٦٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ "نَهَى عَنْ بيْع الوَلاَءِ، وَعَنْ هِبتَهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الوَلاء: بفتح الواو ممدودًا، هو لغةً: السلطة والنصرة، والمراد به هنا ولاء العتاقة، الذي سببه نعمة المعتِق على من أعتقه بالعتق، فهو لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع ولا يورث، وإنما يورث بسببه، واللُّحمة بالضم القرابة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتِق على عتيقه بالإعتاق، لأنَّ العبد كان في حال الرقّ كالمعدوم، فلا يملك ولا يتصرف، فلما أعتقه سيده صيَّره موجودًا كامل الوجود، كما أنَّ الولد كان معدومًا، والأب تسبب في وجوده، فكان للسيد فضل الإعتاق.
٢ - يرث به المعتق -بكسر التاء- ذكرًا كان أو أنثى، كما يرث به عصبته المتعصبون بأنفسهم، إذا لم يوجد للعتيق قرابة وارثة من النسب.
٣ - جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وابن حبان أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الولاءُ لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع ولا يوهب".
فهو كالنسب لا يزول بالإزالة، ومن هذا فلا يتصور بيعه، ولا نقل الملك فيه بأي طريق، إذ لا يمكن ذلك، لأنَّه كالنسب الذي جاء فيه حديث: "لعن الله من انتسب إلى غير أبيه".
٤ - النَّهي في الحديث يفيد التحريم، ويقتضي فساد العقد المنهي عنه، فلا
стр. 2032
يصح، ولا ينفذ لو فعل.
٥ - النَّهي والتحريم ليس خاصًّا في صورتي البيع والهبة، وإنَّما هو محرَّم وفاسد بكل صورة من صور نقل الحق فيه.
***
стр. 2033
٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن بيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بيْع الغَرَرِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بيع الحَصاة: بفتح الحاء، واحد الحصى، من باب إضافة المصدر إلى نوعه، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، وصفة بيع الحصاة: هو أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فأيَّ ثوب تقع عليه فعليك بكذا، أو أن يبيعه من أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة.
- الغرر: بفتحتين، من إضافة المصدر إلى نوعه، من غرَّ يغِر بالكسر، هو الخطر. قال ابن عرفة: بيع الغرر ما كان ظاهره يغرر، وباطنه مجهول، فهو مجهول العاقبة، وقد يكون جهل عاقبته إما لعدمه كبيع حبل الحبلة، وإما للعجز عنه كالجمل الشارد، أو المجهول المطلق، أو المعين المجهول قدره، أو جنسه، أو صفته، فالغرر يجمع وجوهًا كثيرة من المخاطر، وأصل الغرر النقصان، من قول العرب: غارت الناقة: إذا نقص لبنها، وغارت البئر: إذا قلَّ ماؤها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النَّهي عن بيع الحصاة، مما يقتضي تحريمه وعدم صحته.
٢ - للعرب في الجاهلية أنواع من صور البيع يتخذونها في أسواقهم، وأكثرها مما يغبن فيه البائع أو المشتري، ولذا حرمها الإسلام، فمنها بيع الحصاة، وله صور منها:
стр. 2034
- أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوبٍ وقعت فهو لك بكذا.
أن يقول البائع: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مباع منك بكذا، فيجعل الرمي بالحصاة نفسه بيعًا.
- أن يعترض القطيع من الغنم -مثلاً- فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا.
- أن يقول: بعتك على أنَّك بالخيار إلى أن أرمى بهذه الحصاة، فإذا نبذتها وجب البيع.
- أو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة.
وهكذا من الصور المتعددة، وكلها بيوعات جاهلية، فيها غررٌ، ومخاطرةٌ، وجهالةٌ، لذا جاء الإسلام بتحريمها.
٣ - الحديث يفيد النَّهي عن بيع الغرر، والنَّهي يقتضي التحريم، كما يقتضي فساد العقد.
٤ - الغرر: هو ما لا تعلم عاقبته من الخطر، مما طوي عنك علمه، وخفِي عليك أمره.
٥ - قد جاء النَّهي عن الغرر في أحاديث كثيرة.
٦ - قال النووي: النَّهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع العبد الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع ثوب من الأثواب، وشاة من الشياه، ونظائر ذلك، وكل ذلك باطلٌ؛ لأنَّه غرر كبير من غير حاجة.
٧ - قال شيخ الإسلام: وأما الغرر: فالأصل في ذلك أنَّ الله حرَّم في كتابه أكل
стр. 2035
أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل، والنبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، والغرر هو المجهول العاقبة، فمن أنواعه:
- بيع حَبَل الحَبَلَة.
- بيع الملاقيح.
- بيع المضامين.
- بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها.
- بيع الملامسة والمنابذة، ونحو ذلك من أنواعه وصوره.
والغرر ثلاثة أنواع:
- بيع المعدوم كحَبَل الحَبَلَة.
- بيع المعجوز عن تسليمه كالجمل الشارد.
- بيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر.
قال النووي: واعلم أنَّ بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النَّهي عن بيع الغرر، وللكن أفردت بالذكر ونهي عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ثبت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين تحريم الميسر، وهو نوعان:
الأول: المغالبات والرهان، فهذا كله حرام، لم يبح منه الشارع إلاَّ ما كان معينًا على طاعته، والجهاد في سبيله، بأخذ العوض على مسابقة الخيل، والركاب، والسهام.
الثاني: الميسر في المعاملات، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وهذا شامل للبيع بأنواعه، والإجارات، فالشيء الذي يشك في حصوله، أو تجهل حاله، وصفاته المقصودة داخل في الغررة لأنَّ أحد العاقدين إما أن يغنم،
стр. 2036
أو يغرم، فهذا خطر كالرهان.
ولأجل هذه القاعدة اشترط الفقهاء في البيع أن يكون الثمن معلومًا، والمثمن معلومًا، لأنَّ جهالة أحدهما داخلة في الغرر.
