهملة على الأشهر-: هي ثياب بيض نقية، تنسج في بلدة في اليمن تسمى سحول -وزن رسول- وسحولية صفة الأثواب. - كُرسف: -بضم الكاف وسكون الراء وضم السين المهملة آخر فاء موحدة-: هو القطن. ...

стр. 1344

٤٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنُهُ فيهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاه". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ٤٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البيَاضَ، فَإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ". روَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسائِيَّ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح، أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، إلاَّ النسائي، وللحديث شواهد: ١ - حديث عمران بن حصين، رواه الطبراني في "الكبير" (١٨/ ٢٢٥). ٢ - حديث أنس عند ابن أبي حاتم والبزار، "مجمع الزوائد" (٥/ ١٢٨). ٣ - حديث سمرة عند أصحاب السنن غير أبي داود، والحاكم. ٤ - حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه (١٤٧٤). وقد صحح الحديث جماعة من الأئمة منهم: أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وابن القطان، والبيهقي، والحاكم، والذهبي، والحافظ ابن حجر. قال ابن الملقن: وله شواهد كثيرة مقبولة. ...

стр. 1345

٤٤٩ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا كفَّن أحَدُكُمْ أخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كفَنَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - فليُحْسِّن كفَنَه: ضبطه بعض اللغويين بفتح الحاء وإسكانها أي: "فليُحْسِنْ". قَالَ عِياض: والفتح أصوب وأظهر وأقرب إلى لفظ الحديث، والمراد بإحسان الكفن: نظافته وبياضه، وستره بأن يكون من جنس لباسه في الحياة. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - هذِه الأحاديث الأربعة كلها تتعلَّق بأحكام كفن الميت. ٢ - فالحديث رقم (٤٤٦): يدل على أنَّ الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب بيض؛ لأنَّ الله تعالى لم يكن يختار لنبيه ﷺ إلاَّ الأفضل، قال الإمام أحمد: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة؛ لأنها أعلم من غيرها، قال الترمذي: القول بأنَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض، هو أصح ما ورد في كفنه. وقال الحاكم: تواترت الأحاديث في تكفينه ﷺ في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، وهو المستحب عند جماهير العلماء. ٣ - قال الفقهاء: يجب تكفين الميت من ماله، فإن لم يكن له مال فكفَنُه، على من تلزمه نفقته. ٤ - صفة وضع اللفائف الثلاث؛ بأن يوضع بعضها فوق بعض، ويوضع عليها الميت، ثم يرد طرف اللفافة العليا الأيمن ثم الأيسر، ثم الباقيات هكذا

стр. 1346

وتُعقد، وتُحل في القبر. ٥ - يستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن، وإن كفن في قميص ومئزر ولفاقة، جاز، أما أن تجمع اللفائف الثلاث مع القميص والإزار، فإنَّ الحديث يدل على خلافه. ٦ - يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب بيض من قطن، وهي: إزار وخمار وقميص ولفافتان. ٧ - يستحب أن يُكفَّن صبي في ثوب واحد، ويباح في ثلاثة أثواب. ٨ - يستحب أن تكفَّن بنت صغيرة في قميص ولفافتين بلا خمار؛ لعدم احتياجها في حياتها إليه، فكذا بعد الموت. ٩ - الواجب للميت مطلقًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى -ثوبٌ واحدٌ يستر جميع بدن الميت. ١٠ - وأما الحديث رقم (٤٤٧): قصته: أن عبد الله بن أُبي ابن سَلول كبير المنافقين في المدينة المنورة، كسا العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ لما جيء به بعد وقعة بدر أسيرًا، فكساه من ثيابه، وكان زعيمًا وكبيرًا وذا قدر عند قبيلته "الخزرج"، وكان ابنه عبد الله من صالحي الصحابة، واجتهادًا في الأمور السياسية الشرعية التي ينهجها ﷺ ، أعطى ابنه عبد الله قميصه ﷺ ، ليكفنه فيه، وصلَّى عليه وحضر دفنه، فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. ١١ - فعمله ﷺ هذا منسوخ بهذه الآية الكريمة، فقد نهاه الله تعالى أن يصلي صلاة الجنازة على منافق، أو أن يقوم على قبر أحد منهم، بعد الدفن يدعو له، وإنما يخص هذا بالمؤمنين. ١٢ - الحديث معارض بما جاء أنَّ عبد الله بن أبي أُدخل قبره، فأمر النبي ﷺ بإخراجه، وألبسه قميصه، [رواه البخاري (١٢٨٥) ومسلم (٢٧٧٣)]،

