ذات ليلة، فجعلت أطلبه، فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد".
وممن ذهب إلى هذا القول: علقمة، وأبو عبيد، والنخعي، والحكم، والشعبي، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه.
أما الاستدلال بالآية على النقص فغير ورادٍ.
قال ابن رشد في "بداية المجتهد": سبب اختلافهم في هذه المسألةُ اشتراك اسم المس في كلام العرب، فإنَّ العرب تطلقه على اللمس باليد مرةً، وتكني به عن الجماع مرةً، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣].
وقد احتجَّ من أوجب الوضوء من اللمس باليد: بأنَّ اللمس حقيقةً يطلق على المس باليد، ويطلق على الجماع مجازًا، وأنَّه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يُحمل على الحقيقة، حتى يدل دليلٌ على المجاز.
ولكن لأولئك أن يقولوا: إنَّ المجاز إذا كثر استعماله، كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط، الذي هو أدل على الحدث -الذي هو المجاز- منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة، والذي أعتقده أنَّ اللمس وإن كان دلالته على المعنبين بالسواء، أو قريبًا من السواء، أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازًا؛ لأنَّ الله تعالى قد كنى عن المباشرة، والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس. اهـ.
قال الشيخ أحمد شاكر: وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح نفيس.
قلتُ: جاء في سنن أبي داود (١٥٣)، والترمذي (٧٩)، وابن ماجه (٤٩٥) من حديث عروة عن عائشة: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، وهو حديثٌ مشهورٌ، وبناءً عليه ذهب طائفةٌ من السلف والخلف إلى أنَّ القُبلة ونحوها -وإن كانت لشهوة- لا تنقض الوضوء.
стр. 1752
وممن أخذ به علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق، وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
والذين يرون القُبلة بشهوة ناقضة، حملوا الحديث على أنَّه تقبيل رحمةٍ ومودةٍ، لا شهوة، والله أعلم.
***
стр. 1753
٥٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "السُّنَّة عَلَى المُعْتكِفِ أَلاَّ يَعُودَ مَرِيْضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَهًّ، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلاَّ لِمَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلاَّ بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إِلاَّ أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
أصل الحديث في البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧٢) من حديث عائشة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله".
زاد البيهقي: (٨٣٧٧) وقالت: "السنَّة للمعتكف ألا يعود مريضًا ... " إلخ الحديث، وإسناده صحيح، وأخرج أبو داود هذه الزيادة بإسناد جيد على شرط مسلم.
* مفردات الحديث:
- السنة: يعني: الدين والشرع، فعائشة ﵂ أرادت إضافة هذه الأمور إلى النَّبيَّ ﷺ ، قولًا وفعلًا.
- يعود: عاد يعود عودًا، فهو عائد، جمعه: عُوَّد وعُوَّاد؛ أي: زار المريض، فزيارة المريض، تسمى عيادة.
- يشهد: شهد يشهد شهودًا؛ أي: حضر، والمراد بذلك: اتباع الجنازة حتى تدفن.
- جنازة: بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح، وتخفيف النون، جمعه:
стр. 1754
جنائز، اسم للنعش عليه الميت.
- يمس: بفتح الياء، وتشديد السين، يقال: مس يمس مسًّا، من باب نصر: لمسه، وأفضى بيديه إلى جسمه بلا حائل.
ومس امرأته: جامعها، وهو المراد هنا.
- يباشر: يقال: باشر الرجل زوجه: لامس بشرتها بإلصاق بشرته ببشرتها، مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد.
- لابد: أي: لا محيص، ولا معدل، ولا مناص، وليس لك من ذلك بُدٌّ، يريدون به الإطلاق على أي وجه كان، فـ"بُد" لا يعرف استعمالها إلاَّ مقرونةً بالنفي.
***
стр. 1755
٥٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى المُعْتكِفِ صِيَامٌ، إِلَّا أن يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف.
قال المؤلف: الراجح وقفه على ابن عباس، قال البيهقي: التصحيح أنَّه مو قوف، ورَفْعه وَهْمٌ.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم أنَّ معنى الاعتكاف هو: قطع العلائق عن الخلائق، ومناجاة الخالق، فيجب على المعتكف ملازمة معتكفه، ولا يجوز له الخروج منه، إلاَّ لما لابد له منه، من مأكلٍ، ومشربٍ، وطهارةٍ، ونحو ذلك، فإن خرج بطل اعتكافه.
٢ - لا يجوز للمعتكف أن يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا يخرج لأية قُربة لا تتعيَّن عليه، وذلك بإجماع العلماء.
٣ - قال أصحابنا: إذا شرط في ابتداء الاعتكاف الخروج إلى مثل هذه القرب من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فله شرطه، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، ولأنَّ الاشتراط يصير المشتَرط كالمستثنى، قال ابن هبيرة: وهو التصحيح عندي، قال إبراهيم النَّخعي: كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال، وجزم بذلك الموفق، وهو المشهور من المذهب.
стр. 1756
٤ - يدل الحديث على أنَّه يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجد تصلى فيه الجماعة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٥ - قوله: "ولا اعتكاف إلاَّ بصوم" هذا دليل الحنفية والمالكية، أما جمهور العلماء والمشهور عن الإمام الشافعي، والإمام أحمد-: فلا يشترط الصوم، وقد تقدم دليله، وهذا الحديث الموقوف لا يعارض ما تقدّم من الأدلة من عدم اشتراط الصوم.
٦ - الحديث رقم (٥٨٧): صريح بعدم اشتراط الصوم، وهو مؤيد للأدلة السابقة.
٧ - إذا نذر المسلم الصوم مع الاعتكاف، وجب الوفاء من أجل النذر، لا من أجل لزوم الصوم مع الاعتكاف، فمن نذر أن يطيع الله فليُطعه.
٨ - قال العلماء: يستحب اشتغال المعتكف بالقُرب؛ من صلاةٍ، وقراءةٍ، وذكرٍ، وصدقةٍ، وصيامٍ، وليس له ذكرٌ مخصوص، ولا فعلٌ، سوى اللبث في المسجد، وأفضل الذكر تلاوة القران بتدبر، فهذا لا يعدله شيء.
٩ - الاعتكاف حبس النفس، وجمع الهمة على نفوذ البصيرة في تدبر القرآن، ومعاني التسبيح، والتحميد، والتهليل، وذكر الله.
١٠ - وعلى المعتكف اجتناب ما لا يعنيه من جدال، ومراء، وكثرة كلام؛ لأنَّه مكروه لقوله ﷺ : "من حُسنِ إسلام المرءِ تركه ما لا يعنيه" [رواه الترمذي (٤٢٢٣٩)].