* فوائد:
الأولى: ما تدعو الحاجة إليه من الغرر:
قال شيخ الإسلام: رخَّص الشارع فيما تدعو الحاجة إليه من الغرر، كبيع العقار بأساساته، والحيوان الحامل، والثمرة بعد بدو صلاحها، وبيع ما المقصود منه مغيَّب في الأرض، كالبصل والفجل ونحوهما قبل قلعه.
وتختلف مشارب الفقهاء في هذا:
فأبو حنيفة والشافعي أشد الناس قولاً في الغرر، وأصول الشافعي المحرَّمة أكثر من أصول أبي حنيفة.
أما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فإنَّه يجوز بيع هذه الأشياء، وجميع ما تدعو الحاجة إليه، أو يقل غرره، فيجوز بيع المقاثي جملة، وبيع المغيبات في الأرض، كالجزر والفجل والبصل ونحو ذلك، وأحمد قريب منه في ذلك.
والناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع؛ لأجل نوع من الغرر.
وهو أصح الأقوال، وعليه يدل غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلاَّ به.
وكل من شدَّد في تحريم ما يعتقده غررًا فإنَّه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرَّمه الله، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة، وإما أن يحتال، ومفسدة التحريم لا تزول بالحيلة.
стр. 2037
الثانية: التأمين التجاري:
تعريفه: هو عقد يُلزم فيه أحد الطرفين وهو "المؤمِّن" أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو "المؤمَّن له" عوضًا ماديًا يتفق عليه، يُدْفع عند وقوع الخطر، وتحقق الخسارة المبينة في العقد، وذلك نظير رسم يسمى "قسط التأمين" يدفعه المؤمَّن له حسب ما ينص عليها عقد التأمين، إذًا فالمتعاقدان هما:
- المؤمِّن: شركة أو هيئة.
- المؤمَّن له: دافع أقساط التأمين.
حكمه:
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: التأمين مخالف للشريعة الإسلامية؛ لما يشتمل عليه من أمور هي:
١ - غررٌ وجهالةٌ ومخاطرةٌ، مما يكون من قِبل أكل أموال الناس بالباطل.
٢ - يشبه الميسر؛ لأنَّه يستلزم المقامرة.
وبالجملة .. فكل من تأمل هذا العقد وجده لا ينطبق على شيء من العقود الشرعية، ولا عبرة بتراضي الطرفين، ولكن العبرة بتراضيهما إذا كانت معاملتهما قائمة على أساس من العدالة الشرعية.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن التأمين التجاري:
أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا عن التأمين التجاري برقم (٥٥) وتاريخ ٤/ ١٣٩٧/٤ هـ مطولاً، لا يتَّسع المقام لنقله كله، ولذا أكتفي بنقل فقرات منه، وللقاريء الرجوع إليه، جاء فيه ما يلي:
أولاً: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاجتماعية، المشتملة على الغرر الفاحش، وقد نهى ﷺ عن بيع الغرر.
ثانيًا: هو ضرب من ضروب المقامرة، لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغُرم بلا جناية، ومن الغُنم بلا مقابل أو مقابل، غير
стр. 2038
مكافىء.
ثالثًا: من الرهان المحرم الذي لم يبح منه إلاَّ ما فيه نصرة للإسلام، وقد حصر النبي ﷺ الرهان في الخف والحافر والنَّصل، وليس التأمين من ذلك. اهـ ملخصًا.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن التأمين التجاري:
جاء فيه:
إنَّ عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت، الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعًا.
* قرار الميجمع الفقهي الإسلامي بشأن التأمين بشتى صوره وأشكاله:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فإنَّ المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة، بعدما اطَّلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعدما اطَّلع أيضًا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض، بتاريخ ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ من التحريم للتأمين بأنواعه.
وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك، قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك من الأموال.
كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء، من جواز التامين التعاوني بدلاً من التأمين التجاري المحرَّم، والمنوه عنه آنفًا، وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة.
стр. 2039
* تقرير اللجنة المكلفة بإعداد قرار مجلس المجمع حول التأمين:
بناء على قرار مجلس المجمع المتخذ بجلسة الأربعاء ١٤ شعبان ١٣٩٨ هـ، المتضمن تكليف كل من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ محمد بن عبد الله السبيل بصياغة قرار مجلس المجمع حول التأمين بشتى أنواعه وأشكاله.
وعليه فقد حضرت اللجنة المشار إليها، وبعد المداولة أقرَّت ما يلي:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه ..
أما بعد:
فإنَّ المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في ١٠/ شعبان ١٣٩٨هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي، نظر في موضوع التأمين بأنواعه، بعدما اطَّلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعدما اطَّلع أيضًا على ما قرَّره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه.
وبعد الدارسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع، عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا، تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك للأدلة الآتية:
الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية، المشتملة على الغرر الفاحش؛ لأنَّ المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطى، أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا أو قسطين، ثم تقع الكارثة، فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلاً، فيدفع جميع الأقساط، ولا يأخذ شيئًا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ، بالنسبة لكل عقد
стр. 2040
بمفردته، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النَّبي ﷺ النَّهي عن بيع الغرر.
الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة، لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، أو تسبب فيها ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافيء فإنَّ المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارًا، ودخل في عموم النَّهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] والآية بعدها.
الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ، فإنَّ الشركة إذا دفعت للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ، واذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط، وكلاهما محرَّم بالنص والإجماع.
الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرَّمة، لأنَّ كلا منها فيه جهالة وغرر ومقامرة، ولم يبح الشرع من الرهان إلاَّ ما فيه نصرةٌ للإسلام، وظهورٌ لأعلامه بالحجة والسنان، وقد حصر النَّبي ﷺ رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله ﷺ : "لا سبق إلاَّ في خف أو حافر أو نصل"، وليس التأمين من ذلك ولا شبيهًا به، فكان محرَّمًا.
الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرَّم، لدخوله في عموم النَّهي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 2041
السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا، فإنَّ المؤمن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرَّد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، والمؤمن لم يبذل عملاً للمستأمن، فكان حرامًا.
وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقًا، أو في بعض أنواعه، فالجواب عنه ما يلي:
(أ) الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح، فإنَّ المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام:
قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة.
وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة، وهذا محل اجتهاد المجتهدين.
والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه، وعقود التأمين التجاري فيها جهالةٌ وغررٌ وقمارٌ وربًا، فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه؛ لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.
(ب) الإباحة الأصلية لا تصلح دليلاً هنا؛ لأنَّ عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها، وقد وجد، فبطل الاستدالال بها.
(ج) "الضرورات تبيح المحظورات" لا يصح الاستدلال به هنا، فإنَّ ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافًا مضاعفة مما حرَّمه عليهم، فليس هناك ضرورة معتبرة شرعًا، تلجيء إلى ما حرمته الشريعة من التأمين.
(د) لا يصح الاستدلال بالعرف، فإنَّ العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في إيمانهم، وتداعيهم، وأخبارهم، وسائر ما
стр. 2042
يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره، وتعين المقصود منه، وقد دلَّت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين، فلا اعتبار به معها.
(هـ) الاستدلال بأنَّ عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة، أو في معناها غير صحيح؛ فإنَّ رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه، وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين، وأنَّ رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظامًا مبلغ التأمين، ولو لم يدفع مورثهم إلاَّ قسطًا واحدًا، وقد لا يستحقون شيئًا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وأنَّ الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبًا مئوية مثلاً، بخلاف التأمين، فربح رأس المال وخسارته للشركة، وليس للمتسأمن إلاَّ مبلغ التأمين، أو مبلغ غير محدد.
(و) قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به، غير صحيح، فإنَّه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أنَّ عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة، بخلاف عقد ولاء الموالاة، فالقصد الأول فيه التآخى في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء، وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.
(ز) قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به لا يصح، لأنَّه قياس مع الفارق ومن الفروق أنَّ الوعد بقرضٍ أو إعارةٍ، أو تحمل خسارةٍ مثلاً من باب المعروف المحض، فكان الوفاء به واجبًا، أو من مكارم الأخلاق، بخلاف عقود التأمين، فإنَّها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.
(ح) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم
стр. 2043
يجب قياس غير صحيح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق أنَّ الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين، فإنَّه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولًا الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع، ما دام تابعًا غير مقصود إليه.
(ط) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح، فإنَّه قياس مع الفارق، كما سبق في الدليل قبله.
(ي) قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح، فإنَّه قياس مع الفارق أيضًا، لأنَّ ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسؤلاً عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين، الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية، التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأنَّ ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًا التزم به من حكومات مسؤولة عن رعيتها وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه، وتعاونًا معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة.
(ك) قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصح، فإنَّه قياس مع الفارق، ومن الفروق أنَّ الأصل في تحمل العاقلة لديه الخطأ وشبه العمد ما بينهما وبين المقاتل خطأ أو شبه العمد من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون، وأسداء المعروف ولو دون مقابل، وعقود التأمين التجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة، لا تمت إلى
стр. 2044
عاطفة الاحسان، وبواعث المعروف بصلة.
(ل) قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضاً، ومن الفروق أنَّ الأمان ليس محلاًّ للعقد في المسألتين، وإنما محله في التأمين الأقساط، ومبلغ التأمين، وفي الحراسة الأجرة، وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس.
(م) قياس التأمين على الإيداع لا يصح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضاً، فإنَّ الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين، فإنَّ ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن، ويعود إلى المستأمن بمنفعة، إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة وشرط العوض عن الضمان لا يصح، بل هو مفسد للعقد، وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جعل فيها مبلغ التأمين، أو زمنه فاختلف في عقد الايداع بأجر.
(ن) قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة لا يصح والفرق بينهما أنَّ المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض، والمقيس التأمين تجاري وهو معاوضات تجارية، فلا يصح القياس.
كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٥١) وتاريخ ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ من جواز التأمين التعاوني بدلاً عن التأمين التجاري المحرَّم والمنوه عنه آنفاً للأدلة الآتية:
الأول: أنَّ التامين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤلية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال
стр. 2045
غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم، والتعاون على تحمل الضرر.
الثاني: خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ، فليس عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية.
الثالث: إنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنَّهم متبرعون، فلا مخاطرة، ولا غرر، ولا مقامرة، بخلاف التأمين التجاري فإنَّه عقد معاوضة مالية تجارية.
الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشيء هذا التَّعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعاً أو مقابل أجر معيَّن، ورأى المجلس أن يكون التأمين التعاوني على شكل شركة تأمين تعاونية مختلطة للأمور الآتية:
(أ) الالتزام بالفكر الاقتصادي الإسلامي الذي يترك للأفراد مسؤلية القيام بمختلف المشروعات الاقتصادية، ولا يأتي دور الدولة إلاَّ كعنصر مكمل لما عجز الأفراد عن القيام به، وكدور موجه، ورقيب، لضمان نجاح هذه المشروعات وسلامة عملياتها.
(ب) الالتزام بالفكر التعاوني التأميني الذي بمقتضاه يستقل المتعاونون بالمشروع كله من حيث تشغيله، ومن حيث الجهاز التنفيذي، ومسؤلية إدارة المشروع.
(ج) تدريب الأهالي على مباشرة التأمين التعاوني، وإيجاد المبادرات الفردية، والاستفادة من البواعث الشخصية، فلا شكَّ أنَّ مشاركته الأهالي في الإدارة تجعلهم أكثر حرصاً ويقظة على تجنب وقوع المخاطر التي يدفعون مجتمعين تكلفة تعويضها، مما يحقق بالتالي مصلحة لهم في إنجاح التأمين التعاوني، إذ أنَّ تجنب المخاطر يعود عليهم بأقساط أقل في المستقبل، كما أنَّ وقوعها قد يحملهم أقساطاً أكبر في المستقبل.
