← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٩ - قال شيخ الإسلام: إنَّما لم يذكر زكاة البقر في كتاب أبي بكر، والكتاب الذي عند آل عمر؛ لقلة البقر في الحجاز، فلما بعث معاذًا إلى اليمن، ذكر له حكم البقر؛ لوجودها عندهم، مع أنَّ وجوب الزكاة في البقر مُجمع عليه، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنَّه النصاب المجمع عليه. ١٠ - قال في "الروض وحاشيته": وإن كان النصاب نوعين ضأنًا ومعزًا، أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين، بلا خلاف بين العلماء. قال الشيخ تقي الدين: لا نعلم خلافًا في ضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. ١١ - قوله: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلاَّ تسعين ومائة فليس فيها صدقة". قال ابن عبد البر: فيه إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه. وقال شيخ الإسلام: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها فيما فوقها، وعليه أكثر العلماء، وذكره مذهب الأئمة الثلاثة. ١٢ - قال في "الروض وغيره": والاعتبار بالدرهم الإسلامي، واختاره الشيخ وغيره؛ أنَّه لا حد للدرهم والدينار، فنصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمن من خالص ومشوب، وصغير وكبير، ولا قاعدة في ذلك. قال في "الفروع": ومعناه: أنَّ الشارع والخلفاء الراشدين رتبوا على الدراهم أحكامًا، فمحال أن ينصرف كلامهم إلى غير موجود ببلادهم أو زمنهم؛ لأنَّهم لا يعرفونها. ١٣ - قال الشيخ وغيره: دلَّ الكتاب والسنة على وجوب الزكاة في الذهب، وحكى الإجماع غير واحد. ١٤ - قال في "الروض وحاشيته": تجب الزكاة في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا

стр. 1472

باتفاق الأئمة الأربعة؛ لما روى ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر مرفوعًا: "أنَّه كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال". قال النووي: المعول فيه على الإجماع، وليس في الأحاديث الصحيحة تحديد، ولكن جميع من يعتد به في الإجماع على ذلك. قال الشيخ: ما دون العشرين، فلا زكاة فيه بالإجماع. ١٥ - قوله: "فإن لم تكن إلاَّ تسعين ومائة" هذا الكلام يوهم إذا زادت على ذلك شيئًا قبل أن يتم مئتين كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لا تجب إلاَّ بتمام مئتي درهم، وإنما ذكر التسعين؛ لأنَّه آخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز المائة بالفصول كالعشرات والمئات والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين. ١٦ - قوله: "ولا يخرج في الصدقة هرِمَة ... " دليل على أنَّه ينبغي للإمام أن يزود الجباة والسعاة بمعلومات شرعية، أو يرسل معهم بعض طلبة العلم؛ ليفقهوهم في أحكام الزكاة، لتكون أعمالهم على بصيرة. ١٧ - الجبران في زكاة الإبل بأن يدفع صاحب المال عشرين درهمًا إذا وجب عليه جذعة، وليست عنده فدفع عنها حقَّة، أو يدفع جذعة والواجب عليه حقة، ويأخذ من الساعي عشرين درهمًا -يدل على جواز دفع القيمة في الزكاة عند الحاجة إلى ذلك، وهو أعدل الأقول الثلاثة، واختاره تقي الدين. ١٨ - قوله: "ولا يُجْمع بين متفرق، ولا يُفرَّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" فيه دليل على تحريم الحيل التي منها إسقاط واجب، أو فيها فعل محرم، قال ﷺ : "قاتل الله اليهود؛ إنَّ الله لما حرَّم عليهم شحومها جمَّلوه, ثم باعوه, فأكوا ثمنه" قال الإمام أحمد: لا يجوز شيء من الحيل لإبطال حق مسلم. وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله لم يشك في

стр. 1473

تحريم الحيل وإبطالها، ومنافاتها للدين، وهذا الحديث نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة، أو تنقيصها بسبب الجمع والتفويق، كما هي معلومة صوره. قوله: "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة" في هذا أربع صور: الأولى: نهى المالك عن جمع النصابين المتباعدين؛ ليكونا نصابًا واحدًا، فتقل الزكاة المخرجة. الثانية: نهى المالك عن تفريق النصاب الواحد بين مسافات متباعدة؛ لتسقط الزكاة. الثالثة: نهى عامل الزكاة عن تفريق مال المزكي لتعدد الأنصبة. الرابعة: نهى العامل أيضًا عن جمع العدد الناقص عن النصاب من مسافات متباعدة ليكون منها نصاب، كما قصدت بعض هذه الحيل على المالين المخلوطين في الجمع والتفريق. ١٩ - فيه أنَّه ليس فيما بين الفريضتين شيء؛ لأنَّ ما بينهما يسمى "وقْصًا"، وهو معفو عنه، ولا يكون الوقص إلاَّ في بهيمة الأنعام، أما ما عداها من الأثمان والعروض والخارج من الأرض -فما زاد فهو بحسابه من الزكاة. ٢٠ - فيه أنَّه لا يجوز أن يخرج القيمة؛ سواء كان لحاجة أو مصلحة أو لا، وفيه خلاف قال شيخ الإسلام: في إخراج القيمة ثلاثة أقوال: الأول: الإجزاء بكل حال، وهو مذهب أبي حنيفة. الثاني: عدم الإجزاء مطلقًا عند الحاجة وعدمها، وهو مذهب مالك والشافعي. الثالث: الإجزاء عند الحاجة، وهذا المنصوص عن أحمد صريحًا. وهو أعدل الأقوال. وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: ولا يجوز إخراج القيمة في

стр. 1474

سائمة، أو غيرها عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. لما رواه أبو داود: "خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل، والبقر من البقر، والغنم من الغنم". ٢١ - فيه أنَّ الساعي يأخذ الزكاة من الوسط، فلا يأخذ من أطيب المال؛ فيظلم المزكي، ولا يأخذ الرديء فيظلم المستحقين، إلاَّ أن يشاء صاحب المال أن يدفع من الجيد، فذاك إليه. ٢٢ - فيه أنه لا يجوز أن يخرج مسنة، ولا هرمة، ولا معيبة، إلاَّ أن يكون النصاب كله هكذا؛ لأنَّ وإذا لا يجزىء في الزكاة، وفيه ظلم لمستحقيها. ٢٣ - فيه أنَّه لا يخرج تيسًا، ولا طروقة الفحل، ولا الحامل، ولا الأكولة، إلاَّ أن يشاء صاحب المال. ٢٤ - لا يجزىء إخراج ذكر في الزكاة إلاَّ في ثلاث مسائل: الأولى: في زكاة البقر، فإنَّه يجزىء التبيع عن التبيعة؛ لورود النص فيه، ويجزىء المسن عنه؛ لأنَّه خير منه. الثانية: ابن اللبون والحِق والجذع وما فوقه، فإنَّه يجزىء عن بنت مخاض عند عدمها. الثالثة: أن يكون النصاب من الإبل أو البقر أو الغنم كله ذكورًا، فإنَّه يجزىء؛ لأنَّ الزكاة مبنية على المواساة، فلا يُكَلِّفُهَا المخرج من غير ماله. ٢٥ - فيه إثبات الخلطة في المواشي دون غيرها من الأموال، وأنَّ لها تأثيرًا في الزكاة إيجابًا، وإسقاطًا، وتغليظًا، وتخفيفًا؛ لأنَّها تجعل الأموال كالمال الواحد. ٢٦ - إذا اختلط شخصان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً كاملًا -فحكمهما في الزكاة حكم الشخص الواحد؛ سواء كانت خلطة أعيان: بأن يملكا نصابًا مشاعًا بإرث أو شراء أو غيرهما، أو خلطة

