٤٧٤ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي القُبُورِ، فَقُولُوا: بسْمِ اللهِ، وَعَلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، وَأًعلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح في حالة رفعه ووقفه.
وقد رواه أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، والحاكم (١/ ٥٢٠) وابن أبي شيبة (٣/ ١٩) مرفوعًا، وأخرجه ابن السني (٥٨٤) من طريق الحجاج عن نافع عن ابن عمر، وبتأمل طرق الحديث تُتبين صحته، ولذا قال الحاكم: إنَّه صحيح على شرط الشيخين، كما رواه ابن حبان عن شعبة عن قتادة مرفوعًا، ورجَّح ابن الملقن رفعه.
* مفردات الحديث:
- بسم الله: أي: وضعته، أو أدخلته، أو دفنته.
- ملة: الملة: أصول الشرائع، ولا تضاف إلى الله، بل إلى رسله، فهو اسم لما شرعه الله على لسان رسله، وقد تطلق على الملة الباطلة؛ كقولهم: الكفر ملة واحدة.
...
стр. 1402
٤٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (١).
وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: "فِي الإثْمِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في "التلخيص": رواه أحمد (٢٣٧٨٧)، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (٤/ ٥٨) من حديث عائشة، وحسَّنه ابن القطان، وذكر القشيري أنه على شرط مسلم، ورواه الدارقطني (٣/ ١٨٨) من وجه آخر عنها، وزاد: "في الإثم"، وذكره مالك بلاغًا عن عائشة موقوفًا.
وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: "في الإثم".
ولفظ "في الإثم" ضعَّفه أحمد والنسائي، ولكنه تفسير من بعض الرواة.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - رجَّح المحدثون صحَّة هذا الحديث (٤٧٤) مرفوعًا وموقوفًا، وهو يدل على استحباب هذا الذكر في هذا الموطن.
٢ - ملة رسول الله ﷺ : دينه وشريعته، وهو الإسلام وأحكامه، ويسن أن يؤتى به عند كل أمر ذي بال، ويقدَّر في كل موطن بما يناسبه.
والتقدير: وضعناك على اسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ سلمناك.
٣ - روى الحاكم والبيهقي بسند ضعيف: "أنَّ النَّبي ﷺ لما وُضعت ابنته أم كلثوم
стр. 1403
في القبر، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾، بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ".
٤ - قال الإمام الشافعي: يقوله الذين يُدخلونه.
أما شارح "الأذكار" فقال: إنَّ المقام مقام سؤال، وطلب رحمةٍ وإفضالٍ، فناسب التكرار باعتبار القائلين.
٥ - دَفْن الميت من فروض الكفايات، فهو مشروع بالكتاب، قال تعالى ممتنًّا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، أكرمه بدفنه، قال الخازن: وهذه تكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات.
واستفاضت الأحاديث بالدفن، ومنها: ما في أبي داود (٣١٥٩) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحْبَسَ بين ظهراني أهله". ففي الدفن برٌّ بالميت، وطاعةٌ للرب، وهو عمل المسلمين منذ زمن الصحابة.
٦ - أما ما جاء في الحديث (٤٧٥) من حرمة كسر عظم الميت، فقد قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الأصل أنَّ بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة إلاَّ عند تطبيق قاعدة "تعارض المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار"؛ فإنَّه يباح لمن وقعت فيه الآكلة أن يقطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، ويجوز التمثيل في البدن كشق البطن، للتمكن من علاج المرض، فما كانت منافعه أكثر من مفاسده، فإنَّ الله لا يحرمه، وقد نبَّه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
٧ - وبهذه الحرمة الإنسانية للأموات أفتى رئيس الفتوى السابق في المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بقوله:
لا يجوز نبش القبور، ولا يجوز مرور الطريق عليها؛ لأنَّ هذا امتهان
стр. 1404
للأموات، ومعلوم أنَّ لهم حرمة، وهم قد سبقوا إلى هذا الموضع، وصاروا إليه، فالقبور منازلهم، فلا يحل نبشهم من قبورهم إلاَّ لغرضٍ صحيحٍ، وهو ما كان من مصلحة الميت، أو كف الأذى عنه ونحو ذلك، أما إذا كان لمصلحة غيره من الأحياء أو الأموات فلا يجوز.
٨ - ومن احترام القبور وأهلها عدم المشي فيها بالنعال؛ لقوله ﷺ : "ألق سِبْتِيَّتَيْك" [رواه ابن ماجه (١٥٦٨)].
قال ابن القيم: إكرام القبور عن وطئها بالنعال من محاسن الشريعة، وقد أخبر ﷺ : "أنَّ الجلوس على الجمر خير من الجلوس على القبر"، والقبور هي دار الأموات ومنازلهم، ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم، فهي منازل المرحومين، ومهبط الرحمة، يلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تضافرت به الآثار. اهـ كلامه.
٩ - أما الحديث فهو نصٌّ في تحريم كسر عظم الميت؛ لأنَّه شبهه بعظم الحي في الحرمة والاحترام، وعدم التعرض له؛ لأنَّه معصوم في حياته وبعد مماته؛ فالموت لا يهدر كرامة المعصوم أبدًا، بل كرامته باقية.
ولذا قال في "الإقناع وشرحه": ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإتلاف ذاته؛ لحديث: "كَسْر عظم الميت ككسر عظم الحي" ولبقاء حرمته ولو أوصى به؛ أي: بما ذكر من القطع والإتلاف، فلا نتَّبع وصيَّته؛ لحق الله تعالى، ولوليه -أي: الميت- أن يحامي عنه بأن يدفع من أراد قطع طرفه ونحوه بالأسهل فالأسهل.
قال محرره عفا الله عنه: فتوى الشيخ عبد الرحمن السعدي وقرار هيئة كبار العلماء -موافق لقواعد الشريعة وأصولها، وهو لا يخالف ما قاله صاحب "شرح الإقناع".
стр. 1405
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تشريح جثة الميت:
(رقم: ٤٧ وتاريخ ٢٠/ ٨/ ١٣٩٦ هـ)
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلَّم على من لا نبي بعده، محمَّد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام (١٣٩٦ هـ)، جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم: (٣٢٣١/ ٢ خ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم: (٣٤/ ١/ ١٢/ ١٣٤٤٦/ ٣، وتاريخ ٦/ ٨/ ١٣٩٥ هـ) المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة، المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم، وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية.
كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أنَّ الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التشريح لغرض التحقق من دعوى جنائية.
الثاني: التشريح لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لنتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها.
