٤٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَتقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أرْبَعُونَ رَجُلاً -لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً- إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ". روَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- جنازته: -بفتح الجيم-: اسم للميت المحمول وبكسرها: اسم للنعش الذي يُحمل عليه الميت، وقيل عكس ذلك، واشتقاق الجنازة من "جنز"، إذا ستر، قاله ابن فارس وغيره، ومضارعه "يُجنِز" بكسر النون، وجمع الجنازة: جنائز.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت، فكلما كثر عدد المصلين كان أفضل؛ ليكثر الدعاء والترحم والاستغفار للميت.
٢ - فضيلة وجود أربعين رجلاً من المسلمين يصلون على الميت، ويشفعون فيه؛ ليتحقق هذا المطلب الثمين من الله تعالى، فيقبل دعاءهم فيه، ويشفعهم فيه.
٣ - فضيلة توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، والبُعد عن الشرك ووسائله، التي منها الغلو بالمخلوقين.
وإن خالص التوحيد سبب قوي في استجابة الدعاء، فإنَّ إخلاص التوحيد حسنة لا يعدلها حسنة، كما أنَّ الشرك ظلم عظيم، أعاذنا الله منه.
٤ - تسن صلاة الجنازة جماعة، بإجماع المسلمين؛ لفعله ﷺ ، وفعل صحابته من بعده، واستمرار عمل المسلمين على ذلك.
٥ - "لا يشركون بالله" المراد به: الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ لأن المشركين
стр. 1367
شركًا أكبر لا تصح صلاتهم، فالمراد: الشرك الأصغرة فإنَّ "شيئًا" نكرة جاءت في سياق النفي، فتعم القليل والكثير، فيشمل الأكبر والأصغر؛ لأنَّ الشافع لابد أن يكون سالمًا من الشوائب التي تخل بعقيدته، وهذا يدل على عظم الشرك: كبيره وصغيره.
٦ - يسن ألا تنقص صلاة الجماعة على الميت عن ثلاثة صفوف، ولو كان المأمومون ستة أشخاص؛ لِما روى ابن بطة عن أبي أمامة: "أنَّ رسول الله ﷺ ؛ شهد جنازة وهو سابع سبعة، فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه، فصفَّ ثلاثة واثنان وواحد خلف الصف، فصلَّى على الميت، ثم انصرف".
ولما روى الترمذي (١٠٢٨)، والحاكم (١/ ٥١٦)، وصححه عن مالك ابن هبيرة؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "من صلَّى عليه ثلاثة صفوف من الناس، فقد أوجب".
٧ - لابد أن يكون المصلَّى عليه مسلمًا، فالكافر لا تقبل فيه الشفاعة، والدعاء له بالمغفرة اعتداء وظلم في الدعاء، قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] أما ذكر الرجل هنا، فهو من باب التغليب في الألفاظ، وإلاَّ فإنَّ الحكم للرجل والمرأة.
***
стр. 1368
٤٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- امرأة: تلك المرأة هي: أم كعب الأنصارية.
- ماتت في نِفاسها: "في" يحتمل أن تكون ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، وكون المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وأما وصف كونها امرأة فهو معتبر عند الأكثر.
- وَسَطها: بالتحريك، أي: قام محاذيًا لوسطها، أما بالسكون فهو بمعنى: "بين"؛ نحو: جلست وَسْط القوم؛ أي: بينهم، والمراد الأول.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يستحب أن يقف الإمام من المرأة -عند الصلاة عليها- في وسطها أمام عجيزتها، هذا هو المستحب، وإلاَّ فالواجب استقبال جزء من الميت، رجلاً كان أو امرأة، ووصف المرأة هنا بأنها ماتت في نفاسها لا عبرة له في موقف الإمام.
٢ - أنَّ المرأة وإن عدت من الشهداء بموتها في نفاسها، فإنَّها تجري عليها الأحكام الظاهرة: من التغسيل والتكفين والصلاة، ولها أجر الشهيد، إن شاء الله تعالى، ولعل هذا المعنى هو الذي حمل الراوي على ذكر موتها في النفاس.
стр. 1369
٣ - علل بعض العلماء حكمة وقوف الإمام وسط المرأة:- بأنَّه أستر لها من الناس، وإلاَّ فالرأس أشرف الأعضاء وأولاها.
٤ - وإذا اجتمع جنائز، فيكفيهن صلاة واحدة، فإن كانوا نوعًا واحداً، قدّم إلى الإمام أفضلهم بعلمٍ، أو تقًى، أو سنٍّ، وإن كانوا رجالاً، أو رجلاً ونساء، قدم الرجال، أو الرجل على النساء، والصلاة من المصلين على الميت شفاعة له، فينبغي إخلاص الدعاء، وحضور القلب؛ لعلَّ الله تعالى أن يقبل الدعاء والشفاعة فيه.
* فائدة:
موقف الإمام من جنازة الرجل أمام رأسه؛ لما روى الترمذي (١٠٣٢) وحسَّنه: "أنَّ العلاء بن زياد صلَّى على رجل، فقام عند رأسه، ثمَّ صلَّى على امرأة، فقام حيال وسط السرير، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامي منها"، وهو مذهب الشافعي وأحمد.
قال ابن المنذر: هو قول جماهير العلماء.
***
стр. 1370
٤٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "وَاللهِ، لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ علَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي المَسْجِدِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- والله لقد صلَّى رسول الله ﷺ : في الجملة ثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و"قد"، وإنما احتاجت إلى هذه المؤكدات؛ لأنَّه وجد من يُنكر الصلاة على الجنازة في المسجد؛ خشية تلويثه.
- ابني بيضاء: هما: سهل وسهيل، أبناء وهب بن ربيعة، وأمهما: دعد بنت جحدم، من بني فهر، تلقب: البيضاء.
- في المسجد: "في" تفيد الظرفية، والمسجد هو الظرف، والصلاة هي المظروف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال ابن القيم في "الهدي": لم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد، وإنما كان خارجه، وربما صلَّى عليها فيه، وكلاهما جائز.
٢ - حديث الباب يدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد، ولكنه يدل كما قال ابن القيم على أنَّه قليل، وأنَّ هذه الصلاة على ابْنَي بيضاء من القليل.
٣ - قال في "شرح الزاد": ولا بأس في الصلاة على الميت في المسجد إن أمن تلويثه، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقد روى ابن أبي شيبة؛ بلفظ: "إنَّ عمر صلَّى على أبي بكر في المسجد، وإن صهيباً صلَّى
стр. 1371
على عمر فى المسجد".
قال الخطَّابي: ومعلوم أنَّ عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك.
٤ - كره الصلاة على الجنازة في المسجد أبو حنيفة ومالك، والكراهة عند الحنفية منهم من جعلها كراهة تحريم، ومنهم من جعلها كراهة تنزيه، وهذا ما رجحه الكمال ابن الهمام، وعند المالكية كراهة تنزيه.
