← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

رأيتموه فأفطروا". فإذا تحققت رؤيته، اعتبروا هذا يوم عيدهم، فيحرم صومه، فصيامه شذوذ عن جماعة المسلمين؛ لما روى الدارقطني (٢/ ٢٢٤)، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون". قال شيخ الإسلام: الهلال اسم لما يراه الناس، ويتعاملون بينهم، فالفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس. ٥ - المشهور في مذهب الإمامين: أبي حنيفة وأحمد-: أنَّه إذا ثبت رؤية الهلال في بلد لزم الناس كلهم الصوم، ولو اختلفت المطالع. وذهب الإمام الشافعي إلى: اعتبار اختلاف المطالع. قال شيخ الإسلام: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإذا اتفقت لزم الصوم، وإلاَّ فلا. وهو قول في مذهب أحمد، واختار هذا القول كثير من المحققين. واختلاف المطالع قدَّرها أهل الهيئة بـ (٢٢٢٦) كيلو (ألفين ومئتين وستة وعشرين). ٦ - قال شيخ الإسلام: لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمِد عليه كما أنَّه منافٍ للشريعة مبتدعٌ في الدين، فهو أيضًا مخطىء في العقل وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يقولون: إنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان وانخفاضه، وغير ذلك. ***

стр. 1717

٥٧٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٥٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَمَرَ ﵃ قَالَا: "لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). ــ * مفردات الحديث: - لم يرخص: بالبناء للمجهول، والرخصة لغة: التسهيل في الأمر والتيسير؛ يقال: رخَّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسَّرهُ وسهَّله، والمراد هنا: لم يرخص؛ يعني: لم يبح صيامها إلاَّ لما ذكر. - أيَّام التشريق: هي ثلاثة أيام: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، سميت بذلك؛ لتشريق الناس لحوم الأضاحي والهدي فيها، ونشرها في الشمس لتجف، وذلك بعد تقديدها، وجعلها شرائح. * ما يؤخذ من الحديثين: - أيَّام التشريق ثلاثة: هي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من شهر ذي الحجة، وهي أيام أكلٍ وشربٍ، وذكر الله ، فهي أيام فرح تابعات ليوم عيد الأضحى بالأكل من لحوم الأضاحي، والتبسط في

стр. 1718

المباحات، وهي أيام ذكر الله تعالى: حيث يشرع فيهن تكبير الله تعالى، فهي الأيام المعدودات، التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وسميت أيام التشريق؛ لأنَّ الناس يقددون لحوم الهدي والأضاحي، ويشرقونها في الشمس لتجف، ليدخروها لعدة أيام. ٢ - لهذه الوظائف الدينية والتقوِّي على أدائها، ولكون المسلمين فيها في أعقاب فرح العيد، والأكل مما تقربوا به إلى الله تعالى من الهدي والأضاحي، فهم في ضيافة الله تعالى، لهذا كله، ولامتثال أمر الله تعالى، حرَّم صيامها، ولا يصح لا فرضًا، ولا نفلًا، ولا نذرًا، ولا غير ذلك، وإن صامها عن شيء من ذلك لم يجزئه؛ لأنَّه لم يقع موقعه ولم يصح صيامه فيهن. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في صيام أيام التشريق، على ثلاثة أقوال: الأول: أنَّه لا يصح صومهن، إلاَّ عن صوم التمتع والقِران لعادم الهدي. الثاني: لا يصح صومهنَّ مطلقًا، لا عن تمتع، ولا قِران، ولا غيره. الثالث: جواز صومهن للتمتع والقِران، وكل صوم له سبب كنذر وكفارة، دون ما لاسبب له، فلا يصح. والصحيح من هذه الأقوال: أنَّ صومهن محرَّم، لا يصح إلاَّ للتمتع والقِران إذا عدم الهدي، فإنَّه يجوز له صوم أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث الباب الذي معنا. قال النووي: والأرجح في الدليل صحتها للتمتع، وجوازها له؛ لأنَّ الحديث في الترخيص له صحيح، وهو صريح في ذلك، فلا عدول عنه. ***

стр. 1719

٥٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّام، إِلاَّ أنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٥٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أوْ يَوْمًا بَعْدَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ــ * مفردات الحديث: - لا تخصوا: لا تفردوه دون غيره من الأيام والليالي. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع؛ لما رواه أبو داود (٨٨٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أفضل أيامكم يوم الجمعة"، وفي البخاري (٨٤٧) ومسلم (١٤١٢) أنَّه ﷺ قالَ: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا الله له، وضلَّ الناس عنه". فيوم الجمعة هو عيد المسلمين الأسبوعي، ومجتمعه أفضل مجامع المسلمين سوى مجمع عرفة، لذا كُرِهَ صيامه؛ لأنَّه يوم زينة وبهجة، يُظْهر فيه المسلم عزَّ الإسلام وقوته ونشاطه، ويؤدي فيه شعائره الدينية بهمة وقوَّة

стр. 1720

ونشاط، والصيام يضعف الصائم عن القيام بهذه الأمور، وإذا تزاحمت المصالح قدم أنفعها وأولاها بما يعود على المصلحة الإسلامية العامة. قال النووي: الحكمة في كراهة صومه أنَّه يوم دعاءٍ، وذكرٍ، وعبادةٍ، فاستحب الفطر فيه؛ ليكون أعون عليها، ولأنَّه عيد الأسبوع الذي هدى الله إليه هذه الأمة، حينما أضل عنه اليهود الذين عظموا السبت، وأضل عنه النصارى الذين عظموا يوم الأحد، فالحمد لله على نعمته وهدايته. وقال أيضًا: في الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من دون الليالي، فهذا متفق على كراهته. ٢ - يدل الحديثان على كراهة إفراد يوم الجمعة بصيام، وكراهة تخصيص ليلته بقيام؛ لئلا يتخذ الناس شعائر لم يأذن بها الله تعالى، أما صيامه أو قيامه بدون قصد لتخصيص هذه الليلة وذلك اليوم، فلا يدخل في النهي. ٣ - يدل الحديثان على جواز الصيام، وزوال الكراهة بأحد أمرين: أحدهما: أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يكون يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة. الثاني: إذا لم يفرده بالصيام بل جمع معه غيره، بأن صام يومًا قبله، أو يومًا بعده. ففي هاتين الحالين تزول الكراهة؛ لأنَّه لم يوجد للجمعة تخصيص. ٤ - ظاهر الحديثين تحريم الصيام؛ لأنَّ النَّهي يفيد التّحريم، كما أنَّه توجد أدلة أخر صحيحة تفيد وجوب الفطر، وتحريم الصيام؛ كحديث جويرية في البخاري، ومع هذا ذهب جمهور العلماء إِلى أن النَّهي للتنزيه لا للتحريم؛ لأنَّ النَّهي منصب على تخصيصه بصيام أو قيام، ولم يكن النَّهي على نفس الصيام والقيام. ولعلَّ مأخذ الجمهور في الكراهة دون التحريم-: أنَّهم لما رأوا إباحة