стр. 1475

أوصاف: بأن يكون كل منهما له عين ماله، ولكنه متميز بصفة أو بصفات عن مال خليطه. ٢٧ - ويشترط في تأثير خلطة الأوصاف اشتراكهما في مراح (وهو المبيت) ومسرح (وهو مكان اجتماعهما لذهاب إلى المرعى)، ومرعى في زمانه ومكانه، ومشرب (وهو مكان الشرب)، ومحلب (وهو موضع حلب)، وفحل وهو عدم اختصاصه في طرقه أحد المالين إن اتَّحد النوع؛ كالضأن والمعز، ولا يضر إن اختلف النوع لاختلاف النوعين، ولا تعتبر النية في الخلطة في كلا الخلطتين: الأوصاف والأعيان. ٢٨ - ويحرم الجمع بين المالين، أو التفريق بينهما؟ إذا قُصد بذلك الفرار من الزكاة؛ لقوله ﷺ : "وَلا يُجمع بين متفرق، ولا يُفرَّقُ بين مجتمع؟ خشية الصدقة". ٢٩ - والخلطة تصيِّر المالين فأكثر كالمال الواحد إن كانا نصابًا، وكان الخليطان من أهل وجوبها؛ سواء كانت خلطة أعيان أو أوصاف، وما وجب عليهما فإنَّه على قدر ماليهما، فلو كان لإنسان شاة واحدة ولآخر تسعة وثلاثون فعليهما شاة واحدة على حسب ملكهما، ويتراجعان بينهما بالسوية. ٣٠ - أما الرقة: وهي الفضة الخالصة فنصابها مئتا درهم، ويخرج منها ربع العشر إذا تمَّ حولها. ٣١ - أما الذمي: فلا تؤخذ منه الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تصح منه قبل إسلامه، ولكن تؤخذ منه الجزية، فتؤخذ من الرجال البالغين دينار، أو مقداره من غير النقد، كالثياب. ٣٢ - قوله: "فإنَّها تقبل منه، ويجعل معها شاتين"، وقوله: "فإنَّه تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين" -فيه دليل على جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه، وعلى أن

стр. 1476

جبر كل مرتبة بشاتين، أو عشرين درهمًا، وعلى أنَّ المعطي مخير بينهما. * فوائد: الأولى: قال النووي: مدار أنصبة زكاة الماشية على حديث أنس عن أبي بكر، وحديث ابن عمر. وقال ابن عبد البر عن حديث عمرو بن حزم: إنَّه أشبه بالمتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول. فهذه الكتب الثلاثة كتاب أبي بكر، وكتاب عمر، وكتاب عمرو بن حزم -أصول من أصول الإسلام عليها المعتمد عند المسلمين. الثانية: قال شيخ الإسلام: الإمام أحمد وأهل الحديث متبعون لسنة النبي ﷺ في الزكاة، فلقد أخذوا بأحسن الأقوال الثلاثة، فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب أبي بكر؛ لأنَّه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وفي المعشرات توسطوا بين أهل الحجاز وأهل العراق، فأهل الحجاز لا يوجبون العشر في الثمار إلاَّ في التمر والزبيب، وفي الحب فيما يقتات، وأهل العراق يوجبونها في كل ما أخرجت الأرض، وأما أحمد والمحدثون فيوافقون أهل الحجاز بالنصاب لصحته، ويخالفونهم في الحبوب والثمار، فيوجبونها في حب وثمر يُدَّخر. الثالثة: قرار المجمع الفقهي بشأن زكاة الأسهم في الشركات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. * قرار بشأن زكاة الأسهم في الشركات: (قرار رقم: ٢٨) إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمر، الرابع بجدة

стр. 1477

في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ الموافق ٦ - ١١ فبراير ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "زكاة أسهم الشركات". قرر ما يلي: أولًا: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم إذا نصَّ في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه. ثانيًا: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله؛ بمعنى: أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد، وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من لمجط نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذًا بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال. ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها: أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين. ثالثًا: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم، فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه، زكى أسهمه على هذا الاعتبار؛ لأنَّه الأصل في كيفية زكاة الأسهم، وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك:

стр. 1478

فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي، وليس بقصد التجارة؛ لأنَّه يزكيها زكاة المستغلات، وتمشيًا مع ما قرَّره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية -فإنَّ صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم، وإنما تجب الزكاة في الريع، وهي ربع العشر بدوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع. وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة، زكاها زكاة عروض التجارة، فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه، زكى قيمتها السوقية، وإذا لم يكن لها سوق، زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة، فيخرج ربع العشر (٢.٥ %) من تلك القيمة، ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. رابعًا: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول، ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته، أما المشتري فيزكى الأسهم التي اشتراها على النحو السابق. والله أعلم. ***

стр. 1479

٤٩٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلى مِيَاهِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلأَبِي دَاوُدَ: "لاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إلاَّ فِي دُورِهِمْ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. رواه أحمد وأبو داود من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تُكلم فيه. فقال الآجري: قلتُ لأبي دواد: عمرو عندك حجة، قال: لا، ولا نصف حجة. وقال ابن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه. وقال أبو زرعة: إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده، وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر. وقال الإمام أحمد: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه. وقال البخاري: رأيتُ أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

стр. 1480

وللحديث شاهد من حديث عائشة رواه ابن الجارود والطبراني. * مفردات الحديث: - مياههم: المياه جمع: ماء، والمراد به: مواردهم التي ينزلون عليها، ويقطنون فيها بالصيف، حينما تحتاج المواشي إلى شرب الماء. - دُورهم: منازلهم التي يسكنون فيها؛ لئلا يتكلفون نقل زكاتهم إلى مقر الإمام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه أنَّ الزكاة لا تجب في المال، إلاَّ في السنة مرة واحدة، ووجوبها على تمام حوله عند مالكه. ٢ - البادية أيام الشتاء وأيام الربيع منتشرة في البر والخلاء، يتبعون مواقع المطر ومكان الحيا والخصب؛ لرعي مواشيهم، فإذا جاء فصل الصيف نزلوا على الموارد والمياه، واجتمعوا فيسهل أخذ الزكاة منهم، فمِن باب الرفق بعمَّال الزكاة، ومن باب التقصي في تحصيل الزكاة من كل مسلم -أمر ﷺ أن تؤخذ منهم الزكاة على مياههم ومواردهم. ٣ - فيه أنَّ ولي أمر المسلمين هو الذي يبعث السعاة والجباة لقبض الزكاة، وأنَّه لا يكلف صاحب المال أن يأتي بصدقته إلى بيت المال. ٤ - فيه إحياء هذه الشعيرة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ببعث العمَّال إليها وجبايتها، ثم تفريقها على أصحابها من أهل الزكاة. ٥ - فيه دليل على جواز نقل الزكاة من بلدها الذي فيه المال إلى بلد آخر؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقبضها، ولم يأمر بتوزيعها على فقراء المكان الذي فيه الأموال المزكاة. ٦ - فيه وجوب مراعاة الرفق بالرعية، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم من الأمور، حتى فيما هو واجب عليهم أداؤه.

