← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

منذ حوالي ثلاثين سنة، من قبل لجنة خرجت من مكة بقصد تحديد الميقات، ومَنْع التعدي عليه. ويحده من الغرب وادي "العصلاء الشرقية"، المتجه من الجنوب إلى الشمال حيث يصب سيله في وادي الضريبة، ويمتد الحد الغربي شمالًا على مسامته وادي العصلاء، حتى يصل إلى الجبل المقابل، من الناحية الشمالية، ويوجد مجرى سيل متجه من الجنوب إلى الشمال، موازٍ للعصلاء الشرقية من الغرب، يدعي "العصلاء الغربية" وبينهما حوالي خمسمائة متر، ويصب سيله في وادي الضريبة، وقد وضعت نصائب من قبل اللجنة السابقة في الضفة الشرقية للعصلاء الغربية، وقال المرافقون: إنَّ هذا متجاوز للحد، وإنما وضعت هذه الأنصاب لتكون حمى للميقات، إذ أنَّ حد الميقات من الغرب هو العصلاء الشرقية، كما أوضحناه آنفًا، لوجود الآثار شرقيها، ولأنَّ العرق المنسوب إليه هذا الميقات ينتهي عند هذا الحد، ونوصي بأن يبقى ما بين العصلاء الشرقية والعصلاء الغربية حمى للميقات، كما وضعته اللجنة السابقة، ولا يسمح لأحد بإحيائه أو تملكه، لئلا يضيق الميقات بالتعدي على حدوده. ويحد الميقات من الجنوب قمة جبل عرق، ابتداءً من طرفه الشرقي عند مجرى واد الحنو إلى طرفه الغربي حيث ينتهي بمجرى العصلاء الشرقية. ويحده من الشمال الجبال المتصلة الواقعة شمال وادي الضريبة، من مصب وادي أنخل في وادي الضريبة شرقًا، حتى ملتقى وادي الضريبة بوادي العصلاء الشرقية غربًا. وطول الميقات شرقًا وغربًا ألفا متر، تقريبًا، وهو طول العرق المذكور، وعرض الميقات يختلف باختلاف ما بين الجبلين ضيقًا واتِّساعًا، ويتراوح ذلك ما بين مائتي متر وخمسمائة متر، كما سبقت الإشارة إليه. أما موقع إقامة مسجد الميقات ومرافقه، فترى اللجنة أن يقام في المتسع

стр. 1822

الواقع شمال شرق بئر "الخضراء" لتوسطه، ولأن جميع من سألناهم أجمعوا على أنَّ الإحرام في الماضي والحاضر هو قرب هذه البئر، التي يوجد حولها بقية الآبار المندفنة، والغرف المتهدمة، والمقابر في سفوح الجبال الشمالية الغربية مما يلي وادي الضريبة. هذا ما توصلت إليه اللجنة فيما يتعلَّق بميقات "ذات عرق"، ونسأل الله إصابة الحق في القول والعمل، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم ... ولمزيد التأكد طلب المجلس حضور الشريف شاكر بن هزاع قائم مقام مكة سابقًا، واطلاعه على تقرير اللجنة، ومعرفة ما لديه من معلومات عن الميقات المذكور، لما له من خبرة في ذلك، وقد حضر عند هيئة كبار العلماء في يوم السبت الموافق ٣/ ٢٥/ ١٤١٤ هـ، وأفاد أنَّ ما تضمنه تقرير اللجنة موافق لما قررته اللجنة التي شكلت في عام ١٣٨٧ هـ، لتحديد ذات عرق، وكان عضوًا فيها، ووضعت علامات حدود الميقات في ذلك الوقت، التي لا تزال باقية إلى الآن، وهي نفس العلامات التي رأتها اللجنة التي شكلها المجلس، كما قام كل من عضوي المجلس فضيلة الشيخ محمَّد بن سليمان البدر، وفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد يوم الجمعة الموافق ٢٤/ ٣/ ١٤١٤ هـ بزيارة الميقات ذات عرق، وأفادا المجلس بأنَّهما اطلعا على الميقات ومعالمه، وسألا عددًا من سكان المنطقة عن الميقات، واتَّضح لهما أنَّ ما جاء في تقرير اللجنة التي كلفها المجلس فيه وصف دقيق لذات عرق، يوافق واقعها على الطبيعة، وبناءً على ما تقدم، فإنَّ المجلس يرى ما يلي: ١ - أن تهتمَّ الحكومة بميقات ذات عرق، الذي هو أحد المواقيت المكانية المعتبرة للحج والعمرة، من حيث المحافظة عليه، وذلك بوضع علامات واضحة وبارزة في بدايته من الشرق، ونهايته من الغرب، حسب الحدود الموضحة في تقرير اللجنة المذكور ضمن هذا القرارة حتى لا يتجاوزه أحد

стр. 1823

ممن يريد الحج أو العمرة قبل الإحرام. ٢ - يوصي المجلس بتكليف الجهة المختصة بالمبادرة بإنفاذ أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ببناء ميقات ذات عرق، وتأمين ما يحتاجه من خدمات ومرافق، حسبما صرَّح به معالي وزير الحج والأوقاف السابق، ونشر في جريدة الجزيرة في عددها (٧٤٧٠) الصادر في ١٩/ ٩/ ١٤١٣ هـ. ٣ - يقام المسجد في المكان الذي اقترحته اللجنة في تقريرها؛ للأسباب التي ذكرتها، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه. * قرار هيئة كبار العلماء بشان المواقيت المكانية: رقم (٧٣): قال مجلس هيئة كبار العلماء: بعد الرجوع إِلى الأدلة، وما ذكر أهل العلم في المواقيت المكانية، ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه، فإنَّ المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: ١ - أنَّ الفتوى الصادرة من الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود بجواز جعل جدة ميقاتًا لركاب الطائرات الجوية، والسفن البحرية، فتوى باطلة، لعدم استنادها إلى نصٍّ من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع سلف الأمة، ولم يسبقه أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم. ٢ - لا يجوز لمن مرَّ ميقاتًا من المواقيت المكانية، أو حاذى واحدًا منها جوًّا، أو بحرًا أن يجاوزه من غير إحرام، كما تشهد بذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم -رحمهم الله تعالى-. * خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى وجوب الإحرام على كل من قصد مكة، سواء قصد النسك أو لا، مستدلين بما رواه البيهقي عن ابن

стр. 1824

عباس: "لا يدخل أحد مكة إلاَّ محرمًا"، قال ابن حجر: إسناده جيد. وذهب الإمام الشافعي إلى عدم وجوب الإحرام، لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية. قال في الفروع: وهي ظاهرة. مستدلين بقوله في حديث الباب: "ممن أراد الحج والعمرة" فمفهومه أنَّ من لم يُرِد النسك لا يجب عليه، على أنَّ عامة العلماء الموجبين للإحرام يقيدون الإيجاب في غير المترددين على الحرم، بحالة مستمرة، كصاحب البريد، والمكاري، ونحو ذلك، فلا يوجبون عليهم الإحرام، وعلى هذا العمل الجماعي. * فائدة: جعل الإحرام من هذه الأماكن تعظيمًا وتشريفًا لهذه البقعة المباركة، فإنَّ الله جعل البيت معظمًا، وجعل المسجد الحرام فِناء له، وجَعَل مكة فِناء للمسجد الحرام، وجعل الحرم فِناءً لمكة، وجعل المواقيت فِناء للحرم. ***