стр. 1347

ووجهه: أنَّه لعله كان قد وعد أولاً، فتأخر عنه بالإعطاء. ١٣ - عبد الله بن عبد الله بن أُبي من خيار الصحابة ﵁ فهل موالاته لأبيه كبير المنافقين، وطلبه قميص النبي ﷺ ليكفن فيه أباه مَمنوعة بمثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾؟ [المجادلة: ٢٢]. والجواب: أن عمل عبد الله بأبيه تمليه المحبة الطبعية، والفطرة من أجل القرابة، وليست هذه موالاة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، كما حزن النبي ﷺ لوفاة عمه أبي طالب على الكفر؛ لمحبته إياه. ١٤ - أما الحديث رقم (٤٤٨): فيدل على: استحباب لبس الثياب البيض في حال الحياة، وعلى تكفين الموتى بالقطن الأبيض. وعلل ذلك بأنَّ الأبيض خير ثيابكم، فعليه تطمين نفس الإنسان أنَّ ما عمله هو خير ما يمكن عمله، وذلك بمعرفته الحكمة من الحُكم، وفيه استحباب الأبيض، وهو مجمع عليه، وهو عمل الصحابة ومَن بعدهم، وما كان الله تعالى يستحب إلاَّ ما فيه المصلحة. ١٥ - كما يدل الحديث على أنَّ القريب يجب عليه كفن قريبه، فتكفين الميت فرض كفاية، وهو بحق القريب ألزم. ١٦ - أما الحديث رقم (٤٤٩) ففيه الأمر بإحسان الكفن؛ وذلك باختيار ما كان أحسن في الذات بأن يكون جديداً، وفي الصفة بأن يكون أبيض، وفي كيفية وضع الكفن، بأن يوضع على الميت وضعاً حسناً، حسب التكفين الشرعي المذكور. ***

стр. 1348

٤٥٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يجْمَعُ بَينَ الرَّجُلَيْن مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أيَّهُمْ أكثَرُ أَخْذًا للقُرْآنِ، فَيقدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - قتلى: جمع: "قتيل"، بمعنى مقتول. - أُحُد: -بضمتين، مجرور بالإضافة-: جبل معروف شمالي المدينة المنورة، والآن حي من أحيائها، ومعركة أُحُد وقعت في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وفيها قتل سبعون رجلاً من الصحابة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يحرم أن يدفن اثنان فأكثر معًا في قبر واحدة؛ لأنَّه- ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر، وهكذا استمر عمل الصحابة، ومَن بعدهم من السلف والخلف، لا ينازع في ذلك منازع. ٢ - جواز دفن الاثنين فأكثر في قبر واحد عند الضرورة، ومن الضرورة كثرة الموتى؛ لوباء عام، أو كثرة قتلى في معركة، ووجود المشقة في جعل كل واحد في قبر وحده، فإذا وجدت الضرورة، جاز ذلك؛ فإنَّ الضرورات تبيح المحظورات؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقد وجدت الضرورة في قتلى أُحد؛ لكثرة القتلى، وصلابة الأرض، ووهن في الصحابة بعد المعركة.

стр. 1349

٣ - إذا وجدت الضرورة المبيحة للدفن الجماعي، فليُقدَّم في اللحد أكثرهم أخذًا للقرآن، فهو المستحق للتقديم؛ لأنَّه أفضل وأولى بالإكرام والتشريف. ٤ - دلَّ ذلك على أنَّ العلم بكتاب الله يرفع مقام الإنسان، ويُعلى مرتبته إذا قصد بعلمه به وجه الله والدار الآخرة، فالفضل مقاسه العلم النافع، وهو مقياس صحيح، فالآخرة خير وأبقى. ٥ - أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّلُ ليبقى دمه عليه، فلا يذهب أثر الجهاد والشهادة عنه، فهي مفخرة يوم القيامة على رؤوس الخلائق، إذا جاء بجروحه التي تثعب مسكاً بلون الدم، ولا يُصلى عليه؛ لأنَّ الصلاة شفاعة له لتكفير ذنوبه، وقد كفرت الشهادة ذنوبه وطهَّرته، فهو في غنى عنها بفضل ربه، ومنَّته عليه. ٦ - جاء في صحيح البخاري (١٣٤٣) من حديث جابر: "أنَّ النَّبي ﷺ أمر في شهداء أحد بدفنهم بدمائهم، ولم يغسَّلوا، ولم يصل عليهم". قال الشافعي: لعل الحكمة في ترك الغسل والصلاة؛ لأن يلقوا ربهم بكُلومهم، واستغْنَوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم. قال إمام الجرمين: معتمدنا الأحاديث الصحيحة في أنَّهم لم يغسَّلوا، ولم يصل عليهم. ٧ - اختلف العلماء في حكم تغسيل مَن قُتل ظلمًا: فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يغسل، ولا يصلى عليه. قال في "شرح الإقناع": "ومن قتل ظلمًا في غير حرب، ألحق بشهيد المعركة، في أنَّه لا يغسل، ولا يصلى عليه". لما روى أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد"، ولأنَّهم مقتولون بغير حق، أشبهوا قتلى الكفار فلا يغسلون. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: يغسَّل، ويصلى عليه، وهي