стр. 1481

* خلاف العلماء: اختلف العلماء في جواز نقل الزكاة من البلد الذي فيه المال إلى بلد آخر. فذهب الشافعية والحنابلة إلى: منع نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة، وهو عندهم مرحلتان تقدران بنحو (٤٨ ميلًا). ودليلهم: حديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ : "فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم: فترد في فقرائهم" فالفقراء هنا أهل البلد الذي فيه المال، وفيه الأغنياء. وذهب المالكية إلى: المنع إلى مسافة القصر فأكثر، إلاَّ لمن هو أحوج إليها في غير بلد المال. وتتفق المذاهب الثلاثة على جوازه فيما دون مسافة القصر؛ لأنَّ ما كان كذلك فهو في حكم الحاضر. وذهب الحنفية: إلى كراهة النقل فقط، ما لم يكن في نقلها مصلحة كأقارب. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّه يجيز نقلها لمصلحة شرعية. ودليل المجيزين: أنَّ ذكر الفقراء في حديث معاذ ليس خاصًّا بأهل تلك البلد، وإنَّما هو عام لعموم الفقراء. والدليل الثاني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ -كان يبعث الجباة، فيأتون بالصدقات من الأطراف البعيدة إلى المدينة؛ حيث توزع على فقرائها. وجمهور العلماء -حتى الذين لا يجيزون نقلها- يقولون: لو نقلها أجزأت عنه، وأدت الواجب. حكى ذلك الإمام الموفق في كتابه "المغني"، والله أعلم.

стр. 1482

٤٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ: "لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ، إِلاَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ" (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الزكاة لا تجب إلاَّ في الأموال النامية، أو المعدة للنماء، أما الأموال المعدة للقنية والاستعمال، فلا زكاة فيها. ٢ - مثَّل الشارع الحكيم لأموال القنية التي لا زكاة فيها بالعبد المُعَدِّ للخدمة، والفرس المعدّ للركوب. ٣ - وإذا دليل على مبدأ الزكاة، وأنَّها إنما فرضت مواساةً بين الأغنياء والفقراء، وأنَّها لا تجب إلاَّ في مالٍ نامٍ. ٤ - هذا الحديث أحد الأدلة على عدم وجوب الزكاة في الحلي، المعد للاستعمال أو العارية؛ لأنَّه داخل تحت هذا الضابط من ضوابط الزكاة. ٥ - قال شيخ الإسلام: الشارع عني ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنَّه خارج عن الأصل، فيحتاج إلى بيان، وما لا تجب فيه لا يحتاج إلى بيان بأصل عدم الوجوب. ففي الصحيحين: "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة". قال النووي وغيره: وإذا الحديث أصل في أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها، وهو قول العلماء من السلف والخلف. وقال الوزير: أجمعوا على أنَّه ليس في دور السكنى، وثياب البذلة،

стр. 1483

وأثاث المنزل، ودواب الخدمة، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة؛ لما في الصحيحين: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة". قلتُ: هذه أمثلة لضابط الزكاة، وهي أنَّها لا تجب إلاَّ فيما أعد للنماء، أما ما قطع عن النماء لاستعمالٍ، فلا تجب فيه. ٦ - أما زكاة الفطر: فإنَّها تجب على العبد؛ سواء كان للخدمة أو للتجارة. ويأتي إن شاء الله تعالى. ***

стр. 1484

٤٩٧ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبلٍ فِي أرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُونٍ، لاَ تُفَرَّقُ إِبلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أعْطَاهَا مُؤتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا، فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لاَ يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيءٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتهِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص الحبير": رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي (٧١٨٢) من طريق بهز بن حكيم، قال يحيى بن معين: إسناده صحيح، إذا كان مَنْ دون بهز ثقة، وبيَّن ابن حجر من تكلَّم في بهز، وأنه ليس بحجة، لكنه قال: وقد وثَّقه خلق من الأئمة، وقد استوفيت ذلك في "تلخيص التهذيب"، وقال عنه في "التقريب": صدوق، وعلى هذا يكون الحديث حسنًا، والله أعلم. ووافق الذهبي الحاكم؛ أنَّه صحيح الإسناد، وصححه صاحب "المحرر" وابن القيم، وسئل عنه أحمد، فقال: ما أدري ما وجهه، فسئل عن إسناده، فقال: صالح الإسناد، وقال البيهقي: حديث منسوخ، وتعقبه النووي بعدم نسخه، والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي، فقال: في لفظه وهم،

стр. 1485

وإنما هو: "فإنا آخذوها من شطر ماله"، أي: يجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدق، وينظر تمامه في "التلخيص الحبير". واحتجَّ بحديث بهز كل من: أحمد، وإسحاق، والبخاري، والنووي، وابن الملقن. * مفردات الحديث: - لا تفرق إبل عن حسابها: يعني: أنَّ الخليطين لا يفرقان مالَيْهما خشية الصدقة، إذا كانت الخلطة أحظ للفقراء. - مُؤتَجِرًا بها: أي: قاصدًا الأجر من الله تعالى بإعطاء زكاته. - شطر ماله: بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة آخره راء مهملة -هو النصف، ويستعمل في الجزء والبعض منه، ولعله المراد هنا. - عَزْمَة: بفتح العين المهملة وسكون الزاي ثم ميم مفتوحة ثم تاء التأنيث، منصوب على المصدرية، والناصب له فعل محذوف يدل عليه جملة: "فإنَّا آخذوها"، والمراد به: العزيمة والجد في الأمر الواجب المتحتم. - آل محمد: هم بنو هاشم الذين منهم آل أبي طالب، وآل العبَّاس، وآل الحارث، وآل أبا لهب بنو عبد المطلب بن هاشم، فأبو طالب والعباس والحارث وأبو لهب هم أعمام النبي ﷺ الذين صارت لهم ذرية، وأما من عداهم من أعمامه فلم يخلفوا عقبًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث كما يدل سابقه "حديث أنس" على أنَّ في كل أربعين من سائمة الإبل بنت لبون، وبنت اللبون هي: ما تمَّ لها سنتان، سميت بذلك؛ لأنَّ أمها بعد ولادتها إياها قد ولدت غالبًا مرَّة أخرى، فصارت ذات لبن. ٢ - يدل على أنَّ المالين الخليطين من الماشية لا يجوز التفريق بينهما فرارًا من الزكاة، بل فيهما الزكاة على قدر حسابهما، فلا يفرق بين مجتمع، ولا

