← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تدخل في الحكم، ولكن الواجب عليها -إذا لم تقدر على تغيير المنكر- أن لا تجلس مع النائحات. قال شيخ الإسلام: الصبر واجب إجماعًا. ٦ - قال الشيخ: الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها، فإنَّها ليست من كسب ابن آدم. والصبر شرعاً: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخد، وشق الثوب ونحوها، وهو خُلق فاضل يدل على صلاح العبد، وصلابته في دينه، قال تعالى: ﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر]. وجاء مدح الصبر والصابرين في أكثر من ثمانين موضعاً في القرآن الكريم. ٧ - وأما الحديث رقم (٤٨٥) فيدل على أنَّ الميت يعذب بسبب النياحة عليه، والنياحة ليست من فعله، فلذا استشكل العلماء معنى تعذيب الميت بما نيح عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وأفضل ما قيل فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية قال: الصواب أنَّ الميت يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، مثل: "إنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه" وفي لفظ: "من يُنح عليه يعذب بما نيح عليه"، والشارع لم يقل: يعاقب بما نيح عليه، وأنما قال: يعذب، والعذاب أعم من العقاب، فإنَّ العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له، ولكن ينبغي أن يوصي بترك النياحة عليه، إذا كان من عادة أهله النياحة، لأنَّه متى غلب على ظنه النياحة، وفعلهم لها، ولم يوص بها مع القدرة فقد رضي بها، فيكون كتارك المنكر مع القدرة على إزالته. ٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذه الآية الكريمة قاعدة كلية عامة،

стр. 1437

لأهميتها وعظمتها وجدت بالشرائع السابقة، ولذا قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. لكن إنَّ كانت النفس الأخرى هي السبب في الوزر، فإنَّها تعاقب بمثل عقاب المباشر؛ لقوله ﷺ : "من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله" [رواه أبو داود (٥١٢٩)]، وقوله: "ومن سنَّ سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" [رواهُ مُسلم (١٠١٧)]. ٩ - وأما الحديث رقم (٤٨٦): فيدل على جواز البكاء على الميت بدون رفع صوت، فقد قال ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما يرضي الرب" [رواه البخاري (١٣٠٣) ومسلم (٢٣١٥)]، وكما جاء في البخاري (١٣٠٤): ومسلم (٩٢٤) من حديث ابن عمر؛ أنَّه ﷺ قال: "إنَّ الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" فهذا الحزن هو رحمة ينزلها الله على قلوب بعض عباده، وفيه تخفيف من شدَّة المصيبة. ١٠ - يجب الصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى والاسترجاع، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر]. فأهل الإيمان هم أقل الناس انزعاجًا عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلهم قلقًا عند النوازل، وهذه الكلمات المباركة الطيبات من كتاب الله تعالى، هي أبلغ علاج عند المصيبة، وأنفعه في العاجلة والآجلة، فإنَّها تضمَّنت أصلين، إذا تحقق العبد معرفتهما: هانت عليه المصيبة: الأول: أنَّ العبد وأهله وما عنده ملك لله تعالى.

стр. 1438

الثاني: أنَّ مصير العبد ومرده إلى ربه ومولاه. وَمَنْ هذه حاله لا يفرح بموجودٍ، ولا يحزن على مفقودٍ. وإذا علم المؤمن علم اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه- هانت عليه المصيبة. قال ابن القيم: كان من هديه السكون والرضا بالقضاء، والحمد لله والاسترجاع. قال شيخ الإسلام: للعلماء في الرضا قولان: هل هو واجب، أو مستحب؟ والصحيح: أنَّه مستحب. ١١ - قال في "مختصر كفاية الأخيار" للشافعية: - الشخص إذا ذاق أنَّ لله ما أعطى، وله ما أخذ، لا يشق عليه أية مصيبة؛ لأنَّ الملك لله يتصرَّف فيه كيف شاء. - فإنَّ فاته ذلك، وغلب عليه الوازع الطبيعي، دفعه الوازع الشرعي إلى الصبر والاحتساب. - فإن فاته ذلك تعددت عليه المصيبة، وهذا إنَّما ينشأ من فراغ القلب عن الله تعالى، بخلاف القلب العامر به، فإنَّه يرى الأموال والأولاد فتنةً وقطيعة عن ربه، وبُعْداً عن غايته. ١٣ - اختلف العلماء في إباحة ترك الزينة، وحسن الثياب، وتجرد المصاب، لمدة ثلاثة أيام غير الزوجة، فأباح ذلك كثير من الفقهاء ومنهم: الحنابلة؛ لما في البخاري (٣٠٣) ومسلم (٩٣٨) عن أم عطية قالت: قال رسول الله ﷺ :"لا تحدّ امرأة على ميت فوق ثلاثٍ، إلاَّ على زوجٍ، أربعة أشهر وعشرًا". وأنكر ذلك شيخ الإسلام، وذكر أنَّ السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، فلا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة، ولا كانوا يتركون ما كانوا يفعلونه قبلها؛ فإنَّ ذلك منافٍ للصبر.

стр. 1439

٤٨٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تَدْفِنُوا مَوْتَاكمْ بِاللَّيْلِ، إِلاَّ انْ تُضْطَرُّوا". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لكِنْ قَالَ: "زَجَرَ أنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فإنَّ أصله في مسلم بلفظ: "إنَّه ﷺ زَجَرَ أنْ يُقْبرَ الرَّجل بالليل، حتَّى يُصلى عليه، إلاَّ أنْ يَضْطَرّ الإنْسَانُ إلى ذلك". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث كراهة دفن الميت ليلاً، إلاَّ عند الحاجة إلى ذلك؛ كخشية تغيره، فيدفن ليلاً بلا كراهة. ٢ - الحكمة في هذا ما أشار إليه الحديث بلفظ: "حتى يصلى عليه". والمراد من ذلك: أنَّ تجهيز الميت، والصلاة عليه ليلاً مظنة التقصير في ذلك، من عدم إحسان الغسل، وعدم إجادة الكفن والتكفين، ومن قلَّة المصلين عليه، أما النهار فتوافر هذه الأمور يسير. ٣ - إذا وجدت هذه الأشياء، وتوافرت تلك الأمور ليلاً، زالت الكراهة المذكورة في هذا الحديث، ورجعنا إلى أصل الحكم، وهو استحباب الإسراع بالجنازة، فتقدم في هذا المعنى حديثان: "أسرعوا بالجنازة، فإنَّ تكن صالحة ... " إلخ، [رواه مسلم (٩٤٣)]، وحديث: "لا ينبغي لجيفة

стр. 1440

مسلم أن تُحْبَس بين ظهراني أهله" [رواه أبو داود (٣١٥٩)]، وقد أخرج الترمذي (١٠٥٧)، عن ابن عباس بإسناد حسن؛ أنَّ النَّبىَّ ﷺ : "دخل قبراً ليلاً، فأسرج له سراج، وأخذه من قبل القبلة". ودفن الصحابة أبا بكر-﵁ ليلاً، ودفن علي فاطمة ﵂ ليلاً، ولذا فإنَّ جمهور العلماء، ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة لا يرون الكراهة في الدفن ليلاً. قال ابن القيم في "الهدي": كان من هديه ﷺ لا يدفن الميت عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا حين يقوم قائم الظهيرة. وقد روى مسلم (٨٣١) عن عُقْبَة بن عامر قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تقرب الشمس من الغروب حتى تغرب". ***

стр. 1441

٤٨٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ حِيْنَ قُتِلَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اصْنعوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا؛ فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ". أَخرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص": رواه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، والدارقطني (٢/ ٧٨)، والحاكم (١/ ٥٢٧) من حديث عبد الله بن جعفر، وصحَّحه ابن السكن، ورواه أحمد، والطبراني، وابن ماجه من حديث أسماء بنت عُميس، وهي والدة عبد الله بن جعفر. * مفردات الحديث: - نعى: يقال: نعيت الميت نعيًّا، من باب نفع: أخبرت بموته، والنعي الجاهلي: هو النداء بموت الشخص مع ذكر مفاخره، نحو: واجبلاه، واكريماه. - اصنعوا: صنع الشيء: أجاد فعله، والمراد هنا: طبخ الطعام لآل جعفر أهل المصيبة. - آل جعفر: هم زوجة جعفر بن أبي طالب، أسماء بنت عميس، وأولاده. - ما يشغلهم: قال الراغب: الشَّغل والشُّغل: العارض الذي يذهل الإنسان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بعث النبي ﷺ سنة ثمانٍ من هجرته جيشًا إلى مؤتة (قرية من مشارق الشام) لقتال الروم، وجعل عليهم أميرًا زيد بن حارثة، فإن قتل، فجعفر بن أبي

стр. 1442

طالب، فإن قتل، فعبد الله بن رواحة، فقتل الأمراء الثلاثة كلهم؛ لأنَّ جيش المسلمين ثلاثة آلاف وجيش الروم يقدر بمائة ألف، وجاء خبرهم إلى رسول الله ﷺ من السماء، فذهب ﷺ إلى بيت جعفر فواساهم، ودعا لأطفاله، ثم ذهب إلى أهله، وقال: اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم ما شَغَلهُم. ٢ - فصارت سنة نبوية أنَّ أصحاب الميت يرسل إليهم بالطعام من أقاربهم أو جيرانهم أو أصدقائهم ونحوهم. ولا شكَّ أنَّ هذا من محاسن الإسلام، ففيه تكافل اجتماعي، وفيه تحقيق لما جاء في الحديث: " المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا" [رواه البخاري (٢٤٤٦)]. ٣ - قال في "شرح الزاد": ويُسن أن يُصْنَع لأهل الميت طعام، يُبعث به إليهم ثلاثة أيام لقصة جعفر. قال محرره -عفا الله عنه-: الحديث لم تذكر فيه مدة الإطعام، ويظهر أنَّها مرَّة واحدة، ولكن الفقهاء راعوا مدة العزاء ثلاثة أيام، وما دام شرع أصل الإطعام، فالأمر فيه سعة. ٤ - أما ما اعتاده الناس الآن من أن أهل الميت هم الذين يصنعون الطعام، ويطعمون الناس، فهو بدعة شنيعة؛ لأمور كثيرة: أولاً: أنَّه عمل مخالف للسنة، وما خالف السنة فهو بدعة. ثانيًا: فيه تشبه بأعمال الجاهلية من العقر والنحر عند موت كبارهم. ثالثًا: فيه إنفاق محرَّم، فهي داخلة في باب السرف. رابعًا: قد يكون إنفاق المال الموروث ظلمًا إذا كان لضعافٍ وصغارٍ. خامسًا: إنَّ أهل الميت في شغل عن إعداد الطعام، ودعوة الناس إليه بالانشغال عنه بمصيبتهم.

стр. 1443

٥ - وهذه بعض المقتطفات من كلام العلماء حول هذه المسألة: قال الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي-﵁ "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعهم الطعام من النياحة" [رواه أحمد وابن ماجه ورجال إسناده ثقات]. وقال الإمام أحمد: هو من فعل أهل الجاهلية. وقال الطرطوشي: فأما المأتم فممنوع بإجماع العلماء، والمأتم: هو الاجتماع على مصيبة، وهو بدعة منكرة، لم ينقل فيه شيء، وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني، والثالث، والرابع، والسابع، والشهر، والسنة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: جمْع أهل المصيبة الناس على طعامهم؛ ليقرؤوا له ليس معروفاً عند السلف، قد كرهه طوائف من العلماء من غير وجه، وعدَّه السلف من النياحة. ٦ - قال الشيخ أيضًا: إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة، ولا يشرع من العبادات عند القبور، لا صدقة ولا غيرها، كالذبح والتضحية عند القبر، ولو نذره، أو شرطه واقف كان، شرطًا فاسدًا يحرم إنفاذه. * فائدة: قال في "المغني" و"الشرح الكبير" وغيرهما: وإن دعت الحالة إلى ذلك -صنعهم الطعام- جاز، فإنَّه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكنهم إلاَّ أن يُطْعِمُوهُ. ***

стр. 1444

٤٨٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ ﵁ قَالَ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أَنْ يَقُولُوا: السَّلاَمُ عَلَى أهْلِ الدِّيَارِ: مِنَ المُؤْمنِيْنَ وَالمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، نَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ العَافِيةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أهل الديار: منادى، محذوف منه حرف النداء، والتقدير: يا أهل الديار، والديار -جمع دار-: المنازل محل الإقامة. قال ابن الجزري: يريد بالديار: المقابر، وهو جائز لغة. - من المؤمنين والمسلمين: الجمع بينهما يقتضي المغايرة، والمسلمون هم المستسلمون ظاهرًا بأقوالهم وأفعالهم، وأما المؤمنون فهم الذين جمعوا مع ذلك الاعتقاد الصادق، فالمؤمنون أكمل من المسلمين. وقد عرف الفرق بين الإيمان والإسلام إذا اجتمعا. قال ابن رسلان: الإيمان والإسلام وإن اختلفا متحدان في المقاصد. ...

стр. 1445

٤٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ المَدِيْنةِ، فَأَقْبلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلاَمُ علَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُم سَلَفُنَا، وَنَحْنُ بِالأَثَرِ". رَوَاهُ التِّرمذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسنٌ. وجاء في معتاه: ١ - حديث بريدة في مسلم (٩٧٥) المتقدم؛ من أنَّه ﷺ كان يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار: من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". ٢ - وحديث أبي هريرة في مسلم (٩٧٤): "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". ٣ - وحديث عائشة عند أحمد (٢٣٩٠٤) مثله، وزاد: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم". * مفردات الحديث: - سلفنا: هو من تقدم بالموت. - ونحن بالأثر: بفتحتين؛ أي: تابعون لكم، من ورائكم، لاحقون. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل الحديثان على استحباب زيارة القبور: الزيارة الشرعية، وهي التي يراد بها الدعاء للأموات، والاستغفار لهم، كما يراد منها الاعتبار والاتعاظ

стр. 1446

بمآلهم، وتغيير أحوالهم، فقد جاء في الحديث الصحيح: "كنت نهيتكُم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنَّها تذكر في الآخرة، وتزهد في الدنيا". ٢ - أما الزيارة البدعية فمنهيٌّ عنها، وهي التي يراد بها سؤال الميت، والطلب منه كشف الكربات، وقضاء الحاجات، فهذا شرك أكبر. أو يقصد بها التوسل في حق الميت، أو جاهه، أو دعاء الله عند قبره، اعتقادًا أنَّ الدعاء عند القبور مستجاب، فهذه بدعة شنيعة ومنكرة، والعياذ بالله. ٣ - يدل الحديثان على السلام على الموتى من المؤمنين والمسلمين، وسؤال الله تعالى لهم العافية من عذاب القبر، وعذاب النار. ٤ - استحباب هاذا الدعاء والقول لزائر القبور، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ دعا به لأهل البقيع، وعلَّمه عائشة أن تقوله. ٥ - إذا ذكر الإسلام والإيمان في مقام واحد، فالأصل تغاير المعنى، فالإسلام غير الإيمان، والعكس، ولا شكَّ أنَّ المقبرة قد جمعت مسلمين ومؤمنين، والدعاء لهما جميعًا، وهذا وجه ذكر الطائفتين بوصفيهما. ٦ - قال الشيخ صديق بن حسن في "السراج الوهاج": وحاصل المسألة أنَّ الزيارة للقبور سنة ثابتة قائمة، تذكر الزائر الموت والآخرة، وهذا معظم مقصودها وغاية فعلها. ومن زار قبرًا -أيَّ قبر كان- وفعل عنده ما لم يرد به، من كتابٍ، وسنةٍ صحيحةٍ- فقد خالف السنة المطهرة، وعكس القضية. وقد حدثت -منذ عصور طويلة عريضة في هاذه الأمة في زيارتها- بدع وشرك، لا يدل عليها دليل ضعيف فضلاً عن صحيح، فأفْضَتْ بأصحابها إلى الوقوع في هُوة الكفر، وصَنعُوا بالقبور من الزخرفة، والاستغاثة بأهلها ما جلب عليهم اللعنة من الله ، ورسوله.