* ليلة القدر وفضلها:
القدر: ينطق بفتح القاف والدال لا غير، بمعنى: قضاء الله في خلقه من آجال وأرزاق، وغير ذلك.
ويُنطق بفتح القاف والدال وسكونها، وهذا معناه: الشرف والحرمة، وكِلا المعنبين حاصلان في ليلة القدر، فهي جليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا
стр. 1757
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
وهي ليلة تُقدَّر فيها الأشياء، وتقضي فيها الأمور التي ستكون في السنة، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥].
ففيها يفصل الأمر المقدر من اللوح المحفوظ إلى الكتبة، في كل ما هو كائن من أمر الله تعالى في تلك السنة، من الأرزاق، والآجال، والخير، والشر، وغير ذلك، من كل أمر حكيم، أحكمه الله وأتقنه.
قال الطيبي: إنما جاء "القدر" بسكون الدال، وإن كان الشائع بالفتح، ليعلم أنَّه لم يرد به ذلك، فإنَّ القضاء قديم، وإنما أريد به ما جرى به القضاء وتببينه وتجديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل؛ ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدارًا بمقدار.
فهي ليلة عظيمة شريفة جليلة عند الله تعالى، لها مزايا عظيمة، نلخص فيما يلي بعضها:
أولًا: يُنزل الله تعالى فيها الملائكة من السماء إلى الأرض، وينزلون ومعهم الخير والبركة والرّحمة والأمان، ويتقدمهم الروح الأمين: جبريل ﵇.
ثانيًا: ابتدأ في هذه الليلة الشريفة نزول القرآن، الذي هو أعظم منَّة ورحمة على المسلمين.
ثالثًا: يحل فيها السلام والأمان، من أول تلك الليلة المباركة حتى الصباح، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر].
رابعًا: تُقدَّر فيها الأمور للعام القابل، فتُفْصل تلك الأمور من الآجال، والأرزاق، والحوادث، وغير ذلك، تُفصل من اللوح المحفوظ، وتتلقاها الملائكة الكتبة، ليجري تنفيذها بأمر الله تعالى قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
стр. 1758
حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان].
خامسًا: العبادة فيها خير من ألف شهر فيما سواها من الأوقات، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾.
سادسًا: جاء في البخاري (٢٠١٤) ومسلم (٧٦٠)؛ أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "من قام ليلة القدر؛ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه"
سابعًا: الدعاء فيها مستجاب، فقد روى الترمذي (٢٤٣٥) عن عائشة أنَّها قالت: "قُلتُ: يا رسول الله، أرَأيتَ إنَّ علمتُ أيَّ ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللَّهمَّ إنَّك عفوٌ تُحب العفو فاعف عنِّي".
وستأتي بقية أحكامها إن شاء الله تعالى.
***
стр. 1759
٥٨٨ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رِجَالًا مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحرِّيهَا، فَلْيَتَحرَّهَا فِي السَّبع الأَوَاخِرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أُروا: أصلها: "أريوا" من: الرؤيا؛ أي: خيل لهم في المنام.
- ليلة القدر: بفتح الدال وسكونها، سمِّيت بذلك؛ لعظم قدرها وشرفها، أو لأنَّ الأمور تقدر فيها، من الآجال والأرزاق، وحوادث العام كلها فيها، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾.
- رؤياكم: الرؤيا على وزن: فُعلى، كحبلى، فيقال: رأى رؤيا بلا تنوين، وجمعها: رؤًى بالتنوين، والمراد بها: الرؤيا المنامية.
- تواطأت: بتاء ثم واو ثم طاء ثم ألف مهموزة ثم تاء، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
فأصله أن يطا الرجل برجله مكان وطء من قبله، فنقلت إلى هنا بجامع موافقة رؤيا الرجل لرؤيا الآخر، فتواطأت؛ أي: توافقت لفظًا ومعنًى.
- فليتحرَّها: التحري هو: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان الصحابة ﵃ من حرصهم على الخير ورغبتهم فيما عند
стр. 1760
الله يتحرون ليلة القدر، ويلحون بالسؤال عنها؛ لِما في هذه اللَّيلة من المزايا العظيمة، وما يتنزَّل فيها من الخيرات والبركات، وما يحل فيها من الرحمة، والنعمة، والأمن، والأمان، والسلام.
٢ - كان بعض الصحابة يرون ليلة القدر: إما بعلامتها وأماراتها، وإما يرونها منامًا، قال الشيخ تقي الدين: وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة، فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، فقد رآها بعض الصحابة، فجاءوا وأخبروا الرسول ﷺ بما رأوا، فقال ﷺ : "أَرى" -بفتح الهمزة بمعنى: أعلم- "رؤياكم قد تواطأت" أي: توافقت على وقت متقارب، وهو "في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".
٣ - السبع الأواخر من شهر رمضان هي أرجى ما تكون تلك الليلة.
٤ - فضل ليلة القدر وشرفها، وما جعل الله تعالى فيها من الخير والبركة، حتى صارت العبادة فيها خيرًا من ألف شهر، مما سواها من الأيام والليالي.
٥ - أنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه، وحكمته بأمره، أخفى هذه الليلة، ليجدَّ المسلمون في العبادة في تلك الليالي، فيكثر ثوابهم، ولو علموا بها في ليلة معيَّنة، لقَصَروا اجتهادهم عليها، إلاَّ من شاء الله تعالى.
٦ - استحباب طلبها والتعرض فيها لنفحات الله تعالى، فهي ليلة مباركة تضاعف فيها الأعمال، ويستجاب فيها الدعاء، ويسمع فيها النداء، وتقال فيها العثرات، فالمحروم من حُرِمَ خيرها، وحرم التماس خيرها، والله الموفق.
***
стр. 1761
٥٨٩ - وَعنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ: لَيْلَةُ سَبع وَعِشْرِيْنَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِيْنِهَا عَلى أَرْبَعِينَ قَوْلًا، أَوْرَدْتُهَا فِي "فَتْحِ البَارِي".
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف.
وله حكم الرفع، قال الحافظ: رواه أبو داود مرفوعًا، وسكت عنه هو والمنذري، وصححه النووي في "المجموع"، والراجح وقفه على معاوية، وله حكم الرفع، لأنَّه لا يقال بالرأي، وإنما يتلقى بالسماع.
* مفردات الحديث:
- في ليلة القدر: القدر مصدر، من قولهم: قدَّر الله الشي قدرًا وَقدْرًا لغتان، وقدره تقديرًا بمعنًى واحدٍ، ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها فيها، وقيل سميت بذلك؛ لعظمها وشرفها.
قال الأزهري: هي ليلة العظمة والشرف، ومنه قول الناس: لفلان عند الأمير قدْرَ؛ أي: جاه ومنزلة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، فقد سيق مساق الجزم والحتم.