стр. 1825

باب وجوب الإحرام وصفته ٦٠٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهلَّ بِحَجٍّ، وأَهلَّ رَسُولُ الله ﷺ بالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهلَّ بِعُمْرَةٍ فَحلَّ عِنْدَ قُدُومِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَهلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتى كانَ يَومُ النَّحْرِ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - خرجنا: من المدينة، وكان خروجه ﷺ يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاة الظهر بالمدينة. - حجَّة الوداع: سنة عشر من الهجرة، سميت بذلك؛ لأنَّه ﷺ ودعَّ الناس فيها، وقال: "لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا". - مَنْ أهلَّ بعمرة: بتشديد اللام، فصار متمتعًا بالعمرة إلى الحج. - مَنْ أهلَّ بحج وعمرة: فصار قارنًا بين الحج والعمرة. - من أهلَّ بحج: فصار مفردًا بالحج وحده. - أهلَّ: من الإهلال، والإهلال بالحج هو رفع الصوت بالتلبية. - يوم النحر: هو يوم العاشر من ذي الحجة، سمي بذلك؛ لنحر البُدن فيه،

стр. 1826

هديًا وأضاحي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية الأنساك الثلاثة، وهي التمتع، والقِران، والإفر اد. فقد أشار الحديث إلى التمتع بقوله: "أهلَّ بعمرة". وإلى القِران بقوله: "أهلَّ بحج وعمرة"، وإلى الإفراد بقوله: "أهلَّ بحج"، فالأنساك الثلاثة جائزة كلها، فعلها الصحابة بصحبة النبي ﷺ في حجته. ٢ - مشروعية التلبية عند الإحرام، فهو المراد بالإهلال. ٣ - أنَّ المُحرم بالعمرة يفرغ منها ويَحِل، ثم يُحرِم بالحج في عامه. ٤ - أنَّ المحرِم القارن: هو مَنْ نَوى الحج والعمرة جميعًا، أو نوى العمرة ثم أدخل عليها الحج. ٥ - أنَّ المحرم المفرد: هو مَنْ أَحرم بالحج فقط. ٦ - ظاهر الحديث أنَّ النَّبىَّ ﷺ أحرم مفردًا، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله. ٧ - أما الصحابة فقد فعل كل طائفة منهم نسكًا من الأنساك الثلاثة، كما هو نص الحديث، وسياتي أيُّ الأنساك الثلاثة أفضل، إن شاء الله تعالى. ٨ - ظاهر الحديث أنَّ المفردين والقارنين بقوا على إحرامهم حتى يوم النحر، ولكن هذا مقيَّد بالنصوص الأُخر التي ألزمت من لم يسق الهدي منهم بفسخ حجه إلى عمرة، ليفرغ منها، فيكون متمتعًا، وأنَّ هذا الحديث خاص بمن ساق الهدي، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. ٩ - إلهام الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ ، بأن ينوعوا نسكهم إلى ثلاثة أنواع، ثم يقرهم ﷺ حِكمة عظيمة، لتكون تشريعًا عامًا في أمته، فإنَّ من سننه إقراره على الشيء.

стр. 1827

* خلاف العلماء اختلف العلماء في حجة النبي ﷺ ، هل هو قارن، أو متمتع، أو مفرد؟ فكل طائفة من العلماء ذهبت إلى نوع. فالذين يرون أنَّه حج متمتعًا، دليلهم: ما جاء في صحيح، ومسلم (١٢٢٧) عن ابن عمر قال: "تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج". وأمّا من يرون أنَّه حج مفردًا، فدليلهم حديث الباب، وما رواه مسلم (١٢١١) عن عائشة "أنَّ رسول الله ﷺ أفرد بالحج". وأما من يرون أنَّه حج قارنًا، فاستدلوا بما رجَّحه المحققون من العلماء، ومنهم ابن القيم، الذي ساق ما يزيد على عشرين حديثًا صحيحًا في ذلك، وقال الإمام أحمد: "لا شكَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حجَّ قارنًا". وشيخ الإسلام ابن تيمية من الذين يجزمون بأنه حج قارنًا، ويوفق بين روايات الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فيقول: الصواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب متفقة، إلاَّ اختلاف يسير يقع مثله في غير ذلك. فإنَّ الصحابة ثبت عنهم "أنَّه متمتع" والتمتع عندهم يتناول القِران، والذين يرون أنَّه أفرد روي عنهم التمتع، فيريدون بالإفراد إفراد أعمال الحج، بحيث لم يسافر للنسكين سفرتين، ولم يطف لهما طوافين، ولم يَسْعَ لهما سعيين، فيقال: تمتع قِران، وإفراد أعمال الحج، وقرن النسكين. واختلفوا أي الأنساك الثلاثة أفضل: قال الإمام أحمد يرى أنَّ التمتع أفضل، ويقول: لا شكَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان قارنًا، والمتعة أحب إلي، لأنَّها آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فقد قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقت الهدي، ولأحللتُ معكم"، فهو تأسف على فواته، وأمر أصحابه أن يفعلوه.

стр. 1828

وممن اختاره ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاووس ومجاهد، وهو أحد قولي الشافعي. وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى اختيار القِران، لما في الصحيحين عن أنس، "سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ بهما جميعًا"، وما كان الله ليختار لنبيه إلاَّ أفضل النسك. وذهب مالك والشافعي في المشهور عنه إلى أنَّ الإفراد أفضل. ودليلهم ما جاء في البخاري (١٥٦٢) ومسلم (١٢١١) "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفرد الحج"، وحديث الباب. وتقدم أنَّ معنى الإفراد هو القِران، لدخول أفعال العمرة في أفعال الحج، وأنَّ صورته هي صورة الإفراد. أما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فقالا: إنَّ التمتع أفضل في حق مَن لم يسق الهدي، والقِران أفضل في حق من ساقه، جمعًا بين الأدلة، وهو رواية عن الإمام أحمد. قال ابن القيم: وهذه هي الطريقة التي تليق بأصول أحمد. وقال الشيخ في موضع آخر: التحقيق أنَّه يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر سفرة للعمرة، وللحج سفرة أخرى، أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر، ويقيم بها، فهذا الإفراد له أفضل باتِّفاق الأئمة، وأما إذا كان يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة، ويقدم مكة في أشهر الحج، فهذا إن ساق الهدي فالقِران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل. أجمع العلماء على أنَّ الصحابة الذين مع النبي ﷺ في حجة الوداع قد فسخوا حجهم إلى عمرة بأمره ﷺ . ثم اختلفوا في مشروعية فسخ الحج إِلى عمرة، في حق من لم يسق

стр. 1829

الهدي، من مفردٍ وقارنٍ. فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، وجمهور العلماء إلى أنَّه لا يشرع. وذهب الإمام أحمد، وأصحابه، وأهل الحديث، والظاهرية إلى مشروعية الفسخ. استدلَّ الجمهور بما رواه أبو داود (١٥٤٢) عن أبي ذر قال: "لم يكن ذلك إلاَّ للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ " وبما رواه أحمد (١٥٢٩٢) عن بلال بن الحارث قال: قلتُ: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة". فهذا الحديث ناسخ لأحاديث الفسخ التي أمر النبي ﷺ فيها الصحابة أن يخالفوا عادة الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، هذا دليل الجمهور. أما الذين يرون الفسخ فعندهم فيه ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا عن بضع عشرة من علماء الصحابة، كلها صريحة في فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي، ولذا لما قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! كلّ شيء منك حسن جميل، إلاَّ أنَّك تقول بفسخ الحج، فقال أحمد: كنت أرى لك عقلًا، عندي ثمانية عشرة حديثًا صحاحًا جيادًا، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك. ومن تلك الأحاديث: ما رواه مسلم (١٢٤٧) عن أبي سعيد الخدري قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج، فلما قدمنا أمرنا أن نجعلها عمرة إلاَّ من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج". ومنها ما رواه مسلم (١٢٣٦) أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "خرجنا محرِمين، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ كان معه هدي فليُقِم على إحرامه،