الثالث: التشريح للغرض العلمي؛ تعلمًا وتعليمًا.
وبعد تداول الرأي والمناقشة، ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليها أعلاه، قرر المجلس ما يلي:
بالنسبة للقسمين الأول والثاني: فإنَّ المجلس يرى أنَّ في إجزائهما تحقيقًا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل، ووقاية للمجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإنَّ المجلس لهذا يقرر بالإجماع
стр. 1406
إجازة التشريح لهذين الغرضين؛ سواء أكانت الجثة المشرحة جثة معصوم، أم لا.
وأما بالنسبة للقسم الثالث: وهو التشريح للغرض التعليمي، فنظراً إلى أنَّ الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين؛ لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان، وحيث إنَّ في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة، فإنَّ المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة، إلاَّ أنَّه نظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتاً، كعنايتها بكرامته حيًّا؛ وذلك لِما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كَسْر عظم الميت ككسره حيًّا"، ونظراً إلى أنَّ التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إنَّ الضرورة في ذلك منتفية بتيسُّر الحصول على جثث أموات غير معصومين، فإنَّ المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث، وعدم التعرض لجثث أموات معصومين، والحال ما ذكر، والله الموفق، وصلَّى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
ثم جاء في قرار المجلس (رقم: ٩٩، وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٠٢ هـ) ما يلي:
وبعد المناقشة، وتداول الآراء: قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه، من إنسانٍ حيٍّ مسلمٍ، أو ذميٍّ إلى نفسه، إذا دعت الحاجة إليها، وأُمِنَ الخطر في نزعه، وغَلَب على الظن نجاح زرعه، كما قرر بالأكثرية ما يلي:
١ - جواز نقل عضو، أو جزئه من إنسان ميتٍ إلى مسلمٍ، إذا اضطر إلى ذلك، وأُمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلَبَ على الظن نجاح زرعه فيمن
стр. 1407
سيزرع فيه.
٢ - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه، أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك، وبالله التوفيق، وصلَّى الله على محمَّد وآله وسلم.
هيئة كبار العلماء
* قرار المجمع الفقهي الإسلاميى (بشأن: تشريح جثث الموتى):
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمَّد ﷺ وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ هـ، الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م، قد نظر في موضوع "تشريح جثث الموتى"، وبعد مناقشته وتداول الرأي فيه، أصدر القرار الآتي:
بناءً على الضرورات التي دعت إلى تشريح جثث الموتى، والتي يصير بها التشريح مصلحة تربو على مفسدة انتهاك كرامة الإنسان الميت، قرر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يأتي:
أولاً: يجوز تشريح جثث الموتى لأحد الأغراض الآتية:
(أ) التحقيق في دعوى جنائية؛ لمعرفة أسباب الموت، أو الجريمة المرتكبة، وذلك عندما يُشْكِل على القاضي معرفة أسباب الوفاة، ويتبيَّن أنَّ التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب.
(ب) التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية، والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض.
стр. 1408
(ج) تعليم الطب وتعلمه؛ كما هو الحال في كليات الطب.
ثانيًا: في التشريح لغرض التعليم تراعى القيود التالية:
(أ) إذا كانت الجثة لشخص معلوم يشترط أن يكون قد أَذِنَ هو قبل موته بتشريح جثته، أو أن يأذن بذلك ورثته بعد موته، ولا ينبغي تشريح جثة معصوم الدم إلاَّ عند الضرورة.
(ب) يجب أن يقتصر في التشريح على قدر الضرورة؛ كَيْلاَ يُعْبث بِجُثث الموتى.
(ج) جثث النساء لا يجوز أن يتولى تشريحها غير الطبيبات، إلاَّ إذا لم يوجدن.
ثالثاً: يجب في جميع الأحوال دفن جميع أجزاء الجثة المشرحة.
وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمدلله ربِّ العالمين.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي (بشأن: الانتفاع باعضاء الموتى):
(رقم: ٢٦)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦ - ١١ فبراير ١٩٨٨ م.
بعد اطلاعه: على الأبحاث الفقهية والطبية الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر، حيًّا أو ميتًا".
وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أنَّ هذا الموضوع أمر
стр. 1409
واقع، فَرَضه التقدم العلمي والطبي، وظهرت نتائجه الإيجابية المفيدة، والمشوبة في كثير من الأحيان بالأضرار النفسية والاجتماعية، الناجمة عن ممارسته دون الضوابط والقيود الشرعية التي تصان بها كرامة الإنسان، مع إعمال مقاصد الشريعة الإسلامية، الكفيلة بتحقيق كل ما هو خير ومصلحة غالبة للفرد والجماعة، والداعية إلى التَّعاون والتراحم والإيثار.
وبعد حصر: هذا الموضوع في النقاط التي يتحرر فيها محل البحث، وتنضبط تقسيماته، وصوره، وحالاته، التي يختلف الحكم تبعًا لها.
قرَّر ما يلي:
من حيث التعريف والتقسيم:
أولاً: يقصد هنا بالعضو أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها؛ كقرنية العين؛ سواء أكان متصلاً به، أم انفصل عنه.
ثانياً: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد؛ لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم؛ كالبصر ونحوه، على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا.
ثالثاً: تنقسم صور الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:
١ - نقل العضو من حي.
٢ - نقل العضو من ميت.
٣ - النقل من الأجنَّة.
الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:
(أ) نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه؛ كنقل الجلد، والغضاريف، والعظام، والأوردة، والدم، ونحوها.
(ب) نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر، وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة، وما لا تتوقف عليه.
стр. 1410
أما ما تتوقف عليه الحياة: فقد يكون فرديًّا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين.
وأما ما لا تتوقف عليه الحياة: فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم، ومنه ما لا يقوم بها، ومنه ما يتجدد تلقائيًّا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والموروثات، والشخصية العامة، كالخصية، والمبيض، وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.
الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت.
ويلاحظ أنَّ الموت يشمل حالتين:
الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلاً نهائيًّا، لا رجعة فيه طبيًّا.
الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفاً تامًّا، لاَ رَجْعَةَ فيه طبيًّا.
وقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.
الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:
- حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًّا.
- حالة الأجنة التي تسقط؛ لعامل طبي أو جنائي.
- حالة اللقائح المستنبتة خارج الرحم.
من حيث الأحكام الشرعية:
أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أنَّ النَّفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود، أو لإعادة شكله، أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب، أو إزالة دمامة، تسبب للشخص أذى نفسيًّا أو عضويًّا.