стр. 1721

صيامه بقرنه بيوم قبله أو بعده، وإباحته إذا صادف صومًا للمسلم- استقرَّ لديهم أنَّ النَّهي ليس للحتم، كما هو لعيدي الفطر والأضحى، اللذين لا يجوز صيامهما بحال، والله أعلم. * فائدتان: الأولى: قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: العبادات مبناها على الأمر، والنَّهي، والاتباع، فصيام يوم المولد، وسبع وعشرين من رجب، ونحو ذلك من البدع، لم يأمر بها رسول الله ﷺ ، وقد ثبت أنَّه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد" أرواه مسلم (٣٢٤٣)، وتكون هذه الأمور وأمثالها مردودة. الثاني: قال الشيخ تقي الدين: صوم رجب أحاديثه كلها موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في فضائل الأعمال، بل عامتها من المكذوبات الموضوعات. ***

стр. 1722

٥٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، واسْتَنكرَهُ أَحْمَدُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. الحديث استنكره الإمام أحمد؛ لأنَّه تفرد به العلاء بن عبد الرحمن، قال بعضهم: هو من رجال مسلم، وقال الحافظ في "التقريب": إنَّه صدوق، وربَّما وهِم. قال أحمد وابن معين: إنَّه منكر، وقد استدلَّ البيهقي والطحاوي على ضعفه بحديث أبي هريرة في الصحيحين: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم، أو يومين". قال الشوكاني: جمهور العلماء ضعَّفوا هذا الحديث. * مفردات الحديث: - إذا انتصف شعبان: أي: إذا مضى نصفه، وبقي نصفه. - لا تصوموا: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - من مقاصد الشرع الشريف تمييز العبادات بعضها عن بعض، ولذا جاء في صحيح مسلم: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم، أو

стр. 1723

نخرج" وهذه هي حكمة النية التي تميز العادة عن العبادة، وتميز العبادات بعضها عن بعض. ٢ - من هذا الهدف -والله أعلم- نُهيَ عن الصيام إذا انتصف شعبان؛ ليكون صيام شهر رمضان منفصلًا مستقلًّا وحده. ولعلَّ من الحكمة أيضًا: حصول الاستجمام لصوم رمضان، فلا يأتي صومه والمسلم في حال ملل وكسل عن الصيام، وإنما يقبل عليه برغبة وشوق إليه، وهذا التعليل لا ينافي حديثي عائشة وأم سلمة في صيام شعبان كله أو أكثره، فالنفوس على الامتثال على العبادة ليست واحدة، والحكم يكون للغالب. ٣ - النَّهي عن هذا الصيام مقيد بما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلاَّ رجل كان يصوم صومًا فليصمه"، فمن كان له صوم معتاد فصادف ما بعد النصف من شعبان فليصمه، فإنَّه لم يدخل في النَّهي. ٤ - النَّهي عن صيام النصف الأخير من شعبان، هذا في حال إذا ابتدأ بالنصف فما بعده، أما إذا كان يصوم قبل النصف، ثم استمر إلى آخر الشهر، فإن النهي لا يشمله؛ لئلا يتعارض مع ما جاء في البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٩٥٧) من حديث عائشة قالت: "لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان؛ فإنَّه كان يصومه كله". * خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل النَّهي للتنزيه، أو للتحريم؟ فذهب كثير من الشافعية إلى: أنَّ النَّهي للتحريم. وذهب بعضهم إلى: أنَّه للتنزيه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وذلك لما جاء في "المسند" (٢٥٤٣٤) من حديث أم سلمة: "أنَّ النَّبيَّ

стр. 1724

- ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا، إلاَّ شعبان، يَصِلُ به رمضان". وحديث أم سلمة لا ينافي حديث أبي هريرة، الذي رواه البخاري (١٧٨١) ومسلم (١٨١٢) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين، إلاَّ رجل كان يصوم صومًا فليصمه"؛ فهذا من الصوم الذي لم يقصد به تقدّم رمضان باليوم، أو اليومين. ***

стр. 1725

٥٧٧ - وَعَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ. فَلْيَمْضَغْهَا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة. وقال الحافظ: رجاله ثقات. وقد طعن في الحديث بالاضطراب؛ لأَنَّه جاء من رواية عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، وقيل: عن عبد الله بدون أخته. وأجيب: بأنَّ هذه علة غير قادحة، فإنَّه صحابيٌّ، ولا يضر ذلك في روايته، فكلهم عدول، وأما دعوى النسخ بالحديث الذي بعده، فلا يصح؛ لأنَّ هذا أقوى من الذي بعده، ولإمكان حمل الذي بعده على معنى آخر. وقد حسَّن هذا الحديث الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن السكن، وقال النووي: صححه الأئمة، كما صححه الدارقطني، وعبد الحق، والمباركفوري، وضعَّفه بعضهم ومنهم النسائي، والطحاوي، والحافظ.

