إجماعًا، فقد رخَّص لحمزة الأسلمي في الصيام والفطر.
٣ - أما قوله: لمن لم يفطر: "أولئك العصاة"؛ فلمخالفتهم وعدم امتثالهم أمره بالإفطار، في حال يتعين عليهم؛ لما جاء في بعض ألفاظه: "أنهم قد شقَّ عليهم الصيام".
٤ - يستحب لمن هو قدوة في الأعمال الشرعية، وهم العلماء وأهل الدين أن يبينوا للناس الأحكام الشرعية في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكونوا قدوة في ذلك، وليحصل بهم التأسي، وراحة الضمير عند العامة، فالنبي ﷺ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب.
٥ - يدخل وقت رخص السفر التي منها الفطر في نهار رمضان إذا شرع في السفر، وفارق عامر بلده.
٦ - وللعلماء تقييدات في السفر الذي تباح فيه الرخص بالمسافة والمدة والإباحة، أما الشيخ تقي الدين فيقول: إنَّ الشارع ذكر السفر، وأطلقه بدون ذكر مسافة ولا مدة، وجعل، لك راجعًا إلى العرف، فأي سفر في عرف الناس فهو السفر الذي علَّق به الشارع الحكيم تلك الأحكام والرخص، والتحديد لم يثبت به نصٌّ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ، وليس مع المحددين حجةٌ.
٧ - لا يشترط -على الصحيح- إباحة السفر، بل تؤتى الرخص في سفر الطاعة والمعصية، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار الموفق، والشيخ تقي الدين.
٨ - قال شيخ الإسلام: أجمع الأئمة على جواز الصيام والفطر في نهار رمضان للمسافر، واختلفوا في الأفضل منهما.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة أفضل، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود عن سلمة بن المحبق عن النبي ﷺ : "من كانت له حمولة تأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدركه".
стр. 1682
وذهب الإمام أحمد وأصحابه إلى: أنَّ الفطر في رمضان أفضل، ولو لم يلحقه مشقة؛ لما في البخاري (١٨٤٤) ومسلم (١١١٥) أنَّه ﷺ قال: "ليسَ من البر الصيام في السفر"، وحديث: "إنَّ الله يحب أنَّ تؤتى رخصه" [رواه أحمد (٥٦٠٠)].
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم صوم رمضان في السفر على ثلاثة أقوال:
فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ الصوم أفضل، واستدلوا على ذلك: بأنَّه فعل النبي ﷺ ، وأنَّه أسرع في إبراء الذمة، وأنَّه أيسر أداء؛ إذْ صام والناس صائمون.
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ الفطر أولى، وأنَّ الصوم مكروه، وعلَّل ذلك بأنَّه رخصة من الله تعالى، يبنغي للمسلم أن يسارع إلى قبولها، والتمتع بها، فقد قال ﷺ : "صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته" [رواه مسلم (٦٨٦)].
وذهب بعض العلماء إلى: جواز الأمرين، واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم (١١١٦) من حديث جابر قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فيصوم الصائم، ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض".
وقالت طائفة من العلماء: أفضل الأمرين أيسرهما عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وعدم كراهة أحدهما أرجح، ما لم يكن في الصوم مشقة كبيرة، أو كان يمنع من القيام بأعمال فاضلة في السفر، فحينئذٍ الفطر يكون أفضل؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس قال: "كنا مع النبي ﷺ في السفر، فمنا الصائم ومنَّا المفطر، فنزلنا منزلاً في يوم حارٍ، فسقط الصائمون، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم
стр. 1683
بالأجر" [رواه البخاري (٢٧٣٣) ومسلم (١١١٩)].
* فوائد:
الأولى: جاءت هذه الشريعة بالأحكام الميسرة السمحة، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
ولما كان السفر -غالبًا- فيه مشقة، خفِّف فيه، فرخص الله تعالى الفطر في نهار رمضان، فهي رخصة يستحب التمتع بها؛ لأنَّها من رخص الله التي أباحها فضلاً منه، وإحسانًا على خلقه، ويُحب أن تؤتى.
الثانية: استحباب الفطر للمسافر في نهار رمضان، وأما صيام يوم عرفة في السفر وعاشوراء فنص الإمام أحمد على استحباب صيامه، وهو قول طائفة من السلف، ولعلَّ الفرق بين رمضان وهذين اليومين أنَّ رمضان إذا فاتت أيامه قضى صومه، بخلاف عرفة وعاشوراء، فلا يقضى الصيام بفوتهما.
الثالثة: قال الشيخ: ويفطر من عادته السفر كصاحب البريد والمكاري والملاح إذا كان له بلد يأوي إليه.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا كان الإنسان المسافر يحمل أهله معه، أو ليس له أهل، فإنَّه يلزمه الصيام؛ لأنَّ سفره هذا غير منقطع، وإن كان له أهل، ولكن لا يحملهم معه، فهو يخير بين الصيام والإفطار.
***
стр. 1684
٥٦١ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "رُخِّصَ لِلْشيْخِ الكَبِيرِ أنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِيْنًا، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديت صحيحٌ.
أخرجه الحاكم وصحَّحه، وقال الدارقطني: إسناده صحيح، وقد أخرجه البخاري (٤٢٣٥) بنحوه من طريق عطاء إلى ابن عباس، وله شواهد.
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعد أن استعرض هذا الأثر وأتى بطرقه وبحثها وناقشها-: قال: حديث ابن عباس يدل على أنَّ العاجز عن الصيام -لكبره أو مرض مزمن- يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا صحيح يشهد له حديث ابن عمر وأبي هريرة [رواه أحمد (٧٣٦٧)].
* ما يؤخد من الحديث:
أول ما نزل في شأن صيام رمضان: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]
فصار المسلمون مخيرين في أول الأمر بين الصيام وبين الفطر مع الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم؛ لما جاء في البخاري (٤٢٣٧) عن سلمة بن الأكوع أنَّه قال: "لما نزلت: ﴿يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هو كان
стр. 1685
من أراد أن يفطر، يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فنسختها"، فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم.
أما الشيخ الهرم الذي يشق عليه الصيام، ومثله العجوز الكبيرة التي يشق عليها الصيام-: فلا يوجد نسخ في حقهما، وإنما لهما أن يفطرا، ولا قضاء عليهما، وإنما عليهما الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا هو ما جاء مرويًّا عن ابن عباس بقوله: "رخِّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه".
ويشهد لهذا التفصيل ما أخرجه الإمام أحمد (٢١١٠٧) وأبو داود (٥٠٧) وغيرهما عن معاذ بن جبل قال: "أثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام".
والخلاصة: أنَّ الرخصة العامة بالإفطار والإطعام نسخت بالآية الثانية، أما الرخصة للشيخ الكبير والشيخة الكبيرة فلم تنسخ في حقهما، وبيَّنت السنة أنَّها مشروعة مستمرة إلى يوم القيامة.
ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة -اللذين يشق عليهما الصيام- المريضُ الميؤوس من برئه، ويشق عليه الصيام فله الفطر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم، وقدْر إطعام المسكين هو مد من البر "الحنطة"، ونصف صاع من غيره، والصاع النبوي أربعة أمداد، كل مد هو (٦٢٥) غرامًا، فالصاع النبوي (٣ كيلو غرامات) هذا في حق الكبيرين العاجزين العاقلين، أما الذي أصابه الخرف والتخليط، فلا صيام عليه ولا كفارة؛ لأنَّه ممن رفع عنهم القلم والتكليف.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين أو الطفل فقط، وأفطرتا، هل عليهما الكفارة؟ أو لا؟
ذهب الإمامان الشافعي وأحمد: إلى وجوب الكفارة؛ لما روي عن ابن
стр. 1686
عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: كانت للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما لا يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا، قال أبو داود (٢٣١٨): "يعني: على أولادهما" قال الألباني: "أثرٌ صحيحٌ".
وذهب الحنفية والمالكية إلى: أنَّهما تقضيان ولا تطعمان، وهو قول الحسن، وعطاء، والنخعي، والزهري، وإليه ذهب الأوزاعي، وسفيان، الثوري.
ولا يوجد ما يدل على الوجوب، والأصل براءة الذمة، ولكن صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر، في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أنَّ تفطرا وتطعما؛ لدخولهما في الآية الكريمة، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
قال ابن القيم: أفتى به ابن عباس وغيره؛ إقامةً للإطعام مقام الصيام.
وقال الشيخ تقي الدين: تفطر، وتقضي، وتطعم عن كل يوم رطلاً من خبز بأدمه، وهو مذهب جمهور العلماء فقد قالوا: حكم الإطعام باقٍ في حق من لم يُطِقِ الصيام، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، تفطران، وتطعمان، وتقضيان.
* فائدة:
الذين لا يجب عليهم صيام شهر رمضان أداءً أربعةُ أصنافٍ:
الأول: يفطر ويقضي، وهم:
١ - المريض الذي يرجى زوال مرضه، ويشق عليه الصيام.
٢ - المسافر سفر قصر.
٣ - المفطر لإنقاذ معصوم.
٤ - الحائض والنفساء.
٥ - الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما فقط، أو خافتا مع نفسيهما على الجنين أو الرضيع.
стр. 1687
الثاني: يفطر ويقضي ويطعم مسكينًا عن كل يوم، وهم:
الحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها، والمذهب أنَّ الإطعام على من يمون الجنين والرضيع، وقال بعضهم: عليهما كليهما.
الثالث: من لا يجب عليه الصيام أداء ولا القضاء، وإنما تجب عليه الكفارة بدل الصيام؛ وهم الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة، اللذان يشق عليهما الصيام.
ففي البخاري (٤٢٣٧)، ومسلم (١١٤٥)، من حديث سلمة بن الأكوع قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت التي بعدها فنسختها" أما ابن عباس فلا يرى النسخ، وإنما جاء عنه ما رواه أبو داود (٢٣١٨) وغيره قال: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والمرضع والحبلى، إذا خافتا على ولديهما، أفطرتا وأطعمتا".
قال بعض المحققين: فتكون الآية محكمة غير فنسوخة، وأنَّها إنما أريد بها هؤلاء من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، وهو أولى من ادعاء النسخ، فإنَّه خلاف الأصل، فالواجب عدمه، أو تقليله مهما أمكن.
والمريض الذي لا يرجى شفاؤه، حكمه حكم الكبير، يفطر ويطعم عنه. الرابع: من لا يجب عليه أداءً ولا قضاءً، أو لا يصح منه، وهم:
١ - الكافر لا يصح منه، ولا يقضيه، لو أسلم، مع أنَّه إذا مات على كفره سئل عنه وعُذِّبَ على تركه.
٢ - الصغير والصغيرة، وهما من دون البلوغ، وهما مميزان، فيصح منهما، ولا يجب عليهما، وينبغي أمرهما به ليعتادا عليه.
٣ - المجنون لا يصح منه، ولا يقضيه بعد إفاقته، ولا يطعم عنه.
٤ - المختلط في عقله لا يجب عليه، ولا يطعم عنه.
стр. 1688
٥٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لاَ. ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، فَقَالَ: أَعَلَى افْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". رَوَاهُ السَّبْعَةَ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رجل: هو سلمة بن صخر البياضى.
- هلكت: الهلاك العذاب، ومراده: فعلت ما هو سبب هلاكي.
- وقعت على امرأتي: أي: جامعها مختارًا عالمًا، وفي إحدى الروايات: "وطئت امرأتي، وأنا صائم".
- تعتق رقبة: العتق: الخلوص، وهو تخليص الرقبة من الرق، والرقبة عبدٌ، أو أمةٌ، وخصت الرقبة من جميع البدن؛ لأنَّ الرق كالغل في رقبته، المانع له من التصرف، فإذا عتق صار كأنَّ رقبته أطلقت من ذلك الغل.
تعتق رقبة: المراد بها: النفس الكاملة، وقد عبَّر بالبعض عن الكل، وهو
стр. 1689
جائز، إذا كان فقد البعض فيه فقد الكل، ولذا يعبر عن الصلاة بالركوع والسجود والقرآن؛ لأنَّ هذه الأشياء أركان فيها، إذا فقدت فقدت الصلاة.
- مسكينًا: من: السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة والفقر، وهو من لا يجد كفاية عامة من النفقة.
- عرق: -بفتحتين للعين والراء بعدهما قاف- وهو الزنبيل فيه عشرون صاعًا، أو خمسة عشر صاعًا.
- لابتيها: تثينة "لابة"؛ وهي الحرة، وهي الأرض التي تعلوها حجارة سود، جمعه لابات، والمدينة المنورة بين لابتين: شرقية وغربية، فالحرة الشرقية تسمى حرة الوبرة، والغربية حرة واقم.
- بدت أنيابه: جمع: "ناب"؛ وهي الأسنان الملاصقة للرباعيات، وهي أربعة، وبدو أنيابه ﷺ من حال الرجل، في كونه جاء خائفًا من الهلاك، فلما وجد الرخصة طمع أن ياكل ما أعطيه من الكفارة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الرجل الذي وطىء في نهار رمضان هو سلمة بن صخر البياضي من بني بياضة، أحد بطون الأنصار.
٢ - أنَّ الوطء للصائم في نهار رمضان من الفواحش الكبار المهلكات، فالنبي ﷺ أقره على أنَّ فعله هذا مهلك.
٣ - أنَّ الوطء عمدًا يوجب الكفار المغلظة، وهي على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
٤ - أنَّ العبرة بالشهور لا بعدد الأيام، فإذا ابتدأ الصوم في خمسة عشر من ربيع الأول، فإنَّه ينتهي بنهاية خمسة عشر من جمادى الأولى.
٥ - أنَّ الإنسان مؤتمن على عبادته البدنية والمالية، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّه على
стр. 1690
عجزه عن الكفارة بأنواعها.