ودليلهم: ما رواه أبو داود (٣١٩١) وابن ماجه (١٥١٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "من صلَّى على ميتٍ في المسجد، فلا شيء له"، وحسَّنه ابن القيم في "الهدي"، ولأنَّ المسجد جُعِل لأداءِ المكتوبات، ولأنَّه يحتمل تلويث المسجد.
والجواب: أنَّ الحديث لا تقوم به حجة، كما نقل ذلك صاحب "نصب الراية" عن النووي وغيره، والمسجد مُعَدٌّ للعبادة، ومنها: الصلاة على الجنازة، أما التلويث فإنَّ تحقق، فالمنع مذهب الجمهور، وإن لم يتحقق فالاحتمال لا يمنع جواز الصلاة، قال الإمام أحمد: لا ينبغي أن يكره شيء مما فعله رسول الله ﷺ .
***
стр. 1372
٤٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: "كانَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ ﵁ يُكَبِّرُ علَى جَنائزِنَا أرْبَعًا، وأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأرْبَعَةُ (١).
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: "أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ". رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُور، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في "التلخيص": روى البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب: "أنَّه كبر على سهل بن حنيف"، زاد البرقاني في مستخرجه "ستًّا"، وكذا رواه البخاري في "تاريخه" وسعيد بن منصور، ووراه ابن أبي خيثمة من وجه آخر عن يزيد بن أبي الزناد عن عبد الله بن معقل: "خمسًا".
وروى سعيد بن منصور من طريق الحكم بن عتيبة؛ أنَّه قال: "كانوا يكبرون علن أهل بدر خمسًا، وستًّا، وسبعًا".
قال الألباني في كتاب "الجنائز": وأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار الموقوفة، ولكنها في حكم الأحاديث المرفوعة؛ لأنَّ بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة، دون أن يعترض عليه أحد منهم:
الأول: حديث عبد الله بن معقل: "أنَّ علِيًّا صلى على سهل بن حنيف، فكبَّر عليه ستًّا".
стр. 1373
الثاني: عن عبد خير: "كان علي يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله ﷺ خمساً، وعلى سائر الناس أربعًا". أخرجه الطحاوي والدارقطني (٢/ ٧٣) والبيهقي (٤/ ٣٦) وسنده صحيح، ورجاله ثقات كلهم.
الثالث: عن موسى بن عبد الله بن يزيد: "أنَّ عليًّا كبَّر على أبي قتادة سبعاً وكان بدريًّا". أخرجه الطحاوي، والبيهقي (٤/ ٣٦) بسند صحيح على شرط مسلم.
***
стр. 1374
٤٦٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أرْبَعًا، وَيَقْرأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فِي التَّكبِيرَةِ الأُوَلَى". رَوَاهُ الشَّافِعيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال المؤلف: رواه الشافعي بإسناد ضعيف؛ ذلك لأنَّ فيه إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك.
وقال الحافظ في "الفتح": إنَّ الشيخ ابن العربي أفاد في "شرح الترمذي" أنَّ سنده ضعيف.
وعلى معنى هذا الحديث عمل المسلمين الآن.
ولذا قال ابن عبد البر: انعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء، وأهل الفتوى بالأمصار على أربع، على ما جاء في الأحاديث الصحاح.
...
стр. 1375
٤٦٤ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبدِ الله بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أنَّهَا سُنَّهٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لتعلموا: "اللام" لام الأمر، والفعل مجزوم بها، ويجوز أن تكون للتعليل، والفعل منصوب بها.
- أنَّها سنة: أي: طريقة مأخوذة عن النبي ﷺ ، وليس المراد: أنَّها سنة ما يقابل الفريضة، فهذا اصطلاح حادث للفقهاء.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - الحديث رقم (٤٦٢): يدل على أنَّ التكبير في صلاة الجنازة أربع تكبيرات، وأنَّ هذا هو المتقرر عند الصحابة، إلاَّ أنَّ زيد بن أرقم زاد في إحدى صلواته تكبيرة واحدة، فلما سألوه عن هذه الزيادة قال: "كان رسول الله ﷺ يكبرها".
وأما رواية سعيد بن منصور؛ أنَّ عليًّا ﵁ زاد في صلاته على سهل ابن حنيف فكبَّر ستًّا: فكأنَّهم سألوه عن ذلك، فأخبرهم أنَّ الميت من أهل بدر، وأهل بدر لهم مزية فضل على غيرهم.
قال النووي: أجمعت الأمة على أنَّ التكبيرات أربع، بلا زيادة ولا نقصان.
٢ - أما الحديث رقم (٤٦٣): فيدل على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يكبر على الجنائز أربع
стр. 1376
تكبيرات، وأنَّه قد يزيد إلى ثماني تكبيرات، حتى جاء نعي النجاشي، فكبر عليه أربعاً، ثم ثبت على أربعٍ حتى توفاه الله.
٣ - في البخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١) عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وغيرهم: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يكبر في صلاة الجنازة أربعًا".
وجمع عمر ﵁ الناس على أربع تكبيرات.
وقال الحنفي: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت ابن مسعود، فأجمعوا على أربع.
وهو ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما سوى ذلك عندهم فشاذ.
وقال النووي: قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في التكبير المشروع، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنَّه أربع تكبيرات، بلا زيادةٍ ولا نقصٍ.
وقال ابن القيم: وكان ﷺ يكبر أربع تكبيرات.
وحكى الوزير عن الأئمة الأربعة: أنَّ الإمام لا يُتابع على ما زاد على الأربع.
وقال الموفق بن قدامة: لا خلاف أنَّه لا يتابع على الزيادة عليها، ولا تستحب إجماعاً.
٤ - أما الحديثان رقم (٤٦٣، ٤٦٤): فيدلان على أنَّ سنة النبي ﷺ قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، من تكبيرات صلاة الجنازة.
قال الحاكم: أجمعوا على أنَّ قول الصحابي: "من السنة" حديث مرفوع.
٥ - سورة الفاتحة هي أم القرآن وفاتحته، وقراءتها بعد أول تكبيرة من صلاة الجنازة في غاية المناسبة؛ ذلك أنَّ صلاة الجنازة دعَاءٌ وشفاعةٌ للميت، فأدب الدعاء أن يقدم بين يديه الثناء على الله تعالى، وأحسن الثناء هو مقدمة فاتحة الكتاب.
٦ - في الحديث دليلٌ على أنَّه يحسن في الإمام أن يجهر في بعض القراءة، أو
стр. 1377
الذكر في الصلاة؛ ليُعلم المأمومين حكم ذلك؛ فإنَّ ابن عباس جهر بالفاتحة؛ ليعلم الناس أنَّ قراءتها في صلاة الجنازة سنة؛ أي: أنَّها سنة النبي ﷺ وطريقته، التي قد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وهي هنا واجبة من أدلة أخر.