стр. 1726

* مفردات الحديث: - بُسْر: بضم الباء، اسمها: بهية المازينية. - لِحاء عنب: -بفتح اللام وكسرها فحاء مهملة ممدودة- هو قشرة كل شيء، والمراد هنا: قشرة العنب "الفاكهة المعروفة". - فليمضغها: من باب نصر وفتح؛ أي: يطعمها للفطر بها. ***

стр. 1727

٥٧٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَيَوْمُ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أن أُخَالِفَهُمْ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لفْظُهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه ابن حبان (٣٦١٦) والحاكم (١٥٩٣) وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي، وقد ضعف هذا الإسناد عبد الحق الإشبيلي، لوجود مَنْ لا يعرف حاله في سنده، ولو صحَّ لم يصلح أن يعتبر ناسخًا لحديث الصماء بنت بسر، ولا يعارض به، لإمكان حمله على أنَّه صام مع السبت يوم الجمعة، وبذلك لا يكون قد خصَّ السبت، ولذلك قال ابن عبد الهادي عقب حديث ابن عباس: وهذا لا يخالف الانفراد بصوم السبت، وقال شيخنا -يعني: ابن تيمية-: ليس في الحديث دليل على إفراد يوم السبت بالصوم، والله أعلم. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم: (٥٧٧): يدل على كراهية إفراد صوم يوم السبت، وذلك مقيد بما إذا لم يوافق عادة لصومه، أو يصومه عن قضاءٍ أو نذرٍ، أو كفارة. ٢ - الحكمة في النَّهي عن صومه والله أعلم، أنَّه يوم تعظمه اليهود، ويمسكون فيه عن الأشغال والأعمال، ويتفرغون فيه للعبادة، فصيامه تشبه بتعظيمهم إيَّاه، ومشابهة الكفار محرَّمة، فمن تشبه بقوم فهو منهم.

стр. 1728

٣ - أما إذا جمع صيام يوم السبت مع يوم الأحد، فإنَّ الكراهة تزول؛ إذ لا يوجد تشبه بإحدى الطائفتين، وهذا ما يدل عليه الحديث رقم (٥٧٨) فإنَّ صيام اليومين فيه مخالفة لأهل الملتين جميعًا؛ إذ كل أصحاب ملة يعظمون يومًا، ولا يعظمون اليومين كليهما. ٤ - قال شيخ الإسلام: دلَّت الدلائل من الكتاب والسنة، والإجماع والاعتبار على أنَّ التشبه بالكفار منهي عنه، فلا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعامٍ ولا شرابٍ، ولا لباسٍ ولا اغتسالٍ ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة، أو غير ذلك، أو ترك الوظائف الراتبة من الصنائع، أو التجارة، أو اتخاذ يوم راحةٍ وفرحٍ ولعب على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيَّام، كما لا يحل فيه إعداد وليمة ولا إهداءٌ، ولا إظهار زينة، والضابط أن يُجعل كسائر الأيام. ٥ - قال ابن القيم: إنَّ العلماء اتَّفقوا على تحريم تقديم الهدايا في أعياد الكفار الدينية، وتهنئتهم بأعيادهم التي يتعبدون لله بها، ففيه خطورة تؤدي إلى الكفر، ولهذا فإنَّه ينبغي للمسلم مخالفة أهل الكتاب في أعيادهم وعباداتهم، وأن يقصد هذه المخالفة، كما كان النبي ﷺ يصوم السبت والأحد؛ قصدًا ولمخالفة المشركين من أهل الكتاب. ***

стр. 1729

٥٧٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنكرَهُ العُقَيْلِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال في "التلخيص": رواه أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، وفيه مهدي الهجري مجهول، ورواه العقيلي في "الضعفاء" من طريقه، وقال: لا يتابع عليه. قال العقيلي: وقد روي عن النَّبي ﷺ بأسانيد جياد أنَّه لم يصم عرفة بها، ولا يصح عنه النَّهي عن صيامه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يوم عرفة يوم عظيم وصيامه أفضل صيام التطوع؛ فقد جاء في صحيح مسلم (١٩٧٦) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". إلاَّ أنَّ الحاج يوم عرفة مشغول بوظائف ذلك اليوم، من التلبية والتكبير، والذكر والدعاء، تلك الأذكار الخاصة بهذا اليوم، وهي وظائف تفوت ويفوت ثوابها بفوات ذلك اليوم، الذي قد لا يتكرر في حياة المسلم. ٢ - من أجل هذا كُره صوم عرفة بعرفة؛ ليكون الحاج قويًّا مستعليًا للقيام

стр. 1730

بوظائف هذا اليوم العظيم، من الذكر والدعاء. ٣ - عدم استحباب صوم عرفة بعرفة هو مذهب جمهور العلماء، منهم الأئمة الثّلاثة: مالك والشافعي وأحمد، ويؤكد هذا الحديث ما جاء في البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١٨٩٦): "أنَّ أم الفضل أرسلت إلى النبي ﷺ بلبن، فشرب، وهو يخطب بعرفة"، وقال ابن عمر: "حججت مع النبي ﷺ ، ثم مع أبي بكر، ثم مع عمر، ثم مع عثمان، فلم يصمه واحد منهم". ٤ - قال شيخ الإسلام: إنَّه يوم عيد؛ لما روى الإمام أحمد (١٦٧٣٩)، عن عقبة ابن عامر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام"، ومظهر العيد فيه والاجتماع هو للحجاج أكثر منه لغيرهم. ولا يمنع أن يجتمع في الحكم الواحد عدة حِكَم وأسرار، فأحكام الله تعالى مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، والحمد لله على نعمه التي لا تحصى. ***

стр. 1731

٥٨٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبي قتادَةَ ﵁ بِلَفْظِ: "لا صَامَ، وَلَا أفْطَرَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - لا صام من صام الأبد: جملة إنشائية دعائية، جاءت على سبيل الإخبار، فهو دعاء عليه، لقصد الزجر عن هذا الصنيع، وقيل: إنَّها جملة خبرية، وأنَّ من صام الدهر، فقد ألِفَ نظام الأكل على هيئة الصيام، فلا يحس بألم الجوع والظمأ، فكأنَّه لم يصم. - الأبد: بفتح الهمزة والباء، والأبد هو: الدهر الطويل، الذي ليس بمحدود، وجمعه: آباد وأبود. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - اختلف العلماء في معنى قوله: "لا صام من صام الأبد". فقال بعضهم: هذا دعاء على الصائم؛ زجرًا له عن مواصلة الصيام المجهدة الشاقة، التي تمنع القائم بها عن كثير من أعمال البر والإحسان، وتعجزه عن القيام بالواجبات نحو نفسه ونحو أهله، ونحو من يمون، ونحو أصحاب الحقوق الواجبة، والمستحبة عليه. وقال بعضهم: إنَّ معناه الإخبار عن حال هذا الصائم الذي لم يصم

стр. 1732

حقيقة، وإنما صام صورة؛ ذلك أنَّ الصيام الذي يؤجر عليه صاحبه ما نال صاحبه، من ألم الجوع والظمأ، وفقد المباحات. أما صائم الدهر: فقد ألفت نفسُه الصيام، واعتادت طبيعته الحرمان، فصار لا يحس بالصيام ولا بما يسببه من الجوع والظمأ، وبهذا فكأنَّه لم يصم، فالحديث إخبار عن حاله. ٢ - على كل حالٍ، فهو مذموم في كلا الأمرين؛ لأنَّه خالف أمر رسول الله ﷺ ، ولأنَّه اختار لنفسه قدرًا من العبادة غير القدر الذي اختاره الله ورسوله. قال ابن العربي "شارح الترمذي": إنَّ كان دعاء، فيا ويح من دعا عليه النبي ﷺ ، كان كان خبرًا فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ . ٣ - فإن قيل: إنَّ صيام الدهر فضيلة؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قال عن صائم الأيام الثلاثة من كل شهر: "إنَّ ذلك يعدل صوم الدهر" [رواه مسلم (١١٦٢)]. قال ابن القيم: هذا التشبيه إنما يقتضي التشبيه به في ثوابه، لو كان مستحبًّا. والدليل عليه من نفس الحديث، فإنَّه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أنَّ هذا حرام قطعًا، وغير جائز بالاتفاق، فالتشبيه إنما جاء على تقدير إمكانه. ٤ - الصيام المستحب هو صيام نبي الله تعالى داود؛ كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، والمسلم الموفق يراعي الأحوال في عباداته وعاداته، فلا يترك شيئاً يطغى على شيء، فإنَّ الانهماك في نوع يحرم صاحبها من أشياء ربما تكون أفضل وأولى مما هو عليه. ٥ - جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صُم يومًا، وأفطر يومًا؛ فإنَّه أفضل الصيام، ولا أفضل من ذلك"، قال

стр. 1733

ذلك ﷺ إرشادًا للأمة إلى مصالحهم، وقصرًا لهم على ما يطيقون الدوام عليه، فإنَّ أحب العمل إلى الله أدومه. وفيه نهي لهم عن التعمق والتنطع في العبادات؛ فقد قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] وقال ﷺ : "لا رهبانية في الإسلام". قال الشّيخ: فإنَّ من حق النفس اللطف بها. واشترط العلماء في فضيلة صوم يوم وفطر يوم، ألا يضعفه الصيام عما هو أفضل منه، واجبًا أو سنة. * فائدة: قال أصحابنا: ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لأنَّ فيه إحياء لشعائر الجاهلية. قال الشيخ: كل حديث يروي في فضل صومه أو الصلاة فيه، فكذب باتفاق أهل الحديث. ***

стр. 1734

باب قيام رمضان مقدمة المراد بالقيام هنا: الصلاة الوعود عليها بالغفران. سميت الصلاة: قيامًا ببعض أركانها، كما تسمى ركوعًا، قال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة]، وتسمى: سجودًا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم]، وقال ﷺ : "أعنِّي على نفسك بكثرة السجود". ولعل التسمية جاءت مطابقة لما تمتاز به من كثرة القراءة، وإطالة القيام فيها. * فضل قيام الليل: قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]. وجاء في البخاري (١٠٨٤)، ومسلم (١٩٦٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل". وجاء في "سنن الترمذي" (٢٤٠٩) بسند صحيح عن عبد الله بن سلام، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أفشُوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

стр. 1735

وجاء في صحيح مسلم (١٢٥٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في الليل ساعةً، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة، إلاَّ أعطاه إياه". وجاء في الترمذي (٣٤٧٢)؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "عليكم بقيام الليل؛ فإنَّه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم". والآيات والأحاديث والآثار في فضل قيام الليل، والحث عليه كثيرة معروفة، ولله الحمد. * قيام رمضان: والمراد بالقيام هنا: صلاة التراويح؛ لما أخرجه البخاري (١٨٧٣) ومسلم (١٢٧٠)، عن عائشة قالت: "صلَّى النَّبي ﷺ ليلة في المسجد في شهر رمضان، ومعه ناس، ثم صلَّى الثانية، فاجتمع الناس أكثر من الأولى، فلما كانت الثالثة، أو الرابعة، امتلأ المسجد حتىَّ غصَّ بأهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فجعل الناس ينادونه، فقال: أمَا إنَّه لم يَخْفَ عليَّ أمركم، ولكني خشيت أن تُكتَب عليكم"، زاد البخاري في رواية: "فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك". وأخرج النسائي (١٥٨٦) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري الجزم بأن الليل التي لم يخرج فيها النبي ﷺ هي الرابعة. وروى الترمذي (٧٣٤) بإسناد صحيح عن أبي ذرٍّ قال: "صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئًا من الشهر، حتى بقي سبع، فقام بنا، حتى ذهب ثلث الليل، فلما كان الخامسة، قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلتُ: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إنَّ الرجل إذا صلَّى مع الأمام حتى ينصرف حسبت له قيام ليلة، فلما كان الليلة الثالثة، جمع أهله والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال الراوي: قلتُ: وما الفلاح؟ قال: السحور،

стр. 1736

ثم لم يقم بنا بقية الشهر". قال ابن عبد البر: وهذا كله يدل على أنَّ قيام رمضان جائز أن يضاف إلى النبي ﷺ لحضِّه عليه، وعمله به، وإنَّ عمر ﵁ إنَّما أحيا منه ما قد سنَّ النبي ﷺ . وقال العراقي في "طرح التثريب": استدلَّ بحديث عائشة على أنَّ الأفضل في قيام رمضان أن يفعل في المسجد في جماعة؛ لكونه ﷺ فعل ذلك، وإنما تركه لمعنى قد أمِنَ بوفاته ﵊، وهو خشية الافتراض. وهذا مذهب جمهور علماء المسلمين، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وصار من الشعائر الظاهرة. * عدد الركعات: قال العراقي: لم تبين في هذا الحديث ﵂ عدد الركعات التي صلاها النبي ﷺ تلك الليالي في المسجد، وقد قالت عائشة ﵂: "ما زاد النبي ﷺ في رمضان، ولا غيره على إحدى عشرة ركعة" [رواه البخاري (١٥٧٩)]، فالظاهر أنَّه كذلك فعل في هذا المحل. لكن عمر ﵁ لما جمع الناس على صلاة التراويح في شهر رمضان، مقتدين بأُبي بن كعب، صلَّى بهم عشرين ركعة غير الوتر، وهو ثلاث ركعات، وبهذا أخذ الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والثوري، والجمهور. قال ابن عبد البر: هو قول جمهور العلماء، وهو الاختيار عندنا، وعدوا ما وقع في زمن عمر ﵁ كالإجماع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ نفس قيام رمضان لم يؤقِّت فيه النبي ﷺ عددًا معينًا، بل كان هو لا يزيد على ثلاث عشرة ركعة، لكن يطيل الركعات، فلما جمعهم عمر ﵁ على أُبي بن كعب، صلَّى بهم عشرين ركعة،

стр. 1737

ثم يوترون بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات؛ لأنَّ ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، فحينئذ فله أن يصلي عشرين ركعة، كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًّا وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصليها إحدى عشرة، فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو تقصيره، والأفضل أن يكون بحسب اختلاف حال المصلين، فإن كان منهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، فهو أفضل، وإن كانوا لا يحتملونه، فالقيام بعشرين هو الأفضل. وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، وعليه العمل في الحرمين الشريفين، ولا يكره شيء من ذلك. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ذهب أكثر أهل العلم كالأئمة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة؛ لأنَّ عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ركعة، وكان هذا بحضور الصحابة، فكان كالإجماع، وعليه عمل الناس، فلا ينبغي الإنكار عليهم، بل يتركون على ما هم عليه. والله الموفق. ***

стр. 1738

٥٨١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ؛ إيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - من: اسم شرط جازم، و"قام" فعل الشرط، وجوابه "غُفِرَ لَه". - إيمانًا: منصوب على أنَّه حال، بمعنى: أنَّه حال قيامه مؤمنًا بالله تعالى، ومصدقًا بوعده، ومؤمنًا بفضل هذه الليالي، وعظيم أجر العمل بها عند الله تعالى. - احتسابًا: منصوب على أنَّه حال، بمعنى: محتسبًا الثواب عند الله تعالى، فالحسبة بالكسر هي: الأجر، الذي يرجوه العبد القائم عند الله تعالى. قال العلماء: ويبعد أن يكون "إيمانًا واحتسابًا"؛ مفعولين من أجله، أو تمييزًا. - غُفِرَ لَهُ: من: الغفر وهو الستر، ومنه: المِغفر؛ وهو الخوذة التي تستر الرّأس، ومغفرة الله لعبده: إلباسه إياه العفو، وستر ذنوبه. - مِنْ ذنبه: متعلق بقوله: "تقدم"، ويجوز أن تكون بيانية لما تقدم. *ما يؤخذ من الحديث: ١ - معنى قيام رمضان هو إحياء ليله بالعبادة والصلاة، ففيه مشروعية صلاة الليل في رمضان، وثبتت صلاتها جماعة في المسجد عن النبي ﷺ ، ثم أجمع عليها الصحابة ﵃ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ثم عمل بها المسلمون بعد ذلك قاطبة، فقاموا بصلاة التراويح.

стр. 1739

٢ - جزاء القيام في شهر رمضان هو غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لكن تقدم أنَّ هذا مقيد بتكفير الذنوب الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، وإطلاق الذنب يشمل الكبائر والصغائر، لكن جزم إمام الحرمين بأنَّه يختص بالصغائر، ونسبه القاضي عياض لأهل السنة. قال النووي: إن لم يوجد صغائر، يرجى أن تخفف الكبائر. ٣ - قبول صلاة الليل وترتب تكفير السيئات بها مشروطٌ به أمران: أحدهما: أنَّ الذي حمل القائم علما القيام هو الإيمان والتصديق بثواب الله تعالى. الثاني: احتساب العمل عند الله تعالى، والإخلاص فيه لوجه الله تعالى، فإن فقد العمل هذين الشرطين الهامين، ودخله الرياء والمباهاة، فإنَّه باطل مردود على صاحبه، ونال به صاحبه الملامة والعذاب. ٤ - حكى الكرماني الاتفاق على أنَّ المراد بقيام الليل: صلاة التراويح، ويحصل هذا الفضل بما يصدق عليه القيام. ٥ - الحديث دليل على فضيلة قيام رمضان، وتأكد استحبابه، وتأكد صلاة التراويح جماعة في المسجد. قال شيخ الإسلام وغيره: كان الصحابة يفعلونها فى المسجد أوزاعًا في جماعات متفرقة في عهد النبي ﷺ ، وعلى علم منه بذلك، وإقراره لهم، فقد دلَّت الأخبار على أنَّ فعل التراويح جماعة أفضل من الانفراد، وذلك بإجماع الصحابة وأهل الأمصار، وهو قول جمهور العلماء. ٦ - قال شيخ الإسلام: الصلاة التي لا تسن لها الجماعة الراتبة كقيام الليل، والسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وتحية المسجد، ونحو ذلك، فتجوز جماعة أحيانًا، وأما اتخاذ ذلك سنة راتبة فهو بدعة مكروهة. ***