стр. 1830

ومَن لم يكن معه هدي فليحلل"، فلم يكن معي هدي فحللتُ، وكان مع الزبير هدي فلم يحل. وهذان الحديثان وأمثالهما مما جاء في هذا الباب أحكام عامة لجميع الأمة، ومن خصها بطائفة دون أخرى فعليه الدليل. وأما أثر أبي ذر فرأي له، خالفه فيه غيره من الصحابة، وأما دعوى الجمهور النسخ بحديث بلال، فقال أحمد: لم يثبت عندي، ولا أقول به، وأحد رواة سنده الحارث بن بلال، لا يعرف. وقال أيضًا: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال فأين يقع من أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، يرون ما يروه من الفسخ. كما استدلَّ الإمام أحمد ورجال الحديث بما روي عن سراقة بن مالك أنَّه قال للنبي ﷺ : هل هي لنا خاصة؟ فقال: "بل للأمة عامة" [رواه أحمد (١٥٢٩٢)]. وممن اختار الفسخ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد أطال البحث في موضوعه في كتابه "زاد المعاد" ونصر مشروعية الفسخ ورد غيره، وقال: نحن نشهد الله تعالى علينا أنَّا لو أحرمنا بحج، لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة، فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صحَّ حرف واحد يعارضه، ولا خصَّ به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة بن مالك أن يسأله: هل هذا مختص بهم، فأجاب: "إنَّ ذلك كائن لأبد الأبد"، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث والأمر المؤكد. قال في عيون المسائل: لو قيل بوجوبه لم يبعد، واختار الوجوب ابن حزم، وقال هو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. وقال شيخ الإسلام: وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنَّه أمر به أصحابه في حجة الوداع، لما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة.

стр. 1831

وقال الشيخ الألباني: من تتبع الأحاديث تبين له أنَّ التخيير المذكور إنما كان في مبدأ حجته ﷺ ، ثم لم يستقر الأمر على ذلك، بل نهى كل من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين أن يجعل حجَّه عمرة، ثم جعل ذلك شريعة مستمرة إلى يوم القيامة. أما الإمام أحمد وأهل الحديث، فلا يرون وجوب الفسخ، وإنما يرون استحبابه، ويرون أنَّ تغليظ النبي ﷺ في الفسخ وغضبه، هو لعدم المبادرة في امتثال أمره، ليزيل العادة الجاهلية في عدم الاعتمار في أشهر الحج، ومسلك الإمام أحمد وأتباعه مسلك حسن، وسط في الأقوال، والله أعلم. ***

стр. 1832

باب الإحرام وما يتعلق به ٦٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "مَا أهلَّ رسُولُ الله ﷺ إلاَّ مِن عِنْدِ المَسْجِدِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أهل: أحرم، ورفع صوته بالتلبية. - المسجد: هو مسجد ذي الحليفة المسمى الآن "بآبار علي"، وتقدم أنَّه ميقات أهل المدينة، ومن أتى عليه من غيرهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية التلبية عند الدخول في الإحرام لأنَّها شعار الحج والعمرة، كالتكبير شعار الصلاة. ٢ - أنَّ الإحرام هو أول عمل واجب يبدأ به مريد الحج والعمرة؛ لأنَّه الدخول في النسك، كتكبيرة الإحرام لمريد الصلاة. ٣ - في هذا الحديث تحديد ابتداء إهلال النبي ﷺ أنَّه من عند المسجد؛ لأنَّه ردٌّ من ابن عمر على من قال: "إنَّ رسول الله ﷺ أحرم من البيداء". ٤ - اختلف نقل الرواة من أين أهلَّ النبي ﷺ في تلك الحجة؟ فأكَّد ابن عمر "أنَّه من عند المسجد"، وعند مسلم (١٢١٨) من حديث جابر "ثم ركب

стр. 1833

القصواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد"، وفي رواية أخرى عند مسلم: (١٢١٨) "إنَّه أهلَّ من عند الشجرة حين قام به بعيره"، وعند أبي داود من حديث أنس "فلما علا جبل البيداء أهلَّ". وقد أجاب ابن عبَّاس ﵄ جوابًا شافيًا عن هذا الاختلاف في قضية واحدة، فقال: "إني لأعلم الناس بذلك، خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، فلما صلَّى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوامٌ، فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلَّت به ناقته أهلَّ، فأدركه أقوامٌ فحفظوا عنه، وذلك أنَّ النَّاس إنما كانوا يأتون أرسالًا، ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، فأدرك ذاك أقوامٌ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلَّت به راحلته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء" [رواه أحمد (٢٢٤٠)]. ٥ - أجمع العلماء على جواز الإحرام قبل الميقات، ومع الإجماع فقد ثبت فعله عن بعض الصحابة. إلاَّ أنَّ المشروع وهدي النبي ﷺ هو أن لا يعقد الإحرام إلاَّ من الميقات لمن مرَّ عليه أو من حاذاه، كما هو عمل الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وعمل بعض الصحابة دليل الجواز فقط مع احتمال الأعذار. ***

стр. 1834

٦٠٧ - وَعَنْ خَلَّادِ بنِ السَّائِبِ عَنْ أَبيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيْلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المؤلِّف: صححه الترمذي وابن حبَّان. وقال في التلخيص: رواه مالك والشافعي وأحمد، وأصحاب السنن وابن حبَّان والحاكم والبيهقي، من حديث خلاد بن السائب عن أبيه. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. * مفردات الحديث: - الإهلال: قال صاحب المُغْرِب: كلّ شيء صوَّت، فقد استهلَّ. وقال أبو الخطاب: كل متكلم رافع صوته، أو خافضه فهو مهل، ومستهل. قال في النهاية: الإهلال، رفع الصوت بالتلبية، فيكون تعريف صاحب النِّهاية بمثال من المعنى العام، والمُهلُّ بضم الميم موضع الإهلال وهو المكان الذي يحرمون منه، ويقع على الزمان، والمصدر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استدل به بعضهم على وجوب التلبية للأمر بها، ومنهم أبو حنيفة، والجمهور

стр. 1835

على أنَّها متأكدة الاستحباب في الحج والعمرة. ٢ - استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهذا خاصٌّ بالرجال دون النساء، لطلب خفض أصواتهن، قال ابن المنذر وغيره: أجمع أهل العلم على أنَّ السنة للمرأة أن لا ترفع صوتها، والكراهة مقيدة بما إذا لم يتحقق سماع أجنبي، وإلاَّ فيحرم. ٣ - أنَّ بعض السنة تكون بوحي الله تعالى، يبلغها جبريل إلى النَّبي ﷺ . ٤ - أجمع العلماء على مشروعية التلبية في النسك؛ لأنَّها شعار الحج والعمرة، وتستمر حتى البداءة برمي جمرة العقبة في الحج على التصحيح، وفي العمرة حتى البدء بطوافها؛ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. * خلاف العلماء: اختلاف العلماء في حكم التلبية: ذهب الشافعي وأحمد إلى أنَّ التلبية سنة، ليس بتركها إثم، فلم يقم لديهما دليل بوجوبها، والأصل عدم الوجوب. وذهب أبو حنيفة، والظاهرية، والثوري، وعطاء، وطاووس إلى أنَّها ركن لا يصح الحج بدونها، كتكبيرة الإحرام في الصلاة. وذهب مالك وأصحابه وبعض الشافعية إِلى أنَّها واجبة يجبر تركها بدم، ودليل وجوبها قوي؛ لأنَّها شعار الحج، والنبي ﷺ لم يُخِلُّ بها، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وحديث الباب فيه الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، وقد التزمها المسلمون -ولله الحمد- في نسكهم، فلا تجد مُحْرِمًا إلاَّ وهو يُرددها. ***

