← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٣٦ - وَعَنْ لَقِيْطِ بْنُ صَبْرَةَ, ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ, وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ, وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ, إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ". (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المصنَّف: صحَّحه ابن خزيمة، وقال في التلخيص: أخرجه الشَّافعي وابنُ الجارود وابنُ خزيمة وابنُ حبَّان والحاكم والبيهقيُّ وأصحاب السنن الأربعة مطوَّلاً ومختصرًا، وصحَّحه الترمذي والبغويُّ وابن القطَّان. وفي الباب حديث ابن عبَّاس: "استنثروا مرَّتين بالغتين أو ثلاثًا" رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن الجارود، والحاكم، وصححه ابن القطان. * مفردات الحديث: - أسبغ: من الإسباغ، وهو الاتساع والإتمام، و"أسبغْ" و"خلِّل" و"بَالِغْ" -كلها أفعال أمر، وفعل الأمر ما دلَّ على طلب وقوع الفعل من الفاعل المخاطب، والأصل أنَّه مبنيٌّ على السكون، فأسبغ الوضوء: وفِّ كلِّ عضوٍ حقه في الغسل؛ فهو الإتمام واستكمال الأعضاء. قال في القاموس: أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه. - خلِّل: تخليل الأصابع: التفريج بينها، وإسالة الماء بينها، والمراد أصابع

стр. 212

اليدين والرجلين؛ لحديث ابن عبَّاس: "إذا توضأت، فخلِّل أصابع يديك ورجليك" [رواه أحمد (١٥٩٤٥) والترمذي (٢٨)]. - بالغ: ابذل الجهد واستقص، بإيصال الماء إلى أقصى الأنف. - صائمًا: الصيام شرعًا: هو إمساك بنيَّةٍ عن مفسدات الصوم، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من المسلم العاقل غير الحائض والنفساء، وسيأتي إِنْ شاءَ الله. "إلاَّ أنْ تكون صائمًا": هذا الاستثناء لا يعود إلاَّ على المبالغة في الاستنشاف، وأمَّا إسباغ الوضوء وتخليل الأصابع، فلا يعود عليهما؛ لأنَّ الصيام لا يتأثَّر إلاَّ من الاستنشاق. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الإسباغ مشترك بين الواجب وبين المستحب، فيستعمل للوجوب فيما لا يتم الوضوء إلاَّ به، ومستحب فيما عدا ذلك. ٢ - استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين عند غسلهما، وتخليلهما: جعل الماء يتخلَّل بينهما، والصَّارف عن الوجوب دقَّةُ الماء، ووصولُهُ إلى ما بينها بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب؛ فيبقى الاستحباب على الاحتياط في ذلك. ٣ - استحباب المبالغة في الاستنشاق عند الوضوء، إلاَّ مع الصيام، فيكره؛ خشية وصول الماء إلى الجوف، والصَّارف له عن الوجوب: أنَّه لو كان واجبًا، لما منعه الصيام، ولوجب التحرز عن نزول الماء في الجوف مع المبالغة، وهو أمرٌ ممكن. ويلحق به استحباب المبالغة في المضمضة لغير صائم؛ لأنَّهما في معنى الاستنشاق؛ كما نصَّ على ذلك الفقهاء. ٤ - وجوب المضمضة عند الوضوء، وتقدَّم الخلاف في ذلك، وهو الرَّاجح من

стр. 213

قول العلماء في ذلك. ٥ - قوله: "إِلاَّ أنْ تَكُونَ صائِمًا": الاستثناء عائد على الاستنشاق؛ لأنَّه لا أثر له في الإسباغ والتخليل؛ وإِلاَّ؛ فالأصل أنَّ الاستثناء يعود على جميع ما تقدمه من الجمل، إلاَّ أنْ يدلَّ دليلٌ يخصه ببعضها، كهذا الحديث. ٦ - قوله: "أسبغ الوضوء ... إلخ" وجه الأمر لواحد، إلاَّ أنَّه أمرٌ لجميع الأمَّه، وهكذا الأوامر والنَّواهي الشرعية؛ لأنَّ الأحكام لا تتعلَّق بالأشخاص، وإنَّما تتعلَّق بالمعاني، والعلل التي أوجبتها، هذا ما لم يكن هناك دليلٌ يدل على تخصيص شخص بعينه؛ كقصَّة أبي بردة وأضحيته. ***

стр. 214

٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف، وله شواهد عن عددٍ كبيرٍ من الصحابة، لا تخلو من مقالٍ، ولكنَّه يَتَقَوَّى بها. قَالَ الحافظ في التلخيص: رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والدَّراقطني وابن حبَّان عن عثمان، وأورد له الحاكم شواهد: عن أنسٍ وعائشة وعليٍّ وعمَّارٍ. قلت: وفيه أيضًا عن أمِّ سلمة وأبي أيوب وأبي أمامة وغيرهم، وعدَّدهم الحافظ في التلخيص، وذكر طرقهم وأسانيدهم. وذكره الكتاني والسيوطي في الأحاديث المتواترة، فقد روي عن ثمانية عشر صحابيًّا، وقد ضعَّف أحاديث التخليل بعض المحدِّثين، وتكلَّموا في أسانيدها؛ كالعقيلي، وابن حزم، والزيلعي. قال الإمام أحمد وأبو حاتم: ليس في تخليل اللحية شيءٌ صحيحٌ. * مفردات الحديث: - لحيته: اللحية: شعر العارضَيْن والذَّقَنِ، جمعه: لحًى، بكسر اللام وضمها. * ما يؤخذ من اللحية: ١ - مشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وهو تفريقها وإسالة الماء فيما بينها؛ ليدخل ماء الوضوء خلال الشعر، ويصل إلى البشرة.

стр. 215

٢ - الشعر الذي في الوجه قسمان: أحدهما: أنْ يكون خفيفًا، ترى البشرة من ورائه؛ فهذا يجب غسله، وغسل ما تحته من البشرة. الثاني: أنْ يكون كثيفًا، وذلك بأنْ لا ترى البشرة من ورائه، فهذا يجب فيه غسل ظاهره، ويستحب تخليل باطنه، وأمَّا في الغُسْلِ: فيجب غسله، وإيصال الماء إلى البشرة، وأصول الشعر. ٣ - هذا التفصيل والبيان جاء من التتبع، والاستقراء للوضوء الشرعي، فما ظهر من الوجه يجب غسله، ومنه ما تحت الشعر الخفيف، وما استتر منه لكثافة الشعر، كلحيته ﷺ ، فالمشروع تخليلها. ***

стр. 216

٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتَيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ, فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد صحَّحه أبو زرعة الرَّازي، وابن خزيمة، وأخرجه الحاكم، وابن حبَّان. وقد أخرج أبو داود (٩٤) من حديث أمِّ عمارة الأنصارية بإسنادٍ حسن: "أنَّه ﷺ توضأ بإناءٍ فيه قدر ثلثي مد"، ورواه البيهقي (١/ ١٩٦) عن عبد الله بن زيد. والخلاصة: أن عباد بن تميم قد روى الحديث عن عبد الله بن زيد، وعن أم عمارة، وهو ثقة؛ فالروايتان صحيحتان. * مفردات الحديث: - مُدّ: بضم الميم المشدَّدة المهملة، المد: وحدة قيل شرعية، وهي رُبُعُ الصاع النبوي، وقدرها (٧٥٠ ملل). - يدلك: دلك الجسد بيده ليغسله، ويوصل الماء إلى مغابنه. - ذراعيه: الذِّراع من الإنسان: هي من طرف المرفق إلى الكف، جمعه أذرع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية الوضوء بثلثي المد، والمُدُّ: ربع الصالح النبوي، والصاع النبوي (٣ لتر). قال في القاموس: هو ملء كف الإنسان المعتدل، إذا ملأهما ومدّ يده بهما.

стр. 217

٢ - استحباب التقليل بقدر الحد الذي توضأ به النَّبي ﷺ ، ومثله الغُسْل؛ فإنَّ هذا من هدي النَّبي ﷺ . ٣ - استحباب دلك أعضاء الوضوء؛ لأنَّ ذلك من الإسباغ المستحب. ٤ - بهذه الكيفية للغَسْل، يُعْرَفُ الفرق بين المسح وبين الغَسْل؛ فإنَّ المسح: بَلُّ اليد بالماء، ومسح المكان بها، وأمَّا الغسل: فهو إجراء الماء على المحل، ولو أدنى جريان. ٥ - الأفضل هو الاقتداء بالنَّبي ﷺ في مثل هذه الكمية في ماء الوضوء، ولا تضر الزيادة اليسيرة، وأمَّا الإسراف في الماء فحرامٌ؛ لما روى أحمد (٦٦٤٦) والنسائي (١٤٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدَّى وظلم". * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الدلك، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟: فذهب الإمام مالك: إلى وجوبه؛ استدلالاً بهذا الحديث. وذهب الإمام أحمد: إلى عدم وجوبه؛ لأنَّه لم يرد ما يدل على الوجوب، وأمَّا فعل النَّبي ﷺ فيدل على الاستحباب، والمأمور به هو الغسل، وليس الدلك منه. لكن إِنْ كان الماء لا يصل إلى البشرة إلاَّ بالدلك، فهو واجب، وليس وجوبه من هذا الحديث، وإنَّما مراعاةً للإسباغ الواجب، وإِتمامًا للوضوء.

стр. 218

٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ "أَنَّه رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: "وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرَ فَضْلِ يَدَيْهِ" وَهُوَ الْمَحْفُوظُ (١). ــ * درجة الحديث: الرواية الأولى من الحديث شاذة، والرواية الثانية محفوظة، وحكم الشاذ الرد، وحكم المحفوظ القبول؛ ولذا قال المؤلف في التلخيص: وفي صحيح ابن حبَّان: "ومسح رأسه بماءٍ غير فضل يديه" ولم يذكر الأذنين. * ما يُؤْخذ من الحديث: في الحديث روايتان: إحداهما: أَنَّ النَّبي ﷺ أخذ لمسح أذنيه ماء، غير الماء الذي أخذه لرأسه. الثانية: أنَّه ﷺ مسح رأسه بماءٍ غير فضل يديه، وهذه الرواية هي الصحيحة؛ لما يأتي: أوَّلاً: أنَّها هي الرواية المحفوظة، فتكون الرواية المقابلة لها رواية شاذة حسب اصطلاح المحدِّثين؛ فإنَّ الحديث الشاذ: ما رواه راوٍ مخالفًا لمن هو أوثق منه، بوجهٍ من وجوه الترجيحات. ثانيًا: أنَّ الرواية الأولى أخرجها البيهقي، وأمَّا الثانية فهي عند مسلم؛ فلها مزيد صحة.

стр. 219

ثالثًا: تقدَّم أنَّ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن خزيمة: "أنَّه ﷺ مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السبَّاحتين في أُذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه"، ولم يذكر أخذ ماء جديد لأذنيه. رابعًا: تقدم لنا أن الأذنين من الرأس؛ فهما داخلتان في مسمَّاه لغةً وشرعًا. خامسًا: قال ابن القيم في الهدي: لم يثبت عنه ﷺ أنَّه أخذ لأذنيه ماءً جديدًا. وقال في تحفة الأحوذي: لم أقف على حديثٍ مرفوعٍ صحيح خال من الكلام، يدل على مسح الأذنين بماء جديد. ***

стр. 220

٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ, فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) ــ * مفردات الحديث: - أُمَّتي: الأمة: الجماعة من النَّاس تجمعهم صفات موروثة، أو مصالح واحدة، أو يجمعهم دينٌ واحد، والمراد هنا: أمَّة محمد ﷺ المتبعون لهديه. - يوم القيامة: يوم بعث الله الخلائق للحساب والجزاء، سمي بذلك لقيام النَّاس فيه من قبورهم، أو لإقامة عدل الله بينهم، أو لقيام الأشهاد. - غُرًّا: بضم الغين وتشديد الرَّاء، جمع أغر، أي: ذو غرَّة، والغرَّة أصلها: لمعةٌ بيضاء في جبهة الفرس، فأطلقت على نور وجوه هذه الأمَّة المحمدية، و"غرًّا": حالٌ من ضمير يأتون. - محجَّلين: جمع محجَّل بتشديد الجيم المفتوحة، من التحجيل، وهو بياضٌ في قوائم الفرس كلها، والمراد: نور هذه الأعضاء يوم القيامة. - من أثر الوضوء: علة للغرة والتحجيل المذكورين. أثر: جمعه آثار، والأثر: العلامة على الشيء، وبقيته. - الوضوء: بضم الواو مصدر، هو الفعل، مشتق من الوَضَاءة: هي الحُسْن، تقول: وَضُؤَ الرجل صار وضيئًا؛ وأمَّا الوَضُوء، وبفتح الواو: فهو الماء الذي يُتوضأ به؛ هذا هو أشهر قولَيْ أهل اللغة في ذلك.

стр. 221

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضيلة الوضوء، وأنَّه سببٌ قويٌّ لحصول السعادة الأبدية. ٢ - أنَّ أثر الوضوء على الأعضاء سبب لنورها؛ ففي الوجه لمعةٌ بيضاء مشرقة، وفي اليدين والرجلين نورٌ مضيءٌ. ٣ - أنَّ هذه ميزةٌ خاصَّة، وأمارةٌ فارقة لأمَّة محمد ﷺ ، تلك الأمة الممتثلة والقائمة بطاعة الله تعالى. ٤ - الرَّاجح: أنَّ الوضوء من خصائص أمَّة محمد ﷺ ، ولم يكن في الأمم السَّابقة؛ ذلك أنَّ الله تعالى جعل الغرَّة في وجوههم، والتحجيل في أيديهم وأقدامهم، سيما خاصَّةً لهم من أثر الوضوء؛ لما جاء في صحيح مسلم (٢٤٧)؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم تَرِدُونَ عليَّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء"، ولو كان غيرهم يتوضأ، لصار لهم مثل ما لأمَّة محمد ﷺ . قال شيخ الإِسلام: الوضوء من خصائص هذه الأمة كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، أمَّا ما رواه ابن ماجه: فلا يحتج به، وليس له عند أهل الكتاب خبر عن أحدٍ من الأنبياء، أنَّه يتوضأ وضوء المسلمين. ٥ - أنَّ طاعة الله تعالى سببٌ للفلاح والنجاح والفوز، فكل عبادةٍ لله تعالى لها جزاء يناسبها. ٦ - إثبات المعاد والجزاء فيه، وهو ممَّا علم من الدِّين بالضرورة، فإنَّ الإيمان بالبعث هو من أركان الإيمان الستَّة، فلا يصح إسلام أحدٍ إلاَّ بالإيمان بالبعث والجزاء بعد الموت. ٧ - البعث يكون للأرواح والأجساد؛ كما صحَّ بذلك الحديث عن النَّبي ﷺ : أنَّ النَّاس يحشرون يوم القيامة حفاة عراةً غرلًا. ٨ - قوله: "من أمتي": الأمة قسمان: أمة دعوة، وأمَّة إجابة؛ فكل وصفٍ أنيط

стр. 222

بأمَّة محمَّد ﷺ ، فالمراد به أمَّة الإجابة، وما عدا ذلك، فهم أمَّة الدعوة. * خلاف العلماء: ذهب أبو حنيفة، والشافعي وأحمد وأتباعهم: إلى استحباب مجاوزة الفرض في الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا ببقية حديث الباب: "فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته، فليفعل". قال النووي: اتفق أصحابنا على غسل ما فوق المرفقين والكعبين. وذهب الإمام مالك وأهل المدينة: إلى عدم استحباب مجاوزة محل الفرض، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإِسلام، وابن القيم، واختار هذه الرواية من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرهم. واستدلوا على ذلك بما يأتي: أوَّلاً: مجاوزة محل الفرض على أنَّها عبادة، دعوى تحتاج إلى دليل. ثانيًا: كل الواصفين لوضوء النَّبي ﷺ ذكروا أنَّه ﷺ كان يغسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين. ثالثًا: آية الوضوء حدَّدت محل الفرض: المرفقين والكعبين، وهي من آخر ما نزل من القرآن. رابعًا: لو سلمنا بهذا، لاقتضى الأمر أنْ نتجاوز حدّ الوجه، إلى بعض شعر الرأس، وهذا لا يسمَّى غرَّة؛ فيكون متناقضًا. خامسًا: الحديث لا يدل على الإطالة؛ فإنَّ الحلية إنَّما تكون زينة في السَّاعد والمعصم، لا العضد والكتف. سادسًا: أمَّا قوله: "فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته وتحجيله، فليفعل" فهذه الزيادة مدرجةٌ في الحديث من كلام أبي هريرة، لا من كلام النَّبي ﷺ ؛ كما في رواية أحمد (٨٢٠٨)، وقد بين ذلك غير واحدٍ من الحفَّاظ.

стр. 223

ففي مسند الإمام أحمد: قال نُعَيْمٌ المُجَمِّرُ راوي الحديث: لا أدري: قوله: "من استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته، فليفعل" من كلام النَّبي ﷺ ، أو شيء قاله أبو هريرة من عنده؟!. وقال ابن القيم: وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة لا تكون من كلام رسول الله ﷺ ؛ فإنَّ الغرَّة لا تكون في اليد، ولا تكون في الوجه، وإطالتها غير ممكنة وإذا كانت في الرأس، فلا تسمَّى تلك غرة. أهـ. وقال في النونية: واحفظ حدود الرب لا تتَعَدَّهَا ... وكذاك لا تجنح إلى النقصان وانظر إلى فعل الرسول تجده قد ... أبدى المراد وجاء بالتبيان ومن استطاع يطيل غرَّته فمو ... قوفٌ على الراوي هو الفوقاني والرَّاجح الأقوى انتهاء وضوئنا ... للمرفقين كذلك الكعبان هذا الذي قد حدَّد الرحمن في الـ ... ـقرآن لا تعدل عن القرآن وإطالة الغرَّات ليس بممكن ... أبدًا وذا في غاية التبيان فأبو هريرة قال ذا من كيسه ... فغدا يميزه أولو العرفان وَنُعَيْمٌ الراوي له قد شكَّ في ... رفع الحديث كذا روى الشيباني ***

стр. 224

٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهُ, وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - يُعجبه: من الإعجاب، يُقال: أعجبني هذا الشيء لحسنه، والعجيب: الأمر يتعجَّب منه، والمصدر العَجَبُ بفتحتين، وأمَّا العُجْبُ بضم العين وسكون الجيم، فهو اسم من أُعْجِبَ فلان بنفسه، والمراد: أنَّه ﷺ يُسَرُّ من التَّيمن ويستحسنه ويفضله ويقدمه، فأمَّا العَجْب بفتح فسكون، فهو أصل الذنب. - التيمُّن: مصدر تيمَّن، وهو تقديم الأيمن على الأيسر، من الجهات والأشياء. - في تنعله: أي: في لبسه النعل ونحوه من الخفين والجوربين، ومثله الثياب. - وترجله: بتشديد الجيم، هو تسريح شعر رأسه ولحيته بالمشط. - طُهوره: بضم الطاء، المراد التطهير بفعل الوضوء، والغسل، وإزالة الأنجاس. - في شأنه: متعلِّق بالتيمن. - في شأنه كله: من الأشياء المستطابة؛ فهذا تعميمٌ بعد تخصيص في كلِّ مُستطاب. * ما يُؤْخذ من الحديث: ١ - استحباب تقديم اليمين في التنعُّل، والترجُّل، والطهور، وما شابهها من الأمور المستطابة. ٢ - قوله: "في شأنه كلِّه" هو تعميمٌ بعد تخصيص؛ ولكنَّه تعميم في الأمور المستطابة كما تقدَّم. قال ابن دقيق العيد: هو عامٌّ مخصوص بدخول

стр. 225

الخلاء، والخروج من المسجد، ونحوهما، فإنَّه يبدأ فيهما باليسار. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرَّة: استحباب البداءة باليمين، في كلِّ ما كان من باب التكريم والتنزيه، وما كان بضدها استحبَّ في التياسر. ٣ - أنَّ جعل اليسرى للأشياء المستقذرة، هو الأليق شرعًا وعقلاً وطبًّا. ٤ - أنَّ الشرع الحكيم جاء لإصلاح النَّاس وتهذيبهم، ووقايتهم من الأضرار عامَّة. ٥ - أنَّ الأفضل في الوضوء هو البداءة بغسل يمنى اليدين على يسراهما، ويمنى الرجلين على يسراهما. قال النووي: أجمع العلماء على أنَّ تقديم اليمنى في الوضوء سنَّة، من خالفها فاته الفضل، وتمَّ وضوؤه. قال في المغني: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا. ٦ - استحباب البداءة بأيمن الرأس عند ترجيله أو غسله أو حلقه أو غير ذلك. ٧ - يستحب تقديم اليمنى من اليدين ومن الرجلين، على اليسرى منهما في كلِّ عملٍ طيِّب ومستحسن، وأنْ يخصِّص اليسرى لما يليق بها؛ من إزالة الأوساخ والأقذار، ومباشرة الأشياء المستقذرة. ٨ - في الحديث دليلٌ على أنَّ المسلم الموفَّق يجعل من عاداته عبادات؛ فإنَّ الأمور العادية حينما يأتي بها متَّبِعًا في ذلك هدي النَّبي ﷺ ، وقاصدًا بها القُربة والعبادة، فإنَّ هذه العادات تصير عبادات، وقربات تزيد في حسنات العبد. وبالعكس فإنَّ عبادات الغافل تصير عادات؛ لأنَّه يؤديها في حال غفلة وعدم استحضارٍ لنيَّة التقرب إلى الله تعالى، وعدم استحضار امتثال أمر الله تعالى في أدائها، وعدم استحضار اقتدائه حين أدائها بالنَّبي ﷺ ، وإنَّما يستحضر أنَّه قام بهذه العبادة، التي تعوَّد أنْ يقوم بها في مثل هذا الوقت، وغَفَلَ عن المعاني السَّابقة. ففرقٌ بين العبادتين كل منهما بنيَّة مخالفة لنيَّة الأخرى. والله الموفق.

стр. 226

٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأنْ يُصحَّح. وقد حسَّنه النووي في المجموع، وقد أخرجه أحمد (٨٤٣٨) وابن حبَّان (٣/ ٣٧٠) والبيهقي، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١) ويؤيده الذي قبله. * مفردات الحديث: - إذا: ظرفٌ للمستقبل غالبًا، متضمِّنٌ معنى الشرط غالبًا، فعله ماضِي اللفظ مستقبل المعنى كثيرًا؛ كمثل هذا الحديث. - توضأتم: أردتم الوضوء، أو شرعتم فيه. - بميامنكم: مفرده يمين، ضد اليسار؛ للجهة، والجارحة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب التيامن في الوضوء بين اليدين وبين الرجلين، بأنْ يبدأ باليد اليمنى ثمَّ باليد اليسرى، ثمَّ يبدأ بالرجل اليمنى قبل اليسرى؛ كما يدل عليه حديث عائشة المتقدِّم من أنَّه ﷺ : "كان يعجبه التيمن في تنعُّله وترجله وطهوره وفي شأنه كلِّه" رواه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨). ٢ - التيامن يتصوَّر بين اليدين والرجلين، بخلاف الوجه: فعضوٌ واحد يغسله

стр. 227

جميعه، والرأس عضوٌ واحدٌ فيمسح جميعه. ٣ - أجمع العلماء على أنَّ التيمُّن في الوضوء ليس بواجب، فلو قدَّم الشِّمال على اليمين، أجزأ الوضوء، مع فوات الفضيلة. ٤ - قوله: "إذا توضأتم" يعني: شرعتم في الوضوء، وأخذتم به. ٥ - أنَّ اليمين تُجْعَل للأعمال الطَّاهرة، وتقدَّم في الأحوال المُسْتطابة، والشمال لما سوى ذلك. ***

стр. 228

٤٣ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - بناصيته: النَّاصية؛ قصاص الشعر، ومقدَّم الرَّأس إذا طال، جمعه نواصٍ وناصيات. - العمامة: ثوبٌ يُلَف ويُدَار على الرَّأس، وسيأتي الكلام عليها إِنْ شَاءَ الله تعالى في باب الخفين. - الخفان: مثنى خف، ما يلبسان في الرجلين، ويكون الخف من الجلد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه حكاية المسح على النَّاصية وعلى العمامة، وقال بالمسح عليهما معًا بعض العلماء، والرَّاجح أنَّ الجمع بينهما إنَّما هو برواية الحديث، وأنَّه ﷺ مسح العمامة وحدها، ومسح الرَّأس وحده مبتدئًا بالنَّاصية، فجاءت رواية الحديث بالجمع بينهما؛ فظنَّ بعض العلماء أنَّ الجمع هو بالعمل أيضًا. ٢ - اقتصاره ﷺ على مسح النَّاصية لم يُحفظ عنه، قال ابن القيم: لم يصح عنه ﷺ أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة. ٣ - الحديث الذي معنا فيه المسح على النَّاصية وعلى العمامة، وتقدَّم أنَّ الرَّاجح أنَّ الجمع بينهما إنَّما هو برواية الحديث، لا الجمع بينهما بالمسح، وأنَّه ﷺ إنْ مسح على العمامة، اقتصر عليها، وإنْ مسح على الرَّأس، مسح

стр. 229

عليه كله لا بعضه. ٤ - جواز المسح على العمامة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ لهذا الحديث، ولما روى البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح على عمامته وخفيه"، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد؛ فلا يصح المسح عليها عند الأئمة الثلاثة. ٥ - قد اشترط أصحابنا لصحَّة المسح على العمامة ثلاثة شروط، هي: (أ) أَنْ تكُونَ على ذَكَرٍ دون أُنثى. (ب) أَنْ تكون ساترةً لغير ما العادة كشفه من الرأس. (ج) أَنْ تكُون محنَّكة، أو ذات ذؤابة. وتشارك الخف في شروطه؛ كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى. ٦ - قوله: "توضأ" استدل به الحنابلة على جواز المسح على الخفين ونحوهما، إذا لبسهما بعد كمال طهارة بالماء، فإنْ كانت طهارته بتيمم، لم يصح، وعلى القول الثاني -من أنَّ التيمم طهارة قائمة مقام الطهارة بالماء- فإنَّه يجوز ولو كان بطهارة تيمم، وهو قولٌ وجيهٌ، ولا يعارضه قوله: "توضأ"؛ فإنَّه ليس له مفهوم. ***

стр. 230

٤٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فهو قطعةٌ من حديث جابر في صفة حجَّة الوداع، وقد رواه مسلم عن جابر بن عبد الله بطوله. وإنَّما اختلف -هنا- التعبير من لفظ الخبر عند مسلم، إلى لفظ الأمر عند النسائي. * مفردات الحديث: - ابدؤوا: فعل أمرٍ مبني على حذف النون، والواو فاعل. - بما بدأ الله به: يشير إلى الترتيب بين الأعضاء في الوضوء؛ كما رتَّبته الآية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الله ﵎ ذكر صفة الوضوء في آية المائدة، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية [المائدة: ٦]، فرتَّب أعضاء الوضوء مبتدئًا بالوجه، فاليدين، فمسح الرأس، فغسل الرجلين؛ فترتيبه حسب هذا الترتيب الحكيم جاء في الآية الكريمة. ٢ - أنَّ هذا الترتيب المذكور في الآية فرضٌ في الوضوء، فلو أتى به على غير هذا الترتيب، لم يصح وضوؤه، ومن الفقهاء من يصحِّحه. ٣ - ممَّا استدلَّ به على لزوم هذا الترتيب، هو إدخال الممسوح -وهو الرَّأس-

стр. 231

بين مغسولين؛ فإنَّه لم يدخله بينهما إلاَّ مراعاةً لترتيب الأعضاء على هذه الكيفية، وعادة النصوص الكريمة البداءة بالأهم فالأهم. ٤ - أمَّا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وبين غسل الوجه، والترتيب بين يدٍ وأُخرى، أو بين رجل وأخرى، أو بين الأُذنين والرَّأس، فالإجماع على أنَّه سنَّة لا واجب؛ لأنَّها بمنزلة عضو واحد؛ إلاَّ أنَّ تقديم اليمين أفضل كما تقدَّم. ٥ - الحديث جاء في رواية: بالأمر بالبداءة، وفي روايةٍ أخرى: بالإخبار عن الفعل بالبداءة؛ فاجتمع فيه سنتان: أمره ﷺ وفعله. ٦ - الحديث ورد في الحج لتقديم الصفا على المروة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فيشرع أنْ يطبَّق في كلِّ أمرٍ رتَّبه الله تعالى، فيؤتى به على حسب ما رتَّبه الله تعالى. المؤلِّف -رحمه الله تعالى- ساق هذه القطعة من حديث صفة حج النَّبي ﷺ ليبين أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الأمر -وإنْ كان قد ورد في مسألة السَّعي خاصَّة- لكنَّه بعموم الأمر لفظُهُ يدل على قاعدة كليَّةٍ تدخل تحتها آية الوضوء، وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية، فيجب البداءة بما بدأ الله به. ***

стр. 232

٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مُرْفَقَيْهِ" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده القاسم بن محمد بن عقيل، وهو متروك، وضعَّفه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وصرَّح بضعف الحديث جماعةٌ من الحفَّاظ؛ كالمنذري، وابن الصلاح، والنووي، وغيرهم. قال الحافظ: يغني عنه ما رواه مسلم عن أبي هريرة: أنَّه توضَّأ حتَّى شرع في العضد، قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ. * مفردات الحديث: - أدار الماء: أجرى الماءَ، وعمَّمه على جميع المرفقين. - مرفقيه: تثنية مرفق، بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس، جمعه مرافق، وهو: موصل الذراع في العضد، سُمِّيَ مرفقًا؛ لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قوله: "إذا توضأ" يعني: شرَعَ في الوضوء، ووصَلَ إلى غسل اليدين. ٢ - وجوبُ إدارة الماء على المرفقين عند غسل اليدين؛ لأنَّهما بقيَّة اليد ومنتهاها، وقد قال ﷺ لمَّا توضأ: "من توضأ نحو وضوئي هذا ... ". ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ قال جمهور المفسِّرين: إنَّ "إلى" هُنا بمعنى "مع"، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] يعني: مع أموالكم، وتقدَّم أنَّ ما بعد "إلى" تارةً يكونُ داخلًا فيما

стр. 233

قبلها، وتارةً غَيْرَ داخل، وأنَّ الذي يعيِّنه هو القرينة، وهنا أبانت النصوص أنَّ ما بعدها داخلٌ فيما قبلها؛ فلابُدَّ من غسله. ٤ - قال ابن القيم: حديث أبي هريرة في مسلم في صفة وضوء النَّبي ﷺ : "أنَّه غسل يديه حتَّى شرع في عضديه" يدل على إدخال المرفقين في الوضوء. ***

стр. 234

٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ. (١) وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَعِيْدِ بْنِ زَيْدٍ (٢)، وَأَبِي سَعِيْدٍ (٣) نَحْوُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيْهِ شَيْءٌ. ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف؛ ولكن له طرق يتقوَّى بها. قال الحافظ في التلخيص: قال أحمد: ليس فيه شيءٌ يثبت، فكل ما روي في هذا الباب ليس بقويٍّ. وقال العقيلي: الأسانيدُ في هذا الباب فيها لين. وقال أحمدُ حينما سُئِلَ عن التسمية: لا أعلَمُ فيه حديثًا صحيحًا. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: إنَّ الحديثَ ليس بصحيح. ثمَّ قال ابن حجر: الظَّاهِرُ: أنَّ مجموعَ الأحاديث يحدث منها قوَّة، تدل على أنَّ له أصلاً. وقال الشوكاني: ولا شكَّ أنَّ طرق الحديث تنهض للاحتجاج بها، وقد حسَّنه ابن الصلاح وابن كثير.

стр. 235

وممَّن صحَّح هذا الحديث: المنذري وابن القيم والصنعاني والشوكاني وأحمد شاكر. * مفردات الحديث: - لا وضوء: "لا" نافية للجنس، و"وضوء" اسمها، وشِبْهُ الجملة خبرها، والأصل أن النَّفْيَ نَفيٌ للصحَّة، فهي الحقيقة الشرعية، وقيل: للكمال. - اسم الله: المراد به قول: "باسم الله". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب قوله "باسم الله" عند البداءة في الوضوء، قال العلماء: لا يقوم غيرها مقامها؛ للنَّص عليها. قال النووي: التسمية أنْ يقول: "باسم الله" فتحصل السنَّة، وإنْ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أكمل. ٢ - ظاهر الحديث نفي صحة الوضوء، الذي لم يذكر اسم الله عليه. ٣ - الحديث بكثرة طرقه صالحٌ للاحتجاج به؛ ولذا أوجب الفقهاء من أصحابنا التسمية عند الوضوء مع الذكر، وتسقُطُ مع النسيان. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في وجوب التسمية عند الوضوء: فذهب الإمام أحمد، وأتباعه: إلى أنَّها واجبة في طهارة الأحداث كلها، ودليلهم حديث الباب وغيره. قال البخاري: إنَّه أحسن شيءٍ في هذا الباب، وقال المنذري: لا شكَّ أنَّ أحاديث التسمية تكتسب قوَّةً، وتتعاضد بكثرتها، وقال ابن كثير: يشد بعضها بعضًا؛ فهو حديثٌ حسنٌ أو صحيح. وهذا القول من مفردات المذهب. قال في شرح المفردات: الصحيحُ مِنَ المذهب: أنَّ التسمية واجبةٌ في

стр. 236

الوضوء، وكالوضوء الغسلُ والتيمُّم، وهو مذهب الحسن وإسحاق. وذهَبَ الأئمة الثلاثة: إلى أنَّها سنَّةٌ، وليست بواجبة، وعدم وجوبها رواية عن أحمد، اختارها الخرقي، والموفق، والشَّارح، وغيرهم. قال الخلَّال: إنَّه الذي استقرَّت عليه الرواية. وقال الشيخ تقي الدِّين: لا تشترط التسمية في الأصح. وقال أحمد: لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا. وقال المجد: جميع أحاديث التسمية في أسانيدها مقال. وقال السخاوي: لا أعلم من قال بوجوب التسمية إلاَّ ما جاء في إحدى الروايتين عن أحمد. ***

стр. 237

٤٧ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ. قال المؤلِّف: أخرجه أبو داود بإسنادٍ ضعيف. وقال في التلخيص الحبير: فيه ليث بن أبي سُلَيْم، وهو ضعيف، وقال ابن حِبَّان: يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه ابن القطَّان، وابن معين، وأحمد. وقال النوويّ في تهذيب الأسماء: اتفق العلماء على ضعفه. * مفردات الحديث: - يفصل: يُقال: فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا -من باب ضرب- والفصل: هو التفريق بين شيئين، ومعنى فعله ﷺ ، أنَّه يفرِّق بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ ماءً للمضمضة، ثم يأخذ ماءً جديدًا للاستنشاق. - بين: ظرف مبهم، لا يتبيَّن معناه إلاَّ بإضافته إلى اثنين فصاعدًا، كهذا الحديث. وقد تزاد الألف لإشباع الفتحة، فتكون "بينا" كما جاء في حديث أبي هريرة في قصة أيوب ﵇: "بينا أيوب يغتسل"، وقد تزاد فيه "ما" فيكون "بينما"، فإذا أشبع، أو مع الإشباع زيدت فيه "ما"؛ فحينئذ يكون ظرف زمان بمعنى المفاجأة.

стр. 238

٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: "ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا, يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. ذكر المؤلِّف في التلخيص رواياتِ المضمضة والاستنثار من كف واحد عن علي ﵁ أنَّها في مسند الإمام أحمد (٦٢٦، ٨٧٤)، وفي سنن ابن ماجة (٢٤٠٥)، والرواية الثالثة التي معنا في هذا الحديث، وذكر رواية رابعة التي أفرد فيها المضمضة عن الاستنشاق، تلك الرواية التي أنكرها ابن الصلاح، ولكن المؤلِّف أيدها بقوله: قلت: روى ابن السكن في صحاحه عن شقيق بن سلمة قال: "شهدت عليًّا وعثمان توضَّأ اثلاثًا ثلاثًا، وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثمَّ قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضَّأ"؛ فهذا صريح في الفصل، فبطل إنكار ابن الصلاح، فإسناد الحديث صحيح، وممَّن صحَّحه ابن الملقِّن. * مفردات الحديث: - الكف: مؤنث، وهي من الكوع إلى أطراف الأصابع، والمراد من غرفة واحدة من الماء. - تمضمض: يُقال: مضمض يمضمض مضمضة، حرك الماء بإرادته في فمه. - استنثر: يُقَال: نثر ينثر نثرًا، من باب قتل وضرب، والاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، الذي هو إيصال الماء إلى جوف الأنف.

стр. 239

٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: "ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - كفٍّ واحدٍ: الكف: هي من الكوع إلى أطراف الأصابع، جمعُهُ: كفوفٌ وأَكُفٌّ، ولكون تأنيثه مجازيًّا جاز نعته بلفظِ "واحد". * ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - حديث طلحة يدل على استحباب الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وذلك بأنْ يأخذ لكلِّ واحدٍ ماءً جديدًا؛ ليكون أبلغ في الإسباغ والإنقاء. ٢ - حديث علي يدل على استحباب المضمضة والاستنشاق من كفٍّ واحدة، بثلاث غرفات؛ مراعاةً للاقتصاد في ماء الوضوء، ولأنَّ الفم والأنف جزآن من عضوٍ واحدٍ، وهو الوجه. ٣ - وحديث عبد الله بن زيد يدل على استحباب المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، بثلاث غرفات أيضًا. ٤ - أحسَنُ توجيه للجمع بين هذه النصوص هو إعمالُها، وَحَمْلُهَا على تعدُّد الأحوال، واختلافِ الصفات مع كل مرَّة. قال ابن القيم: وَكَانَ ﷺ يتمضمض ويستنشق تارةً بغرفةٍ، وتارةً بغرفتين، وتارةً بثلاث، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، ولا يمكن في الغرف إلاَّ هذا.

стр. 240

ولم يجيء الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديثٍ صحيح ألبتَّة، ولفظ أبي داود: "مضمض من الكفِّ الذي يأخذ فيه الماء"، ولفظ النسائي: "مضمض من الكفِّ الذي يأخذ به الماء". أمَّا حديث طلحة بن مصرِّف، فلم يُرْوَ إلاَّ عن أبيه عن جدِّه، ولا يعرف لجدِّه صحبة. أهـ. قال النووي: اتفق العلماء على ضعفه. وقال الحافظ: إسناده ضعيف. أهـ. وبهذا فيكون ما ورد من الصفات هو: ١ - أنْ يمضمض ويستنشق ثلاث مرَّات من ثلاث غرفات، وهذا يفهم من حديث عليٍّ، وحديث عبد الله بن زيد، الذي في الصحيحين. ٢ - أمَّا حديث طلحة: فإنَّه يفصل بين المضمضة، وبين الاستنشاق؛ فيأخذ لكلِّ واحدةٍ غرفة، ولكنه لم يبيِّن عدد الغرفات. ***

стр. 241

٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا, وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن، مع أنَّ العلماء اختلفوا في صحته: فقد قال أبو داود: هذا حديثٌ غير معروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلاَّ ابن وهب، وله شاهدٌ عند مسلم (٢٤٣)، موقوف على عمر. وقال المنذري: في إسناده بقيَّة بن الوليد، وفيه مقال. وقال الإمام أحمد: إسناده جيد، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وأبو عوانة، والضياء المقدسي، وقال البيهقي: رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم. ويكفي أنْ نَسُوقَ ما قاله ابن القيِّم على هذا الحديث في تهذيب السنن، قال: علَّل المنذري وابن حزم هذا الحديث برواية بقيَّة له، وزاد ابن حزم أنَّ راويه مجهول. والجواب عن هاتين العلَّتين: أمَّا الأولى: فإنَّ بقيَّة ثقةٌ صدوق حافظ، وإنَّما نُقِمَ عليه التدليس، فإذا صرَّح بالسماع، فهو حجَّة، وقد صرَّح في هذا الحديث بسماعه له. وأمَّا العلَّة الثانية: فباطلةٌ؛ فجهالة الصحابي لا تقدح بالحديث؛ لثبوت عدالتهم. والحديث لمعناه شواهدُ تعضُدُهُ في البخاري (١٦٥) ومسلم (٢٤٢) عن

стр. 242

أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، قالوا: إِنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ويلٌ للأعقاب من النَّار". * مفردات الحديث: - قَدَمه: القدم مؤنثة، وهي: ما يَطأُ الأرضَ من رِجْلِ الإنسان، وفوقها السَّاق، وبينهما المفصلُ الرسغ. - الظفر: فيه لغتان، أجودهما: ضم الظاء والفاء، جمعه أظفار، هو: جسم يكاد يكون شفافًا، موجود على ظهر السلامية الأخيرة، من أصابع اليدَيْن والقدمَيْن. - لم يُصِبْهُ الماء: أصاب السهمُ إصابةً: وصل الغرض، فالمعنى: أخطأه الماء، فلم يصل إليه. - أحسِنْ وضوءك: أحسِنْ فعلَ الشيء، أي أَجِدْ صُنْعَهُ، فَأَتِمَّ وضوءَكَ وأحسنه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب تعميم أعضاء الوضوء، وأنَّ ترك شيء من العضو -ولو قليلًا- لا يصحُّ معه الوضوء. ٢ - مشروعية إحسان الوضوء، وذلك بإتمامه وإسباغه، وهذا نص في الرِّجْل، وقياسٌ في غيرها. ٣ - أنَّ القدمين من أعضاء الوضوء، وأنَّه لا يكفي فيهما المسح، بل لابدَّ من الغسل؛ كما جاء صريحًا في آية المائدة الآية رقم ٦. ٤ - وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، فإنَّ النَّبي ﷺ أمره بأنْ يرجع ليحسن وضوءه كله، من أجل تأخير غسل الرِّجْلِ عن بقيَّة الأعضاء، ولو لم تعتبر الموالاة، لاقتصر على أمره بِغَسْلِ ما تركه فقطْ. ٥ - تعيُّن الماء في الوضوء؛ فلا يقوم غيره مقامه. ٦ - وجوبُ المبادرة إلى الأمرِ بالمعروف، وإرشادِ الجاهلِ والغافل؛ لتصحيحِ عبادته.

стр. 243

٧ - أنَّ إحسان الوضوء هو بإتمامه وإسباغه؛ ليَعُمَّ جميعَ العضو المغسول. ٨ - خصَّ النَّبيُّ ﷺ الأعقابَ بالعقاب بالنَّار؛ لأنَّها التي لم تُغْسَلْ غالبًا، والمراد صاحبُ الأعقاب؛ لأنَّهم كانوا لا يَسْتَقْصُونَ غسل أرجلهم في الوضوء. ٩ - في الحديث استحبابُ تحريك الخاتَمِ والسَّاعة في اليد؛ ليحصل اليقين إلى وصولِ ماء الوضوءِ إلى ما تحت ذلك. * خلاف العلماء: ذهب جمهورُ العلماء: إلى وجوب استيعاب أعضاء الوضوء بالماء؛ لما ثبت في الصحيحين: "ويلٌ للأعقاب من النَّار". وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه يُعْفَى عن نصف العضو أو ربعه أو أقل من الدرهم، وهي روايات تحكى عنه، والصحيحُ عنه: أنَّه يجبُ الاستيعاب. ***

стр. 244

٥١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ, وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - الصاعُ: مكيالٌ معروفٌ، والمراد به الصاعُ النبويُّ، ويبلغ وزنه (٤٨٠) مثقالًا من البر الجيد، وباللتر (٣ لترات). - المُدّ: بضم الميم، مكيالٌ معروف، وهو ربع الصالح النبوي، ويجمع على أمداد ومدد، ومقداره: (٧٥٠) ملل. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان هديه ﷺ الاقتصاد في الأمور، حتَّى في الأشياء المتوفِّرة المبذولة؛ إرشادًا للناس، وتوجيهًا لهم إلى عدم الإسراف في الأمور. ٢ - كان يتوضَّأ بالمُدِّ، وهو مكيال معروف؛ فالصَّاع أربعة أمداد، فيكون المد ربع الصاع، وقدره بالمعيار الحاضر (٦٢٥) غرامًا، وباللتر (٧٥٠) ملل. ٣ - كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، يعني: من الصاع إلى الصاع والربع، مع وفرة شعره ﷺ ، والصاع النبوي: ثلاث لترات. ٤ - فضيلة الاقتصاد في ماء الوضوء وفي غيره، وأنَّ الإسراف فيه ليس من هدي النَّبي ﷺ . ...

стр. 245

٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ, ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنَ أَيِّهَا شَاءَ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ, وَزَادَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ, وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث في صحيح مسلم؛ فلا داعي لبحثه. وأمَّا زيادة الترمذي فقال: إنَّ في سندها اضطرابًا، ولا يصح فيها شيءٌ، كما ضعَّفها أحمد شاكر، ولكن لها شواهد؛ منها: ما رواه البزَّار والطبراني في الأوسط من حديث ثوبان، وابن ماجه من حديث أنس، والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد، وله شواهد أخرى؛ ولذا أثبته المباركفوري والألباني. * مفردات الحديث: - ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيسبغ الوضوء: "ما" نافيةٌ حجازيةٌ عاملةٌ، اسمها "أحد"، وخبرها "يتوضأ"، و"مِنْ" زائدة، و"أحد" مجرور المحل بـ"من" الزائدة وهو اسم "ما"، والفاء في "يسبغ" بمعنى ثُمَّ، فليست الفاء هنا للترتيب العطفيِّ بإسباغ الوضوء، وليس بمتأخِّر حتَّى يعطف بالفاء؛ ولذا فقد صار معنى الفاء هو معنى ثُمَّ، المفيد لبيان المرتبة. - فيسبغ: الإسباغ: الإتمام والإكمال، وإيصال الماء إلى مغابن الأعضاء.

стр. 246

- إلاَّ: استثناءٌ من النَّفي، وهي في أوَّل الكلام للحصر. - فُتِحَتْ: بالتخفيف والتشديد: أزيل إغلاقها، والتشديدُ مبالغةٌ في فتح أبواب الجنَّة. - الجنَّة: مادة "جنن" تدل على الستر والإخفاء، والمراد بالجَنَّة هنا: دار النَّعيم في الآخرة، جمعها جِنَانٌ. - الثَّمانية: هذه الأبوابَ جاءتْ مبيَّنةً في بعض الأحاديث؛ ففي الصحيحين: باب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصيام، وباب الصدقة، وجاء في مسند أحمد وغيره: باب الكاظمين الغيظ، وباب المتوكِّلين، وباب الذكر، وباب التوبة. وسيأتي تكميل البحث عنها في الكلام على فقه الحديث، إنْ شاء الله تعالى. - التَّوَّابين: التوبة: الاعترافُ بالذنب، والنَّدَمُ والإقلاع، والعَزْمُ على أنْ لا يعاودَ الإنسانُ ما اقترفه من الذنوب؛ فهي الرجوع عن الذنوب والعيوب، إلى طاعة علاَّم الغيوب، وهذه الصيغةُ -صيغة فعَّال- تأتي للمبالغة، وتأتي للنسبة، وهي هنا محتملة للأمرين، أي: اجعلني من ذوي التوبة، فتكون للنسبة، وأنْ أكون من كثيري التوبة، فتكون للمبالغة؛ وكل من المعنيين صحيح. - المتطهِّرين: بالخلاص من تبعات الذنوب السَّابقة، ومن التلوُّث بالسيئات اللاَّحقة. - التَّوَّاب: من أسماء الله الحسنى، بمعنى: أنَّه الموفِّقُ للتوبة، القابلُ لها؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. يعني: وفَّقهم للتوبة، ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ [البقرة: ١٦٠] يعني: قابل التوبة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فضيلةُ الوضوء، وما يعود به على صاحبه مِنَ الثواب الجزيل. ٢ - مشروعيةُ إسباغِ الوضوء وإتمامِهِ، وما يحصُلُ به من الأجر العظيم.

стр. 247

٣ - فضل هذا الذكر الجليل، وأنَّه سبب السعادة الأبدية، وهو مستحبٌّ بإجماع العلماء هنا، وبعد الفراغ من الغسل والتيمم؛ لأنَّه طهارة، فسن فيه الذكر. ٤ - أنَّ إسباغ الوضوء، والإتيان بعده بهذا الذكر، من أقوى الأسباب في دخول الجنَّة. ٥ - إثباتُ البعثِ، والجزاء بعد الموت. ٦ - إثباتُ وجودِ الجنَّةِ وأبوابِها الثمانية، والتخيير في الدخولِ من أبوابها لصاحب العمل الفاضل، ممَّن طهر ظاهره وباطنه. ٧ - تفتيح أبواب الجنَّة لصاحب هذه المنزلة، يُحمل على أمرين: أحدهما: تيسيرُ الوصول وتسهيلُ سبل الخير إلى تلك الأبواب، بمعنى أنَّ الله تعالى يُهيِّىء له أسبابَ الأعمال الصالحة التي تبلِّغه هذه الأبواب؛ قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. الثاني: معنى "فتحت" أي: ستفتح يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل لتحقُّق وقوعه وقربه، وهو ضربٌ من التعبير البلاغي؛ قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. ٨ - مطابقة هذا الذكر مكمِّلٌ لطهارة الوضوء؛ فإنَّه بعد أنْ طهَّر ظاهره بالوضوء بالماء، طهَّر باطنه بعقيدة التوحيد، وكلمة الإخلاص التي هي أشرف الكلمات. ٩ - كلمة التوحيد: هي مجموعُ شهادةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَشَهادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ الله؛ فلا تكفي إحداهما عن الأخرى. ١٠ - زيادة الترمذي لا تنافي الحديث ولا تعارضه، وهي زيادةٌ من ثقة، فهي زيادة مقبولة، فيكون الدعاء بطَلب التوبة، وتطهيرِ الظاهر بالماء، وتطهيرِ الباطن عن الأخلاق الرذيلة، والتطهُّرِ من دنس الذنوب والمعاصي -مناسبٌ عند انتهاء التطهُّر من الحدث الأصغر والأكبر.

стр. 248

فالتوبة: طهارة الباطن، والوضوء: طهارة الظاهر، فكان ذكرهما جميعًا في غاية المناسبة؛ فهو من الأدعية المستحبة في هذا الموطن. وقال الطيبي: قول الشهادتين عَقِبَ الوضوء، إشارةٌ إلى إخلاصِ العمل من الشرك والرِّياء، بعد طهارة الأعضاء من الخَبَثِ والحدث. قال الصنعاني: ولا يخفى حُسْنُ خَتْمِ هذا الباب بهذا الدعاء. ١١ - قال ابن القيم: كلُّ حديثٍ في أذكار الوضوء التي تقولها العامَّةُ عند كلِّ عضوٍ بدعةٌ لا أصل لها، وأحاديثها مُختَلَقَةٌ مكذوبةٌ؛ فلم يقل النَّبي ﷺ شيئًا، ولا علَّمه أمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوَّله، وهذا الذكر في آخره، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من الصحابة ولا التَّابعين ولا الأئمة الأربعة. وقال النووي: الأدعية في أثناء الوضوء لا أَصْلَ لها، ولم يذكرها المتقدمون. وقال ابن الصلاح: لم يصحَّ فيه حديث. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: روي عن علي من طرقٍ ضعيفةٍ جدًّا. ١٢ - قال شيخ الإِسلام: الوضوءُ عبادةٌ كالصلاة والصوم، فهو لا يعلم إلاَّ من الشّارع، وكلُّ ما لا يعلم إلاَّ من الشَّارع فهو عبادة، وقال: من اعتقد أنَّ البدع قربةٌ وطاعةٌ وطريقٌ إلى الله تعالى، وجعلها من تمام الدين، فهو ضال. ١٣ - التواب: اسم من أسماء الله تعالى، ويسمَّى الإنسان أيضًا بالتواب، ولكن الاشتراك هو باللفظ فقط. أمَّا المعنى: فالله تعالى وصف نفسه بأنَّه توَّابٌ بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة] يعني: أنا الذي أوفِّق عبادي للتوبة، وأقبلها منهم، ووصف عباده بالتوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة]؛ فوصفهم بكثرة الرجوع إلى الله تعالى، ممَّا عسى أنْ

стр. 249

يبدر منهم من الذنوب، فلكلِّ لفظٍ معنًى، غير معنى اللفظ الآخر، مع العلم بأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء، في ذاته ولا صفاته. - توبةُ العبد لله تعالى واجبة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وللتوبة النصوح شروط: أحدها: الندمُ على ما وقع من الذنب. الثاني: الإقلاعُ عن الذنب إنْ كان متلبِّسًا به. الثالث: العزمُ على أنْ لا يعود إليه في المستقبل. الرادح: الإخلاصُ لله تعالى في التوبة. الخامس: أنْ يتُوبَ قبل حضور الأجل، ومعاينة مقدِّمات الموت. السادس: إنْ كان الحَقُّ الذي عليه لآدمي، ردَّه إليه أو استسمحه. ***

стр. 250

باب المسح على الخفين مقدِّمة المسح لغة: إمرار اليد على الشيء. وشرعًا: إصابة اليد المبتلَّة بالماء، لحائل مخصوص، في زمنٍ مخصوص. والخف لغةً: بضمِّ الخاء وتشديد الفاء: واحد الخِفَافِ التي تلبس على الرِّجل، سمِّي بذلك؛ لخفَّته. وشرعًا: السَّاتر للقدمين إلى الكعبين فأكثر، من جلد وغيره. وَذُكِرَ بعد الوضوء؛ لأنَّه بَدَلٌ عن غَسْلِ ما تحته. والمسح رخصة: والرخصة لغةً: التسهيلُ في الأمر. وشرعًا: ما ثبَتَ على خلاف دليلٍ شرعيٍّ، لمعارضِ راجح. وفي الحديث: "إنَّ الله يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رخصه" [رواه ابن خزيمة (٣/ ٢٥٩) وابن حبان (٨/ ٣٣٣)]. والمسح دلَّت عليه الأحاديثُ المتواترة: قال الحسن البصري: حدَّثني سبعون من أصحاب النَّبي ﷺ : أنَّه ﷺ مسح على خفيه. وقال الإمام أحمد: ليس في نفسي مِنَ المَسْحِ شيء؛ فيه أربعون
следующие страницы →