стр. 1486

يجمع بين متفرق خشية الصدقة. ٣ - أمر الله تعالى بإخراج الزكاة؛ فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والأمر يقتضي الفورية، وذلك مع القدرة على إخراجها، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. ٤ - أما مع الحاجة إلى تأخيرها، فإنَّه يجوز تأخيرها، كأشد حاجةٍ مرتقبةٍ أو حضور قريبٍ، أو جارٍ غائب، أو لعذر غيبة المال ونحو ذلك. ٥ - قال في "الشرح الكبير": لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز؛ سواء كان عدلاً أو غير عدل، وسواء كانت الأموال ظاهرةً أو باطنةً، ويبرأ بدفعها، تلفت يزيد الإمام أم لا، صرَفها في مصارفها أم لا. ٦ - يدل على أنَّ من أدى الزكاة طيبة بها نفسه، بدافع طلب الثواب والأجر -فقد قام بركن من أركان الإسلام العظام، وله على ذلك الأجر العظيم. ٧ - من مَنعها، فقد هدم ركنًا من أركان الإسلام، وترك واجبًا هامًا من أمور دينه، فعليه وزر ذلك وإثمه العظيم. ٨ - أنَّ على الإمام تعزير مانع الزكاة، وأنَّ من التعزير أخذ الزكاة قسرًا منه، وأخذ نصف ماله تعزيرًا ونكالاً له، وردعًا لأمثاله. ٩ - جواز التعزير بأخذ المال، فالتعزير باب واسع يختلف باختلاف الأحوال. ١٠ - قوله: "عَزْمَة من عزمات ربنا" يعني: حدَّ الله في الجد، وعدم التواني في القيام به. ١١ - أنَّ الزكاة لا تحل لمحمَّد ﷺ ، ولا لآله، وهم بنو هاشم؛ لأنَّها أوساخ الناس، وهم أرفع من ذلك، وسيأتي بأتمَّ من هذا إن شاء الله. ١٢ - قال شيخ الإسلام: إنَّ العقوبات المالية ثلاثة أقسام: أولًا: الإتلاف: هو إتلاف محل المنكرات تبعًا لها؛ مثل: الأصنام بتكسيرها وإحراقها، وتحطيم آلات اللهو، وتمزيق أوعية الخمور،

стр. 1487

وتحريق الحوانيت التي يباع فيها الخمر، وإتلاف كتب الزندقة والإلحاد، والأفلام الخليعة، والصور المجسمة، ونحو ذلك. ثانيًا: التغيير: مثل تكسير العملة المزيفة، والستائر التي فيها التصاوير، وجعله وسادة ونحو ذلك. ثالثًا: التمليك: مثل: سرقة التمر المعلَّق، والتصدق بالزعفران المغشوش، فمصادرة مثل هذه الأشياء والصدقة بها، أو بأثمانها. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- إلى أنَّ التعزير بأخذ المال لا يجوز. وأجاب بعضهم عن القضايا التي وردت في العقوبة بأخذ المال-: بأنَّها منسوخة؛ إذ كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وعللوا عدم جواز التعزير بأخذ المال، بأنَّ هذا النوع من العقوبة يكون ذريعة إلى أخذ ظلمة الحكام والولاة أموال الناس بغير حق. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى: جواز التعزير بأخذ المال، إذا رأى الولاة أنَّ هذا يحقق المصلحة، ويردع الظلمة، ويكف الشر؛ لأنَّ التعزير باب واسع، فأوله التوبيخ بالكلام، وأعلاه التعزير بالقتل، إذا لم ينكف الشر إلاَّ بالقتل، وأخذ المال نوع من أنواع التعزير الذي يحصل به ردع المعتدين. وقد ردَّ الشيخان دعوى النسخ ونفياها نفيًا باتًّا، ودلَّلا على ذلك بما ورد من القضايا العديدة المؤيدة لوجود العقوبات المالية. قال الشيخ: مدَّعو النسخ ليس معهم حجةٌ شرعيةٌ، لا من كتابٍ، ولا من سنةٍ، وهو جائز على أصل أحمد؛ لأنَّه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في المال غير منسوخة كلها.

стр. 1488

ومن أدلة التعزير بأخذ المال ما يأتي: ١ - أباح النبي ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن يجده، [رواه أحمد (١٣٨١)]. ٢ - أمر بكسر دِنان الخمر، وشق ظروفه، [رواه أحمد (١١٧٤٤)] ٣ - أمر عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين، [رواه أبو داود (٣٥٤٦)]. ٤ - أضعف الغرامة على من سرق من غير حرز، [رواه أبو داود (٣٨١٦)]. ٥ - هدم مسجد الضرار. ٦ - حرَم القاتل من الميراث والوصية، [رواه الترمذي (٢٠٣٥)]. ***

стр. 1489

٤٩٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا كَانَتْ لَكَ مِائتًا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيْها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِيْنَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِيْنَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ، حَتَّى يَحُولَ علَيْهِ الحَوْلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. رواه أبو داود، وابن ماجه (١٧٩٠)، وأحمد (١٢٠٠)، والبيهقي (٧٣٢٥) عن علي ﵁ وصحح الدارقطني وقفه (٢/ ٩١)، لكن ابن حجر قال: حديث علي لا بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة، وحسَّنه في "الفتح"، وصححه البخاري، وقال النووي: صحيح أو حسن، وقوَّاه الزيلعي في "نصب الراية". وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: كلاهما -أي: طريقاه- صحيح. * مفردات الحديث: - مئتا درهم: تقدم أنَّ الدرهم الإسلامي وزنه (٢.٩٧٥) غرام. - حال عليها الحول: حال الحول: مضى، والحول اسم للعام، والجمع