стр. 1350

مذهب مالك والشافعي؛ لأنَّ مرتبته دون مرتبة الشهيد، فمرتبة المجاهد في سبيل الله لمعرض نفسه للقتل لإعلاء كلمة الله لا -تساويها مرتبة أخرى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران] فإلحاق غيرهم بهم في الأحكام الظاهرة غير وجيه، والحديث الذي استدل به على إلحاقه لا يدل على هذا. ٨ - أباح العلماء الدفن في القبر الواحد بعد بلاء الميت الأول بأن يصير ترابًا، ويكفي الظن في ذلك، ويُرجع إلى أهل الخبرة في تلك الناحية التي فيها المقبرة، أما أن يدفن قبل بلاه فلا يجوز؛ فإنَّ للميت حرمة في قبره كحرمة الحي في بيته؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات] أحياء في الدور، وأمواتًا في القبور. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: القبور رحمة في حقهم، وستر لهم عن كون أجسادهم بادية للسباع وغيرها. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: لا يجوز نبش القبور؛ لأنَّ هذا إهانة للموتى، ومعلوم أنَّ لهم حرمة، وقد سبقوا إلى هذا الموضع، وصار لهم دارًا، فالقبور منازلهم. ٩ - قال شيخ الإسلام: قد صحَّ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "الغريق، والحريق، والمبطون، والنفساء، وصاحب الهدم -شهداء" [رواه أحمد (٢٣٢٤١) وأبوداود (٣١١١)]، وذكر في الإقناع وغيره: أنَّ الشهداء غير شهيد المعركة كثيرون، ذكر منهم: ذات الجنب، والمبطون، والمطعون، واللديغ، وفريس السبع، والمتردي، ومن خرَّ من دابته، ومن طلب الشهادة، والمرابط، ومن قُتل دون نفسه أو أهله أو ماله، فهؤلاء شهداء في ثواب الآخرة، لا في أحكام الغسل والصلاة. قال في "الشرح الكبير": لا نعلم فيه خلافًا. وقال ابن القيم: يغسَّلون، ويصلى عليهم بلا نزاع.

стр. 1351

٤٥١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لاَ تَغَالَوا فِي الكَفَنِ؛ فَإنَّهُ يُسْلَبَ سَرِيْعًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفُ الإسناد. قال في "التلخيص": رواه أبو داود وفي الإسناد عمرو بن هاشم الجنبي، مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وبين علي بن أبي طالب؛ لأنَّ الدارقطني قال: إنَّه لم يسمع من علي سوى حديث واحد، وقد حسَّنه المنذري والنووي. وفي صحيح مسلم (١٤٣)، عن جابر: "إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه". * مفردات الحديث: - لا تغالوا: من: التغالي، والمغالاة -بحذف إحدى التاءين: الإسراف وزيادة الثمن. - يُسلب: مبني للمجهول، كناية عن بلاه وتلفه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - المستحب أن يكون الكفن من الثياب البيض القطن العادية، وألا يكفن الميت مهما كانت منزلته من الثياب الفاخرة، والملابس الغالية، كما أنَّه لا يزاد في الكفن الشرعي، ولكل نوع من الموتى قدر معلوم في الكفن. ٢ - الكفن يبلى وتأكله الأرض سريعًا؛ فلا معنى للمغالاة فيه، واختياره من الألبسة الرفيعة الشهيرة؛ فإنَّ هذا يدخل في باب السرف والخيلاء، المنهي عنهما، لاسيما في هذا الموطن، الذي استوى فيه الغني والفقير، والشريف والوضيع، فهذا أول منازل الآخرة وعدلها، والله المستعان.

стр. 1352

٤٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "لَوْ مُتِّ قَبْلِي، لَغَسَّلْتك ... " الحديث. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال في "التلخيص": رواه أحمد، والدارمي (١/ ٥١)، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني (٢/ ٧٤)، والبيهقي (٣/ ٣٩٦) من حديث عائشة، وقد أعله البيهقي بابن إسحاق؛ بأنَّه عنعنه وانفرد به، ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي، وسند الحديث على شرط الشيخين. وقد مال ابن الجوزي إلى تصحيحه. ...