* خلاف العلماء:
جاء في "سنن النسائي" وغيره عن أبي أمامة قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة".
قال مجاهد: سألت ثمانية عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ عن القراءة على الجنازة، فكلهم قال: يقرأ.
وله شواهد دلَّت على وجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، وهي تكبيرة الإحرام، وبعد التعوذ والبسملة.
فأما التعوذ والبسملة: فقد أجمعوا على الإتيان بهما، وأما الاستفتاح فالأكثر أنَّه لا يستفتح به، ولا تقرأ السورة بعد الفاتحة، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، وجمهور العلماء من السلف والخلف.
قال في "البدر التمام": والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؛ لأنَّ المراد من السنة؛ سنة النبي ﷺ ، لا أنَّ المراد بها: ما يقابل الفريضة، فهذا اصطلاح عرفي.
وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى: أنَّها سنة لا واجبة، ومذهب الحنفية أنه يقرأ دعاء الثناء، وجاز قراءة الفاتحة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، قال ابن القيم في "الهدي": قال شيخنا: ولا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة.
والقول الأول أحوط؛ فأدلته قوية.
***
стр. 1378
٤٦٥ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِه: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّع مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءَ وَالثَّلجِ وَالبرَدِ، وَنَقِّهِ منِ الخَطَايَا؛ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ، وَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنةٌ القَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- اللهم: أصلها: "يا الله"، فـ"الميم" عوض عن "ياء" النداء؛ ولذا لا يجمع بين العوض والمعوَّض.
- اغفر له: المغفرة: ستر الذنب، مع التجاوز عنه.
- ارحمه: الرحمة أبلغ من المغفرة؛ لأنَّ فيها حصول المطلوب بعد زوال المكروه.
- عافه: من الذنوب، وعافه من عذاب القبر، وعذاب النار.
- اعف عنه: تجاوز عنه ما فعل من المحرمات، وما قصر فيه من الواجبات.
- أكرم نُزُلَهُ: النُزُل: ما يقدم للضيف؛ أي: اجعل نزله وضيافته عندك كريمة.
- ووسع مدخله: أي: مدخله في القبر بأن يفسح له فيه، ويُفْتَحَ له بَابٌ إلى الجنة، وكذلك منازله عندك في الجنة بعد البعث.
- واغسله بالماء والثلج والبرَد: فإنَّ هذه المواد تقابل حرارة ذنوبه فتطفىء لهيبها وتبردها.
стр. 1379
- نقِّه من الخطايا: يقال: نقي الشيء وينقي نقاوة ونقاءً، فهو نقي، بمعنى: نظف، ونَقَّي الشيء: نظفه، والمعنى: نَظِّفه من دنس الذنوب والخطايا التي دنسته.
- الثلج: -بفتح الثاء المثلثة وسكون اللام آخره جيم-: وهو ما جمد من الماء؛ سواء سقط من السماء، أو نبع من الأرض، جمعه: ثلوج.
- البرد: بفتحتين، حب الغمام.
- كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس: وخُصَّ الأبيض؛ لأنَّ إزالة الأوساخ فيه أظهر من غيره من الألوان.
- أبدِلهُ دارًا خيرًا من داره: بأن تبدله دار كرامتك بالجنة عن دار الدنيا، التي رحل عنها.
- وأهلاً خيرًا من أهله: هذا التبديل إما بالأعيان؛ بأن يعوضه الله عنهم في دار كرامته، وإما تبديل أوصاف؛ بأن تعود العجوز شابة، وسيئةُ الخُلُق حسنةَ خلق.
- أدخله الجنة: الجنة: اسم لكل ما أعدَّ الله لعباده الصالحين من النعيم الذي لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
- قِهِ فتنة القبر: الفتنة لابد منها، والطلب هو الوقاية من شرها، و"قه" معتل الفاء واللام، وعند صياغة الأمر منه يحذف حرفا العلة، ولم يبق إلاَّ حرف واحد، والهاء ضمير عائد إلى الميت المصلَّى عليه.
- عذاب النار: يسأل الله تعالى أن يقيه العذاب الذي لا تتصور شدته، ولا هوله، ولا طوله.
***
стр. 1380
٤٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكبِيرِنَا، وَذَكرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أحَيَيْتَهُ مِنَّا، فَأَحْيهِ عَلَى الإِسْلاَم، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا، فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنا أجْرَهُ، وَلاَ تُضِلَّنَا بَعْدَه". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأرْبعَةُ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لاتحرِمنا: بفتح التاء وكسر الراء من: الحرمان.
- أَجْرَه: أي: أجر ما أصابَنَا منْ مَوْتِهِ.
- الإسلام: لغة: الاستسلام والانقياد، وقد فسره النبي ﷺ بأنَّه: الطاعات الظاهرة.
- الإيمان لغة: التصديق مع الطمأنينة، وقد فسره النبي ﷺ بأنَّه أعمال القلوب من الإيمان بالله ... إلى آخره.
هذان التفسيران للإسلام والإيمان إذا ذكرا جميعًا، وإن كان أحدهما دون الآخر، فإنَّ الإسلام يشمل الإيمان، والإيمان يشمل الإسلام.
- لا تضلنا: ضل الرجل يضل -من باب ضرب- ضلالاً وضلالة: زل فلم يهتدي، فهو ضال، ضد مهتد.
قال في "المصباح": هذه لغة نجد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن الكريم.
وقال في "المحيط": الضلال موضوع في الأصل للعدول عن الطريق المستقيم، عمدًا أو سهوًا، قليلاً أو كثيرًا، وباقي معانيه متفرعة منه.
стр. 1381
٤٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه (١٤٩٧)، والبيهقي (٤/ ٤٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: سمعتُ رَسُول الله ﷺ . فذكره.
قال الألباني: وهذا سندٌ حسنٌ، رجاله كلهم ثقات، لولا أنَّ محمَّد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، لكن قال الحافظ في "التلخيص": أخرجه ابن حبان من طريقٍ أخرى عنه، مصرحاً بالسماع، فاتَّصل السند، وصحَّ الحديث، والحمد لله.
* مفردات الحديث:
- أخلصوا: قال ابن فارس: أخلص: أصل واحد مطرد، وهو: تنقية الشيء وتهذيبه، وقال الجرجاني: الإخلاص في اللغة: ترك الرياء في الطاعات.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - يستحب أن يكون الدعاء في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثالثة، ويجوز بعد الرابعة، ويكون سرًّا؛ سواء كانت الصلاة في النهار، أو الليل.