٦ - عدم تعنيف التائب على ما وقع منه من معصية.
٧ - عظم خطر الجماع في الصيام الواجب، وهو في نهار رمضان أشد خطرًا؛ لقوله: "هلكتُ" ولوجوب الكفارة.
٨ - الجماع في نهار رمضان هو الموجب للكفارة؛ لحرمة الزمن، أما قضاء رمضان فحرام، ولكنه لا يوجب الكفارة، قال في الروض وحاشيته: ومن جامع في نهار رمضان، فعليه القضاء والكفارة، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
٩ - أنَّ الكفارة لا تسقط عمن وجبت بالإعسار والعجز عنها، فليس في الحديث ما يدل على سقوطها، والأصل بقاؤها في ذمته.
١٠ - جواز التكفير من الغير، ولو من أجنبي بشرط علم المكفر عنه؛ لأنَّها عبادة تحتاج نية.
١١ - أنَّ للمكفر عنه الأكل منها هو وأهله ما دامت مخرجة من غيره، أما لو أخرجها هو: فإنَّها لا تجزىء عنه إذا أنفقها على نفسه وأهله.
١٢ - أنَّ من ارتكب معصية لا حدَّ فيها، ثم جاء تائبًا نادمًا، فإنَّه لا يعزَّر.
١٣ - حسن خلق النبي ﷺ ، وكرم الوفادة عليه، فقد جاء هذا الرجل خائفًا يشكو الهلاك، فراح من عنده فرخا مغتبطًا، معه ما يطعمه أهله.
١٤ - الكفارة هي فدية تلزم المجامع في نهار رمضان من غير عذر، عقوبةً له، وزجزًا له ولغيره، وتكفيرًا لجرمه، واستدراكًا لما فرط منه، فهي بمنزلة الحدود المطهَّرة، والجماع مفسد للصوم بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
١٥ - الجماع الموجب للكفارة هو إيلاج الذكر في الفرج، قبلاً كان أو دبرًا، ولو لم يحصل مع الإيلاج إنزال، فأما الإنزال بالمباشرة دون الفرج، فإنَّه يفطر الصائم، ويلحقه الإثم، ولكنه لا يوجب الكفارة.
стр. 1691
١٦ - المرأة الموطوءة إن كانت ذاكرةً مطاوعةً، فعليها ما على الرجل الواطىء، من الكفارة والقضاء والإثم؛ لأنَّ الأصل تساويهما في الأحكام، وإن لم تكن مطاوعة فصيامها صحيح، ولا قضاء عليها، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
١٧ - المشهور من مذهب أحمد: أنَّه إذا طلع الفجر على المجامع فنزع في الحال، فعليه القضاء والكفارة، لأنَّ النزع جماع على المذهب، ومذهب الأئمة الثلاثة أنَّ النزع ليس بجماع، فلو طلع عليه الفجر، وهو يجامع، فنزع في الحال فلا قضاء ولا كفارة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
١٨ - يجوز للإنسان أن يشكو حاله إلى من يقدر على مساعدته على بلواه، إذا لم يكن على سبيل التسخط.
١٩ - يجوز للإنسان أن يخبر عما لا يحيط به علمًا، إذا غلب على ظنه ذلك، فقوله: "ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا" هو إخبار على حسب ظنه، وإلاَّ فاليقين لا يوصل إليه إلاَّ بالبحث عن أهل المدينة بيتًا بيتًا.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على وجوب الكفارة على من جامع عامدًا ذاكرًا في نهار رمضان، واختلفوا في الناسي والمكره:
فذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى: أنَّ عليه القضاء دون الكفارة.
وذهب الشافعي وجمهور العلماء إلى: أنَّ من جامع ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة، وهو رواية للإمام أحمد، واختارها جملة من أصحابه، منهم الشيخ تقي الدين وابن القيم وغيرهما.
أما المشهور من مذهب الإمام أحمد، والذي مشى عليه أصحابه، وأهل الظاهر: فهو وجوب الكفارة، ووجود الفطر في الجماع من العامد والناسي، والجاهل والمكره؛ لأنَّ الجماع أعظم المفطرات؛ لما فيه من الشهوة واللذة
стр. 1692
المنافية للمقصود من الصوم، والإقبال على الله تعالى؛ فقد قال تعالى في الحديث القدسي: "يدع طعامه وشهوته من أجلي" [رواه البخاري (١٧٧١) ومسلم (١٩٤٢)].
ولأنَّه لا يتصور وقوع النسيان والإكراه في الجماع، فإنَّ شهوته إذا تحركت ذهب معنى الإكراه وصار مختارًا.
أما الذين يرون عدم الإفطار والكفارة من جماع الناسي والمكره: فيسدلون بأدلة منها:
١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ - وقال ﷺ : "عفي لأمتي عن: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" [رواه ابن ماجه (٢٢٠٤٥)].
٣ - الحديث الوارد في الجماع في حق الواحد، ولا يتناول الناسي، وهو العمدة في هذه المسألة.
٤ - بالإجماع لا يلحق إثمٌ، ولا عقابٌ، دنيوي ولا أخروي، على الواطىء نسيانًا، فكذا الكفارة.
٥ - الناسي والمكره ليس لهما فعل، ولا يصح نسبة الفعل إليهما؛ لأنَّ الفعل المنسوب للفاعل هو ما كان يقصده، وهنا لا يوجد قصد، ولا إرادة.
٦ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ المجامع ناسيًا أو مكرهًا لا فطر عليه، ولا كفارة؛ لأنَّ الله عفا عن الناسي والمخطىء.
٧ - أما المرأة فإن طاوعت على الوطء، فعند الأئمة الثلاثة عليها الكفارة، وعند الشافعي لا كفارة عليها.
وقول الجمهور هو الصحيح، فقد جاء في بعض روايات الحديث: "هلكت وأهلكت"، قال المجد في "المنتقى"،: ظاهر هذا أنَّها كانت مكرهة.
واختلف العلماء: هل تسقط الكفارة بالإعسار والعجز عنها؟ على قولين:
стр. 1693
ذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها تسقط، لأنَّ النبي ﷺ رخَّص للرجل أن يطعم التمر أهله، ولو كانت كفارة عنه لما حلت له، ولا لأهله.
وذهب الجمهور إلى: أنَّها لا تسقط بالإعسار؛ لأنَّه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل ظاهره عدم سقوطها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لما سأل الواطىء عن أنزل درجات الكفارة، وهي الإطعام، وقال: لا أجد، سكت ولم يبرىء ذمته منها، والأصل أنَّها باقية، وقياسًا لهذه الكفارة على سائر الكفارات والديون التي لا تسقط بالإعسار.
أما الترخيص له بإطعام الكفارة لأهله، فإنَّ من وجب عليه كفارة إذا كفر عنه غيره، جاز أن يأكل منها، وأن يطعمها أهله.
***
стр. 1694
٥٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصْبِحُ جُنبًا مِن جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "وَلَا يَقْضِي" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يصبح جنبًا: يدخل في الصباح، ويطلع عليه الفجر، وهو في حال الجنابة لم يغتسل منها.