стр. 2046
(د) أنَّ صورة الشركة المختلطة لا يجعل التأمين كما لو كان هبة أو منحة من الدولة للمستفيدين منه، بل بمشاركة منها معهم فقط، لحمايتهم ومساندتهم باعتبارهم هم أصحاب المصلحة الفعلية، وهلذا موقف أكثر إيجابية ليشعر معه المتعاونون بدور الدولة، ولا يعفيهم في نفس الوقت من المسؤولية.
ويرى المجلس أن يراعي في وضع المواد التفصيلية للعمل بالتأمين التعاوني على الأسس الآتية:
الأول: أن يكون لمنظمة التأمين التعاوني مركز له فروع في كافة المدن، وأن يكون بالمنظمة أقسام تتوزع بحسب الأخطار المراد تغطيتها وبحسب مختلف فئات ومهن المتعاونين: كأن يكون هناك قسم للتأمين الصحي، وثانٍ للتأمين ضد العجز والشيخوخة .. إلخ.
أو يكون هناك قسم لتأمين الباعة المتجولين، وآخر للتجار، وثالث للطلبة، ورابع لأصحاب المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والمحامين .. إلخ.
الثاني: أن تكون منظمة التأمين التعاوني على درجة كبيرة من المرونة، والبعد عن الأساليب المعقدة.
الثالث: أن يكون للمنظمة مجلس أعلى يقرر خطط العمل، ويقترح ما يلزمها من الوائح وقرارات تكون نافذة إذا اتَّفقت مع قواعد الشريعة.
الرابع: يمثل الحكومة في هذا المجلس تختاره من الأعضاء، ويمثل المساهمين من يختارونه ليكونوا أعضاء في المجلس، ليساعد ذلك على إشراف الحكومة عليها، واطمئنانها على سلامة سيرها وحفظها من التلاعب والفشل.
الخامس: إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق بما قد يستلزم زيادة الأقساط فتقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة.
ويؤيد مجلس المجمع الفقهي ما اقترحه مجلس هيئة كبار العلماء في
стр. 2047
قراره المذكور بأن يتولى وضع المواد التفصيلية لهذه الشركة التعاونية جماعة من الخبراء المختصين في هذا الشأن.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وآله وصحبه.
...
والمجالس الثلاثة كلها أجازت البديل الشرعي؛ وهو "التأمين التعاوني". فعبارة مجمع الفقه الإسلامي المنبثقة من منظمة المؤتمر الإسلامي هي:
إنَّ العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي، هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن التأمين التعاوني:
أنَّ التأمين التعاوني من عقود التبرعات، التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤلية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية، تُخصَّص لتعويض من يصيبه ضرر، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاري.
***
стр. 2048
٦٧٧ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى طعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- فلا يبعه: هذه رواية مسلم، وقد تكررت فيه من عدة طرق، أما روايات البخاري، فكل الروايات التي اطَّلعت عليها فيه: "فلا يبيعه" ورواية مسلم بالجزم على أنَّ "لا" ناهية، ورواية البخاري بالرفع على أنَّها نافية، وكلتا الروايتين تؤدي إلى معنى واحد، إلاَّ أنَّ رواية النفي أبلغ.
- حتى يكتاله: المراد حتى يستوفيه بالكيل، والفرق بين الكيل والاكتيال إنما يستعمل إذا كان الكيل لنفسه، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين] فالمراد بالاكتيال استيفاء الطعام المبيع بالكيل، فقد جاء في رواية البخاري: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه" والرواية الأخرى للبخاري: "إذا ابتعت فاكتل" يعني اشتريت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث نهي المشتري أن يبيع الطعام الذي اشتراه حتى يكتاله، ويستوفيه ممن باعه عليه.
٢ - الطعام عادة وغالباً لا يباع إلاَّ كيلاً، ولذا جعل الفقهاء هذا الحكم في كل بيع يحتاج قبضه إلى حق توفية، من الكيل، أو الوزن، أو العد، أو الذرع، فلا يصح بيعها إلاَّ بعد استيفائها من البائع بما تقبض به من أحد هذه
стр. 2049
الطرق، قال شيخ الإسلام: وعلى هذا إجماع العلماء.
٣ - إذا بيع الطعام جزافاً فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّه يصح التصرف فيه قبل قبضه، لقول ابن عمر: مضت السنة أنَّ ما أدركته الصفقة حباً مجموعاً فهو من مال المشتري، فدلَّ على جواز التصرف فيه قبل قبضه.
ومذهب جمهور العلماء والرواية الأخرى عن أحمد: أنَّه لا فرق في الطعام بين الجزاف وغيره، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
٤ - قال الشيخ تقي الدين وابن القيم: علة النَّهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه، وتسليمه للمشتري الثاني، لاسيَّما إذا رأى البائع أنَّ المشتري رَبحَ فإنَّه يسعى في رد البيع إما بجحد، أو احتيال الفسخ.
٥ - قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: وقد تواتر النَّهي عن بيع الطعام حتى يقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره.
٦ - قلتُ: من تلك الأحاديث:
- ما رواه أحمد من حديث حكيم بن حزام أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه".
- ما رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن تباع السلعة حيثُ تُبْتَاع، حتى يحوزها التجَّار إلى رِحالهم".
- ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه" قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله.
***
стр. 2050
٦٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعَتَينِ فِي بيَعَةٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ.
ولأِبِي دَاوُدَ: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أوْكَسُهُمَا، أَوِ الرِّبَا" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم، والترمذي وصححه ابن حبان وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي، وصححه ابن حزم في المحلى، كما صححه عبد الحق في أحكامه، وإسناده حسن.
وأما رواية أبي داود فقال المنذري عنها: في إسناده محمَّد بن عمرو بن علقمة، فقد تكلِّم فيه، ولكن وثَّقه النسائي.
قال في التلخيص: وفي الباب عن ابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود.
* مفردات الحديث:
- بيعتين في بيعة: صفته على الصحيح هي بيع العِينة، بأن يبيعه السلعة نسيئة، ثم يشتريها البائع من المشتري نقداً بأقل من ثمن النسيئة.