стр. 1447

٧ - وأما قوله: "وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون"-: فأصح ما قيلِ في هاذا الاستثناء أنَّ المراد به اللحاق بهم على الإسلام والإيمان، اللَّذين ماتوا عليهما، وألا يفتنا ويضلنا بعدهم، وإن كان السلام على أهل البقيع، فيدخل فيه اللحاق بهم في البقعة، فإنَّ النَّبي ﷺ دعا لأهل البقيع، فقال: "اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" والدعوة شاملة للأولين والآخرين. والغرض من قوله: "وإنا بكم لاحقون" هو تذكير الإنسان نفسه بأنَّه لاحق بهم، وهذا من أغراض زيارة القبور. ٨ - قال شيخ الإسلام: استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأنَّ ذلك يعرض عليه ويُسرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، ويعرف الميت زائرَه قبل طلوع الشمس. وفي "الغنية" للشيخ عبد القادر: يعرفه كل الوقت، ويوم الجمعة آكد. قال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أنَّ الزائر إذا جاء، علم به المزور، وسمع كلامه، وأنِسَ به وردَّ عليه، وذلك عامٌّ في الشهداء وغيرهم، ولا توقيت في ذلك. ٩ - الدعاء هنا مناسب للزائر وللموتى، أما الزائر فهو يسأل الله لنفسه العافية من أمراض الأبدان وأمراض القلوب، التي هي أشد ضررًا من أمراض الأبدان، وأما الموتى فهو يدعو لهم بالسلامة والعافية من العذاب، ويسأل الله تعالى لهم الرحمة والمغفرة. ١٠ - قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" يدل على أنَّه يستحب للإنسان أن يوطن نفسه على هذا المستقبل، وأنَّه لاحقٌ بهؤلاء الأموات حتى يستعد، فإنَّ في الموت موعظة وذكرى. * فوائد: الأولى: أجمع العلماء على استحباب تعزية المسلم المصاب بالميت، ولو

стр. 1448

صغيرًا قبل الدفن وبعده، وحثه على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب؛ لما روى ابن ماجه (١٦٠١) من حديث عَمْرو بن حزم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلاَّ كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة". قال الشيخ: فيقال للمصاب: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك؛ ولاتعيين في ذلك، بل يدعو بما ينفع. قال الموفق: لا أعلم في التعزية شيئًا محددًا. الثانية: الاسترجاع عند المصيبة سنة، إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة]. قال ابن كثير: تسلوا بقولهم هاذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف فيهم بما يشاء، وعلموا أنَّه لايضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم اعترافهم بأنَّهم عبيده، وراجعون إليه في الدار الآخرة. الثالثة: حكى ابن عقيل وغيره الإجماع على تحريم الرضا بفعل المعصية، منه أو من غيره؛ لوجوب إزالتها حسب الإمكان، فالراضي بها أولى. الرابعة: قال ابن عقيل: يحرم النحيب وتعداد محاسن ومزايا الميت، وإظهار الجزع؛ لأنَّ ذلك يشبه التظلم من ظالم، والله تعالى هو صاحب العدل، له أن يتصرف بخلقه بما شاء، فهم ملكه، وتصرفه فيهم بما يقتضيه حكمته. ***

стр. 1449

٤٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). وَرَوَى التِّرمذيُّ عَنِ المُغِيرَة نَحْوَهُ، لكِنْ قَالَ: "فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ" (٢). ــ * درجة الحديث: زيادة الترمذي حسنة. حديث ابن عباس ﵄ بزيادته: "فتؤذوا الأحياء" لها عدة طرق عند الطبراني في "الكبير" (٨/ ٢٥)، وإن كان فيها ضعف، إلاَّ أنَّه يقوي بعضها بعضًا، ورواها الإمام أحمد في "المسند" (١٧٧٤٤)، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، وحسَّنه السيوطي في "الجامع الصغير". * مفردات الحديث: - لا تَسُبُوُّا: السبّ هو: الشَّتم والقطع والطعن، من باب ردَّ يرُد، وبهذا يشمل السب كل كلام، أو حال يراد منه أذية المشتوم والطعن فيه: من سبٍّ، أو لعنٍ، أو انتقاصٍ ونحوه، والله أعلم. - أفْضَوا: أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، يقال: أفضيت إلى الشيء: وصلت إليه، "كما في المصباح المنير". - ما قدِّموا: من التقديم، أي: لأنفسهم من الأعمال، والمراد: جزاؤها.

стр. 1450

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث يدل على منع وتحريم سب الأموات مطلقًا؛ سواء كان الميت مسلمًا أو كافرًا، أو كان مسلمًا فاسقًا أو صالحًا. ٢ - لكن هذا العموم مخصوص على أصح ما قيل: بأنَّ أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساوئهم؛ للتحذير منهم، والتنفير عنهم، وعن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم، والضابط في جواز ذكرهم بالسوء إذا كان لمصلحة شرعية للمسلمين. ٣ - علَّل ﷺ النهي عن سبهم؛ بأنَّهم أفضوا ووصلوا إلى جزاء ما قدموا وعملوا من خير أو شر، والله هو المجازي، فلا فائدة في سبهم، فيحرم إلاَّ لمصلحة شرعية؛ أو ما خصَّه الدليل من عموم هذا النهي. ٤ - العلة الثانية في هذا النهي؛ لئلا يتأذى الأحياء بسبهم، من أولادهم وأقاربهم ومن يلوذ بهم؛ إذ العلة الأولى في النهي عن سبهم أنَّهم أفضوا إلى ما قدموا، وهذا يدل على العموم إلاَّ لمصلحة شرعية، فإن كان في سبهم أذية للأحياء، فيكون محرمًا من جهتين، وإلاَّ كان محرمًا من جهة واحدة. ٥ - وقوله ﷺ : "فتؤذوا الأحياء" لا يدل على جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء، كمن لا قرابة له، أو كانوا ولكن لا يبلغهم ذلك؛ لأنَّ النَّهي عام إلاَّ لمصلحة شرعية. ٦ - أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءً وأمواتًا، لابتناء أحكام الشرع على بيان حالهم. ٧ - قال الشوكاني ﵀: المتحري لدينه: في اشتغاله بعيوب نفسه، ما يشغله عن نشر مثالب الأموات، وسب مَنْ لا يدري كيف حاله عند بارىء البريات. ولا ريب أنَّ تمزيق عِرض من قدم وجَثَا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر

стр. 1451

أعلم -مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه- أحموقة لا تقع لمتيقظ، ولا يصاب بمثلها متدين، ونسأل الله السلامة بالحسنات، وأن يغفر لنا تفلتات اللسان والقلم، وأن يجنبنا سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة من أعظم المهالك. ٨ - ينبه هنا إلى أمر عظيم، وخطير جدًّا، وهو ما يقع من بعض الجاهلين الذين يقعون في أئمة ديننا، ويطعنون فيما سلف من أئمة الإسلام، ويتكلمون في عقيدتهم ويضللونهم ويبدعونهم، ونصبوا أنفسهم حكَّامًا على أولئك الجبال العظام من أئمة الإسلام الذين قيل فيهم: تجاوزوا القنطرة. ومن أنت أيها الجاهل المفضَّل بالنسبة إليهم، فارفق بنفسك، واعرف حرمة أئمة، وعلماء الإسلام، ورحم الله امرءًا عرف قدره فوقف عنده. ***

стр. 1452

كتاب الزكاة مقدمة الزكاة لغة: النَّماء والزيادة، وسمِّي المُخْرَج زكاة؛ لأنَّه يزيد المخرَج، منه وينمِّيه. قال ابن قتيبة: سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّها تثمر المال، وتنمِّيه. قال الشيخ تقي الدين: لفظ الزكاة في اللغة يدل على النمو، فيقال: زكى إذا نما، فسمِّيت: زكاة؛ للمعنى اللغوي، وسمِّيت: صدقة؛ لأنَّها دليل لصحة إيمان مؤدِّيها، وتصديقه. وشرعًا: حق واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص. وتجب الزكاة في خمسة أشياء من المال، هي: ١ - سائمة بهيمة الأنعام. ٢ - الخارج من الأرض. ٣ - العسل. ٤ - الأثمان. ٥ - عروض التجارة. وفرضت في السنة الثانية من الهجرة.

стр. 1453

وشُرعت طهرةً للمال، وطُهرةً للنفس، وعبوديةً للرب، وإحسانًا إلى الخلق. والزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، كما تظاهرت بذلك دلائل الكتاب والسنة، وقرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه في اثنين وثمانين موضعًا. وأجمع المسلمون على أنَّها ركن من أركان الإسلام، ومستند الإجماع نصوص الكتاب والسنة، ومن جحد وجوبها كفر، ومن منعها فسق، وقد قاتل الصحابة مانعي الزكاة، واستحلوا دماءهم وأموالهم؛ لأنَّهم منعوا شعيرة كبيرة من شعائر الإسلام. وهي من محاسن الإسلام، الذي جاء بالمساواة، والتراحم، والتعاطف، والتعاون، وقطع دابر كل شر، يهدد الفضيلة والأمن والرخاء، وغير ذلك من مقوِّمات الحياة السعيده في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، فقد جعلها الله طُهرةً لصاحبها من رذيلة البخل، وتنميةً حسيةً ومعنويةً، ومساواةً بين خلقه، وإعانةً من الأغنياء لإخوانهم المستحقين لها، وجمعًا للكلمة، حينما يجود الأغنياء على أهلها بنصيب من أموالهم. وبمثل هذه الفريضة الكريمة الرشيدة، يُعلم أنَّ الإسلام دين التكافل الاجتماعي، يكفل للفقير العاجز عن العيش ما يعينه على حياته، وأنَّه دين الحرية الذي أعطى الغنيَّ حرية التملك مقابل كده وسعيه، وفرض عليه الزكاة مساواةً لإخوانه المعوزين، فهو الدين الوسط، فلا شيوعية مؤمِّمة حارمة، ولا رأسمالية ممسكةً محتكرةً شاحَّةً، وقد حذَّر الله ﵎ من منع الزكاة، وتوعد عليها بالعقوبة العاجلة والآجلة، وبالله التوفيق. ***

стр. 1454

٤٩٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَديثَ- وَفِيهِ: إِنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - بعث معاذًا إلى اليمن: أي: أرسله قاضيًا، أو واليًا عليها، قيل: في السنة العاشرة، ولم يزل هناك حتى قدم في خلافة أبي بكر، ﵄. - افْتَرَض: يعني: أوجب عليهم؛ فإنَّ الفرض يراد به: الواجب. - صدقة: مشتقة من: الصِّدق، فهي تدل على صدق إيمان المزكِّي؛ لأنَّ المال محبوب إلى النفوس، ولا يخرجه إلاَّ صدق الإيمان، فهو دليل على إيمان باذله. وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. والمراد بها: الزكاة. - تؤخذ: مبني للمجهول، والجملة محلها النصب، صفةً لـ"صدقة". - تُردّ: مبني للمجهول، معطوف على "تؤخذ". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - معاذ بن جبل الأنصاري من علماء الصحابة ﵁ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن سنة عشر، فقال له ﷺ : "إنَّك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم اليه، شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأني رسول الله، فإن هم

стр. 1455

أطاعوك لذلك، فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب" [متَّفق عليه]. ٢ - هذه الوصايا من تعاليم النبي ﷺ للدعاة الذين يبعثهم في أطراف الأرض؛ لينشروا دين الله تعالى، ويبثوا دعوته، ويعلِّموا الناس ما يَخْرجون به من ظلام الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان. ٣ - اختار ﷺ للدعوة العلماء الفضلاء، ثم زوَّدهم بالعلوم الجليلة، والنصائح الثمينة، وأمرهم أن يدعو الناس إلى الأهم من أمور الدين. ٤ - أول ما دعاهم إلى توحيد الله تعالى، والإيمان برسالة محمَّد ﷺ ؛ لأنَّ هذا أصل الدين وأساسه، الذي لا يقبل الله من عبد عبادة إلاَّ بعد تحقيقه. ٥ - ثم تأتي الصلوات الخمس المكتوبات، فهي أعظم فريضة بعد الشهادتين، ثم تأتي فريضة الزكاة، التي يأتي ذكرها مقرونة مع الصلاة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز، والسنة المطهَّرة. ٦ - ثم أخبره عن مصرف الزكاة، وأنَّها تُؤخذ من الأغنياء، فتعطى الفقراء، مواساةً وعدلاً بينهم في مال الله الذي آتاهم. ٧ - قوله: "صدقة في أموالهم" يدل على آمرين: الأول: أنَّ الزكاة تجب في المال، لا في الذمة، وهذا مأخذ وجوبها، في أموال غير المكلفين: من الصغار والمجانين. لكن العلماء مع وإذا قالوا: إنَّ لها تعلُّقًا بالذمة، فلو تلفت بعد وجوبها لم تسقط، ولو أخرجت من غير عين المال -ولكن من نوعه- أجزأت. الثاني: يدل الحديث على وجوب الزكاة في عموم الأموال، وهو مطلقٌ في كثيره وقليله، ومُجملٌ في قدر ما يُخرج منه، لكن جاءت النصوص الأخر،