стр. 1411
ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًّا؛ كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم؛ لعلَّة مرضية لشخص آخر؛ كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلَّة مرضية.
رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة؛ كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته، وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها؛ كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.
سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك؛ بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية، أو لا ورثة له.
سابعاً: وينبغي ملاحظة أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تمَّ بيانها -مشروط بألا يتم ذلك بواسطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.
أما بذل المال من المستفيد؛ ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً -فمحل اجتهاد ونظر.
ثامناً: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع -فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. والله أعلم.
стр. 1412
* قرار هيئة كبار العلماء (بشأن: بنوك الدم)
(قرار رقم: ٦٥ وتاريخ ٧/ ٢/ ١٣٩٩ هـ).
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد.
ففي الدورة الثالثة الاستثنائية لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض في المدة من ١/ ٢/ ١٣٩٩ هـ إلى ٦ منه، اطَّلع المجلس على ما جاء في كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم: ٧٨١٥ في ٢٨/ ٨/ ٩٨ هـ، المبني على ما ورد إليه من المقام السامي لإجراء ما يلزم نحو ما اقترحه المدعو/ فتوح بن سليمان النجار من إنشاء بنك إسلامي لحفظ الدم، للإسعاف السريع لجرحى المسلمين، وقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم، والاحتفاظ بكميات هائلة منه؛ لإسعاف جرحى المسلمين، وبعد دراسة الموضوع ومناقشته، وتداول الرأي فيه -قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولاً: يجوز أن يتبرع الإنسان من دمه بما لا يضره، عند الحاجة إلى ذلك؛ لإسعاف من يحتاجه من المسلمين.
ثانيًا: يجوز إنشاء بنك إسلامي؛ لقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم، وحفظ ذلك؛ لإسعاف من يحتاج إليه من المسلمين، على ألا يأخذ البنك مقابلاً ماليًّا من المرضى، أو أولياء أمورهم عوضًا عما يسعفهم به من الدماء، وألَّا يتَّخذ ذلك وسيلة تجارية للكسب؛ لِما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، والله الموفق، وصلَّى الله على محمَّد.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 1413
٤٧٦ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِى اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْباً، كمَا صُنعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ: "وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرُ شِبْرٍ". وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
حديث جابر مرسل.
أخرجه ابن حبان، والبيهقي ورجح إرساله؛ لمخالفة الفضيل بن سليمان النمري، لمن هو أوثق منه، وصحح الحديث ابن حبان، وابن السكن.
وله شاهد مرسل عن صالح بن أبي صالح، رواه أبو داود في "المراسيل".
* مفردات الحديث:
- لحدًا: قال في "النهاية": اللَّحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لوضع الميت؛ لأنَّه قد أميل عن وسط القبر إلى جانبه، يقال: لحدت وألحدت.
- اللَّبن: بفتح اللام وكسر الباء، جمع: "لَبِنَة"، وهو المضروب من الطين، يبنى به دون أن يطبخ.
- شِبر: بكسر الشين وسكون الباء؛ وهو ما بين طرفي الأصبع الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، جمعه "أشبار".
стр. 1414
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا بلغ بحفر القبر العمق المناسب، الذي يمنع خروج الرائحة، ويحفظ الميت عن نبش السباع -فإنَّه يستحب أن يحفر للميت بالجانب القبلي من القبر ما يسع بدنه، وهذا هو اللحد.
٢ - جاء في سنن الترمذي (١٠٤٣) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّحد لنا، والشَّق لغيرنا"، ولأحمد (١٨٧٢٨): "والشق لأهل الكتاب".
وحكى الوزير اتفاق الأئمة الأربعة على أنَّ السنة اللحد، وأنَّ الشق ليس بسنة.
وأجمع العلماء على أنَّ الدَّفن في اللحد والشق جائزان، مع كراهة الشق عند أحمد بلا عذر.
٣ - ثم يوضع فيه الميت على شقه الأيمن، مستقبل القبلة، وأن يدنى من حائط اللحد؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسند من ورائه بتراب أو مدر.
٤ - ثم يُنْصب اللَّبِن على اللحد نصباً، ويُتَعاهد خلال اللبن بالمدر أو الحجارة؛ ليتحمل ما وضع عليه من طين، ثم يطيَّن فوق اللبن وخلاله؛ لئلا ينهال عليه التراب؛ لما روى الإمام أحمد (٢١٦٨٣) عن مجاهد مرفوعاً: "سدُّوا خلل اللبن"، ثم يُهال عليه التراب بمِساح ونحوها إسراعاً بتكميل الدفن، واستحب أهل العلم لمشيع الميت أن يحثو عليه قبضات من تراب؛ ليكون شارك في فرض الكفاية في دفنه.
٥ - قوله: "وانصبوا على اللبن"؛ لأنَّه لو أسند اللبن على اللحد مسطحًا، لسقط في اللحد.
٦ - ثم يرفع القبر عن مستوى الأرض قدر شبر؛ ليعرف، فيزار، وليحترم عن الامتهان بوطء وغيره؛ فقد روى الشافعي (٢/ ٣٦٠) وغيره: "أنَّه ﷺ رشَّ
стр. 1415
على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حصباء"، وكذا فعل بقبر سعد بن معاذ، وقبر عثمان بن مظعون؛ لأنَّ هذا أثبت له وأبقى، وأبعد لدروسه من أن تذهب به الرياح والسيول، واستمرَّ على ذلك عمل المسلمين.
٧ - جاء في سنن ابن ماجه (١٥٦١) وغيره من حديث أنس: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة"، وجاء في أبي داود (٣٢٠٦) وغيره عن المطلب بن ربيعة بن الحارث: "أنَّه أمره النبي ﷺ لما توفي عثمان بن مظعون أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فحسر ﷺ عن ذراعيه، فحمله، فوضعه عند رأسه، وقال: أُعلِّم بها قبرَ أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي".
٨ - اتَّفق العلماء على تحريم إسراج المقابر، واتخاذ المساجد عليها؛ قال شيخ الإسلام: يتعيَّن إزالتها بلا خلاف بين العلماء؛ ففي السنن من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لَعَن الله زوَّارات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج"، والنَّهي مستفيض عن النبي ﷺ .
***
стр. 1416
٤٧٧ - وَلمُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أن يُجصَّصَ: الجِص -بكسر الجيم ثم صاد مشددة- مادة بيضاء؛ كالنَّورة، تزخرف بها المباني.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النهي عن تجصيص القبر، والبناء عليه، والقعود عليه.