стр. 1490

أحوال، سمي حولاً؛ لأنَّ الشخص يحول فيه من حال إلى حال أخرى. - دينار: هو المثقال من الذهب، ووزنه أربع غرامات وربع (٤.٢٥ جم). - زكاة: أصلها "زكوة" بوزن فَعلَة كـ"صدقة"، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، انقلبت الواو ألفًا، فصارت "زكاة"، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرَج والفعل، ويطلق على المعين، فهي الطائفة من المال المزكى بها، وعلى المعنى وهي التزكية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نصاب الفضة -سواء كانت مسكوكةً، أو تبرًا، أو حليًا -هو مئتا درهم، وهو إجماع، وإنما الخلاف في قدر الدرهم، والتحرير أنَّ مئتي الدرهم تعادل "خمسمائة وخمسة وتسعين" غرامًا، وهي قدر "ستة وخمسين" ريالاً سعوديًّا. ٢ - ونصاب الذهب "عشرون" دينارًا، والدينار بزنة المثقال، وهو ما يعادل "خمسة وثمانين" غرامًا، وهو قدر "أحد عشر وثلاثة أسباع" جنيهًا سعوديًّا. ٣ - قال في "الروض المربع وغيره": ويُضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فلو ملك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فكل منهما نصف نصاب، ومجموعها نصاب، ويجزىء إخراج زكاة أحدهما عن الآخر؛ لأنَّ مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي جنس. ٤ - والآن بعد أن اختفى النقدان من الذهب والفضة من أيدي الناس، وحل محلهما في التعامل والثمنية "الورق النقدي" -أجمعت المجامع الفقهية على أنَّ الحكم منوط "بالورق النقدي"، بجامع الثمنية بينهما، فصار الحكم للعُملة الحاضرة "الورق النقدي" بكل ما يقوم به النقدان: من الزكاة، والديات، وأثمان المبيعات، وأحكام الربا، والمصارفة وغير ذلك، وسيأتي في "باب الربا" الحديث عن هذا بأوسع من هنا إن شاء الله.

стр. 1491

٥ - النقدان ليس فيهما وقص في الزكاة، فكل شيء بحسابه، فإذا بلغ النقد نصابه في الزكاة، وجبت فيه الزكاة، وما زاد فبحسابه، قليلاً كان الزائد أو كثيرًا، فقد حكى النووي وغيره إجماع المسلمين على وجوب الزكاة فيما زاد على الأنصاب؛ للأخبار. ٦ - أنَّ حلول الحول شرط لوجوب الزكاة، فلا تجب حتى يحول على النصاب حول كامل. قال الوزير: اتفقوا على أنَّ المستفاد لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول. ٧ - أما نتاج السائمة وربح التجارة: فحَوْله حول أصله، ولو لم يبلغ النتاج، أو الربح نصابًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. * فائدة: أقسام الأموال من حيث حولان الحول ثلاثة: الأول: أن يكون المستفاد نتاج السائمة، أو ربح التجارة، فهذا حوله حول أصله، ولو لم يبلغ الربح والنتاج نصابًا، أو يحول عليه الحول. الثاني: أن يكون المستفاد من جنس المال الذي عنده، ولكنه. ليس نتاجًا له، ولا ربحًا له، فهذا يضم إلى ما عنده لكن إن كان الأول دون النصاب، فكمَّله الأخير نصابًا فحولهما واحد، وإن كان الأول نصابًا كاملًا قبل حصول الثاني، فلكل منهما حوله الخاص. الثالث: أن يكون من غير جنس ما عنده، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، ولا يضم إلى ما عنده في تكميل النصاب، إلاَّ ما كان -من الذهب والفضة. ***

стр. 1492

٤٩٩ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً، فَلاَ زَكاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُوْلَ الحَوْلُ". وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف مرفوعًا. قال في "التلخيص": رواه الترمذي والدارقطني (٢/ ٩٢)، والبيهقي عن ابن عمر، وصحَّح الترمذي وقفه على ابن عمر، وكذا البيهقي وابن الجوزي وغيرهما، وضعَّفه السيوطي في "الجامع الصغير". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الزكاة لا تجب إلاَّ بعد مضي عامٍ كاملٍ عليها، والحول هو اثنا عشر شهرًا هلاليًّا، هذا هو أحد شروط وجوب الزكاة. ٢ - قال البيهقي: المعتمد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم. وقال شيخ الإسلام: الحول شرطٌ في وجوب الزكاة في العين والماشية، كما كان النبي ﷺ يبعث عمَّاله على الصدقة كل عام، وعَمِل بذلك الخلفاء؛ لما علموه من سنته. قال ابن عبد البر؛ وعليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولأن النماء لا يتكامل قبل الحول، ولأن الزكاة تتكرر في الأموال فلابد لها من ضابط؛ لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب، فيفنى المال، والمقصود المواساة.

стр. 1493

٣ - فمن استفاد مالًا من غير ربح التجارة التي يديرها، ومن غير نتاج السائمة التي أعدها للدرّ والنسل، وإنما استفاده من طريق آخر كميراث، أو هدية، أو أجر عقار، أو راتب على وظيفة -وهو المراد بهذا الحديث- فحوله مستقل، ولا دخل له بما لديه من مال؟ لأنه ليس تابعًا له، فلم يربط به. ٤ - أما من استفاد مالًا من ربح التجارة، ولو قبيل حلول الأصل بشيء يسير -وجبت فيه الزكاة كأصله، أو لم تنتج بهيمة الأنعام قبل الحول إلاَّ بوقت يسير، وجبت فيه الزكاة كأصله، فحوله حول أصله. ٥ - إذا كان المال المكتسب لا علاقة له بتجارته وسائمته، فكل مال يزكيه وحده، إذا حال عليه حوله. وإذا أراد أن يجعل له شهرًا معلومًا -كرمضان- لإخراج زكاته كلها، فيخرج عما حال عليه الحول، ويجوز إخراج الزكاة عما لم يحل حوله، من باب تعجيل الزكاة عنه فجائز، وهذا فيه راحة له، وتيسير لأمره. ***

стр. 1494

٥٠٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارقُطْنِيُّ، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحَّحه ابن القطان، وقال: كل من يرويه ثقة معروف، والحديث روي من طريق أبي إسحاق عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة عن علي مرفوعًا وموقوفًا: "ليس في البقر العوامل شيء". قال البيهقي: رواه النفيلي عن زهير بالشك في رفعه ووقفه. وقال الحافظ في "التخليص": ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وفيه سوار بن مصعب، وهو متروك عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس أيضًا، وفيه الصقر بن حبيب وهو ضعيف. ورواه البيهقي عن جابر موقوفًا، وضعَّف إسناده. * مفردات الحديث: - البقر العوامل: جمع: "عاملة": التي تعمل للحرث، والدوس، ونزع الماء، وجر الأثقال، وأمثال ذلك. * ما يؤخذ من الحديث:. ١ - تقدم أنَّ الزكاة مبنية على المساواة بين الأغنياء والفقراء، وبناء على هذا المبدأ العادل، فإنَّها لا تجب إلاَّ في أموال نامية، أما الأموال المعدة للاستعمال، فلا زكاة فيها. ٢ - من الأموال المعدة للاستعمال البقر العوامل في حرث الزرع أو سقيه، فهذه