стр. 1353

٤٥٣ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂: "أنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أوْصَتْ أنْ يُغَسِّلَهَا عَلَيٌّ ﵁". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيٌّ (١). ــ * درجة الحديث: هذا أثر حسنٌ. قال في "التلخيص": رواه البيهقي من جه آخر، وإسناده حسن، وقد احتج به أحمد، وابن المنذر، ورجاله ثقات معروفون، وأخرجه الحاكم، وحسَّنه ابن حجر. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يحرم على الرجل أن يغسِّل المرأة، ويحرم على المرأة أن تغسل الرجل؛ ولو كان الرجل مَحْرماً للمرأة، فلا يجوز أن يغسِّل الرجل أُمَّه وابنتَه وغيرهما من محارمه. قال في "المغني": هو قول أكثر أهل العلم، وأجازه مالك والشافعي عند الضرورة، واستعظمه الإمام أحمد وغيره. ٢ - يستثنى من ذلك أنَّ للرجل أن يغسل زوجته وأمَته، وبنتاً دون سبع سنين، وأنَّ للمرأة أن تغسِّل زوجها وسيدها وصبيًّا دون سبع سنين. قال ابن المنذر: أجمع كل مَن نحفظ عنه من أهل العلم؛ أنَّ للمرأة أن تغسل الصبي الصغير متجرداً من غير مئزر، وتمس عورته، وتنظر إليها؛ لأنَّ عورته لا حكم لها في حياته، فكذا بعد وفاته.

стр. 1354

٣ - والحديث رقم (٤٥٢): يدل على أنَّ للرجل أن يغسل زوجه. ٤ - كما أن الحديث رقم (٤٥٣): يدل على أن للزوج أن يغسل زوجته، وقد حكاه الإمام أحمد وابن المنذر والوزير إجماعًا. وأما غسل الرجل زوجته: فهو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة فلم يجز للزوج أن يغسل زوجه، وحجته أنَّ علاقة النكاح انقطعت بالوفاة، والمعتمد القياس على غسلها له، والقياس لا يكفي. ***

стр. 1355

٤٥٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁: "فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ برَجْمِهَا فِي الزِّنَا، قَالَ: ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ" رَوَا مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - الغامدية: نسبة إلى قبيلة غامد من الأزد، وهي قبيلة تقيم في جنوبي المملكة العربية السعودية، وعاصمة قراها الباحة. - قصة الغامدية: إنَّها جاءت إلى النَّبي ﷺ واعترفت على نفسها أنَّها حبلى من الزنا، وبعد أن وضعت، وفطمَتْ ولدها رجمها، والرجم هو الرمي بالحجارة حتى الموت. ...

стр. 1356

٤٥٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: "أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - مشاقص: على وزن مفاعل، من صيغ منتهى الجموع، وهو ممنوع من الصرف، والمشاقص -جمع "مِشقص"-: نصلٌ عريضٌ، والنصل: حديدة الرمح والسهم والسكين. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذان الحديثان في معناهما خلاف بين العلماء، سنعرض له إن شاء الله تعالى. ٢ - الحديث رقم (٤٥٤): يدل على مشروعية الصلاة على المقتول حدًّا، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالصلاة على الغامدية، ودفنها مع المسلمين، فقد جاء في صحيح مسلم هذا الحديث بأطول من هذا، من أنَّه ﷺ صلَّى عليها وجاءت الروايات الأخر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان قد صلَّى عليها بنفسه. ٣ - الصلاة على الجنازة فرض كفاية إجماعًا، ويسقط الفرض بالصلاة عليه من مكلف، ذكرًا أو أنثى عند الأئمة الأربعة، وتواتر فعلها من النبي ﷺ ، وأجمع المسلمون عليها، وهي من أجل العبادات، وفي فعلها الأجر الجزيل، قال الفاكهي: الصلاة على الميت من خصائص هذه الأمة. ٤ - أما الحديث رقم (٤٥٥): فيدل على أنَّ من قتل نفسه، فقد ارتكب جرماً كبيرًا، فلا يصلي عليه الإمام؛ وذلك زجرًا لغيره.

стр. 1357

ولكن يصلي عليه المسلمون؛ لأنَّه بعمله هذا كان من العصاة، الذين هم أحوج وأحق بشفاعة المسلمين بصلاتهم عليهم من غيرهم. ٥ - قال العلماء: الصلاة على الأموات شريعة ثابتة ثبوتاً أوضح من شمس النهار، فلم يترك الصلاة في أيام النبوة، ولا في غيرها على فرد من أفراد أموات المسلمين؛ وقد قال الإمام أحمد: إنَّ النَّبيَّ ﷺ ما ترك الصلاة على أحد إلاَّ على الغال، وقاتل نفسه. ٦ - قال شيخ الإسلام: من كان مظهراً للإسلام، فإنَّه يجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة: من تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، أما من عُلم منه النفاق والزندقة، فإنَّه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإسلام. ٧ - مذاهب الأئمة الأربعة: أنَّه يصلى على الفاسق، وإنما ترك النبي ﷺ الصلاة على الغال، وقاتل نفسه؛ زجرًا للناس، وصلَّى عليهما الصحابة. قال النووي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم. قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، فقد قال ﷺ : "صلوا على مَن قال: لا إله إلاَّ الله". * خلاف العلماء: الصلاة على الجنازة فرض كفاية بإجماع العلماء. قال شيخ الإسلام: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل، سقط الإثم عن الباقين، ثم إذا فعل الكل ذلك، كان الكل فرضًا، ذكره ابن عقيل محل وفاق. وصلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، زيادةً في أجر المصلين، وشفاعةً في حق الميتين. وقد اختلف العلماء في الصلاة على أصحاب معاصٍ معينةٍ: فذهب الحنفية إلى: أنَّ أربعةً لا يُصلى عليهم، وهم:

стр. 1358

١ - البغاة: الذين خرجوا عن طاعة الإمام بغير حق. ٢ - قطاع الطرق: الذين يسلبون المارة أموالهم. ٣ - العصبة المتعاونة على ظلم العباد بقهرهم وغصبهم. ٤ - المكابرون بالمدن والقرى بالسلاح، فهو من الحرابة وقطع الطرق. فهؤلاء يُغسَّلون، ولا يُصلى عليهم، إهانة لهم، وزجرًا لغيرهم. وذهب المالكية إلى: أنَّ الإمام لا يصلي على من قُتل في حدٍّ أو قصاصٍ. ودليلهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصلِّ على ماعزٍ، ولم ينه عن الصلاة عليه. وذهب الشافعية إلى: الصلاة على كل مسلم، مهما كان عصيانه وفسقه. قال النووي في "شرح المهذب": "المرجوم في الزنا، والمقتول قصاصًا، والصائل، وولد الزنا، والغال من الغنيم -يغسلون ويصلى عليهم، بلا خلاف عندنا". ودليلهم: ما ثبت في مسلم (١٦٩٥): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلى على المرجوم في الزنا"، وفي البخاري (٦٤٣٤) من رواية جابر: "أنَّه ﷺ صلَّى علن ماعز، بعد أن رجمه". قال البيهقي: القول جواز الصلاة على كل بر وفاجر، وعلى كل من قال: لا إله إلاَّ الله، وكل من خالف ذلك، فأحاديثه ضعيفة. وذهب الحنابلة إلى: الصلاة على كل مسلم عاصٍ، إلاَّ الغال من الغنيمة، وقاتل نفسه، فلا يصلي عليهما الإمام ونائبه؛ عقوبةً لهما، وزجرًا لغيرهما، ويصلي عليهما غير الإمام. أما دليلهم: فقاتل نفسه حديث الباب، وأما الغال فما رواه الإمام أحمد (٢١١٦٧)، وأبو داود (٢٧١٠١)، عن زيد بن خالد أنَّ رجلاً من جهينة قتل يوم خيبر، فقال ﷺ : "صلوا على صاحبكم، فإنَّه غلَّ في سبيل الله". قال الإمام أحمد: ما نعلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ ترك الصلاة على أحدٍ إلاَّ على

стр. 1359

الغالِّ، وعلى قاتل نفسه. قال ابن القيم: وكان هديه ﷺ أنَّه لا يصلي على من قتل نفسه، ولا على الغال. ومذهب الحنابلة هو أرجح هذه الأقوال، وأحقها دليلاً، فالعصاة -على اختلافهم- هم أحق بالصلاة وشفاعة المسلمين، ولكن خصَّ هذان بالدليل، وما عداهما، فعلى أصل عموم الحكم في صلاة الجنازة، والله أعلم. ***

стр. 1360

٤٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "فِي قِصَّةِ المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أمْرَهَا، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، فَدَلُّوهُ فَصَلَّى علَيْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِه القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أهْلِهَا، وإنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِي عَلَيْهِمْ" (١). ــ * مفردات الحديث: - تقُم المسجد: -بفتح حرف المضارعة وتضعيف الميم- أي: تكنس المسجد، وتخرج قمامتته وتنظفه، واسمها: خرقاء، وكنيتها: أم محجن. - أفلا كنتم: "أفلا" للاستفهام، ويحتمل أنَّه للاستيضاح، أو للإنكار، والفاء عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، يقدر بما يناسب المقام. - آذنتموني: أعلمتموني، وأخبرتموني بموتها. - صغَّروا أمرها: من التَّصغير؛ أي: احتقروا أمرها بجانب مقام النبي ﷺ . - ظلمة: منصوب على التمييز، والظلمة: ذهاب النور. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت، واستحبابه لا نزاع فيه بين العلماء؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى على هذه المرأة في قبرها. قال الإمام أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر، فهي شريعة ثابتة، لا