٢ - النهي عند الأصوليين يقتضي التحريم؛ فيكون التجصيص والقعود والبناء على القبور من المحرَّمات.
٣ - هذه النواحي الثلاثة تفيد النهي عن الجفاء، والنهي عن الغلو في القبور، فالجفاء: أن يهان القبر بالجلوس عليه، وأعظم من ذلك أن يكون القعود للتخلِّي عليه، فالقبور محترمة يجب احترامها احتراماً لسكانها.
والغلو: هو تجصيص القبر، وترخيمه، وتزويقه، والبناء عليه؛ فهذا غلو يفضي إلى الفتنة بأصحاب القبور.
٤ - النهي عن البناء على القبور مستفيض عن النبي ﷺ ؛ فقد روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُبْنَى علَيه"، وروى مسلم (٩٦٨) عن فضالة بن عبيد قال: "سمعت رسول الله ﷺ يامر بتسويتها"، وروى مسلم (٩٦٩) من حديث علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ولا قبراً مشرفًا إلاَّ سوَّيته".
стр. 1417
والبناء على القبور من أعظم وسائل الشرك، والمنع منه قطع لتلك الوسائل المفضية إلى أعظم ذنب عُصِي الله به: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان]، وقال الصحابي للنبي ﷺ : أيُّ الذنب أعظم؟ قال:"أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك".
وأعظم البناء تلك القباب المشيدة على قبور الملوك، والزعماء، والعلماء، وكثير منها في المساجد، محادة لله تعالى، ولشرعه وتوحيده؛ فيجب إزالتها ومحو آثارها، ولا يجوز إبقاء شيء منها.
قال الصنعاني في "تطهير الاعتقاد": فإنَّ هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة للشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام، وخراب بنيانه -غالبُ بل كل من يعمرها هم الملوك، والسلاطين، والرؤساء، والولاة، إما على قريب لهم، أو من يحسنون الظن به، مِن فاضلٍ، أو عالمٍ، أو صوفيٍّ، أو شيخ كبير، ويزور الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل، ولا هتافٍ باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه، فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شُيِّدَ عليه البناء، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الزهور، فيعتقد أنَّ ذلك لنفع، أو دفع ضرر، وتأتيه السدنة يكذبون على الميت؛ بأنَّه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضر، وبفلان النفع، حتى تُعْبد من دون الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: نهى النَّبي ﷺ عن البناء على القبور، وأمر بهدمه، ولقد اتَّفق الأئمة على أنَّ كسوة القبر بالثياب منكر.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: وضع الزهور على قبر الجندي المجهول وغيره بدعة، ويخشى أن يكون ذريعة إلى بناء القباب عليهم، والشرك بهم، ثم اتخاذهم أولياء من دون الله.
فالواجب إزالة الأبنية التي على القبور، وأن تسوَّى بالأرض، فلا تُرفع إلاَّ بقدر مسنمة؛ ليعلم أنَّها قبر، فلا تهان ولا تنبش، وكذلك تعليتها.
стр. 1418
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن البناء على القبور وإسراجها:
(رقم: ٤٩ تاريخ ٢٠/ ٨/ ١٣٩٦ هـ)
نظراً إلى أنَّ المقابر محل للاعتبار، والاتعاظ، وتذكر الآخرة، كما في صحيح مسلم (٩٧٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي- ﷺ قبرَ أمه، فبكى وأبكى مَن حوله، وقال: استأذنت ربي أن أستغفر، لأمي فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذِنَ لي، فزوروا القبور؛ فإنَّها تذكركم بالموت".
وحيث إنَّ تجميلها بفرش الأشجار، وتبليط الممرات، وإنارتها بالكهرباء وغير ذلك من أنواع التجميل -لا يتَّفق مع الحكمة الشرعية في زيارة القبور، وتذكر الآخرة بها؛ حيث إنَّ تجميل المقابر بما ذكر يصرف عن الاتعاظ والاعتبار، ويقوِّي جوانب الاغترار بالحياة ونسيان الآخرة، فضلاً عمَّا في ذلك من تحذير النبي ﷺ من إنارة القبور، ولعنه فاعل ذلك؛ فقد ورد عنه ﷺ : "أنَّه لعن زائرات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرج"، ولما فيه من مشابهة أهل الكتاب من اليهود والنصارى في تشجير مقابرهم وتزيينها، وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم، ولِما في ذلك من تعريض القبور للامتهان بابتذالها، والمشي عليها، والجلوس فوقها، ونحو ذلك مما لا يتَّفق مع حرمة الأموات.
وعليه فإنَّ المجلس يقرر بالإجماع تحريم التعرض للمقابر، لا بتشجيرها، ولا بإنارتها، ولا بأي شيء من أنواع التجميل؛ للإبقاء على ما كان عليه السلف الصالح، ولتكون المقابر مصدر عظة وعبرة وادكار، وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 1419
٤٧٩ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبيْعَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَأَتَى القَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ" رَوَاه الدَّرَقُطْنِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ.
قال في "التلخيص": رواه البزار والدارقطني عن عامر بن ربيعة، قال البيهقي: وله شاهد من حديث جعفر عن أبيه مرسلاً.
ورواه الشافعي عن إبراهيم بن محمَّد عن جعفر، ورواه أبو داود في "المراسيل" من طريق أبي المنذر، قال أبو حاتم: أبو المنذر مجهول. قال الحافظ: إسناده ظاهره الصحة، وصححه ابن أبي داود والشوكاني وصديق بن حسن خان.
* مفردات الحديث:
- حثا عليه: حثا الرجل التراب، إذا هاله بيده ثم رماه، يحثوه حثواً، ويحثيه حثيًا، فهو بالواو والياء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مشروعية الصلاة على الميت، وهي فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي، سقطت عن الباقين.
٢ - مشروعية اتباع الجنائز من الصلاة حتى الدفن، ومَن فعل ذلك -إيمانًا واحتسابًا- فله قيراطان من الأجر، والقيراطان مثل الجبلين العظيمين.
стр. 1420
٣ - الثلاث الحثيات التي حثاها رسول الله ﷺ تشريعٌ لأمته، ومشاركة في أجر الدفن.
٤ - مَن لم يتول الدفن، يستحب له أن يحثو ثلاث حثيات من تراب على القبر؛ اقتداء بالنبي ﷺ ، ومشاركة في أداء الواجب، وفرض الكفاية في الدفن.