٢ - المؤلف ابن حجر ذكر فيها في "فتح الباري" أربعين قولًا، ويمكن تصنيف
стр. 1762
هذه الأقوال إلى أربع فئات:
الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو رفعها.
الثانية: ضعيفة، كالقول بأنَّها ليلة النصف من شعبان.
الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنَّها في رمضان في غير العشر الأخير منه.
الرابعة: هي الراجحة، وهي كونها في العشر الأخير من شهر رمضان وأرجاها أوتارها، وأرجح الأوتار ليلة سبع وعشرين.
وهذه الأدلة تؤيدها:
أولًا: ما أخرجه الإمام أحمد (٤٥٧٧) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان متحريها، فليتحرها ليلة سبع وعشرين"، وللحديث شواهد.
ثانيًا: كان عمر بن الخطاب ﵁، المحدث المُلْهم"، وحذيفة ابن اليمان "أمين السر النبوي"، وغيرهما من الصحابة لا يشكون أنَّها ليلة سبع وعشرين.
ثالثًا: ما رواه مسلم (١٩٩٩) عن شيخ القرَّاء أُبي بن كعب، أنَّه كان يحلف أنَّها ليلة سبع وعشرين.
رابعًا: كونها ليلة سبع وعشرين، هو مذهب واختيار إمام أهل السنة الإمام أحمد، وأصحابه من فقهاء المحدثين؛ كإسحاق بن راهويه.
خامسًا: قال ابن رجب ﵀: ومما استدل به من رجَّح أنَّها ليلة سبع وعشرين الآيات والعلامات، التي رؤيت فيها قديمًا وحديثًا.
سادسًا: هذا الشعور العام الجماعي عند المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وعبر قرونها الطويلة أنَّها هذه الليلة، وإقبالهم على العبادة والاجتهاد فيها، ولا تجتمع أمة محمَّد ﷺ على ضلالة.
***
стр. 1763
٥٩٠ - وَعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيْهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي". رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيرَ أَبِي دَاوُدَ، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المؤلِّف: صححَّه الترمذي والحاكم، ووافقه الذَّهبي.
وقال الشيخ صديق بن حسن في "نزل الأبرار": رويناه بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله ﷺ ، أرأيتَ إن علمت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قُولِي: اللَّهمَّ إنك عفو تحب العفو، فاعف عنِّي"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أُم المؤمنين ﵂ من حرصها على أفضل الدعاء في تلك الليلة، التي علمت أنَّ الدعاء مستجاب فيها، وأنَّ النِّداء مسموع فيها، تسترشد من النبي ﷺ عن أفضل دعاء تقوله في ليلة القدر إن علمت، فأخبرها ﷺ بأحسن وأفضل ما تقول.
٢ - هذا الدعاء سأله عنه ﷺ أحب الناس إليه، وأرشده إليه بطريق إعطاء النصح
стр. 1764
في المشورة.
والذي اختاره هو أعلم الناس بمعناه، فيكون لهذا الدعاء مزايا القبول كلها.
٣ - الدعاء المذكور هو أفضل مسؤول من الله تعالى، فعفو الله عن عباده معناه الصفح عن الذنوب، ومحو السيئات، وترك المجازاة عن الهفوات الكبيرة والصغيرة، وليس بعد هذا إلاَّ الرضا عن المعفو عنه، وإحلاله دار كرامته، وهذا هو غاية المطلوب.
٤ - هذا الدعاء جَمَع آداب الدعاء، فقد ابتدىء بلفظ: "اللهمَّ"، وهي عوض عن "يا الله"، فالميم بدل من الياء.
وأصح الأقوال: أنَّ لفظ "الله" هو الاسم الأعظم، الذي إذا دُعِي الله به أجاب؛ لتضمنه معنى الإلهية والعبادة.
ثم إنَّ جملة "إنَّك عفو" فيها تأكيدات لإثبات صفة العفو لله تعالى.
"تحب العفو" فيه إثبات محبته اللائقة بجلال الله تعالى للعفو عن المستعين.
"فاعفُ عني" فيه إثبات حكم العفو، ومقتضاه لله تعالى.
ففي هذه الجمل التوسل إِلى الله بصفته المناسبة للمطلوب، ومحبته للعفو، وقربه منه بأن يعفو عن الداعي، فإذا صادف هذا الاسترحام والتذلل من قلب خاشعٍ، وفي ليلةٍ مباركةٍ، ومن عبدٍ مخلصٍ منيبٍ، فهو حري ألَّا يُرد، وأن يستجاب لصاحبه؛ لأنَّ قبول الدعاء له أسباب وآداب، هذه من أهمها.
٥ - من فقه عائشة ﵂ أنَّها اختارت لهذا الوقت الفاضل الدعاء بأفضل مطلوب، حتى إذا حصلت الإجابة، وإذا الهبة والعطية جزلة.
٦ - وللنسائي من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "سلوا الله العفو،
стр. 1765
والعافية، والمعافاة الدائمة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرًا من معافاة".
قال في "الروض وحاشيته": فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة؛ لتضمنها دوام العافية، فهذا من أجمع الدعاء.
وينبغي الإكثار في ليلة القدر من الدعاء والاستغفار؛ لأنَّ الدعاء فيها مستجاب، ويذكر حاجته في دعائه، الذي يدعو به تلك الليلة.
***
стр. 1766
٥٩١ - عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُشَدُ الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلَاثَةِ مسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: "تُشد" بضم الدال المهملة على أنَّ "لا" نافية، ويروى بسكونها على أنَّها ناهية، وهو مبني للمجهول، جاء بلفظ النفي بمعنى النَّهي؛ بمعنى: لا تشدوا الرحال، ونكتة العدول عن النَّهي إلى النفي حمل السامع على ترك الفعل، فيكون أبلغ بألطف وجه.
قال الطبري: النَّفْي أبلغ من صريح النَّهي، كأنه لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلاَّ هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصَّت به.
- الرحال: جمع "رحل"، وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر؛ لأنَّه يلازمه غالبًا، وهذا من باب الحصر عند علماء البلاغة، ومن أدواته عندهم النفي والاستثناء كهذا الحديث، فإنَّه أفاد تخصيص جواز السفر إلى المساجد الثلاثة دون غيرها من البقاع.
- المسجد الحرام: أي: المحرَّم، وفي إعراب المسجد الحرام وجهان:
الأوّل: الجر على أنَّه بدل من الثلاثة.
الثاني: الرفع على الاستئناف.