- جنبًا: سميت الجنابةُ: "جنابةً"؛ لكونها سببًا لاجتناب العبادة، أو لأنَّ الماء باعد وجانب محله.
- من جماع: "من" سببية، والمعنى بسبب جماع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان النبي ﷺ يجامع من الليل، وربما أدركه الفجر، وهو جنب لم يغتسل، فيصوم ثم يغتسل بعد طلوع الفجر، ويتم صومه، ولا يقضيه.
٢ - هذا عامٌّ في رمضان وفي غيره، قال ابن كثير: وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وحكاه الوزير إجماعًا؛ فإنَّ الآثار في ذلك متواترة.
٣ - صحة صوم من أصبح جنبًا من جماع، أو غيره من الليل.
٤ - إذا جاز في الجنابة من الجماع، فمن غير الجماع أولى.
٥ - لا فرق بين الصوم الواجب والنفل، ولا بين رمضان وغيره.
٦ - جواز الجماع في ليالي رمضان، ولو كان قبيل طلوع الصبح.
стр. 1695
٧ - لو طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّ عليه القضاء والكفارة؛ لأنَّ النزاع جماع.
وجمهور العلماء -ومنهم الأئمة الثلاثة-: أنَّ النزع ليس بجماع، وأنه يجب عليه النزع، ولا قضاء عليه ولا كفارة.
٨ - يؤخذ من جواز طلوع الفجر على الصائم وهو جنب، جواز طلوع الفجر على الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال.
٩ - فضل نساء النبي ﷺ ؛ فقد نقلن للأمة من العلم الشيء الكثير، لاسيَّما الأحكام التي لا يطلع عليها إلاَّ هنَّ من أعمال النبي ﷺ ، فرضي الله عنهن.
***
стр. 1696
٥٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- وليه: من: ولي الشيء يليه ولاية بالفتح والكسر، والولي فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، والجمع: أولياء، ويطلق على القريب والناصر، ذكرًا كان أو أنثى، وسيأتي في ما يؤخذ من الحديث أنَّ المراد به الوارث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الديون التي على الميِّت يجب قضاؤها؛ سواء كانت لله تعالى، كالزكاة والصيام، أو للآدميين.
٢ - أنَّ أولى من يتولى أداء ذلك عنه هو وارثه، الذي له عليه حق البر، فهذا من أعظم البر والإحسان.
٣ - ظاهر الحديث وجوب قضاء الصيام عن الميت؛ سواء كان واجبًا بأصل الشرع، أو نذرًا، فالصيام في الحديث نكرة تشمل كل صوم.
٤ - أنَّ الذي يتولى أداء الصيام عن الميت هو وارثه، الذي انتفع بما خلفه من مال، فيقتضي ذلك القيام بأداء الديون التي لله تعالى، أو لخلقه؛ تطبيقًا للقاعدة الشرعية: "مَنْ غَنِمَ غَرِمَ"، و"الخَراج بالضمان".
٥ - إذا كان للميت عدد من الأولياء، فيجوز أن يتقاسموا أيام الصيام التي على مورثهم، ويصوم كل واحد منهم قسمًا منها؛ سواء كانوا رجالًا، أو نساءً، أو من الصنفين، ولو قاموا بالصيام في يوم واحد.
стр. 1697
هذا ما لم يكن يشترط فيه التتابع كالكفارة، فإنَّه لا يجوز أن يصوموه جميعًا، وإنما يصوم أحدهم بعضه، ثم يكمله الآخر.
* خلاف العلماء:
اختلف في حكم قضاء صيام من مات وعليه صيام، على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا يقضى عنه بحال، لا النذر، ولا الواجب بأصل الشرع، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.
الثاني: يصام عنه النذر، دون الواجب بأصل الشرع، وهذا مذهب الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، ونصره ابن القيم.
الثالث: يصام عن الميت النذر الذي تمكن من أدائه ولم يصمه، كما يصام عنه الواجب بأصل الشرع، وهد ذا قول أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، وجماعة من محدثي الشافعية، وعلَّق الإمام الشافعي القول به على صحة الحديث.
قال البيهقي: لو وقف الشافعي على جميع طرق الأحاديث لم يخالفها إن شاء الله، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي، وقال: إنَّه اختيار شيخ الإسلام في جميع الديون التي على الميت لله، أو للآدميين، أوجبها على نفسه، أو وجبت عليه بأصل الشرع.
واستدل المانعون بأدلة:
منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩].
وما روي عن ابن عباس: "لا يصل أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد" [رواه النسائي في الكبير ٢٩١٨١)]، وروي عن عائشة مثل ما روي عن ابن عباس، وهما راويان لحديثي الصيام عن الميت، ومع هذا خالفاه، فاتباع رأيهما في ذلك أولى، لأنَّهما أعلم بمعنى الحديث.
واستدل المجوزن للقضاء -مطلقًا-: بحديث الباب؛ فإنَّه عامٌّ في
стр. 1698
الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر.
كما استدلوا: بحديث ابن عباس الذي في البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفاقضيه عنها؟ فقال: نعم، دين الله أحق أن يقضى".
وأما المفصلون: فيرون أنَّ حديث الباب وحديث ابن عباس خاصان بالنذر، ونصر هذا القول ابن القيم، وقال: لا يصم أحد عن أحد، مراده في الفرض، وأما النذر فيصام عنه، وبهذا يظهر الاتفاق بين الروايات، وزاد ابن القيم بقوله: النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه الإنسان على نفسه، فصار بمنزلة الدين الذي استدانه.
وسر الفرق بينهما: أنَّ النذر هو التزام المكلف بما شغل به ذمته، لا أنَّ الشرع ألزمه به ابتداءً، فهو أخف حكمَا مما أوجبه الشارع أصلًا، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه، بخلاف واجبات الشرع الأصلية، فهي على قدر طاقة الإنسان.
والراجح أنَّ الحديث عامٌّ في الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر.
والأحاديث والآثار المعارضة لهذا الحديث لا تقاوم هذا الحديث، ولا تصلح لمعارضته.
وتوجد النصوص الصحيحة الكثيرة من السنة تسند معنى هذا الحديث، فقد قالت المرأة الخثعمية للنبي ﷺ : "إذن أحج عن أبي، فقال: نعم" [رواه البخاري (١٤١٧)، ومسلم (٢٣٧٥)،، ومثلها المرأة الجهنية لما قالت: "إنَّ أمي نذرت أن تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال: نعم، حجي عنها، اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء" [رواه البخاري (٦٧٧١) ومسلم (١٩٣٩)]، وأفتى سعد ابن عبادة: أن يتصدق عن أمه لما ماتت، ولم تتصدق، ومن نيتها أن تتصدق، وهذه أحاديث في الصحيحين.
стр. 1699
باب صوم التطوع وما نهي عن صومه
مقدمة
التطوع: فعل الطاعة مطلقًا، وأطلقه الفقهاء على نوافل العبادات من صلاةٍ، وصدقةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ.