- أوكسهما: يقال: وكس فلانٌ يكسه وكساً نقصه، فالوكس النقصان، وأوكسهما اسم تفضيل، أي أقلهما وأنقصهما، والمعنى أنَّه إذا فعل ذلك فلا
стр. 2051
يخلو من أمرين: إما أن يمضي العقد وهذا هو الربا، وإما أن يأخذ الأقل.
- الربا: سيأتي معناه في بابه إن شاء الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
النَّهي عن بيعتين في بيعة، ومقتضى النَّهي التحريم، وفساد العقد.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في معنى "بيعتين في بيعة" فسَّره الحنابلة بأن يشترط أحد المتابيعين على الأخر عقداً آخر، كسلف وقرض، وبيع وإجارة وشركة، ونحو ذلك، كقول البائع للمشتري: بعتك كذا بكذا على أن تؤجرني دارك بكذا ونحو ذلك، فهذا الشرط يبطل العقد عندهم من أصله.
وحكمه البطلان؛ لأنَّه إذا فسد الشرط وجب رد ما يقابله من الثمن، وهو مجهول، فيصير الثمن مجهولاً.
وفسَّره بعضهم بأن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بألفين نسيئة، وبألف نقداً، فأيَّهما شئت أخذتَ به.
أما ابن القيم: فيقول: "البيعتان في بيعة" أن يبيعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم يشتريها منه بثمانين حالَّة، فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا.
وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنَّه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلاَّ رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين، أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، أما أخذه بمائة مؤجلة أو بثمانين حالة، فليس في هذا ربا ولا جهالة، وإنما خيَّره بأي الثمنين شاء.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الذي يدخل في النَّهي عن بيعتين في
стр. 2052
بيعة مسألة العِينة وعكسها؛ لأنَّ فيه محذور الربا، وحيلة الربا.
وأما تفسير الحديث بأن يقول: بعتك هذا البعير بمائة على أن تبيعني الشاة بعشرة، فلا تدخل، لأنَّه لا محذور في ذلك.
***
стр. 2053
٦٧٩ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ والحَاكِمُ.
وَأَخْرَجَهُ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ مِنْ رِوَايةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرٍو المَذْكُورِ بِلَفْظ: "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ".
وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأوْسَطِ، وَهُوَ غَرِيبٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بطرقه.
قال في التلخيص: رواه مالك بلاغاً، والبيهقي موصولاً من حديث عمرو بن شعيب، وصححه الترمذي، وله طرق أُخر عند النسائي والحاكم من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن عمرو، ولكن قال النسائي: عطاء لم يسمع من عبد الله بن عمرو.
وفي البيهقي من حديث ابن عباس، وفي الطبراني من حديث حكيم بن حزام.
وقال الشوكاني: الحديث صححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان، وهو عندهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه ابن حزم في المحلى، والخطابي في المعالم، والطبراني في الأوسط.
стр. 2054
قال في المنتقى للمجد: قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحَّحه الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط جماعة من أئمة الحديث، ووافقه الذهبي، كما صححه ابن خزيمة وعبد الحق والمنذري وابن القيم.
* مفردات الحديث:
- سلف: بفتحتين، أي قرض، وهو شرعاً: دفع مال لمن ينتفع به، ويرد بدله.
- ربح: ربح في تجارته يربح ربحاً، أي كسب، فهو رابح، والربح اسم لما يربح، جمعه أرباح.
- ما لم يُضمن: مبني للمجهول، أي ما لم يُملك، ولم يُقْبض.
- ما ليس عندك: أي شيئاً ليس في ملكك حال العقد من المبيعات المُعيَّنات.
* ما يؤخذ من الحديث:
قال ابن القيم في تهذيب السنن: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحِيل الربوية.
قلتُ: ففيه أربع فقرات، سنشرحها حسب ذكرها في الحديث إن شاء الله تعالى:
الأولى: "لا يحل سلف وبيع":
فُسِّر بعدة تفاسير، ولكن أحسنها وأقربها إلى الصواب ما يأتي:
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه لا يجوز بيع وسلف، وهو أن يبيع الرجل السلعة على أن يقرضه قرضاً.
قال ابن القيم: لأنَّه ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً، ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة، وأخذ منه ألفين، وهذا عين الربا، فلولا هذا البيع ما أقرضه، ولولا عقد القرض ما اشترى ذلك.
الثانية: "ولا شرطان في بيع":
فُسِّر بعدة تفاسير منها تفسير، الحنابلة، بأن يشترط المشتري على البائع
стр. 2055
أن يفصل الثوب المبيع ويخيطه، فلا يصح، لأنَّه جمع بين شرطين، والحديث ينهى عن "شرطين في بيع".
وأحسن من هذا التفسير وغيره التفسير الآتي:
قال ابن القيم: الشرطان في بيع فُسِّر بقول البائع: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً، وآخذها منك بعشرين نسيئة.
وهي مسألة العِينة بعينها، وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإذا كان مقصوده الدارهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحق إلاَّ رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، ولا يحتمل غير هذا المعنى، وهذا هو الشرطان في البيع.
وإذا أردت أن يتَّضح لك المعنى فتأمل نهيه عن:
- بيعتين في بيعة.
- وعن سلف وبيع.
- وعن شرطين في بيع.
فكلا الأمرين يتوصل به إلى الربا.
الثالثة: "ولا ربح ما لم يُضمَن":
فُسِّر بعدة تفاسير، ولكن أحسنها هو أن يبيع السلعة المعيَّنة المشتراة قبل قبضها ويربح فيها، فقد تقدم لنا أنَّ المشتري لا يصلح له أن يبيع السلعة المشتراة إلا بعد قبضها، لأنَّها لا تزال في ضمان البائع لو تلفت، فإذا باعها قبل قبضها فقد ربح في سلعة ليس عليه ضمانها لو تلفت، وهو لا يجوز، وهذا معنى قوله ﷺ : "الخراج بالضمان" [رواه أحمد (٢٣٠٩١)].