стр. 1456

فخصَّصت عمومه، وقيَّدت مطلقه، وبيَّنت مجمَله. ٨ - ثم حذَّره من أن يستغل نفوذه وسلطته؛ فيظلم أصحاب الأموال، فقال: أحذِّرك أن تأخذ للزكاة كرائم الأموال وجيدها، فإنَّه لا يجب عليهم إلاَّ النَّوع الوسط، الذي لا ظلم فيه على الغني، ولا هضم في حق الفقير. ٩ - ثم بيَّن له أنَّ دعاء المظلوم مستجاب؛ لأنَّ الله تعالى ينتصر للمظلوم، وينتقم له من ظالمه. ١٠ - وقد زوَّده ﷺ بنصيحة غالية، وهي إخباره بانَّه يقدم على أناس علماء من أهل كتاب، فليتَّخذ العُدَّة بالعلم الواسع، حتى إذا ألقَوا عليه المسائل والشُّبه وجادلوه، قابلهم بعلمٍ صحيحٍ، وأدلةٍ مقنعةٍ، وحجةٍ ظاهرةٍ. أما الجاهل الذي لا يعرف دفع الشُّبَه ورد الباطل، فإنَّه يكون نقصًا على دينه، وحجةً عليه، لا له. ١١ - وبمثل هذا التوجيه الحكيم ينبغي للمسئولين أن يوجِّهوا الدعاة، ويزودوهم بالعلم النافع، والتوجيه الحسن؛ ليعطوا عن الإسلام صورة حسنةً، وسُمعة طيبة، والله ولي التوفيق. ١٢ - هذا الحديث لم يذكر فيه من أركان الإسلام الخمسة إلاَّ ثلاثة، مع أنَّها مفروضة وقت بعث معاذ. وأحسن جواب: هو أنَّ النَّبىَّ ﷺ أراد من معاذ أن يتدرج بهم في تعاليم الإسلام، ويأخذهم بها شيئًا فشيئًا، فالثلاثة المذكورة حان وقتها، وقت بعثه إليهم، والاثنان الباقيان لم يأتِ وقت أدائهما، فإنَّ النَّبىَّ ﷺ بعث معاذًا في ربيع الآخر من سنة عشر، كما جاء في "فتح الباري" عن ابن مسعود. ١٣ - مشروعية بعث السعاة لقبض الزكاة، وأنَّ الذمة تبرأ بدفعها للإمام، أو سُعاته. ١٤ - أنَّ الزكاة مواساة بين الأغنياء والفقراء، فهي تؤخذ من هؤلاء لهؤلاء

стр. 1457

على سبيل العدل. ١٥ - جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية من أهل الزكاة؛ لقوله ﷺ : "في فقرائهم" ١٦ - استدل بالحديث بعضُ العلماء على عدم جواز نقل الزكاة من البلد الذي فيه المال إلى بدلد آخر؛ قصرًا لقوله ﷺ "في فقرائهم" على فقراء البلد الذي بُعث إليه. والصحيح جواز نقلها للمصلحة، كأن يكون للمزكي أقارب في بلد غير بلده، أو تكون الحاجة في البلد الآخر أشد. وكان ﷺ يبعث السُّعاة لقبض الزكاة، فيأتون بها إلى المدينة، فتُفرَّق فيها، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. والمشهور من مذهبه: أنَّه لا يجوز نقلها، وسياتي للبحث تكملة إن شاء الله تعالى. ١٧ - أنَّ الداعية والواعظ يتدرَّج في دعوته من أهم الأمور إلى التي دونها، وكذلك جاء التشريع من الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ ، حتى تمت الدعو, وكَمُل الدين. ١٨ - فيه أنَّه لا يجب من الصلاة إلاَّ الصلوات الخمس، أما الوتر وغيره فلا يجب. * فوائد: الأولى: والزكاة لوجوبها شروطٌ، أهمها: ١ - الإسلام: فلا تؤخذ من كافرٍ، ولو خوطب بها، وعذِّب على تركها. ٢ - ملك النصاب: ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ٣ - مضي الحول: وحول الخارج من الأرض حصوله. الثانية: الدَّين يمنعُ وجوب الزكاة في الأموال الباطنة، وهي التي لا تُرى، وإنما هي مخفية في الصناديق والأحراز.

стр. 1458

وهذا القول رواية واحدة في مذهب الإمام أحمد، فيسقط من المال بقدر الدين، فكأنه غير مالكٍ له، ثم يزكي ما بقي إن بلغ نصابًا. وأما الأموال الظاهرة: وهي السائمة والخارج من الأرض-: فهي ظاهرة ترى أمام العيون، فالصحيح أنَّ الدين لايمنع وجوب الزكاة فيها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ بعث السعاة إلى أصحابها، ولم يستفصل. الثالثة: المشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّ من له دين زكَّاه إذا قبضه مطلقًا؛ سواء كان عند مليء باذل، أو عند معسر، أو مماطل، ومثله المغصوب، والمسروق، والضال. والرواية الأخرى: أنَّ الدَّين لا تجب فيه الزكاة، إلاَّ إذا كان عند مليء باذل، وأما الدين على المعسر، أو المماطل، أو المغصوب، أو المسروق، أو الضال، ونحوها -فلا زكاة فيه، فإذا قبضه ابتدأ به عامًا جديدًا، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. قال الشيخ: هو أقرب الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد، وقدَّمه في "الفروع"، واختاره شيخنا عبد الرحمن السعدي وكثير من المحققين؛ لأنَّ المال الذي لا يقدر عليه لا زكاة فيه، فالزكاة مواساة، فلا يكلف بها المسلم فيما ليس عنده. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن زكاة الديون: (قرار رقم: ١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي

стр. 1459

في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من (١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ) (٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م). بعد أن نظر في الدراسات المعروضة حول "زكاة الديون"، وبعد المناقشة المستفيضة التي تناولت الموضوع من جوانبه المختلفة، تبيَّن: ١ - أنَّه لم يرد نص من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ يُفصل زكاة الديون. ٢ - أنَّه قد تعدد ما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، من وجهات نظر في طريقة إخراج زكاة الديون. ٣ - أنَّه قد اختلفت المذاهب الإسلامية، بناءً على ذلك اختلافًا بيِّنًا. ٤ - أنَّ الخلاف قد انبنى على الاختلاف في قاعدة: "هل يعطى المال الممكن من الحصول عليه صفة الحاصل؟ " وبناءً على ذلك قرَّر: ١ - أنَّه تجب زكاة الدين على رب الدين عن كل سنة، إذا كان المدين مليئًا باذلاً. ٢ - أنه تجب الزكاة على رب الدين بعد دوران الحول من يوم القبض، إذا كان المدين معسرًا أو مماطلاً. اهـ. والله أعلم. الرابعة: لا تجب الزكاة في الوقف الذي على غير معين، وإنما هو على الجهات العامة؛ كالمساجد والربط والمساكين، وإنما تجب في الوقف على معيَّنين؛ كأولاده إذا بلغت حصة كل واحد منهم نصابًا. الخامسة: * اختلاف العلماء متى فرضت الزكاة؟ أرجح الأقوال أنَّها فرضت تدريجيًّا، على ثلاث مراحل: ١ - الوجوب على الإطلاق بلا تحديد ولا تفصيل، وإنما أمرٌ بالإعطاء، والإطعام والإحسان، وهذا قبل الهجرة، قال تعالى في السورة المكية

стр. 1460

الأولى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات]، وقال في سورة فصلت: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]، وقال في المدثر: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر]. ٢ - في السنة الثانية من الهجرة بُيِّنت أحكام الزكاة التفصيلية على أنواع الأموال المزكاة، وقدر النصاب، وقدر المخرَج منه. ٣ - في السنة التاسعة من الهجرة لما دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتوسعت دائرة الإسلام، بعث النبي ﷺ السُّعاة والجباة إلى الأطراف لجبايتها. السادسة: قرار المجمع الفقهي في الرابطة في زكاة أجور العقار، وهذا نصه: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبيِّنا محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرَّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ ٢٦ فبراير ١٩٨٩م، قد نظر في موضوع زكاة أجور العقار، وبعد المناقشة وتداول الرأي، قرَّر بالأكثرية ما يلي: أولًا: العقار المُعَدُّ للسكنى هو من أموال القُنْية، فلا تجب فيه الزكاة إطلاقًا، لا في رقبته، ولا في قدر أجرته. ثانيًا: العقار المُعَدُّ للتجارة هو من عروض التجارة، فتجب الزكاة في رقبته، وتقدر قيمته عند مضي الحول عليه. ثالثًا: العقار المُعَدُّ للإيجار تجب الزكاة في أجرته فقط دون رقبته. رابعًا: قدر زكاة رقبة العقار إن كان للتجارة، وقدر زكاة غلته إن كان للإجارة هو

стр. 1461

ربع العشر، إلحاقًا له بالنقدين. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. السابعة: قرار المجمع الفقهي بشأن زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية: (قرار رقم:٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد: فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني، من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ ٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م. بعد أن استمع المجلس لما أعدَّ من دراسات في موضوع: "زكاة العقارات والأراضي الماجورة غير الزراعية". وبعد أن ناقش الموضوع مناقشة وافية ومعمقة، تبيَّن: أولًا: أنَّه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات، والأراضي المأجورة. ثانيًا: أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات، والأراضي المأجورة غير الزراعية. ولذلك قرر: أولًا: أنَّ الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة. ثانيًا: أنَّ الزكاة تجب في الغلة، وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض، مع اعتبار توافر شروط الزكاة، وانتفاء الموانع. والله أعلم.

стр. 1462

الثامنة: قرار المجمع الفقهي بشأن توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع، بلا تمليك فردي للمستحق. (قرار رقم: ١٥): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. أما بعد: إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دروة مؤتمره الثالث بعَمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ/ ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع: "توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي المستحق"، وبعد استماعه لآراء الأعضاء والخبراء فيه. قرَّر: يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية، تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن تكون بعد تلبية الحاجة الماسَّة الفورية للمستحقين، وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر. والله أعلم. ***

стр. 1463

٤٩٣ - وَعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ: "هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ علَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بهَا رَسُولَهُ: فِي كُلِّ أرْبعٍ وَعِشْرِيْنَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ إلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَثلاَثِيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَأرْبَعِيْنَ إلَى سِتِّينَ فَفِيْهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإذَا بلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ فَفِيْهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِيْنَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بلغَتْ إِحْدَى وَتسْعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ فَفِيْهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَت عَلَى عِشْرِيْن وَمائَةٍ فَفِي كُلِّ أرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَم يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أرْبعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أرْبَعِيْنَ إلَى عِشْرِيْنَ وَمائَةٍ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ، فَفِيْهَا شَاتَانَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيْهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أرْبَعِيْنَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقةٌ، إِلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلاَ يُجْمَعُ بيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بمنَ مُجْتَمعٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كانَ مِنْ خَلِيْطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا

стр. 1464

يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ، إلاَّ أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ، وفِي الرِّقَةِ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ رُبع العُشْرِ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِيْنَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بلغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ -فَإِنَّهَا تُقْبلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ -فَإِنَّهَا تُقْبلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا اوْ شَاتَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - فريضة بوزن فضيلة، بمعنى: مفروضة، والفريضة: ما أوجبه الله وفرضه عى عباده من أحكام، والمراد هنا: فريضة الزكاة. - بنت مخاض: بفتحتين آخره ضاد معجمة، والمخاض -بفتح الميم وكسرها-: وجع الولادة، فالمخاض هي الحامل التي دنت ولادتها، وبنت المخاض من النوق هي التي أتمَّت السنة الأولى ودخلت في الثانية، سميت بذلك، لأنَّ أمها غالبًا قد حملت. - فرضها: فَرَضَ أي: بَيَّنَ وفصَّل. - في كل أربع ... إلخ الحديث: استئناف بيان لقوله: "هذه فريضة الصدقة"، فكأنه أشار بهذه إلى ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له.

стр. 1465

- ابن لبون -بفتح اللام وضم الباء الموحدة-: وهو ما أتم سنتين، سمي بذلك؛ لأنَّ أمه غالبًا ذات لبن بعد وضع حملها. - حقة -بكسر الحاء المهملة وتشديد القاف-: وهي ما استكملت السنة الثالثة، ودخلت في الرابعة، سميت بذلك؛ لاستحقاقها أن يحمل عليها ويركبها الفحل، والحقة تُجمع على: حقاق وحقائق وحِقق. - طرُوقَة الجمل: بفتح الطاء بوزن فعولة، بمعنى مفعولة؛ أي: مطروقة الجمل، وأصل الطرق: أن يأتي الرجل أهله ليلاً، والمراد من شأن التي في هذه السن أن تقبل طرق الفحل، وإن لم يحصل ذلك. - جذعة: بفتح الجيم والذال، من: أجذع وجذع، والجمع: جذعات وجذاع، والأنثى جذعة، والجمع: جذعات، وهي التي أتمت السنة الرابعة ودخلت في الخامسة، سمِّيت بذلك؛ لإسقاطها سنها فتجذع عنده. وقال بعض علماء اللغة: الإجذاع ليس بسن ثبت ولا يسقط، وإنَّما هو اسم للزمن، فالمعز تجذع لسنة، والضأن لستة أشهر. - وفي صدقة الغنم .. شاة: "شاة" مبتدأ، و"في صدقة الغنم" خبره. - الغنم: بفتحتين، قال ابن جني في "المخصص": جمعٌ لا واحد له من لفظه، وجمع الغنم: أغنام وغنوم؛ وقال في "الصحاح": موضوع للجنس، يقع على الذكر والأنثى، وعليهما جميعًا. - سائمة الرجل: من سامت تسوم؛ أي: ترعى، فالسائمة هي التي ترعى في المباح، والسوم هو إرسال الماشية في الأرض ترعى فيها، وجمع السائمة: سوائم. - مجتمع: بضم الميم الأولى وكسر الثانية. - متفرِّق: بتقديم التاء على الفاء وتشديد الراء، وفي رواية: بتقديم الفاء من: الافتراق.

стр. 1466

- خشية الصدقة: إعرابه أنَّه مفعول لأجله، وقد تنازع فيه قوله: "ولا يجمع ولا يفرق" فإذا نسب إلى الساعي، قيل: خشية أن يقل، وإذا نسب إلى المالك قيل: خشية أن يكثر. - إلاَّ أن يشاء ربها -أو- إلاَّ أن يشاء المصدق: أي: إلاَّ أن يتبرع ويتطوع بها صاحبها، وهذا مبالغة في نفي الوجوب. - خشية الصدقة: الخشية: الخوف، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذا خصَّ بها العلماء في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] , وهنا المتصدق يعلم ما سيترتب على تفريق السائمة وجمعها. - خليطين: الخليطان هم الشريكان في السائمة خاصة، والخلطة -بضم الخاء- هي اجتماع الماشية السائمة حولاً كاملًا في المراح (مكان المبيت)، والمسرح، ومكان الحلب، والفحل، والمرعى، وهي إما شركة أوصاف: بأن يتميَّز شريك عن شريكه بصفة أو صفات، أو شركة أعيان، بأن يملكا نصابًا من الماشية مشاعًا. - يتراجعان بالسوية: بتشديد الياء؛ أي: بالمساواة، ومعنى التراجع: أن المصدق إذا أخذ صدقة الخليطين من مال أحدهما، فإنَّه يرجع على صاحبه، فيأخذ منه القدر الذي كان قد وجب عليه. - هرِمَة: -بفتح الهاء وكسر الراء- وهي المسنة التي سقطت أسنانها من الكبر. - ذات عور: بفتح العين المهملة وضمها، وهي عوراء العين، والمريضة البين مرضها، وقيل: بالفتح العيب، وبالضم: عوراء العين. - تَيْس: هو الذكر من الماعز؛ لنتنه وفساد لحمه، هذا إذا كان رديئًا، أما إذا كان طيبًا فهو فحل لا يجوز أخذه إلاَّ إذا شاء باذل الصدقة. - الرقة: -بكسر المهملة المخففة وفتح القاف المخففة آخرها تاء مربوطة- هي الفضة الخالصة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، كما في "عدة"،

стр. 1467

وأصلها: الوَرِق، ويجمع على: رقين؛ مثل: بتة وبتين، وعزة وعزين. - المصدِّق: أصله المتصدق، قلبت التاء صادًا فأدغمت، وقد جاءت هاذه اللفظة في الحديث مرتين: الأولى: "إلاَّ أن يشاء المصدق". والثانية: "ويعطيه المصدق" إلخ. فالمراد به في الأولى: "المعطي"، والمراد به في الثانية "عامل الزكاة"، فإن أريد بلفظ المصدق المعنى الأول لُفظت بكسر الصاد، وإن أريد المعنى الثاني فبفتحها. - درهمًا: قطعة من فضة مضروبة للمعاملة، جمعها: "دراهم"، والدرهم الإسلامي وزنه (٢.٩٧٥ غرامًا). ***

стр. 1468

٤٩٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِيْنَ بَقَرَةٍ تبيعًا أوْ تَبيعَةً، وَمنْ كُلِّ أرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمنْ كُلِّ حَالِمٍ دِيْنَارًا، أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأَشَار إِلَى اخْتِلاَفٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي (١٥٦٩)، وابن أبي شيبة (٩٩٢٠)، وابن الجارود (١١٠٤)، والحاكم، والبيهقي من طريق أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقد أعله بعض المحدثين بأنَّه جاء من طريق مسروق به، وأنَّ مسروقًا لم يسمع من معاذ، فيكو غير متصل، ولكن قال ابن عبد البر: هاذا حديث ثابت متصل، كما أثبت لقاء مسروق لمعاذ، وقال ابن القطان: حكمه الاتصال عند الجمهور. * مفردات الحديث: - بقرة: البقر اسم جنس، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء على أنَّه واحد من جنس، والجمع: بقرات. وقال علماء الأحياء: البقر جنس من فصيلة البقريات، يشمل الثور والجاموس، ويطلق على الذكر والأنثى، ومنه المستأنس، ومنه الوحشي.

стр. 1469

- تبيعًا -بفتح التاء وكسر الباء الموحدة بعده ياء ثم عين مهملة-: هو الذي أتمَّ الحول الأول ودخل في الثاني، والأنثى "تبيعة"، سمي تبيعًا؛ لأنَّه لا يزال يتبع أمه. - مُسِنَّة -بضم الميم وكسر السين المهملة ثم نون مشددة-: وهي التي أتمَّت السنة الثانية، ودخلت في الثالثة. - حالم: اسم فاعل أي: محتلم، وهو الذي قد بلغ سن الاحتلام، والاحتلام هو إنزال المني، ولو لم ينزله. - عدله: بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة؛ أي: قيمته ومقداره من غير النقد. - معافريًا: بفتح الميم والعين وكسر الفاء والراء، نسبة إلى: "معافِر" بوزن "مساجد"، وهو حي من همدان في اليمن، تُنسب إليهم الثياب المعافرية ... وهي بُرد معروفة عندهم. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - حديث (٤٩٣): كتبه النبي ﷺ ، ولكنه لم يُخرجه إلى العمال حتى توفي، فلما ولي أبو بكر الخلافة، أخرجه مختومًا بختم النبي ﷺ "محمَّد رسول الله"، ولما وجه أبو بكر أنس بن مالك عاملاً على صدقات البحرين، أعطاه هذا الكتاب الذي بيَّن فيه رسول الله ﷺ فروض الصدقة، التي فرضت على المسلمين. قال الإمام أحمد: "ولا أعلم في الصدقة أحسن منه". وقال ابن حزم: "وإذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء من الصحابة، ولم يُعلم أنَّه خالفه أحد". وقد رواه الإمام البخاري في "صحيحه"، وفرَّقه في عشرة مواضع من "أبواب زكاة الماشية" بسند واحد، وهو أصل عظيم يعتمد عليه.

стр. 1470

وقال ابن عبد البر: "إنَّه أشبه بالمتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول". قوله: "فرض رسول الله" معناه: أوجب وقدَّر، فهاذا فرضها في السُّنَّة مع فرضها في القرآن، وهذا تقدير أنصبتها. ٢ - في الحديثين وجوب الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم. ٣ - فيهما بيان فروض زكاة السائمة، وأنَّ الإبل ابتداءُ نصابها من خمس، وأما الغنم فابتداء نصابها من أربعين، وهذا -والله أعلم- راجع إلى العدل والمواساة في الزكاة؛ ذلك أنَّ الإبل لما كانت غالية، صار نصابها قليلاً، وأما الغنم فإنَّها رخيصة، فصار نصابها كثيرًا، وهذا فيه مراعاة حق الغني، وحق الفقير. ٤ - وفيهما أنَّه لابد في وجوب زكاة بهيمة الأنعام من السوم، وهو الرعي في المباح الحول أو أكثره، وأن تتخذ للدر والنسل، فإن لم ترع المباح، أو رعته ولكنها معدة للعمل، فلا زكاة فيها. ٥ - أنصبة الإبل والبقر والغنم مبينة في نص الحديثين، كما بيَّن ما فيها من وقص، وهو ما بين الفريضتين. ٦ - أول نصاب الإبل خمس، واستقرار النصاب فيها إذا زادت على عشرين ومائة، فحينئذ تكونا في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة. ٧ - أول نصاب الغنم أربعون، وقد أجمع العلماء على هذا، واستقرت فريضتها إذا زادت على ثلاثمائة؛ فحينئذ يكيون في كل مائة شاة شاة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. ٨ - الأصل في زكاة البقر السنة والإجماع، وأما نصابها: فقال شيخ الإسلام: قد ثبت عن معاذ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما بعثه إلى اليمن، أمره أن يأخذ صدقة البقر من ثلاثين تبيعًا، ومن أربعين مسنة. وحكى أبو عبيد والموفق وغيرهما: الإجماع عليه.

стр. 1471

٩ - قال شيخ الإسلام: إنَّما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، والكتاب الذي عند آل عمر؛ لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذًا إلى اليمن، ذكر له حكم البقر؛ لوجودها عندهم، مع أنَّ وجوب الزكاة في البقر مُجمع عليه، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنَّه النصاب المجمع عليه. ١٠ - قال في "الروض وحاشيته": وإن كان النصاب نوعين ضأنًا ومعزًا، أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين، بلا خلاف بين العلماء. قال الشيخ تقي الدين: لا نعلم خلافًا في ضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. ١١ - قوله: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلاَّ تسعين ومائة فليس فيها صدقة". قال ابن عبد البر: فيه إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه. وقال شيخ الإسلام: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها فيما فوقها، وعليه أكثر العلماء، وذكره مذهب الأئمة الثلاثة. ١٢ - قال في "الروض وغيره": والاعتبار بالدرهم الإسلامي، واختاره الشيخ وغيره؛ أنَّه لا حد للدرهم والدينار، فنصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمن من خالص ومشوب، وصغير وكبير، ولا قاعدة في ذلك. قال في "الفروع": ومعناه: أنَّ الشارع والخلفاء الراشدين رتبوا على الدراهم أحكامًا، فمحال أن ينصرف كلامهم إلى غير موجود ببلادهم أو زمنهم؛ لأنَّهم لا يعرفونها. ١٣ - قال الشيخ وغيره: دلَّ الكتاب والسنة على وجوب الزكاة في الذهب، وحكى الإجماع غير واحد. ١٤ - قال في "الروض وحاشيته": تجب الزكاة في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا

стр. 1472

باتفاق الأئمة الأربعة؛ لما روى ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر مرفوعًا: "أنَّه كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال". قال النووي: المعول فيه على الإجماع، وليس في الأحاديث الصحيحة تحديد، ولكن جميع من يعتد به في الإجماع على ذلك. قال الشيخ: ما دون العشرين، فلا زكاة فيه بالإجماع. ١٥ - قوله: "فإن لم تكن إلاَّ تسعين ومائة" هذا الكلام يوهم إذا زادت على ذلك شيئًا قبل أن يتم مئتين كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لا تجب إلاَّ بتمام مئتي درهم، وإنما ذكر التسعين؛ لأنَّه آخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز المائة بالفصول كالعشرات والمئات والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين. ١٦ - قوله: "ولا يخرج في الصدقة هرِمَة ... " دليل على أنَّه ينبغي للإمام أن يزود الجباة والسعاة بمعلومات شرعية، أو يرسل معهم بعض طلبة العلم؛ ليفقهوهم في أحكام الزكاة، لتكون أعمالهم على بصيرة. ١٧ - الجبران في زكاة الإبل بأن يدفع صاحب المال عشرين درهمًا إذا وجب عليه جذعة، وليست عنده فدفع عنها حقَّة، أو يدفع جذعة والواجب عليه حقة، ويأخذ من الساعي عشرين درهمًا -يدل على جواز دفع القيمة في الزكاة عند الحاجة إلى ذلك، وهو أعدل الأقول الثلاثة، واختاره تقي الدين. ١٨ - قوله: "ولا يُجْمع بين متفرق، ولا يُفرَّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" فيه دليل على تحريم الحيل التي منها إسقاط واجب، أو فيها فعل محرم، قال ﷺ : "قاتل الله اليهود؛ إنَّ الله لما حرَّم عليهم شحومها جمَّلوه, ثم باعوه, فأكوا ثمنه" قال الإمام أحمد: لا يجوز شيء من الحيل لإبطال حق مسلم. وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله لم يشك في

стр. 1473

تحريم الحيل وإبطالها، ومنافاتها للدين، وهذا الحديث نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة، أو تنقيصها بسبب الجمع والتفويق، كما هي معلومة صوره. قوله: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" في هذا أربع صور: الأولى: نهى المالك عن جمع النصابين المتباعدين؛ ليكونا نصابًا واحدًا، فتقل الزكاة المخرجة. الثانية: نهى المالك عن تفريق النصاب الواحد بين مسافات متباعدة؛ لتسقط الزكاة. الثالثة: نهى عامل الزكاة عن تفريق مال المزكي لتعدد الأنصبة. الرابعة: نهى العامل أيضًا عن جمع العدد الناقص عن النصاب من مسافات متباعدة ليكون منها نصاب، كما قصدت بعض هذه الحيل على المالين المخلوطين في الجمع والتفريق. ١٩ - فيه أنَّه ليس فيما بين الفريضتين شيء؛ لأنَّ ما بينهما يسمى "وقْصًا"، وهو معفو عنه، ولا يكون الوقص إلاَّ في بهيمة الأنعام، أما ما عداها من الأثمان والعروض والخارج من الأرض -فما زاد فهو بحسابه من الزكاة. ٢٠ - فيه أنَّه لا يجوز أن يخرج القيمة؛ سواء كان لحاجة أو مصلحة أو لا، وفيه خلاف قال شيخ الإسلام: في إخراج القيمة ثلاثة أقوال: الأول: الإجزاء بكل حال، وهو مذهب أبي حنيفة. الثاني: عدم الإجزاء مطلقًا عند الحاجة وعدمها، وهو مذهب مالك والشافعي. الثالث: الإجزاء عند الحاجة، وهذا المنصوص عن أحمد صريحًا. وهو أعدل الأقوال. وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: ولا يجوز إخراج القيمة في

стр. 1474

سائمة، أو غيرها عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. لما رواه أبو داود: "خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم". ٢١ - فيه أنَّ الساعي يأخذ الزكاة من الوسط، فلا يأخذ من أطيب المال؛ فيظلم المزكي، ولا يأخذ الرديء فيظلم المستحقين، إلاَّ أن يشاء صاحب المال أن يدفع من الجيد، فذاك إليه. ٢٢ - فيه أنه لا يجوز أن يخرج مسنة، ولا هرمة، ولا معيبة، إلاَّ أن يكون النصاب كله هكذا؛ لأنَّ وإذا لا يجزىء في الزكاة، وفيه ظلم لمستحقيها. ٢٣ - فيه أنَّه لا يخرج تيسًا، ولا طروقة الفحل، ولا الحامل، ولا الأكولة، إلاَّ أن يشاء صاحب المال. ٢٤ - لا يجزىء إخراج ذكر في الزكاة إلاَّ في ثلاث مسائل: الأولى: في زكاة البقر، فإنَّه يجزىء التبيع عن التبيعة؛ لورود النص فيه، ويجزىء المسن عنه؛ لأنَّه خير منه. الثانية: ابن اللبون والحِق والجذع وما فوقه، فإنَّه يجزىء عن بنت مخاض عند عدمها. الثالثة: أن يكون النصاب من الإبل أو البقر أو الغنم كله ذكورًا، فإنَّه يجزىء؛ لأنَّ الزكاة مبنية على المواساة، فلا يُكَلِّفُهَا المخرج من غير ماله. ٢٥ - فيه إثبات الخلطة في المواشي دون غيرها من الأموال، وأنَّ لها تأثيرًا في الزكاة إيجابًا، وإسقاطًا، وتغليظًا، وتخفيفًا؛ لأنَّها تجعل الأموال كالمال الواحد. ٢٦ - إذا اختلط شخصان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً كاملًا -فحكمهما في الزكاة حكم الشخص الواحد؛ سواء كانت خلطة أعيان: بأن يملكا نصابًا مشاعًا بإرث أو شراء أو غيرهما، أو خلطة

стр. 1475

أوصاف: بأن يكون كل منهما له عين ماله، ولكنه متميز بصفة أو بصفات عن مال خليطه. ٢٧ - ويشترط في تأثير خلطة الأوصاف اشتراكهما في مراح (وهو المبيت) ومسرح (وهو مكان اجتماعهما لذهاب إلى المرعى)، ومرعى في زمانه ومكانه، ومشرب (وهو مكان الشرب)، ومحلب (وهو موضع حلب)، وفحل وهو عدم اختصاصه في طرقه أحد المالين إن اتَّحد النوع؛ كالضأن والمعز، ولا يضر إن اختلف النوع لاختلاف النوعين، ولا تعتبر النية في الخلطة في كلا الخلطتين: الأوصاف والأعيان. ٢٨ - ويحرم الجمع بين المالين، أو التفريق بينهما؟ إذا قُصد بذلك الفرار من الزكاة؛ لقوله ﷺ : "وَلا يُجمع بين متفرق، ولا يُفرَّقُ بين مجتمع؟ خشية الصدقة". ٢٩ - والخلطة تصيِّر المالين فأكثر كالمال الواحد إن كانا نصابًا، وكان الخليطان من أهل وجوبها؛ سواء كانت خلطة أعيان أو أوصاف، وما وجب عليهما فإنَّه على قدر ماليهما، فلو كان لإنسان شاة واحدة ولآخر تسعة وثلاثون فعليهما شاة واحدة على حسب ملكهما، ويتراجعان بينهما بالسوية. ٣٠ - أما الرقة: وهي الفضة الخالصة فنصابها مئتا درهم، ويخرج منها ربع العشر إذا تمَّ حولها. ٣١ - أما الذمي: فلا تؤخذ منه الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تصح منه قبل إسلامه، ولكن تؤخذ منه الجزية، فتؤخذ من الرجال البالغين دينار، أو مقداره من غير النقد، كالثياب. ٣٢ - قوله: "فإنَّها تقبل منه، ويجعل معها شاتين"، وقوله: "فإنَّه تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" -فيه دليل على جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه، وعلى أن
следующие страницы →