***
стр. 1421
٤٧٩ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ، وَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَال: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيْكُمْ، وَاسْألوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود والحاكم والبزار، وصحَّحه عن عثمان وقال البزار: لا يروى عن النبي ﷺ إلاَّ من هذا الوجه.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
وقال النووي: إسناده جيد. وقال الشيخ صديق بن حسن، رواه أبو داود والبيهقي بإسنادٍ حسنٍ.
* مفردات الحديث:
- التثبيت: اطلبوا من الله أن يثبته على جواب الملكين بقولكم: "اللهمَّ ثبته بالقول الثابت".
- الآن: أي: الزمن الذي نحن فيه.
قال الواحدي: "الآن": الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمنين، حده الماضي من آخره، والمستقبل من أوله.
قال في "المصباح": "الآن": ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه.
...
стр. 1422
٤٨٠ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيْبٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: "كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا سُوِّيَ عَلَى المَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ، أنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلاَنُ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلاَنُ، قُلْ: رَبَيّ اللهُ، وَدينِي الإِسْلاَمُ، وَنَبِيِّى مُحَمَّدٌ". رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفاً، وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلاً (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه الطبراني عن سعيد بن عبد الله الأزدي، وهو مجهول، وقال النووي والعراقي: إسناده ضعيف، وقال ابن القيم: حديثه لا يصح، والذي نرجح أنَّ الحديث مقطوع وموقوف على رواية ضمرة بن حبيب، وهو تابعي.
* مفردات الحديث:
- سوي: مبني للمجهول، من: التسوية.
- فلان: قال في "المحيط" فلان وفلانة بغير ألف ولام، يكنى بها عن العلم الذي مسماه ممن يعقل، وهما يجريان مجرى الأعلام في امتناع دخول الألف واللام عليهما، وامتناع صرف المؤنث منهما، وأما إذا كان العلم لغير من يعقل، تقترن كنايته بـ"أل"؛ للفرق بين العاقل وغيره.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يدل الحديث رقم (٤٧٩): على انتفاع الميت بالدعاء والاستغفار له، ويدل
стр. 1423
عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وغيرها من الآيات.
٢ - وفيه إثبات سؤال الميت في قبره، وقد صحَّت الأحاديث في ذلك، ففي البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠) من حديث أنس ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "العبد إذَا وُضِعَ في قبره، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: أشهد أنَّه عبد الله ورسوله، فيُرِيانه مقعدَه من الجنة، وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري، فيضرب بِمِطرَقة من حديد".
٣ - وقد صحَّت الأخبار وتوالت الآثار؛ على أنَّ الميت يُسأل في قبره، فيقال له: ما كنت تعبد؟ فأما المؤمن فيقول: أعبد الله، فيقاله له: صدقت، ولا يُسأل عن شيء غيره، فينادي منادٍ من السماء: صَدَق عبدي، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنَّة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له مد بصره.
وأما الكافر والمنافق: فلا يجيب إلاَّ بقوله: هاه هاه لا أدري، فيقال: لا دريت، ولا تليت، ويُضرب بمطارق من حديد ضربة واحدة، لو ضُرب بها جبل لصار ترابًا، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
٤ - الدعاء للميت عند قبره بعد دفنه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] يعني: بالدعاء والاستغفار.
قال شيخ الإسلام: لما نهى الله نبيه ﷺ عن القيام على قبور المنافقين، كان دليلاً على أنَّ المؤمن يقام على قبره بعد الدفن، ولما أخرجه أبو داود (٣٢٢١) عن عثمان؛ أنَّه ﷺ إذا فرغ من الميت وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنَّه الآن يُسأل".
قال ابن المنذر: قال بمشروعيته جمهور العلماء.
قال الترمذي: الوقوف على القبر، والسؤال للميت وقت دفنه، امتداد
стр. 1424
للدعاء للميت بعد الصلاة عليه.
٥ - قوله: "استغفروا لأخيكم" فيه إثبات الأخوة الإسلامية، وهو أقوى أواصر الأخوة وأوثقها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وفيه معنًى آخر: تقريب قلوب المشيعين، وتليين قلوبهم للميت؛ ليخلصوا له الدعاء والاستغفار.
٦ - وأما الأثر رقم (٤٨٠): فهو شبيه بحديث أبي أمامة بالتلقين قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحد منكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة اذكر ما كنت عليه في الدنيا من شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّك رضيتَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمَّد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا".
فهذا حديث لا يصح رفعه، وقد ضعَّف هذا الحديث العلماء، ومنهم: صاحب "أسنى المطالب"، وابن الصلاح، والنووي، والعراقي، وابن حجر، والصنعاني.
قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: "يا فلان بن فلانة ... " قال: ما رأيتُ أحداً يفعله إلاَّ أهل الشام حين مات أبو المغيرة.
قال ابن القيم في "المنار": إنَّ حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه.
وقال الهيثمي: في إسناده جماعة لم أعرفهم، وقال النووي: هو ضعيف.
وقال الصنعاني: يتحصل من كلام أئمة التحقيق أنَّه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله.
فتحصل أنَّ الأثر الذي ساقه المؤلف هنا ضعيف، لا تقوم به حجة، وأنَّه صنو حديث أبي أمامة في معناه، وصنوه في ضعفه، ولذا قال العراقي
стр. 1425
والنووي: إسناده ضعيف، وقال ابن القيم: لا يصح.
٧ - قال ابن القيم: كان هديه ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، قام على قبره وأصحابه، وسأل الله له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت، ولا يلقن كما يفعله الناس الآن.
***
стр. 1426
٤٨١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْب الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا". رَوَاهُ مُسلمٌ. زَادَ التِّرْمذيُّ: "فإنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" (١).
زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁: "وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة ابن ماجه في سندها أيوب بن هانىء، قال الحافظ: فيه لين.
وعلى كل حال، فالمعنى صحيح، وتؤيده النصوص، وأما زيادة الترمذي فقد رواها، وصححها.
* مفردات الحديث:
- فزوروها: أمر من "الزيارة"، وهو إذن بعد نهي.
قال بعض الأصوليين: إنَّ الأمر بعد النهي يفيد الإباحة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال بعضهم: إنَّ الأمر بعد النهي يعيد الشيء إلى حالته السابقة، والأفضل أن يقال: إنَّ هذا يختلف باختلاف الحال والمقام.
- تزهِّد: قال الكسائي: زهدت، بكسر الهاء وفتحها، والزهد: قلة الرغبة في الشيء، فالزاهد في الشيء الراغب عنه، إما شرعًا وإما طبعًا.
قال شيخ الإسلام: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.