وفيه فضل عظيم لما يحصل به من الثواب، وتكفير السيئات، وكثرة الحسنات، وترقيع الواجبات، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: من زاد عن الواجب بنوافل العبادات فهو أعظم؛ لأنَّ الخير اسم جامع لكل أمر نافع.
وقال تعالى في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل، حتى أحبه" [رواه البخاري (٢٦٠٢١)].
قال الإمام أحمد: الصيام أفضل ما تطوع به، لأنَّه لا يدخله الرياء.
وقد ورد في فضله أحاديث شريفة، منها ما جاء في البخاري (١٧٧١) ومسلم (١٩٤٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلاَّ الصوم؛ فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
فالله جل وعلا خصَّ نفسه بالصيام بإضافته إليه دون سائر الأعمال، تنويهًا وتشريفًا وتفخيمًا له، ثم تولى جزاء صاحبه بلا عدد ولا حساب، ذلك أنَّ الصيام سرٌّ بين الله تعالى، وبين عبده، لا يطلع عليه سواه.
فنسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
стр. 1700
٥٦٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشورَاءَ، فَقَال: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضِيَةَ، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ: ذلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَليَّ فِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عاشوراء: فيه ألف التأنيث الممدودة، وهو أفصح من القصر، وعاشوراء من باب الصفة التي لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء، وهو مأخوذ من لفظ: "العاشر" عند جماهير العلماء، فإنَّه اليوم العاشر من شهر محرم، وقيل: إنَّه التاسع من محرم مأخوذ من إظماء الإبل، فإنَّ العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد: ربعًا، وكذا باقي الأيَّام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرًا، والقول الأول أرجح وأشهر عند العلماء وجمهور المسلمين، وهو اسم إسلامي لا يعرف بهذا الاسم في الجاهلية.
- بعثتُ فيه، وأنزل عليَّ فيه: هما معنيان مترادفان، والدليل الرواية الأخرى في مسلم: "يوم بعثت فيه، وأنزل عليَّ فيه".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث استحباب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأنَّه يكفر ذنوب السنة الماضية، أما السنة الآتية فإنَّ تكفير السيئات في المستقبل من العمر، لم يكن إلاَّ للنبي ﷺ ؛ لقوله تعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا
стр. 1701
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
وكذلك لأهل بدر، فقد جاء في الحديث القدسي: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم".
قال العلماء: معنى هذا الحديث: أن يوفق صائمه ويعصمه، فلا يأتي بذنب، أو يوفقه لأعمال صالحة تكفر ما يقع فيها من الذنوب.
٢ - صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع، بإجماع العلماء.
٣ - صيامه مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة؛ لما روى الخمسة عن أبي هريرة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" وكراهة صوم عرفة بعرفة مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
٤ - يدل الحديث على استحباب صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٩١١) عن ابن عباس: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صامه، وأمر بصيامه".
٥ - صيام عاشوراء يكفر سيئات السنة التي قبله؛ ذلك أنَّ فضله أقل من فضل يوم عرفة، وفضل صيامه أقل من فضل صيام يوم عرفة.
٦ - جاء في صحيح مسلم (١٩١٧)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابل، لأصومنَّ التاسع" ولذا استحب جمهور العلماء -ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد- الجمع بالصيام بين التاسع والعاشر.
ظاهر الحديث: أنَّ صوم يوم عرفة يكفر الصغائر والكبائر من الذنوب، به قال بعض العلماء، والجمهور على أنَّه لا يكفر الكبائر، وقالوا: إنَّ صوم يوم عرفة ليس أفضل من الصلوات الخمس، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر".
وقال النووي: المراد بالذنوب التي يكفرها الصيام هي: الصغائر، فإن لم
стр. 1702
يوجد صغائر، رجي أن يخفف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت له درجات.
قال إمام الحرمين: وكل ما يراد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات.
قال النووي: وقد ثبت ما يؤيده: فمن ذلك حديث عثمان ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلاَّ كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" [رواه مسلم (٣٣٥)].
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنَّ، ما لم تغش الكبائر" [رواه مسلم].
٧ - قال شيخ الإسلام: أيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان من ليالي عشر ذي الحجة.
قال ابن القيم: ذلك أنَّه ليس من أيام العمل أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وأما ليالي عشر رمضان ففيها ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر.
٨ - يدل الحديث على استحباب صوم الاثنين من كل أسبوع؛ ذلك أنَّ هذا اليوم المبارك امتنَّ الله فيه على المسلمين بثلاث منن عظام، هي: ولادة النبي ﷺ ، وبعثته ﷺ رسولًا بشيرًا ونذيرًا إلى هذه الأمة، والنعمة الثالثة إنزال القرآن الكريم في هذا اليوم، ولا شك أنَّ هذه نعم عظام، وآلاء جسام خصَّ الله تعالى بهنَّ يوم الاثنين، فصار كأنَّه يوم فرح وسرور ينبغي منَّا الشكر فيه، وشكر الله هو القيام بعبادته.
٩ - كما جاء الفضل بصوم يوم الخميس من كل أسبوع، فقد روى الإمام أحمد
стр. 1703
(٧٣١٨)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٣٠) أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".
١٠ - لا دليل في الحديث على مشروعية إقامة الموالد، فإنَّ العبادات توقيفية ولا تكون إلاَّ من الشارع، والشارع عين العبادة التي تؤتى في يوم الاثنين، وهي فضيلة صيامه، فنقتصر على الوارد ولا نتعداه.
٢ - معنى عرض الأعمال -والله أعلم-: إظهارها، والإخبار عنها، وجزاؤها عند الله تعالى، فالأفضل أن يعرض عمله في يوم هو صائم فيه؛ ليظهر تجمله في هذا اليوم، فكل مناسبة لها زينتها ومظهرها اللائق بها.
***
стр. 1704
٥٦٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوَبَ الَأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أتبعه: يقال: تبعه يتبعه تبعًا وتباعًا، من باب تعب، وأتبعه: ألحقه به، وجعله تابعًا له.
- شوال: -بفتح الشين المعجمة وتشديد الواو-: هو الشهر العاشر من السنة القمرية الهجرية، وهو أول أشهر الحج، قيل: سمي: شوالًا؛ لأنَّه وقت تسمية الشهور صادف تشويل الإبل، جمعه: شوالات.
الدهر: بفتح الدال وإسكان الهاء، ويطلق على أزمنة كثيرة متفاوتة، ولكن المراد هنا هو: السنة القمرية، كما سيأتي بيانه في ما يؤخذ من الحديث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه استحباب صيام ست من شوال؛ لهذا الحديث الصريح التصحيح، الذي جاء من ثلاث طرق غير هذا الطريق: فرواه أحمد (٢٢٤٣٣)، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (٦٩٠)، من ثلاثة أوجه حتى قيل: إنَّه حديث متوات؛ ذلك أنَّ الدمياطي جمع طرق الحديث، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا، أكثرهم حفاظ ثقات.