стр. 1836

٦٠٨ - وَعَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحسَّنَهُ. (١) ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال في التلخيص: رواه الترمذي والدارقطني (٢/ ٢٢٠)، والبيهقي (٨٧٢٦)، والطبراني (٤٨٦٢) من حديث زيد بن ثابت، وحسَّنه الترمذي، وضعَّفه العقيلي. ولعلَّ تضعيف العقيلي، لأنَّ في إسناده عبد الله بن يعقوب المدني، وهو مجهول الحال. وقال ابن الملقن: لعلَّ الترمذي حينما حسَّنه إنما اطَّلع على حال عبد الله ابن يعقوب، وقد صحَّحه ابن السكن أيضًا. وغسل الإحرام ثابتٌ بمثل حديث جابر في مسلم (١٢١٨)، وحديث عائشة عند أحمد (٢٣٣٥٠) بإسناد حسن. * مفردات الحديث: - تجرَّد لإهلاله: تعرَّى من ثوبه حينما خلع ملابسه المخيطة، ليبدلها بملابس الإحرام، ليحرم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب التجرد من المخيط، ولبس الإزار والرداء للإحرام للرجال. ٢ - الاغتسال للإحرام، وهو من الاغتسالات المشروعة المؤكدة. ٣ - يقصد من الاغتسال النظافة لهذه العبادة الجليلة، كما أنَّ في ذلك تفاؤلًا إلى غسل الآثام، وآثار الذنوب.

стр. 1837

٦٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَلْبسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيَابِ، فَقَالَ: لا يَلْبَسُ القَمِيْصَ، وَلا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، وَلَا البرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبسَ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الوَرْسُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا يلبس .. إلخ: قال النووي: قال العلماء هذا من بديع الكلام وجزله، لأنَّ ما يلبس منحصر، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، ويلبس ما سواه. - لا يَلْبسَ: من اللُّبس بضم اللام، والأشهر في الفعل الرفع على الخبر، ويجوز فيه الجزم على أنَّ "لا" ناهية. - القميص: جمعه قُمُص وقمصان وأقمصة، وهو ما يفصَّل ويلبس على هيئة البدن مخيطًا، أو محيطًا. - العمائم: جمع عمامة، بكسر العين هي التي تلف وتكور على الرأس، واعتم بالعمامة وتعمم بها بمعنى واحد. - السراويلات: جمع سروال، يذكر ويؤنث، وقال الأصمعي: لم يعرف فيها إلاَّ التأنيث، والسراويلات: كلمة أعجمية معربة، قال العيني: العرب إذا

стр. 1838

استعملوا لفظًا أعجميًّا غيَّروه بزيادةٍ، أو نقصانٍ، أو بقلب حرف بحرف غيره. - البرانس: جمع بُرنُس بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم النون، هو ثوب رأسه منه ملصق به، يلبسه النسَّاك في صدر الإسلام، ويلبسه الآن المغاربة، وهو ماخوذ من البِرْس -بكسر الباء- هو القطن، فالنون زائدة. - الخِفَاف: بكسر الخاء جمع خُف، وهو ما يلبس في الرِّجل، ويكون إلى نصف الساق، أما الجوارب فما غطى الكعبين، والحكم واحد. - إلاَّ أحد: المستثنى منه محذوف، وتقديره: لا يلبس المحرم الخفَّين إلاَّ أحدٌ لا يجد نعلين. - مسَّه الزَّعفران: أصابه، والجملة محلها النصب، صفة لقوله: "شيئًا". - الزَّعفران: بفتح الزاي والفاء نبات بصلي من الفصيلة السوسنية، يصبغ به الثياب، وهو اسم أعجمي، يجمع على زعافر، وقد عربته العرب وصرفته. - الكعبين: تثنية كعب، هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من القدم. - الوَرْس: بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة، نبت أصفر يصبغ به الثِّياب أيضًا، وله رائحةٌ طيبةٌ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - من حسن السؤال تحريره، وأن يقصد به نفس المسؤول عنه. ٢ - من حسن الجواب، وكمال التعليم والتفهيم، تقويم سؤال السائل وتعديله إلى المعنى المطلوب، فإنَّ السائل في هذا الحديث سأل عما يلبسه المحرم، ولكون ما يلبسه المحرم هو الأصل المباح الكثير، عَدَل النبي ﷺ بالجواب، فبيَّن للسائل ما يحرم، وترك ما عداه على أصل الإباحة، وهذه الطريقة في الجواب على مثل هلذا السؤال هو ما يسمِّيه علماء البلاغة أسلوب الحكيم، لذا أجابه بما هو أخصر وأحصر، فإنَّ ما يحرم أقل وأضبط مما يحل.

стр. 1839

٣ - أنَّ الأشياء التي يجتنبها المحرم قليله معدودة محدودة، والأشياء المباحة هي الكثيرة التي ليس لها حدٌّ، ولا عدٌّ. ٤ - تحريم الأشياء الملبوسة المذكورة في الحديث على الرجال المحرِمين خاصة دون النساء، قال المجد بن تيمية: واتَّفقوا على أنَّ التحريم هنا على الرجال. ودليله من حديث الباب: توجيه الخطاب نحوهم، فإنَّ "واو" الضمير وإن استعمل متناولًا للجنسين على التغليب فإنَّ الظاهر فيه اختصاصه بالذكور ٥ - نبَّه بهذه الأشياء المذكورة في الحديث على ما شاكلها من الألبسة، فتحريم البرنس والعمائم، يشمل كل ما غطى به الرأس من الملاصق، أما تظليل الرأس بغير ملاصق، فلا بأس به للرجال والنساء. ٦ - تحريم "الخفين" يشمل كل ما ستر القدم وغطى الكعبين، والتحريم ما لم يعدم النعلين، فإن لم يجدهما ليس الخفين، كما في حديث ابن عبَّاس الذي في الصحيحين، ولا يقطعهما في أصح قولي العلماء؛ لأنَّ حديث ابن عباس متأخر عن حديث ابن عمر الذي فيه القطع، ولأنَّ الذين سمعوا حديث ابن عبَّاس هم أكثر من الذين سيعوا حديث ابن عمر، فحديث ابن عمر في المدينة، وحديث ابن عباس في عرفات، فلا وجه لحمل المطلق على المقيد في هذين الحديثين. ٧ - تحريم "القميص" يشمل كل ما لبس على قدر البدن مخيطًا، أو محيطًا. والمراد بالنَّهي هو لبس المخيط، اللبس المعتاد، أما ارتداؤه ولفه على البدن بلا لبس، فلا بأس فيه. ٨ - ونبَّه "بالسراويلات" على كل ما ستر بعض البدن، كالسراويل القصير والصدرية المنسوجة "الفنيلة".