٢ - قال في "شرح الإقناع": يدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة بأحسن ما يحضره، ولا تحديد فيه، قال جابر: "ما قدَّر لنا رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر"، فدلَّ على أنَّه لا يتعيَّن دعاء مخصوص.
стр. 1382
٣ - يدل الحديث على وجوب الدعاء للميت، وتخصيصه به هو معنى إخلاص الدعاء له، فلا يكفي الدعاء العام، ولكنه يكفي أي دعاء وأقل دعاء، فلو قيل في الصلاة: "اللهم اغفر له"، لحصل الواجب.
٤ - أنَّ كل أحد محتاج إلى الدعاء، ولو استغنى عنه أحد، لاستغنى عنه الصحابة، أصحاب الفضائل العالية، والأعمال الحميدة.
٥ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يملك لأحد نفعًا ولا ضراً، ولو كان له شيء من ذلك، لأعطاه لمن يريد نفعه، بدون طلب من الله تعالى.
٦ - إثبات الجزاء الأخروي في الجنة والنار.
٧ - في حديث عوف إثبات عذاب القبر ونعيمه، من قوله: "أكرم نُزُلَه، ووسِّع مدخلهُ".
٨ - إثبات فتنة القبر، وهو سؤال الملكين الميت في قبره، ففي مسند أحمد (١٨٠٦٣) وسنن أبي داود (٤٧٥٣) وغيرهما من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "فيأتيه ملكان ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ ".
وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن.
٩ - قوله: "وأبدله أهلاً خيرًا من أهله" الإبدال نوعان: إما إبدال أعيان؛ وهذا يكون بالحور العين بدل زوجة الحياة الدنيا.
والثاني: إبدال أوصاف؛ وذلك بأن تكون زوجة الدنيا هي زوجة الآخرة، إلاَّ أنَّ الله تعالى أبدل أخلاقها السيئة بأخلاق حسنة، وصفاتها الخَلْقية بالجمال والحسن التام؛ فإنَّ الله تعالى أبدل لزكريا صفات أكمل منها؛ فقال تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]؛ قال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها فجعلها حسنة الخلق.
١٠ - وأما قوله: "وقِهِ فتنة القبر" فالمراد: منْ شرِّها وأثرها، واستثنى بعضهم
стр. 1383
غير المكلفين من الصغار، ومن بلغ مجنوناً، واستمرَّ جنونه حتى مات.
١١ - قوله: "اللهمَّ اغفر لحيِّنا وميتنا ... إلخ" فيه الدعاء بالمغفرة لجميع الأحياء والأموات من المسلمين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
١٢ - قوله: "فأحيه على الإسلام، فتوفه على الإيمان" إذا أفرد الإسلام شمل الإيمان: وبالعكس، أما إذا اجتمعا -كما في حديث عمر حينما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فيراد بالإسلام: الشرائع العملية الظاهرة، ويراد بالإيمان: الاعتقاد في الأمور الستة، وهنا كل منهما مفرد، فالإسلام في حال الحياة، والإيمان في الممات، وخصَّ الإيمان في حال الوفاة؛ لأنَّه أكمل وأولى عند الختام.
١٣ - قوله: "ولا تضلنا بعده" فيه الخوف من الفتنة في حال الحياة: إما فتنة شبهة وضلال، وإما فتنة شهوة؛ فالإنسان في حال الحياة معرض لذلك، وكان من دعاء النبي ﷺ : "يا مقلِّب القلوب، ثبت قلبي على دينك" والإنسان قد يصاب بالفتنة من حيث لا يشعر، وقد يظن أنه على حقٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٣٠]، فيجب على الإنسان محاسبة نفسه، وطاعة الله تعالى، وإظهار الفقر بين يديه، فهذا من أسباب العصمة.
١٤ - قوله: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره"؛ أي: الأجر الذي نكسبه من تجهيزه، والصلاة عليه وتشييعه، وكذلك الأجر الذي نحصله من صبرنا على المصيبة فيه، أما أجر عمله فهو له، وليس لنا منه شيء، ولو طلبنا، لكنَّا معتدين في الدعاء.
١٥ - الأمر المطلق بإخلاص الدعاء للميت يقضي بأن يخلص للمسيء، كما يخلص لغيره؛ فإنَّ مُلابس المعاصي أحوجُ إلى دعاء إخوانه المسلمين.
стр. 1384
١٦ - الأحاديث في الدعاء للميت كثيرة، ولم يرد تعيين أحدها، وإنما الشأن في إخلاص الدعاء للميت؛ لأنَّه الذي شرعت له الصلاة، والذي ورد به الحديث: "إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء" [رواه أبو داود (٣١٩٩)]، لكن يبقى فضل كبير للمأثور عنه ﷺ ، ولما دعا ﷺ ، فليتحرَّاه المسلم في دعائه، كما سيأتي.
* فوائد:
الأولى: قال في "شرح الإقناع": ويسن الدعاء بالوارد في الدعاء للميت، قال في "سبل السلام": "صحَّ في الدعاء الوارد حديثان في هذا الباب".
قال العلماء: إنَّ أصح ما ورد من الدعاء على الميت هو ما جاء في هذين الحديثين: حديث عوف بن مالك، وحديث أبي هريرة، وهو من أنفع الأدعية، حتى إنَّ عوف بن مالك لما سمعه من النبي ﷺ ، تمنَّى أنَّه هو ذلك الميت، فهو من أجمع الأدعية وأحسنها.
فقد اشتمل على الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، وتنقيته من الذنوب، والدعاء له بحسن المنقلب، وإعاذته من شرور الآخرة.
وأما حديث أبي هريرة: فدعاء لعموم المسلمين الحاضرين والغائبين، والأحياء والميتين، الكبار والصغار، الذكور والإناث، والدعاء لهم بأحسن مطلوب من الثبات على الإسلام، والوفاة على الإيمان، والاستعاذة من الضلال والفتنة بعده.
الثانية: سئل شيخ الإسلام عن مناسبة تنقية الذنوب بالثلج والبرد، مع أنَّ الماء الحار أبلغ منهما في الإزالة، فقال: إنَّ حرارة الذنوب يناسبها شدة برودة الثلج والبرد.
الثالثة: إذا كان الميت صغيراً، ذكراً أو أنثى -فقد روى الإمام أحمد (١٧٧٠٩) عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً: "السَّقْط يُصلى عليه، ويدعى لوالديه
стр. 1385
بالمغفرة والرحمة والعافية"، ومما رواه البيهقي (٤/ ٩) عن أبي هريرة مرفوعًا: "اللَّهمَّ اجعله لنا سَلَفاً، وفَرطاً، وذُخْرًا، وعظة، واعتبارًا، اللهم اجعله ذُخراً لوالديه بالمغفرة والرحمة والعافية"، ومما رواه البيهقي: (٤/ ٩) عن أبي هريرة مرفوعًا: "اللَّهمَّ ثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم".
قال بعضهم: هذا دعاء لائق بالمحل، مناسب للطفل؛ فإنَّ الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له؛ لأنَّه شافع غير مشفوع فيه.
الرابعة: قوله: "وقه فتنة القبر" المراد بالقبر هنا برزخ بين موت الإنسان وقيام الساعة؛ سواء كان الميت في حفرته، أو في برٍّ، أو في بحر، أو في بطن الأرض، أو على ظهرها.
الخامسة: قال في " الروض والحاشية": ويقف بعد التكبيرة الرابعة قليلاً، ولا يدعو في المشهور عن أحمد، وعنه: يدعو، اختاره المجد، وهو قول جمهور العلماء.
قال المجد في "المحرر": فيقول: "ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
وصحَّ أنَّه كان لا يدعو بدعاء إلاَّ ختمه بهذا الدعاء.
***
стр. 1386
٤٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ؛ فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وإِنْ تَكُ سِوَى ذلك، فَشرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أسْرِعُوا: أمْر من "الإسراع"، وهو وسط بين المشي المعتاد والسعي.
- فإن تَكُ: أصله: "تكن" حذفت النون للتخفيف، والضمير فيه يرجع إلى الجنازة.
- صالحة: نصب على الخبرية لـ"تكن".
- فخير: مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو خير تقدمونها إليه.
- إليه: الضمير فيه يرجع إلى "الخير"؛ باعتبار الثواب.
- فشرٌّ: إعرابه مثل إعراب خير.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأمر بالإسراع بالجنازة من مكان الصلاة إلى القبر، وصفة الإسراع: مشي سريع الخطا دون الخَبَب.
٢ - قال الموفق: هذا الأمر للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذَّ ابن حزم فأوجبه.
٣ - ذكر غير واحد من العلماء؛ أنَّ الإسراع لا يصل إلى الإفراط، الذي يمخض مخضًا، فيرجّ الجنازة ويؤذي تابعيها، وإنما تراعى السنة بالإسراع، ويراعى الرفق بالميت والمشيِّعين.
стр. 1387
٤ - قال ابن القيم: أما دبيب الناس اليوم خطوة، فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة للتشبه بأهل الكتاب.
٥ - قال شيخ الإسلام: كان الميت في عهد النبي ﷺ يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون، ولا يبطئون، بل عليهم السكينة، ولا يرفعون أصواتهم، لا بقراءة ولا بغيرها، وهذه هي السنة باتفاق المسلمين.
٦ - الإسراع بالجنازة هنا يشمل الإسراع في تجهيزها ودفنها، فهو أعم من أن يكون الإسراع في حملها إلى القبر؛ لما روى أبو داود (٣١٥٩)، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال:"لا ينبغي لجيفة مسلم تبقى بين ظهراني أهله" هذا ما لم يكن في تأخيرها مصلحة من حضور الأقارب ونحوهم، أو يكون مات في حادث جنائي، يتطلب بقاء جثة الميت للتحقيق في أمرها، فإن حقَّق التأخير مصلحة ظاهرة، فلا بأس ببقائها، لاسيَّما مع وجود الأماكن المبردة التي تحفظ الجسد من الفساد.
٧ - في الحديث إثبات الجزاء الأخروي من خير أو شر، وهي قضيَّة معروفة من الدين بالضرورة، فهي من العقائد الثابتة، ولله الحمد.
٨ - فيه طلب مصاحبة الأخيار، والابتعاد عن الأشرار.
٩ - قال شيخ الإسلام: من كان مظهرًا للإسلام، فإنَّها تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، من: المناكحة، والتوارث، والتغسيل، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك.
١٠ - الإنسان مكوَّن من روح وجسد، والروح هي الأصل في الإنسان، فهي مناط التكليف، ومدار الأمر والنهي، فهي المخاطبة للمطالبة، وما الجسد إلاَّ لباس لها، وشكل ظاهر، وإلاَّ فهي اللب، فإذا فارقت روحه جسده، بقي بلا نفع، ولا فائدة في بقائه بين ظهراني أهله جيفةً، فكلما مكثت، تشوهت وتعفنت؛ لذا أمر الشرع بالإسراع بمواراتها.
стр. 1388
١١ - في الحديث التعبير العالي عن الشر، والألفاظ المستكرهة، بقوله ﷺ : "ولتكن سوى ذلك"؛ فينبغي للمتكلم أن يختار من اللفظ أحسنه وأبلغه.
١٢ - معنى قوله ﷺ : "فخيرٌ تقدمونه إليه" أي: ما أعده الله لها من النعيم المقيم.
وقوله: "فشرٌّ تضعونه عن رقابكم" معناه: أنَّها تبعدهم من الرحمة، فلا مصلحة لهم في مصاحبتها، قاله ابن الملقن. اهـ.
***
стр. 1389
٤٦٩ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازةَ، حَتَّى يُصَلَّى علَيهَا فَلَهُ قِيراطٌ، ومَنْ شَهِدَهَا، حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: ومَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ". مُتَّفَقٌ علَيه.
ولِمُسْلِمٌ: "حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ".
ولِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ تَبعَ جَنَازَةَ مُسلِمٍ، إيْمَانًا وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ مَعَهَا، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا -فَإنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيْرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيَراطٍ مِثْلُ جَبلِ أُحُدٍ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- قيراط: أصله: "قرَّاط" بتشديد الراء، بدليل جمعه على: "قراريط"، فأبدل من إحدى الراءين ياء، والقيراط في اللغة: نصف دانق، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً.
قال العيني: "وزن القيراط يختلف باختلاف البلاد". وهو الآن في محاكم المملكة العربية السعودية وعند الفرضيين فيها: جزء من أربعة وعشرين جزءاً، أما قدْره عند الله تعالى فهو أعلم بذلك، لكنه قرَّبه لنا: "بأن كل قيراط مثل أحد".
قال العيني: وإنما خصَّ القيراط بالذكر. لأنَّ غالب ما تقع به معاملتهم كان القيراط، وقد ورد لفظ "القيراط" في عدة أحاديث، منها ما يحمل على
стр. 1390
القيراط المتعارف، ومنها ما يحمل على الجزء، وإن لم تعرف النسبة.
- من تبع: بفتح التاء وتخفيفها وكسر الباء الموحدة، يقال: تبعت الشيء تبعًا وتباعة واحد، وتبعت القوم: إذا مشيت خلفهم.
وأكثر روايات الحديث: "اتَّبع" بألف وتشديد التاء.
- إيماناً واحتساباً: مفعولان من أجله، ويجوز أن يكونا منصوبين على الحال، على تقدير: مؤمنًا محتسبًا.
- حتى يصلى عليها: أكثر الروايات بفتح اللام، وفي بعضها بكسرها، وحملت رواية الفتح على رواية الكسر؛ لأنَّ حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة للذي يشهدها.
- حتى: يحتمل أنَّها للتعليل، وأنَّها للغاية، والراجح أنَّها هنا للغاية.
- أحد: جبل مشهور في المدينة المنورة، من حدها الشرقي إلى حدها الغربي من جهة الشمال، وامتد إليه عمران المدينة، ويسمى الحي القريب منه بحي سيد الشهداء، يعني: حمزة بن عبد المطلب ﵁ الذي قُتِل في المعركة التي دارت عند ذلك الجبل بين المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ ، وبين قريش بقيادة أبي سفيان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث رواه اثنا عشر صحابيًّا، ولمَّا رواه أبو هريرة لعبد الله بن عمر، سأل ابنُ عُمر عائشَةَ ﵂: هلْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ذلك؟ فقالت: صدَقَ أَبُو هُرَيرة، فقَالَ ابنُ عُمَر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
٢ - قوله: "إيماناً واحتساباً" يعني: أنَّ الذي حمله على شهود الجنازة واتباعها نية الطاعة، وهذا قيد لابد منه في كل عبادة؛ لأنَّ ترتيب الثواب على العمل يستدعي سبق النية؛ لأنَّ تابع الجنازة قد يخرج على سبيل المكافأة المتبادلة، أو على سبيل المحابة.
стр. 1391
٣ - قال شيخ الإسلام: لو قدر أنَّ الميت لا يستحق التشييع، تبعه لأجل أهله؛ إحساناً إليهم، وتأليفاً لقلوبهم، أو مكافأة لهم وغير ذلك، كما فعل ﷺ مع عبد الله بن أُبىٍّ.
٤ - فيه الفضل لشهود الجنازة بالصلاة، والتشييع، والحمل، والدفن؛ تصديقًا بوعد الله، ورجاء ثوابه، ولا مانع من نية أداء حق المسلم، وجبر خاطر أهله، فكل هذا من العمل الصالح، والله واسع الفضل.
٥ - أنَّ جزاء من شهد الجنازة من الصلاة حتى الدفن ولم يفارقها -هو قيراطان من الأجر، والقيراط مثل الجبل، ومُثِّلَ في رواية أخرى: "بأنَّه مثل جبل أحد"، ومن صلَّى عليها فقط، فاته نصف هذا الأجر العظيم.
٦ - حث الشارع الحكيم على شهود الجنازة لما في ذلك من الفوائد الجمة: من القيام بحق الميت بالدعاء له، والشفاعة والصلاة، ومن أداء حق أهله وجبر خاطرهم عند مصيبتهم في ميتهم، ومن تحصيل الأجر والثواب للمشيع، ومن حصول العظة والاعتبار بمشاهدة الموت والمقابر، وغير ذلك مما أودعه الله شرائعه.
٧ - قال بعضهم: اتباع الجنازة على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصلي عليها.
الثاني: أن يتبعها إلى القبر، ثم يقف حتى تدفن.
الثالث: أن يقف بعد الدفن على القبر، ويدعو للميت بالمغفرة والرحمة.
٨ - في سؤال الصحابة ﵃ عن معنى القيراطين -رد على الطوائف الضالة التي ترمي أهل السنة والجماعة؛ بأنَّهم "مفوضة" في نصوص الكتاب والسنة، فيما يلحق بأسماء الله تعالى وصفاته، وأنَّ معانيها ليست معلومة لديهم، وإنَّما يمرُّون ألفاظها بدون فهم لحقائقها، فهم يفوضون علم ذلك إلى الله تعالى، ولا شكَّ أنَّ هذا كذبٌ، وافتراءٌ، وبهتانٌ على أهل السنة
стр. 1392
والجماعة، فليس هذا مذهبهم، وإنما يفهمون النصوص الواردة في الأسماء والصفات على حقيقتها، والذي يفوِّضون علمه إلى الله تعالى هو كيفية الصفة؛ فهذا مذهب أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة.
ووجه الدلالة على مذهبهم من هذا الحديث-: أنَّ الصحابة -وهم أئمة أهل السنة والجماعة- لما جهلوا "القيراط" سألوا عنه؛ فهل يُعقل أنَّهم يسألون عما جهلوا من معنى "القيراط"، ولا يسألون عما جهلوه من أسمائه وصفاته؟ فهم عالمون بأسماء الله تعالى وصفاته حق العلم، وجاهلون الكيفية التي هي عليها.
***
стр. 1393
٤٧٠ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄: "أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُمْ يَمْشُونَ أمَامَ الجَنَازَةِ". روَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٦)، والطحاوي، والدارقطني (٢/ ٧٠)، والبيهقي (٤/ ٣) من طرقٍ عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه.
قال الإمام أحمد: إنَّما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعن ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهمٌ.
وقال الترمذي: أهل الحديث يرون المرسل أصح.
وقال الألباني: اتَّفق على رواية هذا الحديث مسندًا مرفوعًا جماعةٌ من الثقات: هم سفيان بن عيينة، ومنصور بن المعتمر، وزياد بن سعد، وبكر بن وائل، وابن أخي الزهري، وعقيل بن خالد، هؤلاء كلهم صرحوا بالرفع، وصحَّت الأسانيد بذلك إليهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب تشييع الجنازة حتى تدفن، فهذا من حق المسلم على المسلم، وهو سنة باتفاق الأئمة الأربعة، بل هو إجماع المسلمين.
стр. 1394
٢ - أنَّه يستحب أن يكون المشاة مع الجنازة أمامها.
قال في "شرح الإقناع": لأنَّهم شفعاء، والشفيع يتقدم المشفوع له، ثم قال: ولا يكره كون المشاة خلفها، وحيث شاءوا عن يمينها، أو يسارها؛ بحيث يعدون تابعين لها.
٣ - قال في "شرح الإقناع": ويستحب كون الركبان خلفها، وهو مستحب عند الأئمة الأربعة، قال الخطابي: لا أعلمهم اختلفوا في أنَّ الراكب خلفها.
قال في "الإنصاف": بلا نزاع.
لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعاً: "الراكب خلف الجنازة" [رواه الترمذي (١٠٣١) وصححه]، فلو ركب وكان أمام الجنازة كُره، قال النخعي: كانوا يكرهونه، رواه سعيد.
وكُرِهَ ركوب تابع الجنازة إلاَّ لحاجة، وإلاَّ لعَوْدٍ منها، فلا يكره.
***
стр. 1395
٤٧١ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "نُهِيْنَا عَنِ اتِّباعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على النهي عن اتباع النساء الجنائز؛ لما عندهن من الضعف والرقة، وعدم التحمل للمصائب، فيخرج منهن أقوال وأفعال محرَّمة، تنافي الصبر الواجب.
٢ - يدل الحديث على أنَّ النواهي الشرعية نوعان:
أحدهما: نهي عزيمة وتحريم.
الثاني: نهي تنزيه وتوجيه دون التحريم.
وأم عطية ﵂ فهمت من نهي النبي ﷺ النساء عن اتباع الجنائز، أنَّه ليس نهي عزيمة وتحريم، ولكنه دون ذلك، فلا يصل إلى درجة الحرمة، ولعلَّ لديها قرائن أحوال دلَّتها على عدم التحتيم في النهي.
٣ - فقول أم عطية ﵂: لم يعزِم علينا بالنهي.
قال بعضهم: إنَّ هذا ظن منها، أنَّه ليس نهي تحريم، وإنما هو نهي تنزيه، ولكن الحجة قول الشارع، وقد نهى.
٤ - الأصل أنَّ الأحكام الشرعية عامة بين الرجال والنساء، ولكنه توجد أحكام كثيرة تخص أحد الجنسين دون الآخر، فالتفريق بين الرجال وبين النساء في بعض الأحكام -له أصل في الشرع.
٥ - التفريق بين الرجال وبين النساء في بعض الأحكام -يدل على الحِكم السامية في التشريع الإسلامي، الذي يشرع لكل جنس ما يناسبه من الأحكام، وينزل
стр. 1396
كل أحد بما يليق به.
* خلاف العلماء:
ذهب الجمهور ومنهم: المالكية والشافعية والحنابلة إلى كراهة اتباع النساء الجنائز؛ لهذا الحديث، فقد فهمت أم عطية؛ أنَّ النَّهي ليس عزيمة من قرينة، وقد أخرج النسائي (١٨٥٩)، وابن ماجه (١٥٨٧) من طريق رجاله ثقات عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر بن الخطاب امرأةً، فصاح بها، فقال: دَعْهَا يا عمر".
وذهب الحنفية إلى: أنَّ النَّهي إنَّما هو للتحريم؛ لما روى ابن ماجه (١٥٧٨): "أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج، فإذا نسوة جلوس، فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، فقال: ارجعن مأزورات غير مأجورات".
وسنده ضعيف. قال ابن دقيق العيد: وقد ورد أحاديث تدل على التشديد في اتباع الجنائز أكثر مما دلَّ عليه الحديث.
والنهي ظاهره التحريم، وأما قول أم عطية ﵂: "ولم يعزم علينا" -فهو رأي لها، ظنت أنه ليس نهي تحريم، والحجة قول الشارع.
كما يدل على أنَّ النَّهي للتحريم: ما أخرجه أحمد (٢٠٣١)، والترمذي (٣٢٠)، وابن حبان (٧/ ٤٥٣): "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لعن زائرات القبور"؛ وهو حديث صحيح بشواهده، فمتبع الجنازة سيزور القبور، واتباع الجنازة في معنى الزيارة، ولهذا فالأحوط أنَّ النَّهي في الحديث هو للتحريم.
***
стр. 1397
٤٧٢ - وَعَنْ أِبِي سَعِيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "إِذَا رَأيْتُمُ الجَنَازَةَ، فقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر الحديث وجوب القيام للجنازة، إذا مرَّت؛ إعظامًا لأمر الموت، ولذا جاء في صحيح مسلم (٩٦٠): "إنَّ الموت فزع، فإذا رأيتُم الجنازة فقوموا"؛ ذلك راجع إلى تعظيم أمر الله تعالى، وتعظيم أمر القائمين به من الآدميين، والملائكة المقربين.
٢ - أما قوله: "من تبعها، فلا يجلس حتى توضع":
قال النووي: مذهب جمهور العلماء استحبابه، وقد صحت الأحاديث باستحباب القيام إلى أن توضع.
قال في "شرح الزاد وحاشيته": ويكره جلوس تابع الجنازة، حتى توضع بالأرض للدفن، إلاَّ لمن بَعُد؛ لما في انتظاره قائماً حتى تَصِلَ إليه وتوضع -من المشقة، ولما روى أبو داود، عن البراء قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فانتهينا إلى القبر، ولم يُلْحد، فجلس، وجلسنا معًا".
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- إلى: عدم استحباب القيام للجنازة، وقالوا: إنَّ القيام منسوخ بما رواه الإمام أحمد (٦٢٤)، وأبو داود (٣١٧٥) عن عليٍّ ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بالقيام للجنازة،
стр. 1398
ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس".
قال الإمام أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس.
قال النووي: المختار في القيام للجنازة: أنَّه مستحب.
واختار استحباب القيام الشيخ تقي الدين.
***
стр. 1399
٤٧٣ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: "أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ أدْخَلَ المَيِّتَ مِنْ قِبلِ رِجْلِيِ القَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
قال البيهقي: إسناده صحيح، وقال الحافظ: رجاله ثقات.
قال الشوكاني: الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في "التلخيص"، ورجال إسناده رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- رِجْلي القبر: من جهة المحل الذي يوضع فيه رِجْلا الميت، فهو من إطلاق الحال على المحل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يستحب أن يُدخل الميت في قبره سلاًّ؛ بأن يجعل رأس الميت في الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل سلاًّ رفيقاً؛ لأنَّه ﷺ سُلَّ مِن قِبَل رأسه" [رواهُ الشَّافعي (٢/ ٣٦٠) والبيهقي (٤/ ٥٤) بإسناد صحيح]، وهو المعروف عند الصحابة، وهو عمل المهاجرين والأنصار.
٢ - إذا لم تمكن هذه الصفة، أو شقت، أدخِل الميت قبره من حيث سهل، إذ المقصود الرفق بالميت.
٣ - قوله: "هذا من السنة" يراد بذلك: سنة النبي ﷺ وطريقته، وهي تشمل: الواجب، والمستحب.
стр. 1400
فيقال: "من السنة" للحكم، وهو واجب، ويقال: من "السنة" للحكم، وهو مستحب، ففي هذا الحديث يراد به: المستحب.
وقوله في قراءة ابن عباس سورة الفاتحة في صلاة الجنازة: "ليعلموا أنَّها سنة" يراد به: الواجب.
أما السنة باصطلاح الأصوليين فهي خلاف الواجب؛ وهي ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على جواز إدخال الميت القبر على أية صفة تكون، واختلفوا في أفضل صفات الإدخال:
فذهب الشافعية والحنابلة إلى: ما جاء في هذا الحديث من إدخال رأس الميت مِن قِبل مكان رجليه إذا دفن، ثم يسل سلاًّ برفق؛ للحديث المتقدم.
وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى: عكس ذلك؛ وهو أن يسل من قِبل مكان رأسه إذا دفن.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه يسل من قبل القبلة معترضاً؛ إذ هو أيسر.
***
стр. 1401
٤٧٤ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي القُبُورِ، فَقُولُوا: بسْمِ اللهِ، وَعَلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، وَأًعلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح في حالة رفعه ووقفه.
وقد رواه أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، والحاكم (١/ ٥٢٠) وابن أبي شيبة (٣/ ١٩) مرفوعًا، وأخرجه ابن السني (٥٨٤) من طريق الحجاج عن نافع عن ابن عمر، وبتأمل طرق الحديث تُتبين صحته، ولذا قال الحاكم: إنَّه صحيح على شرط الشيخين، كما رواه ابن حبان عن شعبة عن قتادة مرفوعًا، ورجَّح ابن الملقن رفعه.
* مفردات الحديث:
- بسم الله: أي: وضعته، أو أدخلته، أو دفنته.
- ملة: الملة: أصول الشرائع، ولا تضاف إلى الله، بل إلى رسله، فهو اسم لما شرعه الله على لسان رسله، وقد تطلق على الملة الباطلة؛ كقولهم: الكفر ملة واحدة.
...
стр. 1402
٤٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (١).
وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: "فِي الإثْمِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في "التلخيص": رواه أحمد (٢٣٧٨٧)، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (٤/ ٥٨) من حديث عائشة، وحسَّنه ابن القطان، وذكر القشيري أنه على شرط مسلم، ورواه الدارقطني (٣/ ١٨٨) من وجه آخر عنها، وزاد: "في الإثم"، وذكره مالك بلاغًا عن عائشة موقوفًا.
وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: "في الإثم".
ولفظ "في الإثم" ضعَّفه أحمد والنسائي، ولكنه تفسير من بعض الرواة.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - رجَّح المحدثون صحَّة هذا الحديث (٤٧٤) مرفوعًا وموقوفًا، وهو يدل على استحباب هذا الذكر في هذا الموطن.
٢ - ملة رسول الله ﷺ : دينه وشريعته، وهو الإسلام وأحكامه، ويسن أن يؤتى به عند كل أمر ذي بال، ويقدَّر في كل موطن بما يناسبه.
والتقدير: وضعناك على اسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ سلمناك.
٣ - روى الحاكم والبيهقي بسند ضعيف: "أنَّ النَّبي ﷺ لما وُضعت ابنته أم كلثوم
стр. 1403
في القبر، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾، بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ".
٤ - قال الإمام الشافعي: يقوله الذين يُدخلونه.
أما شارح "الأذكار" فقال: إنَّ المقام مقام سؤال، وطلب رحمةٍ وإفضالٍ، فناسب التكرار باعتبار القائلين.
٥ - دَفْن الميت من فروض الكفايات، فهو مشروع بالكتاب، قال تعالى ممتنًّا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، أكرمه بدفنه، قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات.
واستفاضت الأحاديث بالدفن، ومنها: ما في أبي داود (٣١٥٩) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحْبَسَ بين ظهراني أهله". ففي الدفن برٌّ بالميت، وطاعةٌ للرب، وهو عمل المسلمين منذ زمن الصحابة.
٦ - أما ما جاء في الحديث (٤٧٥) من حرمة كسر عظم الميت، فقد قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الأصل أنَّ بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة إلاَّ عند تطبيق قاعدة "تعارض المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار"؛ فإنَّه يباح لمن وقعت فيه الآكلة أن يقطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، ويجوز التمثيل في البدن كشق البطن، للتمكن من علاج المرض، فما كانت منافعه أكثر من مفاسده، فإنَّ الله لا يحرمه، وقد نبَّه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
٧ - وبهذه الحرمة الإنسانية للأموات أفتى رئيس الفتوى السابق في المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بقوله:
لا يجوز نبش القبور، ولا يجوز مرور الطريق عليها؛ لأنَّ هذا امتهان
стр. 1404
للأموات، ومعلوم أنَّ لهم حرمة، وهم قد سبقوا إلى هذا الموضع، وصاروا إليه، فالقبور منازلهم، فلا يحل نبشهم من قبورهم إلاَّ لغرضٍ صحيحٍ، وهو ما كان من مصلحة الميت، أو كف الأذى عنه ونحو ذلك، أما إذا كان لمصلحة غيره من الأحياء أو الأموات فلا يجوز.
٨ - ومن احترام القبور وأهلها عدم المشي فيها بالنعال؛ لقوله ﷺ : "ألق سِبْتِيَّتَيْك" [رواه ابن ماجه (١٥٦٨)].
قال ابن القيم: إكرام القبور عن وطئها بالنعال من محاسن الشريعة، وقد أخبر ﷺ : "أنَّ الجلوس على الجمر خير من الجلوس على القبر"، والقبور هي دار الأموات ومنازلهم، ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم، فهي منازل المرحومين، ومهبط الرحمة، يلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تضافرت به الآثار. اهـ كلامه.
٩ - أما الحديث فهو نصٌّ في تحريم كسر عظم الميت؛ لأنَّه شبهه بعظم الحي في الحرمة والاحترام، وعدم التعرض له؛ لأنَّه معصوم في حياته وبعد مماته؛ فالموت لا يهدر كرامة المعصوم أبدًا، بل كرامته باقية.
ولذا قال في "الإقناع وشرحه": ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإتلاف ذاته؛ لحديث: "كَسْر عظم الميت ككسر عظم الحي" ولبقاء حرمته ولو أوصى به؛ أي: بما ذكر من القطع والإتلاف، فلا نتَّبع وصيَّته؛ لحق الله تعالى، ولوليه -أي: الميت- أن يحامي عنه بأن يدفع من أراد قطع طرفه ونحوه بالأسهل فالأسهل.
قال محرره عفا الله عنه: فتوى الشيخ عبد الرحمن السعدي وقرار هيئة كبار العلماء -موافق لقواعد الشريعة وأصولها، وهو لا يخالف ما قاله صاحب "شرح الإقناع".
стр. 1405
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تشريح جثة الميت:
(رقم: ٤٧ وتاريخ ٢٠/ ٨/ ١٣٩٦ هـ)
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلَّم على من لا نبي بعده، محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام (١٣٩٦ هـ)، جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم: (٣٢٣١/ ٢ خ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم: (٣٤/ ١/ ١٢/ ١٣٤٤٦/ ٣، وتاريخ ٦/ ٨/ ١٣٩٥ هـ) المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة، المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم، وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية.
كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أنَّ الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية.
الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لنتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها.
الثالث: التشريح للغرض العلمي؛ تعلمًا وتعليمًا.
وبعد تداول الرأي والمناقشة، ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليها أعلاه، قرر المجلس ما يلي:
بالنسبة للقسمين الأول والثاني: فإنَّ المجلس يرى أنَّ في إجزائهما تحقيقًا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل، ووقاية للمجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإنَّ المجلس لهذا يقرر بالإجماع