٢ - استحباب صيام الست هو مذهب السلف والخلف، وجمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.
стр. 1705
أما مالك: فيرى كراهة صيامها؛ لئلا يظن العامة وجوبها؛ لقربها من رمضان، وهذا تعليل واه جدًّا في مقابل السنة الصحيحة الصريحة، فهو تعليل لا يستقيم، ولا يبقى أمام البحث والنظر، وأحسن ما اعتذر به عن الإمام مالك ما قاله محقق مذهبه، وشارح "موطّئه"، أبو عمر بن عبد البر: أنَّ هذا الحديث لم يبلغ مالكًا، ولو بلغه لقال به.
٣ - قال في "الإقناع وشرحه": يسن صوم ستة أيام من شوال، ولو متفرقة، ولا تحصل الفضيلة بصيامها في غير شوال.
٤ - من صامها مع رمضان، فكأنما صام الدهر فرضًا؛ ذلك أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة الأيام عن شهرين، فذلك سنة كاملة، فحصل ثواب عبادة الدهر على وجه لا مشقة فيه، فضلًا من الله، ونعمةً على عباده.
٥ - استحب العلماء أن يكون صيام الست بعد يوم العيد مباشرة؛ لمراعاة أمور عامة، منها: المسارعة إلى فعل الخير، ومنها المسارعة إليها دليلٌ على الرغبة في الصيام والطاعة، وعدم السأم منها، ومنها ألا يعرض له من الأمور ما يمنعه من صيامها إذا أخرها، ومنها أنَّ صيام ستة أيام بعد رمضان كالراتبة بعد فريضة الصلاة، فتكون بعدها، وغير ذلك من الاعتبارات، والله الموفق.
وأما فضلها: فيحصل في أي ستة أيام صيمت من شوال، مجتمعةً أو متفرقة.
* خلاف العلماء.
اختلف العلماء في جواز صيام التطوع -ومنها أيام الست- وعليه صيام واجب:
فذهب الأئمة الثّلاثة إلى: جوازه، وقاسوه على صلاة التطوع قبل صلاة
стр. 1706
الفرض في وقتها.
والمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه يحرم صيام التطوع، ولا يصح، ما دام عليه صوم واجب.
قال في "شرح الإقناع": ويحرم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، ولا يصح، نصَّ عليه، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه؛ لحديث: "إنَّ الله لا يقبل تطوعًا، حتّى تؤدى فريضته" [رواه ابن أبي شيبة (٣٤٤٣٣) موقوفًا على أبي بكر ﵄].
أما من صام الستة الأيام من شوال، وعليه قضاء-: فإنَّه بذلك صامها قبل أن يكمل رمضان، والحديث: "من صام رمضان ... ".
واختلفوا: هل تقضى الأيام الستة إذا خرج شوال؟ فيه قولان لأهل العلم: الأرجح: أنَّها لا تقضى؛ لأنَّها سنة فات محلها.
* فائدة:
قال الشيخ: ويسمي بعضهم الثامن من شوال: "عيد الأبرار"، ولا يجوز اعتقاده عيدًا؛ فإنَّه ليس بعيد إجماعًا، وليست له شعائر العيد.
***
стр. 1707
٥٦٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ بَاعَدَ اللهُ بِذلِكَ اليَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- خريفًا: الخريف: أحد فصول السنة، واقع بين الصيف والشتاء، وبروجه ثلاثة، وهي: "الميزان، والعقرب، والقوس"، والمراد هنا: السنة كلها، من باب تسمية الكل باسم بعضه، وإنما خص بالذكر من دون بقية الفصول؛ لأنَّ فيه تنضج الثمار، وتحصل سعة العيش.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الصيام من العبادات البدنية الشاقة، والجهاد من العبادات المالية والبدنية الصعبة، فمن قوي عليهما جميعًا، وقام بهما، فقد بلغ القمة في بذل الوسع والطاقة في عبادة الله تعالى، وآثر محبة الله تعالى على راحته، فجزاؤه كبير على قدر نصَبَه الشاق، وذلك بأن يبعد من جهنم وعذابها، مسافة سبعين سنة.
٢ - أنَّ العدد لا مفهوم له، وإنما تذكر الأعداد على سبيل التكثير والتوضيح، كما أنَّ من زحزح عن النار، فقد أدخل الجنة، بموجب وعد الله تعالى؛ إذ ليس هناك جهة غير الجنة، أو النار.
٣ - وفي الحديث فضل الجهاد في سبيل الله، ومقام الجهاد من الإسلام معلوم،
стр. 1708
فقد قال ﷺ : "وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله".
٤ - يقيد الصيام في سبيل الله بعدم إضعاف بدنه عن الجهاد، فإذا أضعفه فالمستحب له تركه؛ لأنَّ الجهاد مصلحة عامة متعدية، والصوم عبادة خاصة قاصرة على صاحبها، وكلما عمت مصلحة العبادة كانت أنفع وأولى.
٥ - قوله: "ما من عبد" عبودية الخلق لله تعالى قسمان:
عبودية عامة، وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع المخلوقات، ويدخل فيها الكفار والعصاة، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم].
فهي عبودية كونية يخضع لها الجميع، فهو المتصرف فيهم بالإحياء والإماتة والنعم والنقم، فهم في قهره وسلطانه وهم عبيده المسخرون بخلقه وأمره.
والعبودية الخاصة: هي التي تكون للمؤمنين، فهم متعبدون لله بطاعته، ممتثلون لشرعه، منفذون لحكمه في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
***
стр. 1709
٥٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يصُومُ: حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ، حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلاَّ رَمَضَانَ، ومَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- حتى: هي الجارة التي بمعنى: "إِلى"، والفعل بعدها منصوب بـ"أن" مضمرة وجوبًا، و"أنَّ" والفعل المضارع في تأويل مصدر مجرور بـ"حتى"، تقديره: "حتى قولنا".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان النَّبي ﷺ يسرد الصيام أيامًا كثيرة متوالية، حتى يُظن أنَّه لن يفطر، إلاَّ أنَّه لا يكمل صيام شهر غير رمضان، ويفطر الأيام المتواصلة حتى يُظن أن لن يصوم.
٢ - لعلَّ عذره في موالاة الصيام تارةً، وموالاة الإفطار أخرى-: أنَّه ﷺ يراعي المصلحة في ذلك، فإن وجد فرصةَ أيامٍ خفَّت أعمالُه فيها صام، وإذا زحمت أوقاته بأعمال المسلمين العامة فضَّل الإفطار، والتفرغ لها على الصيام، ودليل ذلك أنَّ صيامه، أو فطره لم يكن بوقت خاص، أو شهر خاص.
٣ - أما شهر شعبان: فكان يكثر فيه ﷺ من الصيام؛ وذلك إما تعظيمًا لشهر رمضان وصومه، وجعل الصيام فيه كالراتبة قبل الفريضة في الصلاة، ولعلَّ
стр. 1710
من الحكمة في ذلك التمرن والاستعداد لصيام رمضان، فلا يأتي والنفس لم تعتد الصيام، وبعضهم قال: لأنَّ شهر شعبان يغفل عنه الناس؛ لوقوعه بين شهرين عظيمين: رجب، ورمضان.