стр. 1740

٥٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ -أيِ: العَشْرُ الأَخِيْرَةُ مِنَ رَمَضَانَ- شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَايْقَظَ أَهْلَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - مئزره: -بكسر الميم وسكون الهمز- هو الإزار، ويقال: شد للأمر مئزره: تهيَّأ له وتشمر، وهو كناية عن الجد والتشمير في العبادة. وعن الثوري: أنَّه من ألطف الكنايات عن اعتزال النساء. وقال بعضهم: هو كناية عن التشمير للعبادة، واعتزال النساء معًا، ولكن قد تقرر عند علماء البيان أنَّ الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فلا يبعد أنَّه ﷺ قد شدَّ مئزره ظاهرًا، وتفرغ للعبادة، واشتغل بها عن غيرها. - وأحيا ليله: يُحمل على أحد وجهين: أحدهما: راجع إلى العابد، فاشتغاله بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت إحياء لنفسه. والثاني: أنَّه راجع إلى نفس الليل، فإنَّ ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه، كأنه أحياءه بالطاعة والعبادة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان هي أفضل ليالي العام كله، لما خصت به من المزايا العظيمة، والفضائل الجسيمة، التي أهمها ليلة القدر. قال شيخ الإسلام: الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي ذي

стр. 1741

الحجة، فهي الليالي التي كان رسول الله ﷺ يحييها كلها، وفيها ليلة القدر خير من ألف شهر. ٢ - كان النبي ﷺ من شدة اهتمامه بهذه الليالي المباركة، يعتكف في المسجد، ويعتزل الناس، ويعتزل نساءه، تفرغًا للعبادة، وإقبالًا على الله. ٣ - الحديث دليل على شدة الإقبال على الطاعة في تلك العشر، والانصراف عن كل ما يقطع العلاقة بالله تعالى. ٤ - قوله: "إذا دخل العشر، شدَّ مئزره" دليل على الاهتمام، والإقبال على العبادة. واختلف العلماء في تفسير "شدَّ المئزر" على قولين: أحدهما: أنَّ هذا كناية عن التشمير للعبادة، والإقبال عليها، والجد فيها. الثاني: أنَّ هذا كناية عن اعتزال النساء في هذه العشر، ويبعد المعنى الأخير: ما روي عن علي ﵁ بلفظ؛ "فشدَّ مئزرك، واعتزِل النِّساء"، فإنَّ العطف يقتضي المغايرة، فهذا غير هذا. ٥ - قوله: "وأيقظَ أهله" أي: للصلاة والعبادة؛ لئلا تفوتهم فضيلة هذه المواسم المباركات، وهذا من كمال نصحه لهم، فينبغي لقَيِّم البيت أن ينشط أهله، ويرغبهم في العبادة، لاسيَّما في المواسم الفاضلة. ٦ - العشر الأخير: هي خاتمة الشهر، والأعمال إنما تكون بالخواتيم، ولعلَّ هذا من أسرار الجِد والاجتهاد فيها. * خلاف العلماء: قال العيني ما خلاصته: المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء، وبصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء -أنَّ المراد به: الصغائر فقط؛ كما في حديث الوضوء ما لم تؤت كبيرة.

стр. 1742

قال النووي: في التخصيص نظر، لكن أجمعوا على أنَّ الكبائر لا تسقط إلاَّ بالتوبة أو بالحد. فائدة: نلخص خصائص هذه العشرة المباركات بهذه الفقرات بدون أدلتها، فهي معروفة وقريبة، ولله الحمد. أولًا: كان ﷺ يجتهد فيها بالعمل أكثر من غيرها، والاجتهاد فيها لا يختص بعبادة خاصة، بل يشمل الاجتهاد في جميع أنواع العبادة، من صلاة، وتلاوةٍ، وذكرٍ، وصدقةٍ، وغيرها. ثانيًا: كان ﷺ يوقظ فيها أهله للصلاة والذكرة حرصًا على اغتنام هذه المواسم الطيبات، فإنَّها غنيمة، لا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوتها ويهملها، فتذهب عليه سدًى. ثالثًا: كان يعتكف في هذه العشرة ليتمتع بهذه الخلوة بالله تعالى، ويسعد بلذيذ مناجاته، ويبتعد عن كل ما يشغله، ويقطعه عن هذه الخلوة بربه تعالى. رابعًا: أرجى ما تكون ليلة القدر في هذه العشرة المباركات، لذا كان ليلها أفضل ليالي العام، فينبغي تلمسها في هذه الليالي، عسى أن يوفق لها المؤمن، فيحصل له الخير الوفير، فهي "ليلة مباركة"، وهي "خير من ألف شهر". والقصد أنَّ هذه الليالي المباركات التي هي الختام المسك لصوم الشهر، ليالٍ عظيمةٍ، وفوائدها وعوائدها جسيمة، ولا يفرط فيها إلاَّ المحروم من الخير، ممن سفه نفسه، وأكبر من ذلك أن يقضيها بالمجالس المحرمة والاجتماعات الآثمة، نسأل الله تعالى السلامة. ***

стр. 1743

باب الاعتكاف مقدمة الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]، أي: الذي أقمت ودمت على عبادته. وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة، لطاعة الله تعالى. والاعتكاف سنة وقُربة: بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]، واستفاضت السنة النبوية في فعله ﷺ والترغيب فيه، وإقراره. وأجمع العلماء على مشروعيته، وأجمعوا على أنَّه مستحب وليس بواجب. قال الإمام أحمد: لا أعلم عن أحد من أهل العلم خلافًا أنَّه مسنون، وقد اتَّفق العلماء على أنَّه مسنون كل وقت، ولكنه في رمضان، وفي عَشْرِه الأخيرة آكد. * حكمته: قال ابن القيم: لما كان صلاح القلب، واستقامته على طريق سيره إلى الله

стр. 1744

تعالى، متوقفًا على جمعيته، بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شَعث القلب لا يلمه إلاَّ الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، ويعوقه، ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذْهب فضول الطعام والشراب، واستفراغ القلب من أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعيته بقدر المصلحة؛ بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة والانقطاع والانشغال به وحده ، ويصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل عموم القلب، وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم به كله، والخطرات كلها بذكره، والفكرة في تحصيل مراضيه منه، فيصير أنسه بالله، بدلًا من أنسه بالخلق، وبعده بذلك، لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. وذكر الاعتكاف بعد الصيام لمناسبتين: الأولى: أنَّ جملة الكلام على الصيام يتناول صيام شهر رمضان، وهو الشهر الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه؛ لما يرجا فيه من ليلة القدر. الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف؛ لأنَّ تمام قطع العلائق عن الدنيا يكون بالصيام، والبعد عن الشهوات والعادات. واشترط الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف الصيام، ولكن رأى غيرهم من العلماء أنَّه لا دليل لهم، إلاَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يعتكف إلاَّ صائمًا، والفعل المجرد لا يكون دالاًّ على الشرطية. وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنَّه صام أيام اعتكافه.