- ومسجدي هذا: اسم الإشارة للتعظيم، ومن أجل الإشارة خصَّ النووي مضاعفة الثواب في المسجد الذي على عهده ﷺ ، والذين يغلبون الاسم
стр. 1767
عمَّموا المضاعفة لكل الزيادات التي ألحقت به.
- المسجد الأقصى: بإضافة الموصوف إلى الصفة، وهو جائز عند الكوفبين، وقول عند البصربين بإضمار المكان، وسمِّي "الأقصى" لبعده عن المسجد الحرام في المسافة.
وقال الزمخشري: سمي: أقصى؛ لأنَّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، وقيل غير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ساق المؤلِّف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث ليبيِّن للقارىء أنَّه لا يصح أن يقصد بالزيارة، وشد الرحال، والسفر إلاَّ هذه المساجد الثلاثة، فهذه المساجد الثلاثة لها مزايا وخصائص، ليست لغيرها من البقاع:
أولًا: مضاعفة ثواب الأعمال فيها؛ فقد روى الطبراني في "الأوسط" (٧٠٠٨) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"، قال ابن عبد البر: إسناده حسن، كما روى مسلم من حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلاَّ المسجد الحرام".
ثانيًا: أنَّ هذه المساجد الثلاثة بناها أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناها يعقوب، ومسجد المدينة بناه النَّبي محمد ﷺ ، وهذه المزية لا يلحقها غيرها من المساجد والبقاع، فالمكي قبلة الناس، وإليه حجهم، والمدني أُسِّس على التقوى، والأقصى قبلة الأنبياء السابقين، وأُولى قبلتي المسلمين.
٢ - بيَّن هذا الحديث الشريف أنَّ السفر لا يُنشأ لأية بقعة من بقاع الأرض، إلاَّ لهذه المساجد الثّلاثة، كما في حديث الباب؛ لما لها من المزية على غيرها، ولورود شرع الله تعالى بالإذن بشد الرحال إليها.
стр. 1768
٣ - مفهوم الحديث أنَّ غيرها من البقاع لا يجوز شد الرحل إليه للعبادة، والسفر إليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قصر ذلك على هذه المساجد، وأعظم ما يكون، وأشده فتنة هو شد الرحال والسفر إلى القبور، سواء كانت قبور الأنبياء، أو صالحين، أو غيرها، فإنَّ شدَّ الرحل إليها غلو في أصحابها، ووسيلة قريبة إلى الفتنة التي قد تصل إلى عبادة أهلها ودعائهم من دون الله.
٤ - ما زيد في هذه المساجد الثلاثة، فهو تابع لها بالمضاعفة، وحصول الثواب الأصلي منها.
٥ - قال في "الفروع": ظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد، في المسجد الحرام أنَّه نفس المسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل، وذكر القاضي وغيره: مرادهم في التسمية لا في الأحكام، وقد يتوجه من هذا حصول المضاعفة في الحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب "الهدي" من أصحابنا.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: إنَّ المضاعفة والثواب تعم الحرم كله، وهو ما أدخلت الأميال.
وذكر ابن الجوزي: أنَّ الإسراءِ كان من بيت أم هانىء عند أكثر المفسرين، فعلى هذا المعنى فالمراد بالمسجد: الحرم كله.
...
انتهى الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع
وأوله
(كتاب الحج)
стр. 1769
توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام
تَأليف
رَاجي عَفو رَبّه
عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
الجزء الرّابْع
مكتَبة الأسدي
مكّة المكرّمة
стр. 1770
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1771
كتاب الحج
مقدمة
الحج: حج يحج حجًّا، من باب قتل، وهو بفتح الحاء وكسرها، والفتح أشهر؛ والحِجة بالكسر المرة، ولكن غير قياس، والجمع حجج، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يسمع من العرب.
والحج لغة: القصد، وقال الخليل: القصد إلى معظَّم، قال في المصباح: ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج والعمرة.
وشرعًا: قصد البيت الحرام؛ لأعمال مخصوصة، في زمن مخصوص.
وكونه أحد أركان الإسلام ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، إجماعًا ضروريًا:
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران].
وأما السُّنَّة: فمستفيضةٌ، ومنها ما في الصحيحين: "بُني الإسلام على خمس"، ولا يجب في العمر إِلَّا مرَّة واحدة في السنة، كما في سنن أبي داود (١٤٦٣) من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا، "الحج مرة فمن زاد فهو تطوع".
قال الوزير وغيره: أجمعوا على أنَّ الحج يجب على كل مسلم بالغ مستطيع مرةً واحدةً، وأنَّ المرأة في ذلك كالرجل.
قال الشيخ تقي الدين: يجب على الحاج أن يقصد بحجه وجه الله تعالى والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا، أو المفاخرة، أو حيازة
стр. 1772
الألقاب، أو الرياء، أو السمعة، فإنَّ ذلك سبب في بطلان العمل، وعدم قبوله.
* حكمه وأسراره:
للحج حكم عظيمة، وأسرار سامية، وأهداف كريمة، تجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وقد أشارت إليها الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].
فهو مجمع حافل كبير، يضم جميع وفود المسلمين من أقطار الدنيا، في زمنٍ واحدٍ، ومكانٍ واحدٍ.
فيكون فيه التآلف والتعارف، والتفاهم، مما يجعل المسلمين أمةً واحدةً، وصفًّا واحدًا، فيما يعود عليهم بالنفع في أمر دينهم ودنياهم.
وفيه من الفوائد والمنافع الاجتماعية والثقافية والسياسية ما يفوت الحصر عده، وهو عبادة جليلة لله تعالى بالتذلُّلِ، والخضوع والخشوع، وبذل النفس والنفيس من النفقات، وتجشم الأسفار والأخطار، ومفارقة الأهل والأوطان، كل ذلك طاعة لله تعالى، وشوقًا إليه، ومحبة له، وتقربًا إليه في قصد الكعبة المشرفة، والبقاع المقدسة.
ومن أجل هذا جاء الحديث الذي في البخارى (١٦٥٠) ومسلم (٢٤٠٣) "الحج المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنة" هذا إذا قصد العبد بحجه وجه الله تعالى، واحتسب الأجر من الله تعالى، ثم تحرى اتباع سنة النبي ﷺ في حجَّه وأعماله كلها، وابتعد عمَّا ينقص حجه من الرفث، والفسوق، والجدال بالباطل.
ونقَّى عقيدته من البدع والخرافات والاتجاهات المنافية لدين الإسلام، والله الموفق والمستعان.
***
стр. 1773
باب فضله وبيان من فرض عليه
٥٩٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الكفارة لغة: من الكفر، وهو الستر والتغطية.
وشرعًا: إسقاط ما لزم الذمة: بسبب ذنب، أو جناية.
- الحجِّ في اللغة: القصد.