стр. 1495

لا زكاة فيها؛ لأنَّها آلة عمل، وإنما الزكاة في ثمرة عملها وإنتاجه وهو الخارج من الأرض. ٣ - يقاس على ذلك جميع الأموال التي أعدت للاشتغال والبقاء، ولم تجعل للنماء التجاري، وإنما نماؤها فيما ينتج منها، مثل سيارات النقل، ومثل مواتير الزراعة، ومثل أدوات الحراثة، ونحو ذلك، فكلها لا زكاة فيها. ٤ - ومثل ذلك ما تقدم من أدوات القنية، والاستعمالات الشخصية، والمنزلية: من مراكبٍ، وفرشٍ، وأوانٍ، وأثاث منزلٍ، ونحو ذلك؛ فإنَّها أموال مجمدة عن النماء لإعدادها للاستعمال؛ فلا زكاة فيها. وتقدم أنَّ هذا هو مأخذ عدم وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال، كما تقدمت كلمة شيخ الإسلام التي قال فيها: إنَّ الشارع إنَّما عني ببيان ما تجب فيه الزكاة، أما الذي لا تجب فيه فلم يبيِّن، بناء على العفو فيما سكت عنه. ٥ - الأثر وإن لم يكن له حكم الرفع، إلاَّ أنَّه حجة؛ لكونه قول صحابي من الخلفاء الراشدين، ويؤيده قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة" [رواه مسلم (١٦٣١)]. ***

стр. 1496

٥٠١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وإِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، فقد سئل عنه الإمام أحمد، فقال: ليس بصحيح. قال الترمذي: في إسناده مقال؛ لأنَّ المثنى بن الصباح يضعف في الحديث. وقد تابعه محمد بن عبد الله بن عمر، أخرجه الدارقطني، وتابعه أيضًا عبد الله بن علي الإفريقي أخرجه الجرجاني، وهو ضعيف، وتابعه أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة لكن الراوي عنه مندل، وهو ضعيف أيضًا، فالحديث بجميع طرقه هذه ضعيف. وللحديث شاهد عن عمر موقوفًا، صححه البيهقي. * مفردات الحديث: - من ولي يتيمًا: مِنْ: وليت على الصبي أليه ولاية، والفاعل يقال له: والٍ، والجمع: ولاة، والصبي مولى عليه. - يتيمًا: اليتيم هو من مات والده ولم يبلغ، والجمع: يتامى وأيتام، والصغيرة يتيمة، وجمعها: يتامى، فإن ماتت أمه فقط، قيل له: عجي، فإن مات أبواه سمي: لطيمًا.

стр. 1497

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب الزكاة في مال اليتيم، ومثله المجنون والسفيه؛ ذلك أنَّ الزكاة منوطة بسببها، فتتعلَّق بعين المال، وإن كان لها تعلق بالذمة، ولتعلقها بعين المال وإناطتها بسببها فإنَّه لا يشترط لوجوبها تكليف المزكي، فهي عبادة مالية، بخلاف الصلاة والصيام، فهما عبادتان بدنيتان محضة. ٢ - يُخرج الزكاةَ عنه وليُّه في المال؛ لأنَّ التصرفات المالية منوطة به. ٣ - أما الجنين: فلا تجب الزكاة في المال المنسوب إليه؛ لأنَّه مال له ما دام حملاً. ٤ - استحباب تنمية مال اليتيم بالتجارة وغيرها، مما يظن الولي أنَّه يحقق له ربحًا وفائدة، وزيادة في ماله، وإنَّ هذا من الإصلاح المأمور به لليتيم. ٥ - الحرص على أموال اليتامى بعدم إنفاقها، إلاَّ فيما هو خير لهم، وصلاح لأحوالهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المائدة: ١٥٢] والشارع هنا احتاط من نقص مال اليتيم من الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، فكيف إنفاقه فيما لا صلاح له في دينه، ولا فى دنياه؟!. ٦ - ثبوت الولاية على اليتيم، وأنَّها ولاية شرعية تقتضي عمل الأصلح في شؤونهم وأموالهم، وقد وعد الله تعالى بالخير في الإصلاح لهم، وتوعد على الإساءة إليهم، وأكل أموالهم بأشد عقوبات الآخرة. ٧ - رحمة الله تعالى ولطفه باليتامى؛ حيث وصى عليهم، وجعل عليهم ولاية أميتة، تحفظ أموالهم وتنميها، وتصلح شؤونهم. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على وجوب الزكاة في مال المسلم البالغ العاقل، واختلفوا في وجوبها في مال الصبي والمجنون: فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: عدم وجوبها في مال الصبي والمجنون، إلاَّ

стр. 1498

في زرعه وثمره، فتجب فيه؛ لأنَّه من الأموال الظاهرة. وذهب الأئمة الثلاثة إلى: وجوبها في مال الصبي والمجنون مطلقًا: الظاهر والباطن، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. استدل القائلون بعدم وجوبها بأدلة، منها: ١ - قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والصبي والمجنون لا ذنوب عليهما، حتى يحتاجا إلى التطهير والتزكية. ٢ - جاء في سنن أبي داود (٤٤٠٢)، والنسائي بإسناد صحيح عن علي بن أبي طالب؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"، والذي رفع عنه القلم غير مكلف بالشرائع، ولا يتناوله خطاب الشارع بالأمر والنهي. ٣ - إنَّ الزكاة عبادة محضة؛ كالصلاة والعبادات، يناط الأمر بها بالمكلفين، أما غير المكلفين فلا تجب عليهم التكاليف الشرعية. ٤ - الإسلام يراعي أموال الضعفاء، ويحرص على نمائها، وعدم مسها، إلاَّ بالتي هي أحسن، وأخذ الزكاة منها عامًا بعد عام، يعرضها للانقراض، فيتعرضان للحاجة والفقر. أما أدلة القائلين بالوجوب فما يأتي: ١ - عموم النصوص من الآيات والأحاديث الصحيحة التي دلَّت على وجوب الزكاة في مال الأغنياء وجوبًا مطلقًا، لم تستثن صبيًّا ولا مجنونًا؛ فالصغار والمجانين داخلون تحت قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: "افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم"؛ فعموم هذه النصوص وأمثالها تشمل الصغار والمجانين إذا كانوا أغنياء. ٢ - ما رواه الترمذي (٦٤١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن

стр. 1499

النبي ﷺ قال: "من ولي يتيمًا له مال، فليتجر له، ولا يتركه؛ حتى تأكله الصدقة" وهو حديث الباب. ٣ - ما رواه الشافعي (١/ ٩٢)؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتيم، لا تُذهبه الصدقة". ٤ - ما رواه الطبراني في "الأوسط" (٤١٥٢) عن أنس قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "اتَّجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة"، وإسناده صحيح. وذهب إلى وجوبها في مال الصبي: عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة، وجابر ﵃ ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع. ٥ - المقصود من الزكاة هو سد خلة الفقراء من مال الأغنياء، ومال الصبي والمجنون قابل لذلك. ٦ - الصبي والمجنون أهل لأداء حقوق العباد من مالهما بالاتفاق، فتجب الزكاة في مالهما كسائر الحقوق. الجواب على أدلة الذين لم يوجبوها: (أ) التطهير في الآية ليس خاصًّا بالذنوب لينحصر في المكلفين، وإنما هو عام في تربية الخُلق، وتزكية النفس، وتعويدها على الفضائل. (ب) أما حديث: "رفع القلم عن ثلاثة" فالمراد به: رفع الإثم، والوجوب عليهما، والزكاة لا تجب عليهما، وإنما تجب في مالهما. ولذا فإنَّ رفع القلم لا يشمل ما يجب عليهما من الحقوق المالية للعباد. (ج) أما أنَّ الزكاة عبادة محضة كالصلاة، فالجواب: أنَّها عبادة مالية لها طابعها الخاص، وتجري فيها النيابة. والخلاصة: أنَّ الزكاة عبادة مالية تجري فيها النيابة، والولي نائب الصغير فيها، فيقوم مقامه في أداء هذا الواجب، بخلاف العبادات البدنية، كالصلاة والصيام، فإنَّها عبادات بدنية، لا تدخلها النيابة.

стр. 1500

٥٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - اللَّهمَّ: هي بمعنى: "يا الله"، فالميم عوض عن ياء النداء، ولهذا لا يجمع بينهما؛ فإنَّه لا يجمع بين العوض والمعوَّض. -صلِّ عليهم: أصل الصلاة في اللغة: الدعاء، إلاَّ أنَّ الدعاء يختلف بحسب حال المدعو له، فلا يتعيَّن لفظ خاص، بل يكون الدعاء بلفظ يؤدي معنى الثناء، ويناسب المقام. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أمر الله تعالى نبيه ورسوله محمَّدًا ﷺ أن يقبض الزكاة من المسلمين، وأن يصلي عليهم حين يقبضها منهم، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة]، فكان ﷺ امتثالاً لأمر ربه إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللَّهمَّ صل عليهم". ٢ - ينبغي لقابض الزكاة -سواء قبضها للمسلمين كالسعاة والجباة، أو قبضها لنفسه كالفقير- أن يدعو لمُخْرجها، فكان مما ورد من الدعاء: "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا". ٣ - استحباب مكافأة المحسن على إحسانه، ولو بالدعاء؛ لحديث: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تظنوا أنَّكم

стр. 1501

قد كافأتموه" ففي الدعاء مع مكافأته تشجيعه، وتشجيع غيره على البذل. ٤ - قال البخاري: قال أبو العالية: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. قال الأزهري: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين التضرع والدعاء. ٥ - أنَّ دَفْعَ الزكاة إلى ولي أمر المسلمين تارةً يكون ببعثه الجباة إلى أصحاب الأموال في مياههم وحقولهم، وتارةً يأتون بها إليه، وكل ذلك جائز. ***

стр. 1502

٥٠٣ - وَعنْ عَلِيٍّ ﵁ "أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في "التلخيص": رواه أحمد (٧٨١) وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني (٢/ ١٢٣)، والبيهقي (٧١٥٧) عن علي ﵁ ويعضده حديث أبي البحتري عن علي، ورجاله ثقات إلاَّ أنَّ فيه انقطاعًا. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وذكر الحافظ طرقًا متعددة لهذا الحديث في "فتح الباري"، وقال: ليس ثبوت قصة العباس في تعجيل صدقته ببعيد؛ لمجموع هذه الطرق. * مفردات الحديث: - تعجيل صدقته: تعجيل الصدقة هو: إخراجها قبل تمام حولها، وسيأتي إن شاء الله. - صدقته: المراد بها: زكاة ماله، فالصدقة تطلق شرعًا وعرفًا على الزكاة. -فرخَّص له: بالتشديد من: الترخيص، والرخصة معناها: اليسر والسهولة، وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العباس بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ ، سأل النَّبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخَّص له في ذلك، فعجَّل صدقته عامين.

стр. 1503

٢ - فيجوز تعجيل إخراج الزكاة لعامين فقط؛ اقتصارًا على الوارد، ولا يجوز أكثر من هذا. ٣ - أجمع العلماء على أنَّه لا يعجلها، إلاَّ إذا كمل النصاب؛ لأنَّ النصاب هو سبب وجوبها، فلا يجوز تقديمها عليه. قال شيخ الإسلام: يجوز تعجيل الزكاة قبل وجوبها سبب الوجوب عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية، والنقدين، وعروض التجارة إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المعشَّرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه. ٤ - لا يستحب تعجيل الزكاة، إلاَّ إذا كان هناك مصلحة؛ كأن يوجد مجاعة، أو يحدث للمسلمين حاجة إلى تعجيل الزكاة. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب؛ لانَّه لم يوجد سبب الوجوب، فلم يجز تقديمها عليه. وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة إلى: جواز تعجيلها بعد انعقاد سبب وجوبها بملك النصاب، وحديث العباس صحيح صريح في جواز التعجيل. وذهب المالكية وداود إلى: عدم جواز تقديمها قبل حلول الحول؛ سواء ملك النصاب أو لا، وحجتهم: أنَّ الحول أحد شرطي وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز قبل ملك النصاب إجماعًا. قال ابن رشد في "بداية المجتهد": وسبب الخلاف: أنَّ الزكاة هل هي عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنَّها عبادة، لم يُجِز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة أجاز إخراجها قبل الأجل على

стр. 1504

جهة التطوع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. * فائدة: ذهب الحنفية إلى: جواز تأخير إخراج الزكاة بعد وجوبها بحلول الحول، وقالوا: إنَّها تجب وجوبًا موسعًا. وذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى: عدم جواز تأخيرها بعد حلول حولها. قال في "المغني": إنَّ الأمر يقتضي الفورية على الصحيح، كما في الأصول، ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقاب. والمبادرة بإخراجها مبادرة إلى الطاعة، ومسارعة إلى أدائها، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ***

стр. 1505

٥٠٤ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ -قالَ: "لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ مِن التَّمْرِ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أواقٍ: بدون الياء، برواية أبي داود (١٥٥٨)، ووقع في مسلم بالياء المخففة، وبدونها. قال النووي: وكلاهما صحيح، وهي جمع: "أوقية" بتشديد الياء، وجمعها: "أواقي" بتشديد الياء. قال العيني: والجمهور يقولون في الواحدة:"وقية"بحذف الهمزة، وجمعها:"وقايا"، مثل: ضحية وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه واللغة على أنَّ الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، فخمس أواق هي مئتا درهم، وهذا نصاب الفضة، ونصاب الفضة في المعايير الحاضرة هو (٥٩٥) غرامًا من الفضة. - الورق: بفتح الواو وكسر الراء المخففة، قال العيني وغيره: هي الدراهم المضروبة، فما كان من الفضة غير مضروب، فلا يسمى: ورِقًا. - ذَود: -بفتح الذال المعجمة وسكون الواو- هي ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، لا واحد له من لفظه، ويجمع على: "أذواد"، وهو اسم جمع يطلق على المذكر والمؤنث، والقليل والكثير، ولذا صحَّ إضافة "الخمس" إليه. - دون: في المواضع الأربعة كلها، هي بمعنى "أقل"؛ أي لا تجب الزكاة في

стр. 1506

أقل من هذه المقادير لهذه الأشياء. - الإبل: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، وهي مؤنث. - أوسق: مفرده:"وسْق"، بفتح الواو وسكون السين، وحكي كسر الواو، والفتح أوضح، وبعد السين قاف، والوسق: ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة هي "٣ كيلو"، وهذا تقدير تقريبي احتياطي بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة الصاع هي "٩٠٠ تسعمائة كيلو غرام". وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبوي بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقن حاسم؛ وذلك لعدم وجود صاع نبوي متيقن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها. ***

стр. 1507

٥٠٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: "لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ" وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أوساق: جمع: "وسق"، قال في "المصباح": حكى بعضهم "الوسق" بكسر الواو لغةً، وجمعه "أوساق" مثل: حمل وأحمال، وأصل الوسق: الحمل لكل شيء، يقال: وسقته؛ أي: حملته. - حب: -بفتح الحاء، وتشديد الباء-: البذر؛ مثل: القمح، أو الشعير. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الزكاة مبناها المواساة؛ لذا فإنَّها لا تجب في المال القليل الذي لا يفي بضرورات صاحبه، فهو أحق بهذا القليل من غيره. ٢ - فليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر، أو الحب صدقة، فهذه مكاسب قليلة، ومحصول ضئيل، لا تجب فيها الزكاة. ٣ - فنصاب الفضة مئتا درهم، وقدرها: (٥٩٥) غرامًا، ونصاب الإبل خمس، وما دونها ليس فيه زكاة، ونصاب الثمار والحبوب هو (٣٠٠) صاع نبوي، والصاع النبوي هو (٣٠٠٠) ثلاثة آلاف غرام. ٤ - هذا كله من العدل الرباني بين عباده؛ فإنَّ الزكاة هي مواساة ومساواة، فلا تجب إلاَّ في أموال الأغنياء، أما الفقراء فلا تجب عليهم.

стр. 1508

فالبدوي الذي لا يملك إلاَّ أربعة أبعرة، والفلاح الذي لا يحصل إلاَّ أقل من ثلاثمائة صاع، والتاجر الذي تقل أثمانه وعروضه عن مئتي درهم -هؤلاء هم مستحقون لإعطائهم من الزكاة لتكميل نفقاتهم. ٥ - قال ابن عبد البر والخطابي والنووي وغيرهم: هذا الحديث أصل في مقادير ما تتحمله الأموال من الموأساة، وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؛ لئلا يجحف بأرباب الأموال، ولا يبخس الفقراء حقوقهم، فإذا بلغه النصاب وجب الحق، ولا يجب فيما دونه، وهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد. ٦ - في الحديث أنَّ تقدير النصاب والمخرج مردَّه إلى الشرع، لا إلى العرف، ولو رد إلى العرف لانفرط زمام الأمر؛ نظرًا لاختلاف الناس، من بخيل يمنع القليل من الكثير. ٧ - قال الخطابي وغيره: يستدل بحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"-: أنَّها لا تجب في شيء من الخضراوات، وعليه عامة أهل العلم، وتركها ﷺ -وخلفاؤه من بعده، وهي تزرع بجوارهم، يدل على عدم وجوبها فيها، وأنَّ تركها هي السنة المتبعة. ٨ - قوله:"ليس دون خمس أواق من الورق صدقة" قال شيخ الإسلام وغيره: هو نصٌّ على العفو فيما دونها، وإيجاب لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء. وفي الصحيح: "فإن لم يكن إلاَّ تسعين ومائة، فليس فيها شيء"، وفي رواية: "وليس فيما دون المئتين زكاة" قال البخاري: كلاهما عندي صحيح، والزيادة فيهما بحسابه. ***

стр. 1509

٥٠٦ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ، أوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَلأَبِي دَاوُدَ: "إِذَا كَانَ بَعْلاً العُشْرُ، وَفِيْمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أوِ النَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (١). ــ * مفردات الحديث: - سقتِ السماء: أي: "المطر"، لأنَّه ينزل من السماء، وتطلق السماء على كل ما علاك. - العيون: جمع: "عين"، هي الينابيع التي تنبع من الأرض، أو من سفوح الجبال. - عثريًا: -بفتح العين المهملة وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء المثناة التحتية -هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، فهو من: عثر على الشيء عثورًا؛ لأنَّه تهجم على الماء، فتعثر عليه بلا عمل من صاحبه. -العُشْر: بضم العين مبتدأ، وخبره "فيما سقت السماء"، وتقديره: العشر واجب فيما سقت السماء. -النَّضح: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة فحاء مهملة، وأصل النضح: رش الماء وإساحته، وأريد به السقي، والدابة الناضحة هي التي تسقي الزرع، قال في "المصباح": ونضح البعير الماء: حمله من نهرٍ، أو بئرٍ؛ لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى: ناضحة بالهاء، والجمع: نواضح، سمي: ناضحًا؛ لأنَّه ينضح العطش، أي: يبله بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم

стр. 1510

استعمل في كل بعير، وإن لم يحمل الماء؛ كحديث: "أطعِمه ناضِحَك"؛ أي: بعيرك. - أو كان: الضمير فيه يرجع إلى لفظ "مسقي"، وتقديره: أو كان المسقي عثَرِيًّا. -بَعْلاً: -بفتح فسكون- هو الشجر، أو الزرع الذي ينبت بماء السماء من غير سقي، وهو مقاربٌ لمعنى العثري، أو مرادفٌ له. - السواني: جمع "سانية"، هي الدابة من الإبل، والبقر، أو الحمر، ذاهبة وآيبة، تخرج الماء من البئر بالغرْبِ وأدواته، فالسانية التي يسقى بها، سميت سانية؛ لرفعها الماء ليسقي به الشجر والنبات * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النووي: قد اتَّفق العلماء على المقدار المأخوذ من المعشرات، للخبر الصحيح عن ابن عمر مرفوعًا. ٢ - أنَّ الواجب في الحبوب والثمار التي سقيت بلا مؤنة، وإنما سقتْها الأمطار، أو العيون الجارية، أو البعل الشارب بعروقه العُشر، وهو الواحد من عشرة، ذلك أنَّه حصلت ثمرته بلا كلفة، ولا مؤنة؛ لأنَّ أهم الكلفة والمؤنة هي الماء. ٣ - أنَّ ما سقي بكلفة ومؤنة؛ كالنواضح والدولاب تديره البقر، أو الخيل، أو البغال، وكل آلة يحتاج إليها في إخراج الماء من بطن الأرض إلى ظاهرها، كالمواتير التي ترفع الماء من باطن الأرض إلى ظاهرها بالبنزين، أو الديزيل، أو الكهرباء -فيه نصف العشر، وذلك إجماع أهل العلم؛ للخبر الصحيح في ذلك. ٤ - ما سُقِي بالطريقتين إحداهما: بكلفة ومؤنة، والأخرى: بلا كلفة ولا مؤنة، ففيه ثلاثة أرباع العُشر، حكى الإجماع على ذلك غير واحد، ولأنَّ كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه. ٥ - هذا التقسيم في الأحكام مراعًى فيها حالة المزكي، وهو أساس العدل
следующие страницы →