стр. 1427
٤٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَائرَاتِ القُبُورِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح بشواهده.
رواه أحمد (٢/ ٣٥٦) والترمذي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة، وله شواهد عن جماعة من الصحابة، نذكر منها ما يلي:
١ - حديث حسان: أخرجه أحمد (١٥٢٣٠)، وابن أبي شيبة، وابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم (١/ ٥٣٠)، والبيهقي (٤/ ٧٨)، وقال البوصيري في "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
٢ - حديث ابن عباس: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن حبان (٧/ ٤٥٣)، والحاكم (١/ ٥٣٠)، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديث رقم (٤٨١): يدل على أنَّ زيارة القبور أول الإسلام كانت ممنوعة محرَّمة؛ ذلك -والله أعلم- أنَّ كثيرًا من المسلمين كانوا حديثي عهد بالكفر، وأنَّه يُخشى أن تجر الزيارة إلى التعلق بالأموات وأضرحتهم.
٢ - لما رسخت العقيدة في القلوب، وفقهوا دينهم، وعلموا معنى الزيارة، نسخ تحريمها، ولم ينسخ إلى الإباحة، وإنَّما إلى الاستحباب.
وحكى النووي والموفق الإجماع على استحبابها للذكور دون الإناث.
стр. 1428
وهذا الحديث بلغت طرقه حد التواتر؛ ذلك لأنَّ الأمر بالزيارة قارنها بيان الحكمة منها، وهو تذكر الآخرة، والزهد في الدنيا، وهذان مطلبان أساسيان في الإسلام؛ فإنَّ الاعتبار والاتعاظ والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة -أكبر معين للعبد على تقوى الله تعالى.
٣ - زائر القبور لا يخلو من أربع حالات:
الأولى: يدعو للأموات، فيسأل الله تعالى لهم المغفرة والرحمة، ويخص من زاره منهم بالدعاء والاستغفار، وَيعتبر بحال الموتى، وما آلوا إليه، فيُحْدث له ذلك عبرة وذكرى وموعظة، فهذه زيارة شرعية.
الثانية: أن يدعو الله تعالى لنفسه، ولمن أحب عند القبور، أو عند صاحب قبر خاص، معتقداً أنَّ الدعاء في المقابر، أو عند قبر الميت فلان، أنَّه أفضل وأقرب للإجابة من الدعاء في المساجد، فهذه بدعة منكرة.
الثالثة: أن يدعو الله تعالى متوسلاً بجاههم أو حقهم، فيقول: أسألك يا ربي أعطني كذا بجاه صاحب هذا القبر، أو بحقه عليك، أو بمقامه عندك، ونحو ذلك، فهذه بدعة محرَّمة؛ لأنَّها وسيلة إلى الشرك بالله تعالى.
الرابعة: أن لا يدعو الله تعالى، وإنَّما يدعو أصحاب القبور، أو صاحب هذا القبر، كان يقول: يا ولي الله، يا نبي الله، يا سيِّدي، أغنني، أو أعطني كذا، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر.
٤ - في الحديث إثبات نسخ الأحكام في الشريعة الإسلامية.
٥ - أنَّ أحكام الله تعالى تابعة لِحكَمِها وأسرارها؛ لأنَّها جاءت لتحقيق المصالح، فكلما كانت المصلحة، فثمَّ شرع الله تعالى.
٦ - الواجب على المسلم إذا ظهر له الصواب في قول أن يأخذ به، ويدع ما سواه.
٧ - ينبغي للإنسان أن يفعل ما يذكره بالآخرة، وأن يأخذ بكل سبب يوقظه
стр. 1429
ويذكره؛ لأنَّ القلب قد يتَّعظ بشيء دون شيء آخر، فإذا تعرَّض للأسباب كلها أحدثت له عظة وعبرة.
٨ - أنَّ القبور والموت من أمور الآخرة، ولذا قال ﷺ :"فإنَّها تذكركم الآخرة".
قال شيخ الإسلام: ومن الإيمان بالله، الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
٩ - قوله: "فإنَّها تذكر بالآخرة" هذا هو العلة فى مشروعية زيارة القبور، والعلَّة إذا نُصَّ عليها، فإنَّها تفيد ثلاث فوائد:
الأولى: اطمئنان المسلم إلى أنَّ هذه الشريعة لا تأمر بشيء، ولا تنهى عن شيء إلاَّ لحكمة، فأحكام الله تعالى مبنية على تحقيق المصالح، ودرء المفاسد.
الثانية: أنَّ معرفة حكمة الله تعالى في أحكامه تُحْدِث في النفس العاملة راحةً، ونشاطًا، وإقبالاً على الطاعة، واستكمالاً للفضائل.
الثالثة: إمكان القياس على الحُكم المنصوص عليه بحُكْم لم ينص عليه، بجامع العلة المشتركة بينهما، وفي هذا إثراء للفقه الإسلامي.
١٠ - أما الحديث رقم (٤٨٢): ففيه أنَّ رسول الله ﷺ لعن النساء اللائي يزرن القبور، ولَعْن الشارع لا يكون إلاَّ على إتيان كبيرة من كبائر الذنوب، فصارت زيارة النساء القبور من الكبائر.
١١ - الحكمة في منع النساء عن زيارة القبور، هو ما لديهن من الضعف، والرقة، وعدم الصبر والاحتمال، فتخشى أن تجرَّ زيارتهن إلى أن يأتين من الأقوال والأفعال ما يُخْرجهن عن الصبر الواجب.
١٢ - قال ابن القيم في "الهدي": كان من هديه إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنَّها لأمَّته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: "السلام عليكم
стр. 1430
أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتهم من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء والترحم والاستغفار، فأبى المشركون إلاَّ دعاء الميت، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ ، فإنَّه هو توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك، وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت؛ لأنَّه لا يخلو من ثلاثة أمور:
(أ) إما أن يدعو الميت.
(ب) وإما أن يدعو به.
(ج) وإما أن يدعو عنده.
ويرون أنَّ الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المسجد والأسحار، ومن تأمل هديَ رسوله الله وأصحابه، تبيَّن له الفرق بين الأمرين، وبالله التوفيق.
١٣ - قال شيخ الأسلام: الزيارة على قسمين: شرعية وبدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له، والبدعية أن يكون مقصود الزائر طلب حوائجه من ذلك الميت، وهذا شرك أكبر، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو الدعاء به، وهذه بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك.