стр. 1361

ينبغي إنكارها. قال في "سبل السلام": ويدل له أحاديث وردت في الباب عن تسعة من الصحابة، وأما القول بأن الصلاة على القبر من خصائصه ﷺ ، فلا تنهض؛ لأنَّ دعوى الخصوصية خلاف الأصل. ٢ - استحاب إعلام أقارب الميت، وأصدقائه، ومن له صلة بوفاته، وأنَّ هذا ليس من النعي المنهي عنه. ٣ - فيه بيان ما كان عليه النبي- ﷺ من التواضع والرفق بأمته، وتفقد أحوالهم، والقيام بحقوقهم، والاهتمام بمصالحهم في دينهم ودنياهم، فليكن قدوة لكل متولِّ أمراً من أمور المسلمين. ٤ - فيه إثبات ظلمة القبور وتنويرها، وهو حق ثابت من أدلة أخر. ٥ - وفيه إثبات بركته ﷺ ودعائه، وأنَّ الله تعالى يجعله سبباً في تنوير القبور على أهلها، فالمراد بالدعاء هنا: الصلاة؛ لأنَّه ﷺ لا يصلي على الموتى كلهم. ٦ - فيه النهي عن احتقار المسلم مهما كانت منزلته، ووضعه بين المسلمين. ٧ - وفيه فضل العناية بالمساجد وتنظيفها، قال تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾، وجاء في حديث عرض الأعمال: "حتى القذاة يخرجها الإنسان من المسجد"، وجاء في الحديث الذي في سنن أبي داود (٤٥٥)، "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ ببناء المساجد في الدور، وأن تُنظَّف وتُطيَّب". ٨ - الصلاة على القبر وعلى الجنازة مستثناة من الصلاة في المقبرة، والصلاة إليها. ٩ - أنَّ الدعاء ينفع الأموات في الصلاة وخارجها. ١٠ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يستطيع جلب نفع، ولا دفع ضر لأحد، ولو كان يملك شيئًا من الأمر، لنفعهم بلا دعاء، ولكن الله تعالى يكرمه، فيقبل دعاءه لمن أراد إسعاده من خلقه.

стр. 1362

١١ - إثبات الأسباب، ومن أهم الأسباب الدعاء، لاسيَّما المستكمل لشروط قبوله واستجابة صاحبه. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على استحباب الصلاة على القبر، لمن فاتته الصلاة على الميت، واختلفوا في المدة التي تجوز فيها الصلاة: فذهب الحنفية والمالكية إلى: جواز الصلاة ما لم يتغيَّر الميت ويتفسخ، والمعتبر في معرفة التفسخ أهل الخبرة والمعرفة من غير تقدير بمدة، وذلك لاختلاف الحال والزمان والمكان. وذهب الشافعية إلى: جوازها إذا لم يَبْلَ الميت. وذهب الحنابلة إلى: تقدير المدة بشهر واحد، وتحرم الصلاة بعده. قال الإمام أحمد: أكثر ما سمعت هذا. وقال ابن القيم في "الهدي": صلَّى النَّبي ﷺ على القبر بعد ليلة، ومرةً بعد ثلاث، ومرةً بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتاً. والراجح أنَّه يحدد بما إذا كان الميت مات، وأنت أهلٌ للصلاة، ومخاطبٌ بالصلاة عليه، أما إذا مات وأنت لست من أهل الصلاة، فلا تصلِّ عليه، وإلاَّ صحَّ أن يصلي الإنسان على من ماتوا قبله بقرون. ***

стр. 1363

٤٥٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرمِذِيُّ وحَسَّنَهُ (١). ٤٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِم، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعًا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (٢). ــ * درجة الحديث (٤٥٧): الحديث حسن، بل قال الترمذي: حسن صحيح، وحسَّنه الحافظ في "الفتح". * مفردات الحديث: - نعى: ينعى نعيًا، من باب نفع، فالنعي بتشديد النون، هو الإخبار بموت الشخص والإشهار به، بأن ينادي في الناس: أنَّ فلانًا مات؛ ليشهدوا جنازته. - النجاشي: بفتح النون وكسرها-: كلمة للأحباش تُسمَّى بها ملُوكها، اسمه: أصْحَمة -بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء- ابن أبحر. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم (٤٥٧): فيه النَّهي عن النعي الذي كان يفعله أهل الجاهلية، من أنَّه إذا مات فيهم شريف، بعثوا راكبًا ينادي في القبائل، فينعاه إليهم، فهذا هو المنهي عنه المحرم.

стр. 1364

٢ - أما الحديث رقم (٤٥٨): ففيه استحباب إعلام أهل الميت وأقاربه، ومن له به صلة؛ ليشهدوا جنازته، والصلاة عليه ودفنه، فهذا مستحبٌّ، ولا يتناوله النهي عن النعي. ٣ - جمع المؤلف هذين الحديثين في موضع واحد في غاية الحسن، وكذلك هو يفعل -رحمه الله تعالى- في كثير من الأحاديث، الذي فيها نوع تعارض؛ ليعلم حكم هذا من هذا. ٤ - يدل الحديث رقم (٤٥٨): على مشروعية الصلاة على الغائب، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. ٥ - جواز الصلاة على الجنازة في مصلى العيد، إذا كان الجمع كبيرًا. ٦ - التكبير في صلاة الجنازة أربعاً، ويأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى. ٧ - فضيلة كثرة المصلين، وكونهم ثلاثة صفوف فأكثر؛ لما روى أحمد (١٦٢٨٣)، وأبو داود (٣١٦٦)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من مؤمن يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف -إلاَّ غفر". ٨ - هذه المنقبة والفضيلة للنجاشي ﵁ ذلك أنَّ جبريل نزل من عند الله تعالى وبأمره، فأخبر النبي ﷺ بوفاته وهو في بلاده، وأمره بنعيه إلى المسلمين والصلاة عليه، والنجاشي له يدٌ كريمةٌ وكبيرة على المسلمين المهاجرين الأولين، حينما هاجروا إليه هربًا من أذية قريش، فآواهم وأنزلهم بلاده، ومنعهم من أذية قريش لهم، ثم قاده حسن نيته، وطلبه الحق أن أسلم، وصار من أنصار دينه، فلإحسانه إلى المسلمين وكِبر مقامه، وكونه بأرض لم يصلَّ عليه فيها- أخبر النبيُّ ﷺ أصحابه بموته، وخرج بهم إلى المصلى، فصلَّى عليه.

стр. 1365

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في الصلاة على الغائب: فذهب أبو حنيفة ومالك وأتباعهما إلى: أنَّها لا تشرع. وجوابهم على قصة النجاشي والصلاة عليه-: أنَّ هذه من خصوصيات النبي ﷺ . وذهب الشافعي وأحمد وأتباعهما إلى: أنَّها مشروعة؛ لهذين الحديثين الصحيحين، والخصوصية تحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل عليها. وتوسط شيخ الإسلام، فقال: إن كان الغائب لم يصلَّ عليه -مثل النجاشي- صُلِّي عليه، وإن كان قد صلِي عليه، فقد سقط فرض الكفاية من المسلمين. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وصحَّحه ابن القيم في "الهدي"؛ لأنَّه توفي زمن النبي ﷺ أناس من أصحابه غائبين، ولم يثبت أنَّه صلى على أحد منهم صلاة الغائب، فالصلاة هنا واجبة. ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد أنَّه قال: إذا مات رجلٌ صالحٌ، صلي عليه، واحتج بقصة النجاشي. ورجح هذا التفصيل شيخنا الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- وعليه العمل في نجد؛ فإنَّهم يصلون على من له فضل وسابقه ... على المسلمين، ويتركون من عداه، والصلاة هنا مستحبة. قال ابن القيم: أصح الأقوال هذا التفصيل. ***

стр. 1366

٤٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَتقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أرْبَعُونَ رَجُلاً -لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً- إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ". روَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - جنازته: -بفتح الجيم-: اسم للميت المحمول وبكسرها: اسم للنعش الذي يُحمل عليه الميت، وقيل عكس ذلك، واشتقاق الجنازة من "جنز"، إذا ستر، قاله ابن فارس وغيره، ومضارعه "يُجنِز" بكسر النون، وجمع الجنازة: جنائز. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت، فكلما كثر عدد المصلين كان أفضل؛ ليكثر الدعاء والترحم والاستغفار للميت. ٢ - فضيلة وجود أربعين رجلاً من المسلمين يصلون على الميت، ويشفعون فيه؛ ليتحقق هذا المطلب الثمين من الله تعالى، فيقبل دعاءهم فيه، ويشفعهم فيه. ٣ - فضيلة توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، والبُعد عن الشرك ووسائله، التي منها الغلو بالمخلوقين. وإن خالص التوحيد سبب قوي في استجابة الدعاء، فإنَّ إخلاص التوحيد حسنة لا يعدلها حسنة، كما أنَّ الشرك ظلم عظيم، أعاذنا الله منه. ٤ - تسن صلاة الجنازة جماعة، بإجماع المسلمين؛ لفعله ﷺ ، وفعل صحابته من بعده، واستمرار عمل المسلمين على ذلك. ٥ - "لا يشركون بالله" المراد به: الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ لأن المشركين