وفي الشرع: الحج: قصد زيارة بيت الله الحرام على وجه التعظيم، بأفعال مخصوصة في زمن مخصوص.
- المبرور: البر بكسرِ الباء اسم جامع للخير كله، فالمبرور مشتق من البر.
يقال: برَّه: أحسن إليه، فهو مبرور، ثم قيل: بر الله عمله، إذا قَبِله، كأنَّه أحسن إلى عمله بأن قبله، ولم يرده، وعلامة كونه مقبولًا هو الإتيان بجميع أركانه وواجباته، مع إخلاص النية، واجتناب ما نهي عنه.
قال النووي: الأصح والأشهر أنَّ المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وعلامته أن تظهر ثمرته على صاحبه، بأن تكون حاله بعد الحج خيرًا منها قبله.
стр. 1774
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فضل العمرة وأنَّها، تكفر الذنوب، كسائر العبادات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
لكن قيَّد العلماء التكفير للصغائر دون الكبائر.
فال النووي: "مذهب أهل السنة أنَّ الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله وفضله".
قال ابن عبد البر: "المراد تكفير الصغائر دون الكبائر".
٢ - الحديث ظاهر في فضل الإكثار من العمرة، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
٣ - أنَّ العمرة ليس لها وقت مخصوص، ولا زمن معيَّن لغير متلبس بالحج، وهو إجماع العلماء.
٤ - أنَّ الحج أفضل من العمرة؛ لأهميته وكثرة أعماله، وكونه أحد أركان الإسلام.
٥ - قال النووي: "الأصح الأشهر أنَّ الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البر، وهو الطاعة".
٦ - أنَّ الجنَّة هي منتهى الآمال، وهي الجائزة الكبيرة لفضائل الأعمال، ومن أعظم نعيم الجنه النظر إلى وجه الرب ﵎.
٧ - الحضُّ على أداء الحج خاليًا من الإثم، آتيًا على الوجه المشروع، لأجل الحصول على هذا الثواب العظيم.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء إِلى استحباب العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وقالت المالكية: تكره في السنة أكثر من عمرة واحدة.
ودليلهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعلها إلاَّ من سنة إلى سنة.
стр. 1775
أما الجمهور: فدليلهم حديث الباب، وما أخرجه الترمذي (٧٣٨) وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنَّ المتابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد"، وغيرهما من الأحاديث، وقد اعتمرت عائشة في شهر واحد مرَّتين، وذلك في حجتها مع النبي ﷺ حجة الوداع.
والعلماء المحققون يريدون من العمرة ما يأتي بها الإنسان من بلده، لا ما يخرج من أجلها من مكة إلى أدنى الحل.
قال ابن القيم في زاد المعاد: ولم يكن في عُمَرِهِ ﷺ عمرة واحدة خارجًا من مكة، كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَرُه كلها وهو داخل إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنَّه أحرم خارجًا من مكة، تلك المدة أصلًا فالعمرة التي فعلها رسول الله ﷺ وشرعها عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فخرج إلى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلاَّ عائشة وحدها، من بين سائر من كان معه؛ لأنَّها كانت أحرمت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وبعمرة مستقلة، وترجع هي بعمرة ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم.
وأما الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: فقال: وأما ما يفعله بعض الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم، أو الجعرانة، أو غيرهما، وقد سبق أن اعتمر قبل الحج، فلا دليل على مشروعيته، بل الأدلة تدل على أنَّ الأفضل تركه، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابه لم يعتمروا بعد فراغهم من الحج، وإنما أعمر عائشة من التنعيم لكونها لم تعتمر مع الناس حين دخول مكة بسبب الحيض، فطلبت من النبي ﷺ أن تعتمر بدلًا من عمرتها التي أحرمت بها من الميقات، فأجابها ﷺ إلى ذلك، وقد حصلت لها عمرتان، فمن كان مثل
стр. 1776
عائشة فلا بأس أن يعتمر بعد فراغه من الحج، عملًا بالأدلة كلها.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقال: وأما الاعتمار بخروجه إلى الحل، فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله ﷺ قط، إِلَّا عائشة في حجة الودل، مع أنَّ النَّبىَّ ﷺ لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها. أما أصحابه -الذين حجوا معه حجة الوداع، كلهم من أولهم إلى آخرهم- فلم يخرج منهم أحد، لا قبل الحجة ولا بعدها، وكذلك أهل مكة المستوطنون لم يخرج منهم إلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.
***
стр. 1777
٥٩٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! عَلى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ والعُمْرَةُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المؤلف: إسناده صحيح، وأصله في التصحيح.
وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني (٢/ ٢٨٤) عن محمَّد بن فضيل قال: حدَّثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂.
قُلْتُ: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن خزيمة (٣٠٧٤) وأخرجه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد إِلى آخر السند، ثم أخرجه البخاري من طريق آخر عن حبيب بن أبي عمرة، وتابعه معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة، ولمعاوية هذا إسناد آخر بلفظ آخر.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٢٨٧)، فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدثني إبراهيم بن الحجاج، أنبأنا أبو عوانة عن معاوية بن إسحاق عن عبادة بن رفاعة عن الحسين بن علي قال: جاء رجل إلى النَّبِيِّ ﷺ فقال: إني جبان، وإني ضعيف، قال: "هلم إلى جهاد لا شوكة فيه، الحج".
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، قال المنذري: رواته ثقات.
стр. 1778
* مفردات الحديث:
- على النساء جهاد: بحذف همزة الاستفهام.
- جهاد: الجهاد مصدر جاهد جهادًا، أو مجاهدةً، إذا بالغ في قتال عدوه، فهو لغة: بذل الطاقة والوسع.
وشرعًا: قتال الكفار خاصة؛ لإعلاء كلمة الله.
- نَعَم: حرف جواب يأتي لثلاثة معان:
منها: أنه إعلام للسائل في جواب الاستفهام، وهو المراد هنا.
- عليهن جهاد لا قتال فيه: أطلق الجهاد الذي أرادت به قتال الكفار على الحج، من باب المشاكلة، وهو أن يذكر بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، وهو من أنواع البديع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الجهاد بالبدن وقتال الكفار ليس مشروعًا في حق النساء، لما هنَّ عليه -غالبًا- من ضعف البدن ورقة القلب، وعدم تحمل الأخطار، ولا يمنع ذلك قيامهنَّ بعلاج المرضى، ومداواة الجرحى، وإسقاء العطشى، ونحو ذلك من الأعمال.
٢ - أنَّ الجهاد واجب في حق الرجال، فهو فرض كفاية، إلاَّ أنَّه يتعيَّن في بعض الأحوال على كل قادر عليه.