стр. 1745

وجاء في البخاري (٦٢٠٣) ومسلم (٣١٢٨) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلتُ: يَا رَسُولَ الله، إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أوف بنذرك"، والليل ليس وقتًا للصيام، والله أعلم. ***

стр. 1746

٥٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - يعتكف: الاعتكاف هو: حبس النفس في المسجد لله تعالى، وعكف على الشيء يعكف عكوفًا: إذا واظب عليه ولازمه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، أي: يقيمون عليها، فيلازمونها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلبًا لليلة القدر، لما قوي ظنه أنَّها في تلك العشر المباركات، واستمرَّ يعتكفهن كل سنة حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده. فيشرع الاعتكاف؛ لأنَّه سنة مؤكدة، فعلها النبي ﷺ ، وأقرَّ عليها. ٢ - فائدة الاعتكاف وثمرته هي قطع المعتكف علائقه عن الدنيا وما فيها، والخلوة بربه، والتلذذ بمناجاته، وجمعية نفسه وخواطره وأفكاره عليه، وعلى عبادته. ٣ - الاعتكاف سنة باقية لم تنسخ؛ إذ اعتكف أزواج النَّبيَّ ﷺ بعده. ٤ - كان ﷺ يعتكف شهر رمضان كله، فكان آخر الأمر منه أن اقتصر على العشر الأواخر من رمضان؛ لما يرجى فيهن من ليلة القدر. ٥ - إنَّ شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لقوله تعالى:

стр. 1747

﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولئلا يفضي اعتكافه إلى ترك الجماعة، أو إلى تكرار الخروج من معتكفه إليها كثيرًا، وهذا منافٍ للاعتكاف. ٦ - أفعال النبي ﷺ تقسم إلى أنواع خمسة: الأول: ما فعله على مقتضى الطبيعة البشرية؛ كالنوم والأكل والشرب، فهذا لا حكم له، وإنما يدخله العنصر الديني إذا قصد به الفاعل التقوي على طاعة الله تعالى، أو فعله على هيئة مشروعية، كالنوم على الجنب الأيمن، والأكل باليمين؛ احتسابًا للأجر عند الله. الثاني: ما فعله عادة لا عبادة؛ كلبس العمامة والإزار والرداء، وكنوع من الأكل ونحو ذلك، فهذا الاتباع فيه أن يلبس الإنسان ما يلبس أبناء جنسه وأهل بلده، وليس من الاقتداء أن يلبس الإنسان ما كان يلبسه النبي ﷺ ، فالقدوة هنا عدم المخالفة، لا ذلك النوع الخاص. الثالث: ما فعله على سبيل التعبد، فإذا ظهر لنا فيه قصد العبادة، فيستحب لنا اتباعه في ذلك؛ لأنَّ أفعال النبي ﷺ المجردة لا تدل على الوجوب، على الراجح. الرابع: ما كان مترددًا بين العبادة والعادة، كالتحصيب بعد ليالي منى، وصفة دخول مكة، ودخول المسجد، فبعض العلماء يرى أنَّه فعل ذلك على وجه العبادة، وبعضهم يرى أنَّها جاءت على سبيل العادة؛ لأنَّها أسمح لطريقه. الخامس: ما فعله النبي ﷺ بيانًا لحكم مجمل؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فكان ﷺ يقول: "صلوا كلما رأيتموني أصلي" [رواه البخاري]. ***

стр. 1748

٥٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - معتكفه: ظرف مكان؛ أي: مكان اعتكافه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه مشروعية الاعتكاف واستحبابه، وأنَّه من فعل النبي ﷺ وسنته. ٢ - أنَّ وقت دخول المعتكف، أي: مكان اعتكافه يكون بعد صلاة الصبح. ٣ - فيه دليل أنَّه لا بأس من احتجاز مكان للاعتكاف بخيمة، أو خصفة، أو حُجْرَة، أو نحو ذلك؛ لما أخرج الشيخان عن عائشة "أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف، أمر بضرب خبائه، فضُرِبَ"، وإباحة هذا المكان المحجوز بشرط ألاَّ يحصل به ضيق عن المصلين. ...

стр. 1749

٥٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ -وَهُوَ فِي المَسْجِدِ- فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتكِفًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - ليدخل: "اللام" حرف ابتداء جاءت للتوكيد، وفي دخولها على الفعل المضارع تخليصه للحال، كهذا الحديث. - ليدخل على رأسه وهو في المسجد: ذلك أنَّ بيته ﷺ مجاور للمسجد. - أُرجِّله: أمشط شعر رأسه، وأسويه وأزينه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - خروج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه بلا حاجة -أمر يفسد اعتكافه ويبطله، ويجوز أن يخرج لما لا بد له منه، كإتيانٍ بمأكلٍ ومشربٍ؛ لعدم من يأتيه بهما، وكقيءٍ وبولٍ، وغائطٍ، وطهارةٍ واجبةٍ، ونحو ذلك. ٢ - لذا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يخرج من المسجد من أجل ترجيل رأسه، وإنما يقربه من عائشة ترجله، وهي في بيتها، وهو في مسجده، لأنَّها حائض لا تدخل المسجد. ٣ - فيه دليل على أنَّ خروج بعض البدن لا يعتبر خروجًا ممنوعًا، بل لا يزال صاحبه في المسجد. ٤ - أنَّ لمس المرأة بدون شهوة لا يفسد الاعتكاف، وأنَّ ملامسة الحائض

стр. 1750

للمعتكف وغيره جائزة، فبدنها طاهرٌ، وعرقها طاهرٌ، ولم ينجس إلاَّ مكان الحيض وهو الفرج. ٥ - أنَّ الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر وإصلاحه وغسله، وأنواع التنظيف في البدن والثياب. ٦ - أنَّ الحائض لا يجوز أن تمكث في المسجدة لئلا تلوثه، ولحدثها الأكبر، الذي لا يخففه الوضوء. ٧ - الإسلام موقفه من الحائض موقف الطهارة والنظافة، وموقف الاحترام والتقدير، فهو يعتبر مكان الحيض وهو الفرج أذًى وقذر، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. لأنه نفس المخْرَج، ولقُربه من الأذى والنجس، ولهذا تنزه عن عمل النصارى الذين لا يتحاشون عن جماعها وهي حائض. والإسلام يعتبر بدن الحائض طاهرًا نظيفًا، ويعتبر الحائض محترمة مكرمة، وبهذا يرفض شدة اليهود ومشقتهم التي ليس لها أساس، فالإسلام وسط، وخيار بين الملتين الشاطحتين. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في لمس الرجل المرأة بدون حائل، وبدون شهوة، هل ينقض الوضوء، أو لا؟ فذهب الإمام الشافعي وأتباعه إلى أنَّه ينقض؛ محتجين بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ [النساء: ٤٣]، فإنَّه حقيقة في المس. وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه: لا ينقض؛ محتجين بما في البخاري (٤٨٥) ومسلم (٧٩٣) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ ليصلي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يسجد، عمزني، فقبضت رِجلي"، وبما رواه مسلم (٧٥١) والنسائي (١٦٩) قالت: "فقدت النبي ﷺ -

стр. 1751

ذات ليلة، فجعلت أطلبه، فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد". وممن ذهب إلى هذا القول: علقمة، وأبو عبيد، والنخعي، والحكم، والشعبي، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه. أما الاستدلال بالآية على النقص فغير ورادٍ. قال ابن رشد في "بداية المجتهد": سبب اختلافهم في هذه المسألةُ اشتراك اسم المس في كلام العرب، فإنَّ العرب تطلقه على اللمس باليد مرةً، وتكني به عن الجماع مرةً، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]. وقد احتجَّ من أوجب الوضوء من اللمس باليد: بأنَّ اللمس حقيقةً يطلق على المس باليد، ويطلق على الجماع مجازًا، وأنَّه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يُحمل على الحقيقة، حتى يدل دليلٌ على المجاز. ولكن لأولئك أن يقولوا: إنَّ المجاز إذا كثر استعماله، كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط، الذي هو أدل على الحدث -الذي هو المجاز- منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة، والذي أعتقده أنَّ اللمس وإن كان دلالته على المعنبين بالسواء، أو قريبًا من السواء، أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازًا؛ لأنَّ الله تعالى قد كنى عن المباشرة، والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس. اهـ. قال الشيخ أحمد شاكر: وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح نفيس. قلتُ: جاء في سنن أبي داود (١٥٣)، والترمذي (٧٩)، وابن ماجه (٤٩٥) من حديث عروة عن عائشة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، وهو حديثٌ مشهورٌ، وبناءً عليه ذهب طائفةٌ من السلف والخلف إلى أنَّ القُبلة ونحوها -وإن كانت لشهوة- لا تنقض الوضوء.

стр. 1752

وممن أخذ به علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق، وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. والذين يرون القُبلة بشهوة ناقضة، حملوا الحديث على أنَّه تقبيل رحمةٍ ومودةٍ، لا شهوة، والله أعلم. ***

стр. 1753

٥٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "السُّنَّة عَلَى المُعْتكِفِ أَلاَّ يَعُودَ مَرِيْضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَهًّ، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلاَّ لِمَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلاَّ بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلاَّ أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ (١). ــ * درجة الحديث: أصل الحديث في البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧٢) من حديث عائشة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله". زاد البيهقي: (٨٣٧٧) وقالت: "السنَّة للمعتكف ألا يعود مريضًا ... " إلخ الحديث، وإسناده صحيح، وأخرج أبو داود هذه الزيادة بإسناد جيد على شرط مسلم. * مفردات الحديث: - السنة: يعني: الدين والشرع، فعائشة ﵂ أرادت إضافة هذه الأمور إلى النَّبيَّ ﷺ ، قولًا وفعلًا. - يعود: عاد يعود عودًا، فهو عائد، جمعه: عُوَّد وعُوَّاد؛ أي: زار المريض، فزيارة المريض، تسمى عيادة. - يشهد: شهد يشهد شهودًا؛ أي: حضر، والمراد بذلك: اتباع الجنازة حتى تدفن. - جنازة: بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح، وتخفيف النون، جمعه:

стр. 1754

جنائز، اسم للنعش عليه الميت. - يمس: بفتح الياء، وتشديد السين، يقال: مس يمس مسًّا، من باب نصر: لمسه، وأفضى بيديه إلى جسمه بلا حائل. ومس امرأته: جامعها، وهو المراد هنا. - يباشر: يقال: باشر الرجل زوجه: لامس بشرتها بإلصاق بشرته ببشرتها، مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد. - لابد: أي: لا محيص، ولا معدل، ولا مناص، وليس لك من ذلك بُدٌّ، يريدون به الإطلاق على أي وجه كان، فـ"بُد" لا يعرف استعمالها إلاَّ مقرونةً بالنفي. ***

стр. 1755

٥٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى المُعْتكِفِ صِيَامٌ، إِلَّا أن يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث موقوف. قال المؤلف: الراجح وقفه على ابن عباس، قال البيهقي: التصحيح أنَّه مو قوف، ورَفْعه وَهْمٌ. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - تقدم أنَّ معنى الاعتكاف هو: قطع العلائق عن الخلائق، ومناجاة الخالق، فيجب على المعتكف ملازمة معتكفه، ولا يجوز له الخروج منه، إلاَّ لما لابد له منه، من مأكلٍ، ومشربٍ، وطهارةٍ، ونحو ذلك، فإن خرج بطل اعتكافه. ٢ - لا يجوز للمعتكف أن يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا يخرج لأية قُربة لا تتعيَّن عليه، وذلك بإجماع العلماء. ٣ - قال أصحابنا: إذا شرط في ابتداء الاعتكاف الخروج إلى مثل هذه القرب من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فله شرطه، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، ولأنَّ الاشتراط يصير المشتَرط كالمستثنى، قال ابن هبيرة: وهو التصحيح عندي، قال إبراهيم النَّخعي: كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال، وجزم بذلك الموفق، وهو المشهور من المذهب.
следующие страницы →