قال في "سبل السلام": ويحتمل أنَّه كان يصومه لهذه الحِكَم كلها.
٤ - وفيه دليل على أنَّه لا يخص بصيامه وقتًا دون وقت، فينبغي للمسلم مراعاة المصلحة في عباداته، فيقدم منها الأهم فما بعده، ويقدم منها ما يتعلَّق بالمصالح العامة، ولا يغفل عن غيرها، فتوزيع الوقت وتنسيق الأعمال مما يحث عليه الشرع الشريف.
٥ - وفيه أنَّه ينبغي للمسلم أن يسوس نفسه، ويمرنها على طاعة الله تعالى، حتى تعتاد ذلك وتألفه، وتصبح العبادة سهلة عليها، بعد أن كانت شاقة وثقيلة.
***
стр. 1711
٥٦٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، والتِّرمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ.
قال في "التلخيص": رواه النسائي، والترمذي، وابن حبان، من حديث أبي ذر، ورواه ابن حبان أيضًا من حديث أبي هريرة، ورواه ابن أبي حاتم عن جرير مرفوعًا، وصحَّح أبو زرعة وقفه على جرير.
قال الترمذي: حديث حسنٌ، وللحديث طرقٌ أُخر.
* مفردات الحديث:
- ثلاث عشرة ... إلخ: وتسمَّى الأيام البيض؛ وذلك لبياض لياليها بطلوع القمر في جميعها، من أولها إلى آخرها.
ثلاث عشرة: بدل من المفعول به، وهو مركب مزجي مبني على فتح جزأيه، ومحله النصب، وذُكِّر "ثلاث" موافقة ليوم المذكر، وأُنِّث "عشرة" مخالفة ليوم، وهكذا باقي هذه الأعداد المركبة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر من شهور السَنة الهلالية، وأجر الأيام الثلاثة بقدر أجر صيام الشهر كله؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، ويدل لهذا التقدير ما جاء في السنن الأربع من حديث قتادة بن
стр. 1712
ملحان أن النبي ﷺ قال: "هي كهيئة الدهر"، فالمديم على صيام الأيام الثّلاثة من كل شهر كأنه صام الدهر كله.
٢ - الأفضل أن تكون من الشهر: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ لحديث الباب، ولما أخرجه النسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن جابرٍ؛ أن النبي ﷺ قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، وأيَّام البيض صبيحة: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة".
٣ - واستحباب صيام. أيام البيض الثلاثة هو قول جمهور أهل العلم، بل حكى الوزير الاتفاق على فضيلته.
٤ - تخصيص فضيلة الصيام بأيام البيض الثلاثة -كما جاء في السنة المطهرة- فيه إعجازٌ علميٌّ، فقد ذكر الأطباء أن رطوبة الأجسام تزيد فيها مع زيادة نور القمر واكتماله، والصوم يساعد على التخفيف من هذه الفضلات وإفراغها من البدن، كما أن الصوم حينما يلاقي البدن ممتلئًا من هذه الرطوبة تخف مشقته، ويسهل تحمّله على الصائم، ولله في شرعه حِكَم وأسرار.
***
стр. 1713
٥٧٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ، وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ، إِلاَّ بِإذْنِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
زَادَ أَبُو دَاوُدَ: "غَيْرَ رَمَضَانَ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
زيادة أبي داود قال عنها النووي في "المجموع": إسنادها صحيح على شرط الشيخين.
* مفردات الحديث:
- شاهد: أي: حاضر عندها غير غائب، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: من كان منكم مقيمًا غير مسافر.
- بإذنه: من أذن يأذن إذنًا، بمعنى: أباح له وأجازه، ومنه إذن الزوج لزوجته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - حقوق الزوج على زوجته كبيرة؛ وذلك لوجوب طاعته، وامتثال أمره بالمعروف، وإجابة مطالبه العادلة، ورغباته الممكنة.
٢ - قال شيخ الإسلام: إذا تزوجت المرأة، كان زوجها أملك بها من أبيها، وطاعة زوجها عليها أوجب؛ لما روى الترمذي (١٠٧٩) عن النبي ﷺ قال: "لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها".
٣ - من هذا أنَّه لا يحل لها أن تصوم صوم تطوع وزوجها حاضر، إلاَّ بإذنه وموافقته، وأما إن كان غائبًا عنها، فيجوز أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه؛ إذ
стр. 1714
صيامها لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه، وجواز صيامها هو مفهوم حديث الباب، ولأنَّ المعنى المراد من المنع لا يوجد.
أما الصوم الواجب كرمضان أداءً كان أو قضاءً، فمقدم على طاعته، ويجب عليها صيامه ولو كره الزوج؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
٤ - فلو صامت نفلًا بغير إذنه، صحَّ صيامها، مع أن صيامها محرَّم عليها؛ ذلك أنَّ حق زوجها عليها مقدم على صوم التطوع.
٥ - لكن ينبغي أن يكون بين الزوجين عِشرة حسنة، ومعاملة طيبة، فكل منهما يعاشر صاحبه بالإحسان والمعروف؛ لتدوم الصحبة، وتستمر العِشرة.
٦ - الإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح، بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك، فإنَّه يكفي، فإنَّ الإذن العرفي كالإذن اللفظي.
***
стр. 1715
٥٧١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - عيد الفطر وعيد الأضحى هما عيدا المسلمين، اللذان يظهر المسلمون فيهما السرور والفرح والبهجة، فهما يوما شكر لله تعالى على صيام شهر رمضان، وعلى القيام بمناسك الحجِّ، وذبح الهدي والأضاحي.
وهما يوما فرح للمسلمين يتوسعون فيهما بالمباحات والطيبات، ولعلَّ من الحكمة في تحريم صومهما، ووجوب فطرهما: تمييز شهر الصيام عن شهر الفطر في عيد الفطر، والتمتع في الأكل من الأضاحي والهدي، التي أمر الله تعالى بالأكل منها بقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] والصيام عزوف عن هذه السُّنَّة.
٢ - صيام هذين اليومين هو أمر مخالف ومناف لما شرعه الله وأباحه فيهما، لذا نهى الشارع الحكيم عن صيامهما، وأمر بالفطر فيهما.
٣ - صيام يومي عيد الفطر والأضحى حرام بالإجماع، ولا يصح، أي: لا ينعقد صيامًا شرعيًّا، فلو صامهما الإنسان عن قضاءٍ، أو نذرٍ، أو نفلٍ، أو غير ذلك -لم يصح صومه، ولم يجزئه عن شيء.
٤ - يوم العيد هو ما اتَّفق عليه المسلمون، وتحقق لديهم ثبوته، ولا عبرة بكبر الأهلة وصغرها، كما لا عبرة بتعيين الدخول والخروج بالحساب، وإنما العبرة بالشهادة الصادقة على الرؤية البصرية المجردة، فقد جاء في البخاري (١٧٦٧) ومسلم (١٧٩٩)، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا
стр. 1716
رأيتموه فأفطروا".