٣ - تشبيه الحج والعمرة بالجهاد بجامع البعد عن الأوطان، ومفارقة الأهل وبذل الأموال، وأخطار السفر وأتعاب البدن.
٤ - فضل الحج والعمرة إذْ جعل ثوابهما كثواب الجهاد في سبيل الله.
٥ - فضيلة عائشة ﵂ لأنَّ رغبتها في الخير والأعمال الصالحة جعلهتها تريد منافسة الرجال فيما خصص لهم من أعمال.
٦ - أنَّ الله ﵎ لما خلق الصنفين من البشر، هيَّأ كل صنف منهما، وأعده
стр. 1779
للعمل الذي يناسبه ويتحمله، لما في ذلك من المصالح العظيمة، التي منها:
- توزيع الأعمال بين خلقه، فكل منهم يقوم بجانب من الأعمال.
- أنَّ الصنف الواحد إذا تخصَّص بعمل من الأعمال وحده أجاده وأتقنه، فجاء على المراد.
- أن يكون كل صنف مطالبًا بما يخصه، وما هيّء له من الأعمال.
- في هذا التوزيع العادل يكون عمار الكون، وسير الأعمال ونجاحها.
٧ - حسن تعليم النبي ﷺ وجمال إجابته، فهو لم ينفِ عن عائشة تشوفها واشتياقها إِلى فضيلة الجهاد في سبيل الله، وإنما دلَّها على جهاد من نوع آخر، يرضي طموحها ويُطمئن قلبها.
٨ - استدلَّ بهذا الحديث الحنابلة وغيرهم على جواز صرف الزَّكاة للفقير الذي يريد أداء فريضة الحج، لأنَّه داخل في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠].
قال في الروض وحاشيته: ويجزيء أن يعطي منها فقيرًا لحج فرض وعمرته؛ لما روى أحمد (٢٦٠٢٦) وغيره أنَّ النَّبيَّ قال: "الحج والعمرة في سبيل الله"، ولما روى أبو داود (١٦٩٨) أنَّ رجلًا جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ : "اركبيها فإنَّ الحج في سبيل الله".
٩ - قال في الحاشية: والحاصل أنَّه يجب للعمرة ما يجب للحج، ويسن لها ما يسن له، فهي كالحج في الإحرام، والفرائض، والواجبات، والسنن، والمحرمات، والمكروهات، والمفسدات، والإحصار، وغير ذلك، إلاَّ أنَّها تخالفه في أنَّه ليس لها وقت معيَّن، ولا تفوت، ولا وقوف لها في عرفة، ولا نزول لمزدلفة، وليس فيها رمي الجمار، ولا خطبة.
стр. 1780
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية العمرة، وأنَّها من شعائر الله تعالى، ولكنهم اختلفوا في حكمها، فأهل الحديث، والإمامان الشافعي وأحمد، يرون وجوبها مرَّة واحدة في العمر على المستطيع كالحج.
كما روي وجوبها عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عُمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وطاوس، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء.
أما الإمامان: أبو حنيفة ومالك وأتباعهما فيرون استحبابها فقط، وقد روي ذلك عن ابن مسعود ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: "والقول بوجوب العمرة على أهل مكة قول ضعيف جدًا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أنَّ أهل مكة لا عمرةً عليهم روايةً واحدةً وفي غيرهم روايتان".
وقد ذكر هذه الرواية في المغني فقال: "وليس على أهل مكة عمرة" نصَّ عليه أحمد، وقال: كان ابن عباس لا يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنّما عمرتكم طوافكم بالبيت، ووجه ذلك أنَّ ركن العمرة ومظهرها الطواف بالبيت، وهم يفعلونه فأجزأ عنهم" اهـ.
فأما دليل الموجبين مطلقًا فمثل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأمر يقتضي الوجوب، وقد قرنها بالحج، والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه، ولما رواه الترمذي (٨٥٢) وصححه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لسائل: "حُجَّ عن أبيك واعتمر" وبما أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٨٤) عن زيد بن ثابت بلفظ "الحج والعمرة فريضتان".
وأما القائلون بعدم وجوبها، فيقولون إنَّ الأصل البراعة من الوجوب، ولا
стр. 1781
ينتقل عنها إِلاَّ بدليل ثابت، فأمّا الآية فلفظ الأمر بالإتمام يشعر بأنَّه إنما يجب بعد الإحرام لا قبله، والحديث التصحيح "بني الإسلام على خمس" اقتصر على الحج، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
قلتُ: قد وردت أحاديث ضعيفة تفيد عدم وجوب العمرة، مثل: "يا رسول الله، أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد (١٣٨٧٧) وحديث: "الحج جهاد، والعمرة تطوع" رواه ابن ماجه (٢٩٨٠).
قال الحافظ ابن حجر: ولا يصح من ذلك شيء.
قال في سبل السلام: "والأدلة لا تنهض -عند التحقيق- على الإيجاب الذي الأصل عدمه".
قُلْتُ: والذي يترجح عدم الوجوب لاسيَّما للمكيين، ولكن الأفضل والأحوط هو الإتيان بها، وهو أمر سهل وميسر، ولله الحمد والمنة.
***
стр. 1782
٥٩٤ - وعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَواجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَأَخْرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخرَ ضَعيفٍ (١).
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: "الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيْضَتَانِ" (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف موقوف.
والراجح وقفه على جابر، فإنَّ الذي سأل عنه الأعرابيُّ، وأجيب عنه، مما للاجتهاد فيه مسرح، وأخرجه ابن عدي من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن جابر، وأبو عصمة كذبوه، كما أنَّ في إسناده -عند أحمد والترمذي- الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف.
وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة.
وقال الشافعي: ليس في العمرة شيء ثابت، إنما هي تطوع.
وأما حديث جابر: "الحج والعمرة فريضتان" فلم يذكر المصنف هاهنا من أخرجه، وما قيل فيه، والذي في التلخيص: أنَّه أخرجه ابن عدي (٤/ ١٤٦٨) والبيهقي (٨٥٤٢) من حديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر، وابن لهيعة ضعيف.
стр. 1783
* مفردات الحديث:
- أعرابي: بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب: سكان البادية، وجمعه أعراب وأعارب وأعاريب.
- فريضتان: الفرض لغة: الحَزُّ في الشيء.
وشرعًا: ما أوجبه الله على عباده المكلفين، وهو مرادف للواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
وبعض الأصوليين يفرق بين الفرض وبين الواجب، بأنَّ الفرض ما شُرع بأمر قطعي، والواجب ما شُرع بأمر ظني.
- العمرة: اسم من الاعتمار، وهي لغة: الزيارة إلى شيء معظم.