١٤ - لا ينبغي أن يكون الإنسان في المقبرة -سواء كان زائرًا أو مشيِّعاً- في حالة فرح وسرور، وكأنَّه في حفل، وإنَّما يتأثَّر، أو يظهر التأثر أمام أهل الميت، وليتذكر حال أصحاب القبور، وأنَّ مصيره إليهم، وليكن له فيهم عبرةٌ وعظةٌ.
١٥ - جاء في البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلاَّ لثلاثة مساجد: المسجد الحرام،
стр. 1431
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
ففي قول رسول الله ﷺ سدٌّ للذرائع المفضية إلى الشرك؛ لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، وألا يصير شد الرحال إلى القبور ذريعة إلى عبادتها، واستثنيت هذه المساجد الثلاثة؛ لما لها من ميزة على غيرها بأمور هامة، منها:
- أنَّها المساجد التي بناها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
- أن المسجد الحرام قبلة المسلمين، والأقصى كان قبلتهم الأولى.
- أسست على التقوى من أول يوم.
- الصلاة فيها مضاعفة على غيرها من المساجد.
فلهذه المساجد ميزة مفضلة على غيرها، فشُرع شد الرحل إليها دون غيرها، أما شد الرحال إلى القبور والأضرحة، فهو الغلو فيها المفضي إلى الشرك الأكبر، والشرك حرام، ووسائله حرام، فالوسائل لها أحكام المقاصد.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال، واختلفوا في زيارة النساء:
ذهب الحنفية إلى استحباب زيارة النساء للقبور كالرجال، ويستدلون على ذلك بما ورد في عموم الأمر بالزيارة بدون تخصيص، والأصل أنَّ الأوامر عامة ما لم يرِد ما يخصصها.
وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى كراهتها للنساء، وخصوا الأمر بالزيارة بالرجال دون النساء؛ لأنَّ الضمير للرجال، ولا تدخل النساء فيه.
ولما روى مسلم (٩٣٨) عن أم عطية قالت: "نُهِيْنَا عَن زيارة القبور، ولم يعزم علينا"، ولما روى الترمذي (١٠٥٦): "لعنَ الله زائرات القبور".
стр. 1432
والنساء لديهنَّ من الرقة ما يجدد لهنَّ المصائب والحزن والبكاء، وربَّما جرى منهنَّ ما ينافي الصبر الواجب.
ولهذه النصوص والاعتبارات؛ فإنَّ بعض محققي العلماء يرون تحريم زيارتهنَّ للقبور، ولا يقتصرن على مجرَّد الكراهة.
قال في "الاختيارات": ظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم؛ لاحتجاجه بلعن النبي ﷺ زائرات القبور، وتصحيحه إيَّاه.
* فائدة:
مذهب أهل السنة أنَّ الروح هي النفس الناطقة المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، وأنَّ الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعَّمة أومعذَّبة، وتتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم أو العذاب.
وقال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأنَّ ذلك يُعرضُ عليه، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا.
وجاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم فيجتمعون -إذا شاء الله- كما يجتمعون في الدنيا، مع تفاوت منازلهم، وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا، أو متقاربة، ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس.
وفي "الغنية": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد، والله أعلم.
***
стр. 1433
٤٨٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ، وَالمُسْتَمِعَةَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ.
قال في "التلخيص": رواه أحمد (١١٢٢٨) من حديث أبي سعيد، واستنكره أبو حاتم، ورواه الطبراني من حديث ابن عمر، ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة، وكلها ضعيفة.
قُلْتُ: فقد ضعَّفه كل من: أبي حاتم، وابن حجر، وابن الملقن.
* مفردات الحديث:
- لعن: لعنًا، من باب نفع: طرده وأبعده من الخير، فهو لعين وملعون، والفاعل: لاعن، والمبالغة: لعَّان، قال في "التعريفات": اللَّعن من الله هو إبعاد العبد بسخطه، ومن الإنسان الدعاء بسخطه.
- النائحة: ناح على الميت نياحة، والنياحة هي: رفع الصوت بالندب، وتعديد محاسن الميت.
قال عياض: النياحة اجتماع النساء للبكاء على الميت.
- المستمِعَة: هي القاصدة لسماع النياحة.
...
٤٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْتُ بِنْتاً لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ القَبْرِ، فَرَأيْتُ عَيْنيهِ تَدْمَعَانِ". رَوَاه البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من هذه الأحاديث:
١ - الحديثان رقم (٤٨٣، ٤٨٤): يدلان على تحريم النياحة: التي هي رفع الصوت، بتعديد شمائل الميت، ومحاسن أفعاله؛ فإنَّ هذه عادة جاهلية قضى عليها الإسلام وحرمها.
٢ - دليل تحريم النياحة: لعن النائحة، فإنَّ اللَّعن لا يكون إلاَّ في كبيرة من كبائر الذنوب.
٣ - مثل النياحة: شق الثوب، ولطم الخد، ونتف الشعر، ونحو ذلك؛ لِما في البخاري (٣٥١٩) ومسلم (١٠٣) أنَّ رسول الله ﷺ قَال: "لَيس مِنَّا مَنْ لطَمَ الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" دعوى الجاهلية هي الندب والنياحة.
٤ - والحكمة في النهي عن ذلك: ما فيه من إظهار الجزع والتسخط، وعدم الصبر الواجب على قَدَر الله تعالى وقضائه.
أما الرضا بقضاء الله تعالى: فلا يجب، وإنَّما يستحب، ومنهم من قال بوجوبه.
٥ - يدل الحديث رقم (٤٨٣): على تحريم الاستماع إلى النائحة، وأنَّ المستمعة شريكة في اللعن، بخلاف السامعة التي لم تقصد الاستماع، فلا
стр. 1436
تدخل في الحكم، ولكن الواجب عليها -إذا لم تقدر على تغيير المنكر- أن لا تجلس مع النائحات.
قال شيخ الإسلام: الصبر واجب إجماعًا.
٦ - قال الشيخ: الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنَّها ليست من كسب ابن آدم.
والصبر شرعاً: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخد، وشق الثوب ونحوها، وهو خُلق فاضل يدل على صلاح العبد، وصلابته في دينه، قال تعالى: ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر].
وجاء مدح الصبر والصابرين في أكثر من ثمانين موضعاً في القرآن الكريم.
٧ - وأما الحديث رقم (٤٨٥) فيدل على أنَّ الميت يعذب بسبب النياحة عليه، والنياحة ليست من فعله، فلذا استشكل العلماء معنى تعذيب الميت بما نيح عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
وأفضل ما قيل فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الصواب أنَّ الميت يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، مثل: "إنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه" وفي لفظ: "من يُنح عليه يعذب بما نيح عليه"، والشارع لم يقل: يعاقب بما نيح عليه، وأنما قال: يعذب، والعذاب أعم من العقاب، فإنَّ العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له، ولكن ينبغي أن يوصي بترك النياحة عليه، إذا كان من عادة أهله النياحة، لأنَّه متى غلب على ظنه النياحة، وفعلهم لها، ولم يوص بها مع القدرة فقد رضي بها، فيكون كتارك المنكر مع القدرة على إزالته.
٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذه الآية الكريمة قاعدة كلية عامة،
стр. 1437
لأهميتها وعظمتها وجدت بالشرائع السابقة، ولذا قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم].
لكن إنَّ كانت النفس الأخرى هي السبب في الوزر، فإنَّها تعاقب بمثل عقاب المباشر؛ لقوله ﷺ : "من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله" [رواه أبو داود (٥١٢٩)]، وقوله: "ومن سنَّ سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" [رواهُ مُسلم (١٠١٧)].
٩ - وأما الحديث رقم (٤٨٦): فيدل على جواز البكاء على الميت بدون رفع صوت، فقد قال ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما يرضي الرب" [رواه البخاري (١٣٠٣) ومسلم (٢٣١٥)]، وكما جاء في البخاري (١٣٠٤): ومسلم (٩٢٤) من حديث ابن عمر؛ أنَّه ﷺ قال: "إنَّ الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" فهذا الحزن هو رحمة ينزلها الله على قلوب بعض عباده، وفيه تخفيف من شدَّة المصيبة.
١٠ - يجب الصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى والاسترجاع، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر].
فأهل الإيمان هم أقل الناس انزعاجًا عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلهم قلقًا عند النوازل، وهذه الكلمات المباركة الطيبات من كتاب الله تعالى، هي أبلغ علاج عند المصيبة، وأنفعه في العاجلة والآجلة، فإنَّها تضمَّنت أصلين، إذا تحقق العبد معرفتهما: هانت عليه المصيبة:
الأول: أنَّ العبد وأهله وما عنده ملك لله تعالى.
стр. 1438
الثاني: أنَّ مصير العبد ومرده إلى ربه ومولاه.
وَمَنْ هذه حاله لا يفرح بموجودٍ، ولا يحزن على مفقودٍ.
وإذا علم المؤمن علم اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه- هانت عليه المصيبة.
قال ابن القيم: كان من هديه السكون والرضا بالقضاء، والحمد لله والاسترجاع.
قال شيخ الإسلام: للعلماء في الرضا قولان: هل هو واجب، أو مستحب؟ والصحيح: أنَّه مستحب.
١١ - قال في "مختصر كفاية الأخيار" للشافعية:
- الشخص إذا ذاق أنَّ لله ما أعطى، وله ما أخذ، لا يشق عليه أية مصيبة؛ لأنَّ الملك لله يتصرَّف فيه كيف شاء.
- فإنَّ فاته ذلك، وغلب عليه الوازع الطبيعي، دفعه الوازع الشرعي إلى الصبر والاحتساب.
- فإن فاته ذلك تعددت عليه المصيبة، وهذا إنَّما ينشأ من فراغ القلب عن الله تعالى، بخلاف القلب العامر به، فإنَّه يرى الأموال والأولاد فتنةً وقطيعة عن ربه، وبُعْداً عن غايته.
١٣ - اختلف العلماء في إباحة ترك الزينة، وحسن الثياب، وتجرد المصاب، لمدة ثلاثة أيام غير الزوجة، فأباح ذلك كثير من الفقهاء ومنهم: الحنابلة؛ لما في البخاري (٣٠٣) ومسلم (٩٣٨) عن أم عطية قالت: قال رسول الله ﷺ :"لا تحدّ امرأة على ميت فوق ثلاثٍ، إلاَّ على زوجٍ، أربعة أشهر وعشرًا".
وأنكر ذلك شيخ الإسلام، وذكر أنَّ السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، فلا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة، ولا كانوا يتركون ما كانوا يفعلونه قبلها؛ فإنَّ ذلك منافٍ للصبر.
стр. 1439
٤٨٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تَدْفِنُوا مَوْتَاكمْ بِاللَّيْلِ، إِلاَّ انْ تُضْطَرُّوا". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لكِنْ قَالَ: "زَجَرَ أنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فإنَّ أصله في مسلم بلفظ: "إنَّه ﷺ زَجَرَ أنْ يُقْبرَ الرَّجل بالليل، حتَّى يُصلى عليه، إلاَّ أنْ يَضْطَرّ الإنْسَانُ إلى ذلك".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر الحديث كراهة دفن الميت ليلاً، إلاَّ عند الحاجة إلى ذلك؛ كخشية تغيره، فيدفن ليلاً بلا كراهة.
٢ - الحكمة في هذا ما أشار إليه الحديث بلفظ: "حتى يصلى عليه".
والمراد من ذلك: أنَّ تجهيز الميت، والصلاة عليه ليلاً مظنة التقصير في ذلك، من عدم إحسان الغسل، وعدم إجادة الكفن والتكفين، ومن قلَّة المصلين عليه، أما النهار فتوافر هذه الأمور يسير.
٣ - إذا وجدت هذه الأشياء، وتوافرت تلك الأمور ليلاً، زالت الكراهة المذكورة في هذا الحديث، ورجعنا إلى أصل الحكم، وهو استحباب الإسراع بالجنازة، فتقدم في هذا المعنى حديثان: "أسرعوا بالجنازة، فإنَّ تكن صالحة ... " إلخ، [رواه مسلم (٩٤٣)]، وحديث: "لا ينبغي لجيفة
стр. 1440
مسلم أن تُحْبَس بين ظهراني أهله" [رواه أبو داود (٣١٥٩)]، وقد أخرج الترمذي (١٠٥٧)، عن ابن عباس بإسناد حسن؛ أنَّ النَّبىَّ ﷺ : "دخل قبراً ليلاً، فأسرج له سراج، وأخذه من قبل القبلة".
ودفن الصحابة أبا بكر-﵁ ليلاً، ودفن علي فاطمة ﵂ ليلاً، ولذا فإنَّ جمهور العلماء، ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة لا يرون الكراهة في الدفن ليلاً.
قال ابن القيم في "الهدي": كان من هديه ﷺ لا يدفن الميت عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا حين يقوم قائم الظهيرة. وقد روى مسلم (٨٣١) عن عُقْبَة بن عامر قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تقرب الشمس من الغروب حتى تغرب".
***