فإذا تحققت رؤيته، اعتبروا هذا يوم عيدهم، فيحرم صومه، فصيامه شذوذ عن جماعة المسلمين؛ لما روى الدارقطني (٢/ ٢٢٤)، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون".
قال شيخ الإسلام: الهلال اسم لما يراه الناس، ويتعاملون بينهم، فالفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس.
٥ - المشهور في مذهب الإمامين: أبي حنيفة وأحمد-: أنَّه إذا ثبت رؤية الهلال في بلد لزم الناس كلهم الصوم، ولو اختلفت المطالع.
وذهب الإمام الشافعي إلى: اعتبار اختلاف المطالع.
قال شيخ الإسلام: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإذا اتفقت لزم الصوم، وإلاَّ فلا.
وهو قول في مذهب أحمد، واختار هذا القول كثير من المحققين.
واختلاف المطالع قدَّرها أهل الهيئة بـ (٢٢٢٦) كيلو (ألفين ومئتين وستة وعشرين).
٦ - قال شيخ الإسلام: لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمِد عليه كما أنَّه منافٍ للشريعة مبتدعٌ في الدين، فهو أيضًا مخطىء في العقل وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يقولون: إنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان وانخفاضه، وغير ذلك.
***
стр. 1717
٥٧٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٥٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَمَرَ ﵃ قَالَا: "لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- لم يرخص: بالبناء للمجهول، والرخصة لغة: التسهيل في الأمر والتيسير؛ يقال: رخَّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسَّرهُ وسهَّله، والمراد هنا: لم يرخص؛ يعني: لم يبح صيامها إلاَّ لما ذكر.
- أيَّام التشريق: هي ثلاثة أيام: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، سميت بذلك؛ لتشريق الناس لحوم الأضاحي والهدي فيها، ونشرها في الشمس لتجف، وذلك بعد تقديدها، وجعلها شرائح.
* ما يؤخذ من الحديثين:
- أيَّام التشريق ثلاثة: هي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، وهي أيام أكلٍ وشربٍ، وذكر الله ، فهي أيام فرح تابعات ليوم عيد الأضحى بالأكل من لحوم الأضاحي، والتبسط في
стр. 1718
المباحات، وهي أيام ذكر الله تعالى: حيث يشرع فيهن تكبير الله تعالى، فهي الأيام المعدودات، التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وسميت أيام التشريق؛ لأنَّ الناس يقددون لحوم الهدي والأضاحي، ويشرقونها في الشمس لتجف، ليدخروها لعدة أيام.
٢ - لهذه الوظائف الدينية والتقوِّي على أدائها، ولكون المسلمين فيها في أعقاب فرح العيد، والأكل مما تقربوا به إلى الله تعالى من الهدي والأضاحي، فهم في ضيافة الله تعالى، لهذا كله، ولامتثال أمر الله تعالى، حرَّم صيامها، ولا يصح لا فرضًا، ولا نفلًا، ولا نذرًا، ولا غير ذلك، وإن صامها عن شيء من ذلك لم يجزئه؛ لأنَّه لم يقع موقعه ولم يصح صيامه فيهن.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في صيام أيام التشريق، على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه لا يصح صومهن، إلاَّ عن صوم التمتع والقِران لعادم الهدي.
الثاني: لا يصح صومهنَّ مطلقًا، لا عن تمتع، ولا قِران، ولا غيره.
الثالث: جواز صومهن للتمتع والقِران، وكل صوم له سبب كنذر وكفارة، دون ما لاسبب له، فلا يصح.
والصحيح من هذه الأقوال: أنَّ صومهن محرَّم، لا يصح إلاَّ للتمتع والقِران إذا عدم الهدي، فإنَّه يجوز له صوم أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث الباب الذي معنا.
قال النووي: والأرجح في الدليل صحتها للتمتع، وجوازها له؛ لأنَّ الحديث في الترخيص له صحيح، وهو صريح في ذلك، فلا عدول عنه.
***
стр. 1719
٥٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّام، إِلاَّ أنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
٥٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أوْ يَوْمًا بَعْدَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا تخصوا: لا تفردوه دون غيره من الأيام والليالي.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع؛ لما رواه أبو داود (٨٨٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أفضل أيامكم يوم الجمعة"، وفي البخاري (٨٤٧) ومسلم (١٤١٢) أنَّه ﷺ قالَ: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له، وضلَّ الناس عنه".
فيوم الجمعة هو عيد المسلمين الأسبوعي، ومجتمعه أفضل مجامع المسلمين سوى مجمع عرفة، لذا كُرِهَ صيامه؛ لأنَّه يوم زينة وبهجة، يُظْهر فيه المسلم عزَّ الإسلام وقوته ونشاطه، ويؤدي فيه شعائره الدينية بهمة وقوَّة
стр. 1720
ونشاط، والصيام يضعف الصائم عن القيام بهذه الأمور، وإذا تزاحمت المصالح قدم أنفعها وأولاها بما يعود على المصلحة الإسلامية العامة.
قال النووي: الحكمة في كراهة صومه أنَّه يوم دعاءٍ، وذكرٍ، وعبادةٍ، فاستحب الفطر فيه؛ ليكون أعون عليها، ولأنَّه عيد الأسبوع الذي هدى الله إليه هذه الأمة، حينما أضل عنه اليهود الذين عظموا السبت، وأضل عنه النصارى الذين عظموا يوم الأحد، فالحمد لله على نعمته وهدايته.
وقال أيضًا: في الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من دون الليالي، فهذا متفق على كراهته.
٢ - يدل الحديثان على كراهة إفراد يوم الجمعة بصيام، وكراهة تخصيص ليلته بقيام؛ لئلا يتخذ الناس شعائر لم يأذن بها الله تعالى، أما صيامه أو قيامه بدون قصد لتخصيص هذه الليلة وذلك اليوم، فلا يدخل في النهي.
٣ - يدل الحديثان على جواز الصيام، وزوال الكراهة بأحد أمرين:
أحدهما: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يكون يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة.
الثاني: إذا لم يفرده بالصيام بل جمع معه غيره، بأن صام يومًا قبله، أو يومًا بعده.
ففي هاتين الحالين تزول الكراهة؛ لأنَّه لم يوجد للجمعة تخصيص.
٤ - ظاهر الحديثين تحريم الصيام؛ لأنَّ النَّهي يفيد التّحريم، كما أنَّه توجد أدلة أخر صحيحة تفيد وجوب الفطر، وتحريم الصيام؛ كحديث جويرية في البخاري، ومع هذا ذهب جمهور العلماء إِلى أن النَّهي للتنزيه لا للتحريم؛ لأنَّ النَّهي منصب على تخصيصه بصيام أو قيام، ولم يكن النَّهي على نفس الصيام والقيام.
ولعلَّ مأخذ الجمهور في الكراهة دون التحريم-: أنَّهم لما رأوا إباحة