الرابعة: "ولا بيع ما ليس عندك":
يعني في ملكك، أو ولايتك، يُفسِّر هذه الجملة حديث حكيم بن حزام، وهو ما أخرجه النسائي (٤٥٣٤) قال: قلتُ: يا رسول الله!: يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، فأبتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع ما ليس عندك".
стр. 2056
لكن قال الإمام الخطابي: يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنَّه أجاز السلم، وهو بيع ما ليس عند البائع.
قال محرره: وهذه يغلط فيها كثير من طلاب العلم، يجعلون بيع الأعيان كبيع الموصوف في الذمة في الحكم، وهذا غير صحيح، فالمتعلق يختلف، فإنَّ متعلق الموصوف المعين عين المبيع، وأما متعلق الموصوف الذي لم يعين فهو الذمة.
ولذا قال في شرح الإقناع: ويصح البيع بالصفة وهو نوعان:
أحدهما: بيع عين معيَّنة، كبعتك عبدي التركي، ويذكر صفاته، فهذا ينفسخ العقد عليه بتلفه قبل قبضه، لزوال محل العقد.
الثاني: بيع موصوف غير معيَّن ويصفه بأن يقول: بعتك عبداً تركياً ثم يستقصي صفاته، فمتى سلَّم البائع إليه عبداً على غير ما وصفه له فردَّه المشتري على البائع، لم يفسد العقد برده؛ لأنَّ العقد لم يقع على عينه بخلاف النوع الأول.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الذي يمنع بيع الموصوف في الذمة ويحتج بحديث: "ولا تبع ما ليس عندك" احتجاجه فيه نظر، فالحديث يدل على منع بيع العين التي في ملك غيره، أما الموصوف في الذمة فلا أرى دخوله في هذا الحديث، وهو المذهب عند الأصحاب كلهم.
* قرار المجمع الفقهي بشأن القبض:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ -
стр. 2057
٢٠ آذار "مارس" ١٩٩٠ م بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "القبض: صوره، وبخاصة المستجدة منها وأحكامها" واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرَّر:
أوَّلاً: قبض الأموال كما يكون حسيّاً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف، ولو لم يوجد القبض حسًّا، وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها.
ثانياً: أنَّ من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:
١ - القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة، أو بحوالة مصرفية.
(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
(ج) إذا اقتطع المصرف بأمر العميل مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية، ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنَّه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلاَّ بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.
٢ - تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه، وحجزه المصرف.
стр. 2058
٦٨٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيه عنْ جدِّه ﵁ قال: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ" رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ بِهِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص ما خلاصته: الحديث له طرق تنتهي بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
فقد رواه مالك وأبو داود وابن ماجه، وفيه راوٍ لم يسم، قيل: هو عبد الله بن عامر الأسلمي، وقيل: هو ابن لهيعة وكل منهما ضعيف.
رواه الدارقطني والخطيب: وفيه الهيثم بن اليمان ضعَّفه الأزدي، وقال أبو حاتم صدوق.
ورواه البيهقي من طريق عاصم بن عبد العزيز عن الحارث بن عبد الرحمن بن عمرو بن شعيب.
ورواه عبد الرزاق مرسلاً عن زيد بن أسلم وقال: ضعيف مع إرساله.
* مفردات الحديث:
- العُربَان: بضم العين المهملة ثم راء ساكنة وباء مفتوحة وألف آخره نون، ويقال عربون وأربون، وعربان وأربان، وصفته: أن يعلق المشتري عقد البيع بأن يعطي البائع بعض الثمن، ويقول: إن أخذتُه فهذا من الثمن، وإن لم آخذه فهو للبائع.
стр. 2059
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيع العُربان: هو أن يشتري الرجل السلعة ثم يعطي البائع ديناراً أو درهماً من الثمن، فإن أمضى المشتري العقد وأخذ السلعة، فما دفعه فهو من الثمن، وإلاَّ فهو للبائع.
٢ - الحديث يدل على النَّهي عن هذه الصورة من العقد، والنَّهي عنها يقتضي فسادها، وهي مسألة خلافية.
٣ - وقد لخَّص الدكتور عبد الرزاق السنهوري ﵀ في كتابه "مصادر الحق" أدلة القولين، وردَّ أدلة القائلين ببطلان بيع العربون، فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة ﵀ ما نصه: ويمكن أن نستخلص من النص المتقدم ما يأتي:
أولاً: إنَّ الذين يقولون ببطلان بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي ﷺ الذي نهى عن بيع العربون، ولأنَّ العربون اشتُرط للبائع بغير عوض، وهذا شرط فاسد، ولأنَّه بمنزلة الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة، كما يقول: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة، ومعها درهم.
ثانياً: أنَّ الإمام أحمد يجيز بيع العربون، ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر، وضعَّف الحديث المروي في النَّهي عن بيع العربون، واستند إلى القياس على صورة متَّفق على صحتها، هي أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئاً، قال أحمد: هذا في معناه.
ثالثاً: ونرى أنه يمكن الرد على بقية حجج من يقولون ببطلان بيع العربون، فالعربون لم يُشترط للبائع بغير عوض، إذ العوض هو الانتظار بالمبيع، وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري، وتفويت فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة، وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول، إذ
стр. 2060
المشتري إنما يشترط خيار الرجوع في البيع، فإن لم يرجع فيها مضت الصفقة، وانقطع الخيار. اهـ.
* خلاف العلماء:
انفرد الإمام أحمد ﵀ بالقول بصحة بيع العُربون، واستحقاق البائع إيَّاه في حال العدول عن الشراء، وخالفه الأئمة الثلاثة، فيرى المالكية والشافعية أنَّه باطل لهذا الحديث، بينما هو عند الحنفية فاسد، وليس بباطل حيث يفرقون بينهما.
قال ابن قدامة ﵀ ما نصه: والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهماً أو غيره، على أنَّه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع، قال أحمد: لا بأس به، وفعله عمر ﵁.
قال في المنتهى وغيره: ويصح بيع العُربون، وفَعَله عمر، وأجازه.