وشرعًا: زيارة الكعبة المشرفة، لأعمال مخصوصة، جمعها عُمرٌ وَعُمُرات.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الأول: يدل على أنَّ العمرة ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، والثاني: يعارضه، فيدل على وجوبها وفرضيتها. أما الحج فأمره معروف، وتقدم الكلام عليه.
٢ - الحديثان ليسا بحجة، لا على الوجوب، ولا على الاستحباب لضعفهما، ولذا نقل الترمذي عن الشافعي أنَّه قال: "ليس في العمرة شيء ثابت، إنما هي تطوع، وفي إيجابها أحاديث لا تقوم بها الحجة".
وقد تقدم بسط الكلام على الخلاف فيها وحكمها، والله أعلم.
٣ - يدل الحديثان على مشروعية العمرة، إما وجوبًا كما في الحديث الثاني، وإما استحبابًا كالحديث الأول.
٤ - قال الوزير: أجمعوا على أن الحج والعمرة لا يَجِبَان في العمر إلاَّ مرَّة واحدةً، وأنَّ المرأة في ذلك كالرجل، وأنَّ شرائط الوجوب في حقها كالرجل.
قلتُ: وتزيد المرأة بشرط المَحْرَم.
стр. 1784
٥٩٥ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: "قِيَلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ" رَواهُ الدَّارقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ (١)، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
والشيخ الألباني: ناقش طرق هذا الحديث مناقشة طويلة، واستعرض أقوال المحدثين فيه، وانتهى به الأمر إِلى قوله: وخلاصة القول: أنَّ طرق هذا الحديث كلها واهية، وبعضها أوهى من بعض، وأحسنها طريق الحسن البصري المرسل. وليس في تلك الموصولات ما يمكن أن يجعل شاهدًا لها لِوَهْيها.
ويظهر أنَّ ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: لم يعط هذه الأحاديث والطرق حقها من النظر والنَّقد، حيث سردها في شرح العمدة ثم قال: فهذه الطرق مسندة من طرق حسانٍ، ومرسلةٍ، وموقوفةٍ، تدل على أنَّ مناط الوجوب الزاد والراحلة. اهـ.
قُلْتُ: ليس في تلك الطرق ما هو حسن، بل ولا ضعيف منجبر، فتنبه.
وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مُسْنَدًا، والصّحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة.
* مفردات الحديث:
- السبيل: السبيل يراد به الطريق، ويستعمل لكل ما يتوصل به إلى شيء، وهو
стр. 1785
المراد هنا، ويذكر ويؤنث، والمسؤول عنه هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
- الزاد: هو الطعام المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت الحاضر، فسمي به طعام المسافر الذي يدخره لسفره، والجمع أزواد.
- الراحلة: هي من الإبل الصالحة للأسفار والأحمال، والرحل ما يوضع على ظهر البعير للركوب، والمراد هنا الحصول على ما يوصله إلى البيت الحرام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فقد أناط تعالى وجوب الحج باستطاعة السبيل، فسأل بعضُ الصّحابة النبيَّ ﷺ عن السبيل في هذه الآية، ففسَّره بالزاد والراحلة.
٢ - من وجد الزاد والراحلة وجب عليه الحج، ومن لم يجد فلا يجب عليه.
٣ - الراحلة فسَّرت بالناقة، ولكن المعنى يشمل المراكب الآخر، فأصبحت الراحلة الآن إما السيَّارة، أو الطائرة، أو الباخرة، أو غيرها من المراكب الحديثة.
٤ - الزاد فُسِّر لغة بطعام المسافر، وأصبح الآن يشمل كل ما يحتاج إليه مريد الحج، من النفقات المنوعة، التي تختلف باختلاف الأحوال والأوقات.
٥ - الشارع أطلق الزاد والراحلة، ولكل إنسان ما يناسبه ويليق به، فلابد أن يكونا صالحين لمثله.
٦ - ومن هذا الحديث يستدل بأنَّ الله تعالى لم يكلف نفسًا إلاَّ وسعها، فالعاجز لا يجب عليه الحج، ولا يبنغي أن يحج ثم يكون عالة على الناس.
٧ - ما تقدم هو شرط الاستطاعة، فإن كملت أداة الاستطاعة، ولكن حصل مانع آخر فإن كان ميؤوسًا من زواله، كمرض ميؤوس منه، أو شيخوخة، أو أيست المرأة من حصول المحرم أنابوا من يحج عنهم، وإن كان المانع مرجوَّ الزَّوال -كمرض مأمول الشفاء منه، أو كخوف الطريق- بقي منتظرًا
стр. 1786
حتى يزول، ثم إذا زال بادر بأداء الفريضة، إذا كان لا يزال مستطيعًا.
٨ - فيه دليل على أنَّ الصحابة ﵃ فهموا من كتاب الله معاني أسماء الله وصفاته، وأنهم لم يمروها ألفاظًا كما نزلت من دون معرفة لها، لأنَّها نزلت بلسانهم، فعرفوا معنى الاستواء والنزول، وفهموا معنى الرحمة، والغضب، والعجب، والمحبة، وجميع الصفات الذاتية والفعلية، ومما علموا أنَّ مَرَدَّ علمه إلى الله تعالى -وهو كيفية الصفة- فقد سكتوا عنه.
ولو كانوا لم يعلموا ذلك ما سكتوا عن السؤال عنه، وهم يسألون النبي ﷺ عما هو أقل أهمية في الدين من ذلك، وهو معنى السبيل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ففي هذا رد على طوائف المعتزلة والجهمية، وأضرابهم.
١٠ - أنَّ الله ﵎ جعل الحج على: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فالفقير لا ينبغي أن يكلف نفسه ويشق عليها، وربَّما ضرَّ بحجه نفقة واجبة عليه، أو دينًا واجبًا عليه أداؤه، فيقدم ما لم يجب عليه على الواجب عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١].
١١ - قال الفقهاء: والقادر مَنْ وجد زادًا وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات من الديون الحالَّة والمؤجلة، والزكوات، والكفارات، والنذور، وبعض النفقات الشرعية له ولأهله، إلى أن يعود بلا خوف.
* فائدة:
قال شيخ الإسلام: من اغتصب مركوبًا، أو اشتراه بمال مغصوب، وحج عليه فإنَّه يجب عليه أن يعوض صاحبه إذا أمكن، وإلاَّ تصدَّق بقدر قيمة الثمن عنه، وقد طاب حجه، وينبغي أن يعد لحجه وعمرته نفقة طيبة من حلال، لما صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله طيبب لا يقبل إلاَّ طيباً" [رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦٨٦)].