стр. 1367

شركًا أكبر لا تصح صلاتهم، فالمراد: الشرك الأصغرة فإنَّ "شيئًا" نكرة جاءت في سياق النفي، فتعم القليل والكثير، فيشمل الأكبر والأصغر؛ لأنَّ الشافع لابد أن يكون سالمًا من الشوائب التي تخل بعقيدته، وهذا يدل على عظم الشرك: كبيره وصغيره. ٦ - يسن ألا تنقص صلاة الجماعة على الميت عن ثلاثة صفوف، ولو كان المأمومون ستة أشخاص؛ لِما روى ابن بطة عن أبي أمامة: "أنَّ رسول الله ﷺ ؛ شهد جنازة وهو سابع سبعة، فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه، فصفَّ ثلاثة واثنان وواحد خلف الصف، فصلَّى على الميت، ثم انصرف". ولما روى الترمذي (١٠٢٨)، والحاكم (١/ ٥١٦)، وصححه عن مالك ابن هبيرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من صلَّى عليه ثلاثة صفوف من الناس، فقد أوجب". ٧ - لابد أن يكون المصلَّى عليه مسلمًا، فالكافر لا تقبل فيه الشفاعة، والدعاء له بالمغفرة اعتداء وظلم في الدعاء، قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] أما ذكر الرجل هنا، فهو من باب التغليب في الألفاظ، وإلاَّ فإنَّ الحكم للرجل والمرأة. ***

стр. 1368

٤٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - امرأة: تلك المرأة هي: أم كعب الأنصارية. - ماتت في نِفاسها: "في" يحتمل أن تكون ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، وكون المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وأما وصف كونها امرأة فهو معتبر عند الأكثر. - وَسَطها: بالتحريك، أي: قام محاذيًا لوسطها، أما بالسكون فهو بمعنى: "بين"؛ نحو: جلست وَسْط القوم؛ أي: بينهم، والمراد الأول. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يستحب أن يقف الإمام من المرأة -عند الصلاة عليها- في وسطها أمام عجيزتها، هذا هو المستحب، وإلاَّ فالواجب استقبال جزء من الميت، رجلاً كان أو امرأة، ووصف المرأة هنا بأنها ماتت في نفاسها لا عبرة له في موقف الإمام. ٢ - أنَّ المرأة وإن عدت من الشهداء بموتها في نفاسها، فإنَّها تجري عليها الأحكام الظاهرة: من التغسيل والتكفين والصلاة، ولها أجر الشهيد، إن شاء الله تعالى، ولعل هذا المعنى هو الذي حمل الراوي على ذكر موتها في النفاس.

стр. 1369

٣ - علل بعض العلماء حكمة وقوف الإمام وسط المرأة:- بأنَّه أستر لها من الناس، وإلاَّ فالرأس أشرف الأعضاء وأولاها. ٤ - وإذا اجتمع جنائز، فيكفيهن صلاة واحدة، فإن كانوا نوعًا واحداً، قدّم إلى الإمام أفضلهم بعلمٍ، أو تقًى، أو سنٍّ، وإن كانوا رجالاً، أو رجلاً ونساء، قدم الرجال، أو الرجل على النساء، والصلاة من المصلين على الميت شفاعة له، فينبغي إخلاص الدعاء، وحضور القلب؛ لعلَّ الله تعالى أن يقبل الدعاء والشفاعة فيه. * فائدة: موقف الإمام من جنازة الرجل أمام رأسه؛ لما روى الترمذي (١٠٣٢) وحسَّنه: "أنَّ العلاء بن زياد صلَّى على رجل، فقام عند رأسه، ثمَّ صلَّى على امرأة، فقام حيال وسط السرير، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامي منها"، وهو مذهب الشافعي وأحمد. قال ابن المنذر: هو قول جماهير العلماء. ***

стр. 1370

٤٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "وَاللهِ، لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ علَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي المَسْجِدِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - والله لقد صلَّى رسول الله ﷺ : في الجملة ثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و"قد"، وإنما احتاجت إلى هذه المؤكدات؛ لأنَّه وجد من يُنكر الصلاة على الجنازة في المسجد؛ خشية تلويثه. - ابني بيضاء: هما: سهل وسهيل، أبناء وهب بن ربيعة، وأمهما: دعد بنت جحدم، من بني فهر، تلقب: البيضاء. - في المسجد: "في" تفيد الظرفية، والمسجد هو الظرف، والصلاة هي المظروف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال ابن القيم في "الهدي": لم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد، وإنما كان خارجه، وربما صلَّى عليها فيه، وكلاهما جائز. ٢ - حديث الباب يدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد، ولكنه يدل كما قال ابن القيم على أنَّه قليل، وأنَّ هذه الصلاة على ابْنَي بيضاء من القليل. ٣ - قال في "شرح الزاد": ولا بأس في الصلاة على الميت في المسجد إن أمن تلويثه، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقد روى ابن أبي شيبة؛ بلفظ: "إنَّ عمر صلَّى على أبي بكر في المسجد، وإن صهيباً صلَّى
следующие страницы →