стр. 1840

٩ - أما الورس والزعفران فنبَّه بهما على تحريم أنواع الطيب، وهذا عام في حق الرجال والنساء، فلا يجوز للمحرم استعماله، لا بلبسٍ، ولا ببدنٍ، ولا بأكلٍ، ولا بشربٍ، ولا بغير ذلك. * من حكمة التشريع: ١ - أن يأتي الحاج أشعث أغبر حاسر الرأس، ففي هذه الحال يكون قريب القلب من ربه، لم تُطْغه المظاهر، ولم تغره الزخارف، ولم تفتنه الزينة. ٢ - أنَّ هذه الهيئة تبعث صاحبها على الخضوع، والخشوع إلى الله تعالى هو لب العبادة وروحها. ٣ - أنَّ لباسه يذكِّره بموقف يوم القيامة حينما يأتي إلى ربه عاريًا حافيًا، فإذا ذكر ذلك الموقف العظيم زاده قربًا من الله تعالى، وابتهالًا بين يديه، وخوفًا منه، ورجاءً إليه. ٤ - أنَّ هذه العبادة وسائر العبادات ترمز إِلى الوحدة بين المسلمين، والاتحاد بينهم، وتشير إلى المساواة، ولذا توحَّد زيهم ومسكنهم حتى لا يطغى أحد على أحد، ولا يمتاز فردٌ على فردٍ، ولا يظهر غنيٌّ على فقيرٍ، ولا قويٌّ على ضعيفٍ، وإنما هم في موقف واحد، وفي عبادة لئه واحدة، ينشدون هدفًا واحدًا، فهذا اللباس يؤلف بين القلوب، ويوحد بين النفوس. ٥ - هذه اللبسة الخاصة تشعره في أنَّه في حالة إحرام، فيكثر من الدعاء والذكر، ويصون نفسه عن ارتكاب المحظورات. ٦ - أما المرأة فروعي في لباسها قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" فبقيت مستورة مصانة عن الفتنة، لاسيَّما في هذا الموطن. ***

стр. 1841

٦١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ولَحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب الطيب قُبيل عقد الإحرام، ليبقى أثره معه أثناء إحرامه. ٢ - أنَّ بقاء الطيب على المحرم لا يضر إحرامه، ولا يخل به، سواء في ثوبه أو في بدنه، وهو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، وأئمة المذاهب. ومن أدلة هذا ما جاء في البخاري (١٥٣٨) ومسلم (١١٩٠)، عن عائشة قالت: "كأني أنظر إلى وبِيض المسلك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم". قال ابن القيم: ومذهب جمهور العلماء جواز استدامة الطيب للسنة الصحيحة: أنَّه كان يُرَى وبيص الطيب في مفارقه بعد إحرامه، وحديث صاحب الجبة عام حنين سنة ثمانٍ، وحديث عائشة عام حجة الوداع، فهو ناسخ. ٣ - حل الطيب إذا تحلل المحرم التحلل الأول، وسيأتي بيان التحللين، إن شاء الله تعالى. ٤ - استحباب الطيب بعد التحلل الأول، وقبل الطواف بالبيت. ٥ - يؤخذ من تطيبه ﷺ عند الإحرام، وتطيبه بعد التحلل، تحريم الطيب أثناء الإحرام، وعلى هذا إجماع العلماء، فهو من محظورات الإحرام.

стр. 1842

٦ - أنَّ ترتيب الإفاضة في فعل المناسك يكون بعد التحلل الأول، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ٧ - الحكمة في تحريم الطيب على المحرم، هو البعد عن التنعم، وملاذ الحياة الدنيا، وأن يجمع همه لمقاصد الآخرة. ٨ - ولاية المرأة شؤون زوجها الخاصة، وقيامها عليها، وإنَّ هذا من حسن العشرة. ٩ - استحباب التجمل والتطيب عند الذهاب إلى العبادات في المساجد، لاسيَّما المجامع الكبيرة، فقد قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. ١٠ - وجوب طواف الإفاضة، فهو أهم أركان الحج، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]. ***

стр. 1843

٦١١ - وَعنْ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنكِحُ المُحْرِمُ، وَلا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا ينكح: "ياء" المضارعة مفتوحة، فهو مبني للمعلوم، أي لا ينكح بنفسه، وهذا يروى على وجهين: أحدهما: على صيغة الخبر، وتكون "لا" نافية. الثاني: على صيغة النَّهي، وتكون "لا" ناهية جازمة. والأفعال الثلاثة إما مرفوعات على الأول، أو مجزومات على الثاني، وذكر الخطابي أنَّ صيغة النَّهي أصح، وهو أكثر ما روي في طرق الحديث. - ولا يُنكح: بضم الياء مبني للمجهول، أي لايُنكِحُهُ غيره. - ولا يخطب: بضم الطاء، من الخِطبة بكسر الخاء، وهي طلب زواج المرأة من نفسها، أو من أهلها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريم عقد النكاح للمحرم لنفسه، سواء كان رجلًا أو امرأة، مُحْرمين، أو أحدهما محرمًا، والآخر حلالًا، وهو نفي في معرض النَّهي فيقتضي فساد العقد. ٢ - تحريم عقد النكاح لغيره إذا كان محرمًا، ولو كان المعقود عليه حلالًا، سواءٌ كان وليًا أو وكيلًا، لعموم الحديث، وهو نفي بمعنى النَّهي فيقتضي فساد العقد.

стр. 1844

٣ - تحريم خِطبة النكاح على المحرم، لأنَّ الخِطبة وسيلة إلى عقد النكاح، والنكاح وسيلة إلى الجِماع المحرَّم قبل التحللين: الأول والثاني للمحرم، لأنَّ الجمَاع هو أغلظ محظورات الإحرام. ٤ - جاء في البخاري (٥١١٤) ومسلم (١٤١٠) عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال". وقد خطأ العلماءُ ابن عباس بهذه الرواية، فإنَّ ميمونة نفسها قالت: "إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تزوجها وهو حلال"، وكذلك أبو رافع قال: "كنت السفير بينهما، فتزوجها وهو حلال" قال ابن المسيب: وقال القاضي عياض: انفرد برواية ذلك ابن عباس وحده، وخالفه أكثر الصحابة، وممن خالفه ميمونة وأبو رافع، وهما أعلم بالقصة؛ لأنهما المباشران لها. ٥ - الحكمة في تحريم النساء على المحرم، هو بعده عن ملاذ الحياة الدنيا وزينتها، وأن يجمع قلبه على أعمال الآخرَة، وما يقربه إلى الله تعالى. ٦ - قال الشيخ تقي الدين: الرفث اسم للجماع، وليس في المحظوارت ما يفسد الحج إلاَّ جنس الرفث، فإن جامع فسَدَ حجه. وحكى ابن المنذر والوزير وغيرهما إجماع العلماء على فساد النسك بالوطء قبل التحلل الأول، وأنه لا يفسد النسك إلاَّ به، أنزل، أو لم ينزل. ٧ - المشهور من مذهب الإمام أحمد فساد الحج بالوطء مطلقًا، عالمًا أو جاهلًا، ناسيًا أو متعمدًا، وهو قول جمهور العلماء. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره، وهو مذهب الشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وأنه لا شيء عليهم، لا كفارة ولا قضاء، لما ثبت بدلالة الكتاب والسنة. ٨ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا وطيء فيما دون الفرج، وكان ذلك قبل الوقوف بعرفة أنَّ عليه دمًا، ولا يفسد حجه، قال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا.

стр. 1845

٩ - الحديث من أدلة القاعدةُ الشرعية "الوسائل لها أحكام المقاصد" فإنَّ الخِطبة لما كانت وسيلة إلى العقد. والعقد وسيلة إلى الجِماع، حرمت الخِطبة والعقد. ١٠ - جَمَع الحديث بين ما يحرم ولا يصح، وهو العقد، وبين ما يحرم ولا يوصف بصحة ولا فساد، وهو الخِطبة. ***

стр. 1846

٦١٢ - وَعَنْ أَبِي قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِه الحِمارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: هَلْ مِنكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَال: فَكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحْمِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٦١٣ - وَعَنْ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَة اللَّيْثِيِّ ﵁ "أَنَّه أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَردَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). ــ * مفردات الحديث: - الليثي: نسبة إلى "ليث بن بكر" بطن من كنانة بن خزيمة من قبائل عدنان، وكان الصعب ﵁ ينزل ودان، والأبواء ما بين مكة والمدينة. - حمارًا وحشيًا: الحمار الوحشي نوع من الصيد على خلقه الحمار الأهلي؛ لأنَّهما من فصيلة واحدة نسبت إلى الوحش؛ لتوحشها في الأمكنة الخالية المقفرة، جمعها وحوش ووحشان. - حمَارًا: جاء في رواية مسلم: "لحم حمار وحش". وفي رواية أخرى: "رِجْل حمار وحش". وفي رواية ثالثة: "عجز حمار وحش". وفي رواية رابعة: "شق حِمار وحش".

стр. 1847

وفي خامسة: "عضوًا من لحم صيد". فهذه الروايات كلها أتى بها مسلم من طرق متعددة، ولذا فلابد من ذكرها لتسوفى الرواية التي أن بها المؤلف. - وهو بالأبواء أو بودان: الشك من الراوي الصعب بن جثامة نفسه، ففي إحدى روايات الحديث من حديث ابن عبَّاس، عن الصعب قال: "مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا بالأبواء أو بودَّان، فأهديت له لحم حمار وحش"، وفي الطبراني أنَّ الشك من ابن عباس الراوي عن الصعب، وبعض الرواة جزم أنه بالأبواء، وبعضهم جزم أنَّه بودان. - الأبواء: وادٍ فروعه: الحرار التي بين مكة والمدينة، ومصبه في البحر الأحمر، فهو ملتقى وادي الفرع ووادي القاحة، حيث يتكوَّن من التقائهما وادي الأبواء، ثم ينحدر إلى البحر الأحمر جاعلًا ودان عن يساره، ومارًّا ببلدة مستورة حيث مصبه في البحر، ويسمَّى الآن "وادي الخريبة". - ودان: بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون، شرق قرية مستورة الواقعة على طريق المدينة جدة، فيبعد "ودان" عن مستورة شرقًا بمسافة اثني عشر كيلو، وسكان ودان الآن بنو محمَّد من قبيلة حرب، وليست ودان هي مستورة، كما توهم ذلك بعض الباحثين، وتبعد كلّ من الأبواء وودان عن مكة بنحو (٢٤٠) كيلو. - لم نرُدَّه: يجوز فيه الإدغام وفكه، وإذا أدغم فالمشهور عند المحدثين هو فتح الدال، أما أهل العربية فالضم عندهم أصح، لأنَّه مضاعف مجزوم اتَّصلت به هاء ضمير المذكر. - أنا حُرُمُ: بكسر الهمزة وفتحها، فالكسر على أنَّها ابتدائية، لاستئناف الكلام، والفتح على حذف لام التعليل. - حُرُم: بضم الحاء والراء المهملتين، مفرده حرام، مثل عناق وعنق، والمراد

стр. 1848

محرمون. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حل أكل الحمار الوحشي، وأنَّه من الصيد، بخلاف الحمار الأهلي، فإنه رِجسٌ محرمٌ. ٢ - حل أكل المحرِم مما صاده الحلالُ، إذا لم يصده من أجله. ٣ - تحريم الصيد على المحرم والإعانة عليه، بدلالةٍ أو إشارةٍ أو مناولةِ سلاحٍ، أو غير ذلك مما يعين على قتله، أو إمساكه، وفي هذا حِكمٌ عظيمةٌ، ولعلَّ من أبرز ما ظهر لنا منها المبالغة في بُعد المحرم عن كل اعتداء وأذى لغيره، ثم إنَّ الصَّيد من اللهو المرغوب فيه عند كثير من الناس، فحظر على المحرم ممارسته، والاشتغال به عن طاعة الله في حال الإحرام. ٤ - تحريم صيد الحلال على المحرم الذي صيد لأجله، وسيأتي ذكر الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله. ٥ - استفسار المفتي عن الأشياء التي يتغير من أجلها الحكم في الفتوى. ٦ - قبوله ﷺ الهدية جبرًا لقلب صاحبها. ٧ - رد الهدية إذا وجد ما يمنع من قبولها، ولكن من حسن الخلق أن يبين للمردود عليه هديته سبب الرد، لتطمئن نفسه، وتزول الشكوك عنه. ٨ - إنَّ الإعانة على الأمور المحرَّمة، والدلالة عليها لا تجوز؛ لأنَّ المعين مشارك للمباشر في عمله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ٩ - قصة أبي قتادة في عمرة الحديبية، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج معتمرًا، وأحرم من ذي الحليفة، لأنَّه يسلك الطريق الأيسر البري، وبعث أبا قتادة ومعه بعض الصحابة ليكون رداءً له، وليستطلع له أخبار عدوه، فسلك طريق الساحل الذي ميقاته الجحفة، أقرب من ذي الحليفة إِلى مكة بنحو نصف المسافة،

стр. 1849

ففي أثناء تجول أبي قتادة لاستطلاع أخبار العدو، أحرم أصحابه وبقي هو في حال تأهب للعدو، الذي يظن أنَّه سيشغله ترقبه عن دخول مكة، وأداء نسك العمرة، فلذا لم يحرم، هذا ما ظهر لي من تأخر إحرامه، والله أعلم. ١٠ - أنَّ ما صاده الحلال لأجل المحرم لا يحرم على الحلال، فإقراره ﷺ ورده عليه دليل على إباحته، بخلاف الذي صاده المحرم، فإنَّه يحرم على الصائد وغيره: من محرم وحلال. ١١ - حديث أبي قتادة دليل على عدم وجوب الإحرام لمن دخل مكة، وهو لم يرد نسكًا. ١٢ - الإمساك عن الأشياء المشتبهة حتى يتبيَّن أمرها من حل، أو حرمة من الورع. ١٣ - وفيه إباحة الاصطياد، وأنَّه ليس من اللهو المحرم. * خلاف العلماء: ظاهر حديث أبي قتادة يدل على أنَّ للمحرم أن يأكل من لحم الصيد الذي صاده الحلال، ولو صاده من أجله، ما دام أنَّه لم يُعنه على صيده. وظاهر حديث الصعب بن جثامة أنَّه إن صاده الحلال لأجل المحرم لا يحل للمحرم، من أجل هذا اختلف العلماء: فذهب أبو حنيفة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير إلى جواز أكل المحرم مما صاده الحلال، ولو صيد من أجله. وحجتهم حديث أبي قتادة: فإنَّه لم يسأل أبا قتادة هل صاده لأجل رفقته أو لا؟ وأقرَّ الرفقة على أكلهم قبل أن يأتوا، وأمرهم بأكل ما بقي من لحمه. وهذا القول روي عن جملة من الصحابة، منهم عُمر، والزبير، وأبو هريرة. وذهب طاووس، والثوري إلى تحريم صيد الحلال للمحرم مطلقًا، سواء صيد من أجل المحرم، أو لا، وحجتهم حديث الصعب بن جثامة، فإنَّ النَّبىَّ

стр. 1850

- ﷺ ردَّ الحمار الوحشي على المُهدِي، وبيَّن أنَّ سبب الرد هو الإحرام، وقد قال به جملة من الصحابة: منهم علي وابن عبَّاس، وابن عمر. وذهب جمهور العلماء، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى التوسط بين القولين، فما صاده الحلال لأجل المحرِم حرُم على المحرم فقط، وما لم يصد لأجله حلَّ له، وممن قال به من الصحابة عثمان بن عفان. وهذا القول تجتمع به أدلة الفريقين، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد (١٣٦٥) وأبو داود (١٥٧٧)، والترمذي (٨٤٦)، والنسائي (٢٧٧٨) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "صيد البر حلال لكم، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لَكم" قال الترمذي عن هذا الحديث: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بالصيد للمحرم بأسًا إذا لم يصده، أو يُصد من أجله". قال الشافعي: "هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس، والعمل على هذا". والحاصل: أنَّ ما صاده الحلال للمحرم من أجله فلا يجوز للمحرم أكله، وما لم يُصَد من أجله، بل صاده الحلال لنفسه أو لحلال، لم يحرم على المحرم أكله، وهذا قول الجمهور، قال ابن عبد البر: وعليه تصح الأحاديث، وإذا حملت لم تختلف، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن، ولا يعارض بعضها بعضًا، ما وجد إلى استعمالها سبيل. وقال ابن القيم: وآثار الصحابة في هذا الباب إنَّما تدل على هذا التفصيل، ولا تعارض بين أحاديثه ﷺ . ***