وعن ابن عمر ﵄ أنَّه أجازه، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها، ويرد معها شيئاً، وقال أحمد: هذا في معناه، واختار أبو الخطاب أنه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن؛ لأنَّ النَّبي ﷺ "نهى عن بيع العربون" [رواه ابن ماجه]، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بيع العربون:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة المؤتمر الثامن ببندر
стр. 2061
سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "بيع العربون"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرَّر ما يلي:
١ - المراد ببيع العربون بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغاً من المال إلى البائع، على أنَّه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع. ويجري مجرى بيع الإجارة؛ لأنَّها بيع المنافع، ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد "السلم"، أو قبض بالبدلين "مبادلة الأموال الربوية والصرف"، ولا يجري في المرابحة للأمر بالشراء في مرحلة المواعدة، ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة.
٢ - يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود، ويحتسب العربون جزءاً من الثمن إذا تمَّ الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء.
***
стр. 2062
٦٨١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "ابْتَعْتُ زَيْتاً فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحاً حسَناً، فَأَرَدْتُ أنْ أضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بذِرَاعِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لاَ تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّىَ تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر، وله طرق جياد:
الأولى: عن نافع عنه مرفوعاً به أخرجه مالك، ومن طريق مالك أخذ البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد كلهم من طريق مالك عن نافع به، وتابعه جماعة عن نافع به.
الثانية: عن عبد الله بن دينار عنه به أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي والشافعي الطحاوي والبيهقي وأحمد من طرق عن ابن دينار به.
الثالثة: عن القاسم بن محمَّد عن ابن عمر، ورواه أبو داود والنسائي والطحاوي وأحمد من طريقين: الأولى: فيها مجهول، والثانية: فيها ابن لهيعة وهو ضعيف.
стр. 2063
أما الزرقاني فقال: من قال إنَّه حديث منقطع أو ضعيف فلا يلتفت إليه، فهو متصل، غير أنَّ فيه راوياً مبهماً.
* مفردات الحديث:
- زيْتاً: هو دهن الزيتون، ويطلق على دهن غيره، ولكنه المراد هنا.
- استوجبته: استوجب الشي: استحقه وعدَّه واجباً، واستلزمه.
- أضرب على يد الرجل: قال في اللسان: وفي حديث ابن عمر: فأردتُ أن أضرب على يده: أي أعقد معه البيع؛ لأنَّ من عادة المتبايعين أن يضرب أحدهما يده في يد الآخر عند عقد البيع.
- حيث ابتعته: حيث اشتريته، و"حيث" ظرف مكان، فالمعنى: المكان الذي اشتريته فيه.
- حتى تحُوزَه: يقال: حاز الشيء يحوز حوزاً وحيازةً: جمعه وضمَّه إلى نفسه، والمعنى: حتى تحرزه وتضمه إليك بنقله إلى مكانك.
- رحلك: رحل الإنسان مسكنه وما يستصحبه من أثاثٍ ومتاعٍ، وفي الحديث: "إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرحال" أي المساكن.
- السِّلع: بكسر السين وفتح اللام، جمع سلعة، هو المتاع المبيع، والسلعة يطلق على جميع الأمتعة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يقبضه ويحوزه إلى مكانه.
٢ - تقدم أنَّ المشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّ هذا الحكم خاص بالمبيع الذي يحتاج إلى حق توفية، وهو المكيل والموزون والمعدود والمزروع، أما ما لا يحتاج إلى حق استيفاء من المبيعات فيصح التصرف فيها قبل قبضها، على المشهور من مذهب الحنابلة.
стр. 2064
أما جمهور العلماء: فالحكم عام في كل مبيع، فلا يجوز التصرف فيه حتى تقبض وتنقل، وتقدم في حديث رقم (٦٧٧).
٣ - قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: تواتر النَّهي عن بيع الطعام حتى يقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره، لما يأتي:
- ما في البخاري (٢١٣٧)، مسلم (١٥٢٦)، من حديث ابن عمر قال: "كان الناس يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهاهم النبَّي ﷺ أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم".
- ولأحمد (١٤٧٧٣)، من حديث حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ "إذا اشتريت شيئاً فلا تَبِعه حتى تقبضه".
- ولأبي داود (٣٠٣٦) من حديث زيد بن ثابت: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن تُبَاع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجَّار إلى رحالهم".
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على أنَّه لا يجوز بيع أي سلعة اشتريت إلاَّ بعد قبض البائع لها واستيفائها.
قال ابن القيم: إنَّه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال، وهو من محاسن الشريعة، وقال: ثبت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظر أو بقياس الأولى.
***
стр. 2065
٦٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَبِيعُ الإِبْلَ بِالبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّارهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذا مِنْ هَذَا، وَأُعْطِي هَذا مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لا بَأْسَ أَن تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا. وَبَيْنَكُمَا شَيءٌ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلاَّ من حديث سِماك بن حرب؛ وسماك فيه مقال، وقد أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي من طرق عن حماد بن سلمة عن سِماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، وأما الحاكم فقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي.
وصححه ابن حبان، وحسَّنه السبكي في تكملته لمجموع النووي، أما عن وقفه ورفعه، فقد رجَّح رفعه ابن الملقن وابن الهمام، بينما رجَّح ابن حجر وقفه.
* مفردات الحديث:
- الإبل: الجمال النُّوق، اسم جمْع لا واحد له من لفظه، الجمع آبال وأبيل.
- بالبقيع: بالباء الموحدة المفتوحة وكسر القاف بعدها ياء وآخرها عين مهملة، هو سوق الإبل في المدينة، ثم صار مقبرة المدينة منذ زمن النبي ﷺ إلى
стр. 2066
اليوم، وبعض النسخ، "بالنقيع" بالنون المفتوحة والقاف المكسورة والياء التحتية الساكنة والعين المهملة، موضع غرب المدينة حماه النبي ﷺ ، ولا يزال على حماه حتى الآن، ويبعد عن المدينة بـ (٧٥) كلم، والراجح من رواتي الحديث أنَّه بالباء التحتية الموحدة.