стр. 1787
٥٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوحَاءِ، فَقَال: مَنِ القَوْمُ؟ قَالُوا: المُسلِمين، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَال: رَسُولُ اللهِ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، وَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟، قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رَكْبًا: بفتح الراء وسكون الكاف بعدها باء موحدة تحتية، جمع راكب وهم الراكبون على الإبل خاصة في السفر، من العشرة فما فوق، جمعه أركب وركوب وركبان.
- الروحاء: بفتح الراء وسكون الواو ثم حاء مفتوحة بعدها ألف ممدودة، والروحاء بئر على الطريق الساحلي بين مكة والمدينة المنورة، وتبعد عن المدينة بـ (٧٣) كيلو متر، يوجد بها المقاهي واستراحة، وتسميها العامة بئر الرحا، أو بئر الراحة، وخف شأنها الآن بعد أن أحدث الطريق السريع الذي لا يمر بها.
- صبيًّا: الصبي جمعه صبية وأصبية وصبيون وصبيان، قلبوا الواو فيها ياء للكسرة التي قبلها، وهو الغلام من الولادة إلى البلوغ.
وقال بعض أهل اللغة: يقال له صبي إذا قارب البلوغ عرفًا، وأما لغة فمن الولادة إلى أن يفطم.
- حج: مبتدأ مؤخر، و"ألهذا" خبر مقدم، يعني: أيحصل لهذا ثواب حج، ولم تقل: أعلى هذا حج؛ لأنَّه لا يجب على الأطفال.
стр. 1788
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - صحة حج الصغير والصغيرة، سواء كانا مميزين، أو دون سن التمييز.
٢ - أنَّ ثواب الحج للصغير لا لوليه، ولا لغيره من أقاربه، لكن لوليه الذي تسبب في نسكه أجر على ذلك.
٣ - حجة من دون البلوغ لا تجزيه عن حجة الإسلام، فإنَّ معنى قول النبي ﷺ للمرأة: نعم، أي: يصح منه الحج. وإن كان طفلًا لا يميز، كما هو ظاهر السياق بقوله: "فرفعت إليه امرأة صبيًا"، وهذا الإجمال في كلمة "حج" مبيَّن بحديث "أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى" [رواه البيهقي (٩٦٢٩)]. أي له الأجر في التطوع بالحج قبل البلوغ، وعليه ركن الحج -
وجوبًا -بعد البلوغ.
فقد أجمع العلماء على أنَّه لا يجزئه -إذا بلغ- عن حجة الإسلام.
قال الطحاوي: "لا حُجة في قوله "نعم" على أنَّه يجزئه عن حجة الإسلام، بل فيه حُجة على من زعم أنّه لا حجَّ له".
٤ - ما دام أنَّ الشارع أجاز حج الصغير فإنَّه يريد منه أن يأتي به على الوجه المشروع، فتشمله أحكام حج الكبير إلاَّ ما أخرجه الدّليل، فحيئذٍ يكون على وليه أن يتبع ما يأتي:
أ - إن كان دون التمييز أن ينوي عنه الإحرام، ويصير -بذلك- الصغير محرمًا.
ب - إن كان مميزًا أمره وليه أن يحرم، لأنه لا ينعقد الإحرام من الصغير المميز إلاَّ بإذن وليه؛ لأنَّه تصرف فيه شائبة مالية، فلا يكون إلاَّ بإذن الولي.
ج - إنَّ كان ذكرًا تجنب ما يتجنبه الذكور في الإحرام، وإن كان أنثى تجنبت ما يجتنبه النساء في الإحرام.
د - إن كانا مميزين فعليهما الطهارة من الحدث والنجاسة للطواف، وإن كانا دون التمييز، فينبغي لوليهما أن يطهر أبدانهما وثيابهما من النجاسة حين الطواف.
стр. 1789
٥ - ولي الصغيرين هو القائم بشؤونهما ومصالحهما، من أب أو أم، أو غيرهما، فلا تُخص الولاية بالرجال، كما هو ظاهر الحديث.
٦ - يفعل الولي عنهما ما يعجزان عنه كالرمي ونحوه، لما روى الترمذي (٨٤٩) عن جابر قال: "كنَّا حججنا مع رسول الله ﷺ ، فكنَّا نرمي عن الصغار".
أما ما يقدر عليه الصغير فيأتي به بنفسه، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والطواف والسعي.
٧ - إذا كان الصغير المحمول في الطواف والسعي مميزًا، فإنَّه ينوي عن نفسه وحامله الطائف أو الساعي ينوي عن نفسه، ولكل منهما نية خاصة بنفسه، وأما إذا كان دون التمييز والناوي عنه حامله، فظاهر هذا الحديث إجزاء ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر المرأة التي سألته أن تطوف له وحده ولها وحدها، ولو كان واجبًا لبيَّنه، ولكن خروجًا من الخلاف، ومن باب الاحتياط، ولحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [رواه الترمذي (٢٤٤٢)]، فالأفضل أن يكون حامله قد طاف وسعى لنفسه، حين حمل من هو دون التمييز.
٨ - فيه قبول العبادة من الصغار وإثابتهم عليها، وفيه تدريب وتمرين على طاعة الله تعالى، التي هي سعادة الدنيا والآخرة، ولله في أمره أسرار.
٩ - استحباب التعارف والتآلف بين المسلمين، فالنبي ﷺ قال: "من القوم؟ " فقالوا: فمن أنت؟ قال: "رسول الله".
والتعارف والتواصل من أهداف الحج ومقاصده، التي أشار إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].
١٠ - فيه فضيلة صحبة أهل العلم والفضل، لاسيَّما في سفر الحج؛ ليستفيد منهم المسلم، وليؤدي عبادته على منهج سليم.
١١ - فيه أنَّ صوت المرأة ليس بعورة، ما لم تلينه وترققه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا
стр. 1790
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب] وإنَّ سماعه من الرجال جائز للحاجة إذا لم يقصد الرجل التلذذ بسماع صوتها.
١٢ - فيه أنَّ المرأة تلي شوؤن ولدها، وتعمل فيه بما هو الأصلح له، ولو كان والده موجودًا، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يستفسر منها عن وجود أبيه.
١٣ - حج الفرض عن الميت يجزيء عنه، ولو بغير إذن وارث؛ لأنَّ النَبيَّ ﷺ شبَّهه بالدين.
أما الحي فلا يسقط عنه الحج إلاَّ بإذنه، ولو معذورًا، كدفع الزَّكاة عنه؛ لأنَّ هذه عبادات لا تصح إلاَّ بنيَّة.
بخلاف الدَّين فإنَّه يصح القضاء عنه بلا إذنه، لأنَّه ليس عبادة، ولو حجَّ أو اعتمر نفلًا، ونوى ثوابه لميت أو حي صحَّ، وأجزأ، ولو بلا إذن المحجوج عنه، والمعتمر عنه.
***