стр. 1851

٦١٤ - وَعنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ، والحِدَأةُ، وَالغُرَابُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - خَمس: مبتدأ، وقد تخصص بالجار والمجرور، و"كلهن" مبتدأ ثان، وخبره "فواسق، والجملة من المتبدأ الثاني وخبره خبرٌ للمبتدأ الأول. - الدواب: جمع دابة، وهي ما يدب على الأرض والهاء للمبالغة، فالأصل أنَّ الدابة كل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذات القوائم الأربع، من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولًا، وتسمية الحدأة والغراب من الدواب؛ لاعتبار أغلب المذكورات. - كلهن فواسق: جمع فاسقة، والفسق العصيان والخروج عن الطاعة، ووصْف هذه الدواب -"بالفسق"- لفسق مخصوص بخروجها عن حكم غيرها بالايذاء والإفساد. - يُقْتَلْن: الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله: -"خمس"- ولا يرجع إلى معنى "كل". - الحل: بكسر الحاء، وهو ما خرج عن حد الحرم، مما يحل فيه الصيد وقتل الصيد. - الحرَم: بفتح الحاء والراء آخره ميم، حرم مكة هو ما أحاط بها من جوانبها،

стр. 1852

وأطاف بها كلها، جعل الله حكمه حكمها في الحرمة، وما يترتب عليه من أحكام، لذا فإنَّه يتعيَّن معرفة حدوده، وقد شكَّلت حكومتنا السعودية السنية هيئتين للتحقق من حدود الحرم، ثم وضع علامات على حدوده من الحل، ولكن أعماله لم تنته حتى الآن (١٤٠٨ هـ)، أما الطرق الرئيسية فعليها أعلام قديمة، فإلى الطائف من طريق عرفات (١٩) كيلومتر، وإلى نجد والعراق (١١) كيلومتر، ومع طريق الجعرانة (١٥) كيلومتر، وإلى المدينة مع التنعيم (٧) كيلومتر، وإلى جدة (٢٣) كيلومتر، وإلى اليمن (٩) كيلومتر. وفيه خلاف ولكن هذه المسافات أقربها إلى الصحة، وفي هذا العام (١٤١٠ هـ) انتهت اللجنة المشكلة لتحديد مدار الحرم المكي، ومن أعضاء هذه اللجنة مؤلف هذا الكتاب، والشيخ محمَّد بن عبد الله بن سبيل، والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، وشاركنا أفراد من العارفين من سكان كل جهة من جهات الحرم، كما راجعنا لمعرفة تلك الحدود الكتب الخاصة بالمسميات، وحصلت الموافقة على بحث تحديدنا في مجلس هيئة كبار العلماء، وصدر به قرار منه، ووكل إلينا الإشراف على وضع أعلامه التي ستكون على جميع مدار الحرم ومحيطه، وقد صدر الأمر بالتنفيذ من ولي الأمر إلى وزارة الداخلية. - العَقْرب: دويبة من العنكبيات، ذات سُم تلسع. قال الدميري: دويبة من الهوام، تكون للذكر والأنثى بلفظ واحد، والغالب عليها التأنيث، وقد يقال للأنثى عقربة، والذكر عقربان، وقيل: إن العقربان دويبة كثيرة القائم. - الحِدَأَة: بِكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة، فهي مقصورة مهموزة حداء وجمعها حدًا، ولا يقال فيها حداة، ومِن أذاها خطف الدواجن والأطعمة.

стр. 1853

- الغُرَاب: بضم الغين المعجمة، جنس طير من الجواثم، ويطلق على أنواع كثيرة، والمراد هنا الغراب الأبقع "غراب البَيْن" ووقع في بعض طرق مسلم "الأبقع" وهو الذي في ظهره وبطنه بياض، وبعض العلماء طعن في زيادة مسلم، وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح، وجمعه غربان، وجمع القلة أغربة. - الفأرة: بهمزة ساكنة وتسهل همزته، فيقال: فار، قال في الجامع: وأكثر العرب على همزها، والفصيلة الفأرية من رتبة القوارض، وهو يشمل الجرذ والفأر والخلد وغيرها، الكبير منها والصغير، جمعه فئران وفيران. - الكلب: وهو الحيوان المعروف بجميع ألوانه وأشكاله، فهو يعتبر حيوانًا أهليًا من الفصيلة الكلبية، ورتبة اللواحم، جمع كلاب وأكلب، والأنثى كلبة، وجمعها كلبات. - العقور: فعول مبالغة في العقر، وهو العض والجرح، فالعقور هو العادي الذي تغلبت فيه صفة البهيمة السبعية، فصار كثير العض والجرح للناس والحيوان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز قتل الخمسة المذكورة في الحديث، وهو موضع اتفاق من العلماء، والخلاف في المعنى الذي شرع قتلهن من أجله، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ٢ - مشروعية قتل ما فيه أذية من الحيوانات والحشرات، كالحيَّة، والذئب، والأسد، والنسر، والعُقاب والبرغوث، والقراد أخذًا من معنى الحديث، الذي أباح قتلهن من أجل فسقهنَّ، وقد نصَّ على بعضها. ٣ - الحنفية يرون الاقتصار على هذه الخمسة التي وردت في النص، وجمهور العلماء يُعدون الحكم إلى غيرها، مما في طبعه الأذى، ويرون أنَّ ما في النص جاء على سبيل المثال، كما أنَّ مفهوم العدد ليس بحجة عند كثير من

стр. 1854

الأصوليين، ولذا جاء في بعض الروايات: "أربع وجاء في بعض الروايات عدد المؤذيات إلى سبعة أنواع، وقول الجمهور هو الصحيح". ٤ - قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: وإنما اختصَّت هذه بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون ذكر كل نوع منها منبهًا على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبَّه بالعقرب على ما يلسع كالبرغوث، وبالفأرة على ما يثقب ويقرض كابن عرس، وبالغراب والحدأة على ما يخطف كالعُقاب، وبالكلب العقور على كل عاد بالعقر والافتراس بطبعه، كالأسد والنمر. ٥ - تقييد الكلب العقور يُخْرِج غيره، ويقتضي أنَّ غيره من الكلاب، لا يجوز قتله، صرَّح بذلك النووي في شرح المهذب. ٦ - قال الشيخ وغيره: وللمحرم وغيره أن يقتل ما يؤذي الناس بعادته، كالحيَّة والعقرب والفأرة، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدمبين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد، ولم يندفع إلاَّ بالقتل قاتله، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ قُتِلَ دون مَاله فهو شهيد، ومنْ قُتل دُون حرمته فهو شهيد" [رواه أحمد (٢١٥٦٥)]. ٧ - قال النووي في شرح مسلم: وفيه دلالة للشافعي وموافقيه، في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل مَن يجب عليه قتل بالقصاص، أو رجم بالزنا، أو غير ذلك من إقامة كل حد، سواء كان موجب الحد أو القتل جرى في الحرم، أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وآخرين. ٨ - استُدلَّ بالحديث على تحريم أكل المذكورات في الحديث، وما ألحق بها مما يؤذي بطبعه، فإنَّ الأمر بقتلها دليل حرمتها، وليس هو التعليل في الأمر بالقتل، فيبطل تعليل مشروعية قتلها بالأذية.

стр. 1855

* فائدة: الحيوانات أربعة أقسام: ١ - ما طبعه الأذى: يشرع قتله بلا فدية. ٢ - ما لا يؤكل ولا يؤذي: يكره قتله، وليس في قتله في حرمٍ أو إحرامٍ فدية. ٣ - الحيوان المستأنس، كبهيمة الأنعام مباح تذكيته، أو نحره في كل حال. ٤ - الحيوان البري المأكول: هو الصَّيد، فهذا قتله في الحرم، أو في الإحرام فيه الجزاء والأثم. ***

стр. 1856

٦١٥ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه دلالة على جواز الحجامة للمحرم، وهو إجماع العلماء. ٢ - أنَّ إخراج الدم من سائر البدن ليس من محظورات الإحرام. ٣ - إذا تبع الحجامة قلع شعر المحرم، فإن كان بلا عذر حرُم وفدى، وإن كان لعذر أبيح، ولكن فيه الفدية لإزالة الشعر. ٤ - قال في سبل السلام: وقد نبَّه الحديث على قاعدة شرعية، وهي: أنَّ محرمات الإحرام من الحلق وقتل الصيد ونحوها تباح للحاجة، وعليه الفدية. ٥ - وفيه جواز الحجامة لمن تفيده طبيًا، وتخرج منه فضلات الدم المؤذية. ...

стр. 1857

٦١٦ - وَعَن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: "حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بلَغَ بِكَ مَا أرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مسَاكينَ، لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ نِصْفُ صَاعٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - عُجْرة: بضم العين، وسكون الجيم الموحدة التحتية، بعده راء مهملة، ثم هاء. - حُملْت: بالبناء للمجهول، وكأنه لشدة المرض لا يستطيع المشي. - القَمل: بفتح القاف وسكون الميم، جمع قملة، حشرة تتولد على البدن عند دفعه العفونة إلى الخارج. قال الدميري: والقمل يتولد من العرق والوسخ، إذا أصاب ثوبًا، أو بدنًا، أو ريشًا، أو شعرًا، حينما يصير المكان عفنًا. - أُرى: بضم الهمزة بمعنى أظن. - الوجع: بفتحتين، اسم جامع لكل مرض مؤلم، جمعه أوجاع. - ما أرى: بفتح الهمزة، بمعنى أشاهد. - صاع: يذكر ويؤنث، ويجمع جمع قلة على أصوع، وجمع كثرة على صيعان وآصع، ففاء آصع صاد وعينها واو، قلبت الواو همزة ونقلت إِلى موضع الفاء، ثم قلبت الهمزة فاء فصار آصعًا، وقدِّر صاع النبي ﷺ بـ (٣٠٠٠) غرام.

стр. 1858

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز حلق الشعر للمحرم، مع التضرر، ببقائه ويفدي، فإنَّه لم يسأله عن قدرته على الفدية، إلاَّ ليأذن له بالحلق، كما صرَّح به في الرواية الأخرى. ٢ - تحريم أخذ شعر المحرم، إذا لم يحتج إلى ذلك، ولو فدى. ٣ - الأفضل في الفدية شاة، فإن لم يجدها، أو لم يجد ثمنها صام ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. ٤ - عموم الحديث يفيد أنَّ نصف الصاع يخرج، سواء كانت الفدية من البُر أو غيره، وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به جماهير العلماء. أما المشهور في مذهب أحمد فيجزيء مُدّ من بُرّ، أو نصف صاع من غيره. وأما أبو حنيفة فيرى إخراج نصف صاع من الحنطة، وصاع من غيرها. والقول الأول أرجح الثلاثة. ٥ - يجوز الحلق قبل التكفير، وبعد إخراج الكفارة. ٦ - أنَّ السنَّة مفسِّرة للقرآن، فإنَّ الصدقة في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، هي الإطعام في هذا الحديث. ٧ - رأفة النبي ﷺ بأمته، وتفقده لأحوالهم. ٨ - ما دام تحقق من الحديث أنَّ المخرَج هنا هو فدية، فهو جار مجرى الكفارة، فلا يجوز للمخرج أن يأكل، أو ينتفع منه بشيء، وكذلك مَن تجب عليه نفقته بقرابة، أو عوض، سواء كانت الفدية بدم، أو طعام. ٩ - قال ابن القيم: يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتابٍ ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وليس في ذلك مما يحرم على المحرم تسريح شعره.

стр. 1859

قال الشيخ تقي الدين: إذا اغتسل، وسقط شىء من شعره بذلك، لم يضره؛ وإن تيقن أنَّه قطع بالغسل. ١٠ - عموم الحديث يفيد أنَّ هذه الفدية يجوز أداؤها في الحرم وخارجه، سواء كانت صيامًا، أو نسكًا، إو إطعامًا، فأما الصيام فقد اتَّفق العلماء على جواز أدائه في الحرم أو خارجه؛ لأنَّ نفعه مقصور على صاحبه، وأما النسك والإطعام فعند مالك أنَّهما كالصوم، وعند الشافعي وأحمد تخصيصهما بالحرم. * تحقيق التخيير فيى الفدية: الحديث الذي معنا يفيد تقديم الشاة، فإن لم يستطع فهو مخيَّر بين الصيام والإطعام. أما الآية وبقية روايات الحديث فهي تفيد التخيير بين الثلاثة، فقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفي البخاري عن كعب بن عجرة أنَّ رسول الله ﷺ قال له: "لعلَّه آذاك هوام رأسك؟ قال نعم، فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة". فهذا كله يفيد التخيير، وقد جمع بينهما العلماء، وأحسنهم جمعًا هو ابن حزم حيث قال: إنَّ الأحاديث الواردة عن كعب بن عجرة جاءت من طريقين: أحدهما: طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب، وهو الذي يفيد التخيير، والثاني: طريق عبد الله بن معقل عن كعب أيضًا، وهو الذي يفيد الترتيب. وقد حكم ابن حزم على رواية عبد الله بالاضطراب، وقال في طريق عبد الرحمن: "هذا أكمل الأحاديث وأبينها". قُلْتُ: وهَذا الجمع أحق، لأنَّ القصة واحدة، فلا يمكن الجمع إلاَّ

стр. 1860

بهذا، وطريق ابن أبي ليلى موافق للآية الكريمة. قال في الشرح: "والظاهر أنَّ التخيير إجماع". وقال ابن عبد البر: "عامة الآثار عن كعب وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن العظيم، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار" والله أعلم. * فائدة: - الفدية: هي ما وجب بسب حرم أو إحرام، وهي: إما دمٌ، أو إطعامٌ، أو صومٌ، وهي قسمان: الأولى على التخيير، وهما نوعان: ١ - فدية الأذى: من لُبس مخيطٍ، أو تغطية رأسٍ، أو طيبٍ، أو إزالة شعرٍ، ونحو ذلك، فيخير المخرج بين ذبح شاةٍ أو إطعام ستة فساكين، أو صوم ثلاث أيام. ٢ - جزاء الصيد: يخير المخرج بين مثل الصيد من النَّعم، أو تقويم النعم، ويشتري بقيمته طعامًا، لكلِ مسكين مد برٍّ، أو نصف صاعٍ من غيره، أو يصوم عن كل إطعام مسكين يومًا. القسم الثّاني: على الترتيب، وأنواعه أربعة: ١ - دم متعة، أو قران. ٢ - دم وجب لترك واجب. ٣ - دم الوطء، أو الإنزال بالمباشرة ونحوها. ٤ - دم الإحصار. فيجب الدم، فإن لم يجد صام عشرة أيام. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن نقل لحوم الهدي والأضاحي: قال مجلس هيئة كبار العلماء في قراره (٧٧) وتاريخ ٢١/ ١٠/ ١٤٠٠ هـ ما يلي: وبعد مناقشة موضوع نقل اللحوم المشروعة بسبب حرمٍ أو إحرام،
следующие страницы →