- الدنانير: الدينار عملة ذهبية إسلامية، زنة الدينار مثقال، وقدره بالغرامات (٤.٢٥).
- الدراهم: الدرهم عملة فضية إسلامية وقدر الدرهم بالغرامات (٢.٩٧٥).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث دليل على أنَّه يجوز أن يقضي عن الذهب الفضة، وعن الفضة الذهب، وهذا من باب الصرف الذي عرَّفه الفقهاء بقولهم: المصارفة: بيع نقد بنقد اتَّحد الجنس أو اختلف.
٢ - يشترط لبقاء صحة الصرف أن لا يتفرقا من مجلس العقد وبينهما شيء، بل يقبض كل منهما ما عقد لعميله.
٣ - أن تفرقا من مجلس العقد قبل القبض بطل العقد فيما لم يقبض، وإن قبض بعضه دون البعض الآخر بطل العقد فيما لم يقبض فقط لفوات شرطه.
٤ - يجوز الصرف ولو لم يكن حاضراً في مجلس العقد إلاَّ أحد النقدين، والنقد الآخر في الذمة، بشرط أن لا يتفرقا وبينهما شيء.
وهذا هو المراد من حديث الباب، ذلك أنَّ الظَّاهر أنَّ النقدين غير حاضرين، وإنما الحاضر أحدهما فقط.
٥ - جاء في الحديث "بسعر يومها"، وهذا قيد غير مراد بالإجماع.
قال الخطابي: وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلاَّ "بسعر يومه" ولم يعتبر غيره السعر، فقد جاء في صحيح مسلم (١٥٨٧)، في حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيدٍ".
стр. 2067
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تغير قيمة العملة:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ/ ١٠ إلى ١٥ كانون الأول "ديسمبر" ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع "تغير قيمة العملة"، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (٩) في الدورة الثالثة بأنَّ العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسَّلم وسائر أحكامها.
قرَّر ما يلي: العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل، وليس بالقيمة؛ لأنَّ الديون تقضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار، والله أعلم.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع التضخم وتغير قيمة العملة:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ/ ٢٣ - ٢٨ سبتمر ٢٠٠٠، بعد اطلاعه على البيان الختامي للندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم، بحلقاتها الثلاث بجدة، وكوالالمبور، والمنامة، وتوصياتها، ومقترحاتها، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع، وخبرائه، وعدد من الفقهاء.
قرَّر ما يلي:
أولاً: تأكيد العمل بالقرار السابق رقم (٤٢)، ونصه:
العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة، لأنَّ الديون تقضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيًّا كان مصدرها
стр. 2068
بمستوى الأسعار.
ثانياً: يمكن في حالة توقع التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يعقد الدين بما يلي:
(أ) الذَّهب أو الفضة.
(ب) سلعة مثلية.
(ج) سلعة من السلع المثلية.
(د) سلعة عملات.
(هـ) عملة أخرى أكثر ثباتاً.
ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين، لأنَّه لا يثبت في ذمة المقترض إلاَّ ما قبضه فعلاً.
وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة، التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما، مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى "الربط بتلك العملة" أو بسلعة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم: (٧٥) رابعاً.
ثالثاً: لا يجوز شرعاً الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي:
(أ) الربط بعملة حسابية.
(ب) الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، أو غيره من المؤشرات.
(ج) الربط بالذهب أو الفضة.
(د) الربط بسعر سلعة معيَّنة.
(هـ) الربط بمعدل نمو الناتج القومي.
(و) الربط بعملة أخرى.
(ز) الربط بسعر الفائدة.
(ح) الربط بمعدل أسعار سلعة من السلع.
стр. 2069
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير، وجهالة فاحشة، بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود، وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد، فإنَّه يترتب على ذلك عدم التماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه، ومشروط في العقد، فهو رِبا.
رابعاً: الربط القياسي للأجور والإجارات:
(أ) تأكيد العمل بقرار مجلس المجمع رقم (٧٥) الفقرة: أولاً: بجواز الربط القياسي للأجور تبعاً للتغير في مستوى الأسعار.
(ب) يجوز في الإجارات الطويلة للأعيان تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى، والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معيَّن، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة.
* التوصيات:
يوصي المجمع بما يلي:
١ - بما أنَّ أهم أسباب التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تصدرها الجهات النقدية المختصة لأسباب متعددة معروفة، ندعو تلك الجهات إلى العمل الجاد على إزالة هذا السبب من أسباب التضخم الذي يضر المجتمع ضرراً كبيراً، وتجنب التمويل بالتضخم، سواء كان ذلك لعجز الميزانية، أم لمشروعات التنمية، وفي الوقت نفسه ننصح الشعوب الإسلامية بالالتزام الكامل بالقيم الإسلامية في الاستهلاك، لتبتعد مجتمعاتنا الإسلامية عن أشكال التبذير والترف والإسراف، التي هي من النماذج السلوكية المولدة للتضخم.
٢ - زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية، وبخاصة في ميدان التجارة الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من البلدان الصناعية، والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه
стр. 2070
البلدان الصناعية.
٣ - إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على موجوداتها، واقتراح الوسائل المناسبة لحمايتها، وحماية المودعين والمستثمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة واستحداث المعايير المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية.
٤ - إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي على التضخم، وما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي.
٥ - دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل من أشكال ارتباط العملة بالذَّهب، كأسلوب لتجنب التضخم.
٦ - إدراكاً لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلاً من أهم العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل، فإنَّه ينبغي العمل على زيادة الإنتاج، وتحسينه في البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق وضع الخطط، واتِّخاذ الإجراءات التي تشجع على الارتفاع بمستوى كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة.
٧ - دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة، "بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة، التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها"، وذلك بالالتزام النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي، وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات والإجارات، ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين.
٨ - مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، منها ما يتعلَّق بالتغيير في الإيردات العامة، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك