← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

اليوم، وبعض النسخ، "بالنقيع" بالنون المفتوحة والقاف المكسورة والياء التحتية الساكنة والعين المهملة، موضع غرب المدينة حماه النبي ﷺ ، ولا يزال على حماه حتى الآن، ويبعد عن المدينة بـ (٧٥) كلم، والراجح من رواتي الحديث أنَّه بالباء التحتية الموحدة. - الدنانير: الدينار عملة ذهبية إسلامية، زنة الدينار مثقال، وقدره بالغرامات (٤.٢٥). - الدراهم: الدرهم عملة فضية إسلامية وقدر الدرهم بالغرامات (٢.٩٧٥). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث دليل على أنَّه يجوز أن يقضي عن الذهب الفضة، وعن الفضة الذهب، وهذا من باب الصرف الذي عرَّفه الفقهاء بقولهم: المصارفة: بيع نقد بنقد اتَّحد الجنس أو اختلف. ٢ - يشترط لبقاء صحة الصرف أن لا يتفرقا من مجلس العقد وبينهما شيء، بل يقبض كل منهما ما عقد لعميله. ٣ - أن تفرقا من مجلس العقد قبل القبض بطل العقد فيما لم يقبض، وإن قبض بعضه دون البعض الآخر بطل العقد فيما لم يقبض فقط لفوات شرطه. ٤ - يجوز الصرف ولو لم يكن حاضراً في مجلس العقد إلاَّ أحد النقدين، والنقد الآخر في الذمة، بشرط أن لا يتفرقا وبينهما شيء. وهذا هو المراد من حديث الباب، ذلك أنَّ الظَّاهر أنَّ النقدين غير حاضرين، وإنما الحاضر أحدهما فقط. ٥ - جاء في الحديث "بسعر يومها"، وهذا قيد غير مراد بالإجماع. قال الخطابي: وكان ابن أبي ليلى يكره ذلك إلاَّ "بسعر يومه" ولم يعتبر غيره السعر، فقد جاء في صحيح مسلم (١٥٨٧)، في حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيدٍ".

стр. 2067

* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تغير قيمة العملة: إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ/ ١٠ إلى ١٥ كانون الأول "ديسمبر" ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع "تغير قيمة العملة"، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (٩) في الدورة الثالثة بأنَّ العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسَّلم وسائر أحكامها. قرَّر ما يلي: العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل، وليس بالقيمة؛ لأنَّ الديون تقضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًّا كان مصدرها بمستوى الأسعار، والله أعلم. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع التضخم وتغير قيمة العملة: إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ/ ٢٣ - ٢٨ سبتمر ٢٠٠٠، بعد اطلاعه على البيان الختامي للندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم، بحلقاتها الثلاث بجدة، وكوالالمبور، والمنامة، وتوصياتها، ومقترحاتها، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع، وخبرائه، وعدد من الفقهاء. قرَّر ما يلي: أولاً: تأكيد العمل بالقرار السابق رقم (٤٢)، ونصه: العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة، لأنَّ الديون تقضي بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيًّا كان مصدرها

стр. 2068

بمستوى الأسعار. ثانياً: يمكن في حالة توقع التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها، وذلك بأن يعقد الدين بما يلي: (أ) الذَّهب أو الفضة. (ب) سلعة مثلية. (ج) سلعة من السلع المثلية. (د) سلعة عملات. (هـ) عملة أخرى أكثر ثباتاً. ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين، لأنَّه لا يثبت في ذمة المقترض إلاَّ ما قبضه فعلاً. وتختلف هذه الحالات عن الحالة الممنوعة، التي يحدد فيها العاقدان الدين الآجل بعملة ما، مع اشتراط الوفاء بعملة أخرى "الربط بتلك العملة" أو بسلعة عملات، وقد صدر في منع هذه الصورة قرار المجمع رقم: (٧٥) رابعاً. ثالثاً: لا يجوز شرعاً الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي: (أ) الربط بعملة حسابية. (ب) الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، أو غيره من المؤشرات. (ج) الربط بالذهب أو الفضة. (د) الربط بسعر سلعة معيَّنة. (هـ) الربط بمعدل نمو الناتج القومي. (و) الربط بعملة أخرى. (ز) الربط بسعر الفائدة. (ح) الربط بمعدل أسعار سلعة من السلع.

стр. 2069

وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير، وجهالة فاحشة، بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود، وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد، فإنَّه يترتب على ذلك عدم التماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه، ومشروط في العقد، فهو رِبا. رابعاً: الربط القياسي للأجور والإجارات: (أ) تأكيد العمل بقرار مجلس المجمع رقم (٧٥) الفقرة: أولاً: بجواز الربط القياسي للأجور تبعاً للتغير في مستوى الأسعار. (ب) يجوز في الإجارات الطويلة للأعيان تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى، والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر معيَّن، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة. * التوصيات: يوصي المجمع بما يلي: ١ - بما أنَّ أهم أسباب التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تصدرها الجهات النقدية المختصة لأسباب متعددة معروفة، ندعو تلك الجهات إلى العمل الجاد على إزالة هذا السبب من أسباب التضخم الذي يضر المجتمع ضرراً كبيراً، وتجنب التمويل بالتضخم، سواء كان ذلك لعجز الميزانية، أم لمشروعات التنمية، وفي الوقت نفسه ننصح الشعوب الإسلامية بالالتزام الكامل بالقيم الإسلامية في الاستهلاك، لتبتعد مجتمعاتنا الإسلامية عن أشكال التبذير والترف والإسراف، التي هي من النماذج السلوكية المولدة للتضخم. ٢ - زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية، وبخاصة في ميدان التجارة الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من البلدان الصناعية، والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه

стр. 2070

البلدان الصناعية. ٣ - إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على موجوداتها، واقتراح الوسائل المناسبة لحمايتها، وحماية المودعين والمستثمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة واستحداث المعايير المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية. ٤ - إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي على التضخم، وما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي. ٥ - دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل من أشكال ارتباط العملة بالذَّهب، كأسلوب لتجنب التضخم. ٦ - إدراكاً لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلاً من أهم العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل، فإنَّه ينبغي العمل على زيادة الإنتاج، وتحسينه في البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق وضع الخطط، واتِّخاذ الإجراءات التي تشجع على الارتفاع بمستوى كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة. ٧ - دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة، "بما فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة، التي تعتمد على الموارد المالية العامة في تمويلها"، وذلك بالالتزام النفقات وترشيدها وفق الإطار الإسلامي، وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات والإجارات، ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين. ٨ - مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، منها ما يتعلَّق بالتغيير في الإيردات العامة، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك

стр. 2071

بتأسيس تلك السياسات على مباديء العدالة، والمصلحة العامة للمجتمع، ورعاية الفقراء، وتحميل عبء الإيراد العام للأفراد، حسب قدراتهم المالية المتمثلة في الدخل والثروة معاً. ٩ - ضرورة استخدام جميع الأدوات المقبولة شرعاً للسياستين المالية والنقدية ووسائل الإقناع، والسياسات الاقتصادية والإدارية الأخرى، للعمل على تخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم، بحيث تهدف تلك السياسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن. ١٠ - وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي، ومحاربة التضخم، ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات الاقتصادية، والمالية، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة. ١١ - دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة، إذا لم تتحقق الجدوى الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنهج الإسلامي، لما لذلك من أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية، وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، مما يسهم في تخفيف التضخم. ١٢ - دعوة المسلمين أفراداً وحكومات إلى التزام نظام الشرع الإسلامي، ومبادئه الاقتصادية، والتربوية، والأخلاقية، والاجتماعية. توصية: وأما الحلول المقترحة للتضخم فقد رأى المجمع تأجيلها وعرضها لدورة قادمة. والله أعلم.

стр. 2072

٦٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ النَّجْشِ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. (١) ــ * مفردات الحديث: - النَّجش: بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة، والنجش لغة، تنفير الصيد وإثارته من مكانه، يقال: نجشت الشيء أنجشته نجشاً: أي استثرته فالناجش الذي يحوش الصيد. وتعريفه شرعاً: هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، بل لنفع البائع، أو الإضرار بالمشتري، أو العبث. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه النَّهى عن النجش، وذلك بأن يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا ليشتريها بل ليضر المشتري بزيادة الثمن عليه، أو ينفع البائع بزيادة الثمن له، أو يقصد الأمرين، أو لا يقصد إلاَّ اللَّعب فقط. ٢ - النَّهي في الحديث للتحريم، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنَّ الناجش عاص بفعله. ٣ - المشهور من مذهب الإمام أحمد صحة العقد، ولكن إذا غبن المشتري في البيع غبناً يزيد عن العادة بزيادة الناجش، ثبت له الخيار بين الإمساك بثمنه الذي استقرَّ عليه العقد، وبين رده والرجوع بثمنه. ٤ - أما إذا كانت الزيادة في الثمن غير فاحشة. فقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الغبن في المبيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته.

стр. 2073

٥ - خيار الغبن في البيع له ثلاث صور: إحداها: تلقي الركبان، فمن تلقاه فاشترى منه فأتى البائع السوق، فهو بالخيار بين أن يمضي البيع بثمنه الذي باع به، أو يفسخ البيع ويرد ثمنه. الثانية: زيادة الناجش الذي لا يريد شراء، فتحرم زيادته، ويثبت للمشتري الخيار. الثالثة: المسترسل وهو من جهل القيمة، ولا يُحسن المماكسة في الثمن، بل يسترسل إلى البائع، وينقاد له بحسن نية، فيثبت له الخيار، ولا أرش لمغبون مع إمساك مبيع في صور الغبن الثلاث؛ لأنَّ الشرع لم يجعل له إلاَّ أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه، أو يمسكه بالثمن الذي اشترى به. ٦ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: التحريم في الغبن ليس خاصًّا بالصور الثلاث، فهو في كثير من مبايعات الناس. وقال الشيخ تقي الدين: من البيوع ما نهي عنه لما فيه من ظلم أحد المتبايعين للآخر، كبيع المُصرَّاة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك، فالشارع لم يجعلها لازمة كالبيوع الحلال، بل جعل الخيرة إلى المظلوم إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها. ***

стр. 2074

٦٨٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ، وَالمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ ابنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرج له الشافعي من طريق ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر، وعن الشافعي رواه الطحاوي والبيهقي. والحديث أصله في مسلم، وصححه الترمذي وابن حبان، وحسَّنه النووي في المجموع. قال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولو عنعنه ابن جريج. * مفردات الحديث: - المحاقلة: بالحاء المهملة والقاف، مأخوذة من الحقل وهو الزرع، والمحاقلة: هي أن يبيع الحب المشتد في سنبله بحب من جنسه. - المزابنة: الزبن لغة: الدفع بشدة، ومنه الحرب الزبون، والمزابنة شرعاً: هي شراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر، سميت بذلك، لما يكثر فيها من الخصام بين المتابعين. - المخابرة: مشتقة من الخبَار بفتح الخاء، وهي الأرض اللينة، وهي المزارعة، وصفة المخابرة المنهي عنها: هو أن يعطي رب الأرض أرضه للمزارع، فيحرثها ويعمل عليها بجزء معيَّن من الزرع، كالذي على الجداول

стр. 2075

والسواقي، أو بقعة معينة. تنبيه: كل من المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، على وزن مفاعلة. - الثُّنيا: بالمثلثة المضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية آخر الحروف، مقصور على وزن دنيا، أي الاستثناء في الإقرار، وأصله من ثناه إذا رده، فكأنَّ البائع رد بعض المبيع إليه بالاستثناء، والمردود منها المجهول. - إلاَّ أن تُعْلَم: عائد للثنيا فقط، أي أن يكون الاستثناء معلوماً، كأن يقول: بِعتك هذه الأغنام إلاَّ هذه. ***

стр. 2076

٦٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلاَمَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - المخاضرة: هو بيع الحبوب والثمار قبل بدو صلاحها، بدون شرط القطع في الحال. - الملامسة: الأصل في باب المفاعلة المشاركة بين اثنين في الفعل، والملامسة: أن يقول لصاحبه: إذا لمست ثوبك، ولمست ثوبي فقد وجب البيع بغير تأمل. وفُسِّرت: بأن يقول البائع: أيَّ ثوب لمستُه فهو لك بكذَا. - المُنابذة: مفاعلة من النبذ، وتستدعي الفعل بين اثنين، بأن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر بدون نظر، وفسِّرت: بأن يقول البائع: أيَّ ثوب نبذته فهو لك بكذا. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - لدينا في هذين الحديثين سبع صور من صور المعاملات الجاهلية هي: المحاقلة، والمخابرة، والمزابنة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والثنيا إلاَّ أن تعلم. ٢ - الأصل في المعاملات الحل، والجواز، والبقاء على البراءة الأصلية، لكن هناك بيوعات كانت جارية زمن الجاهلية مشهورة لديهم، ثم جاء الإسلام فأبطلها؛ لأنَّها مبنية على الجهالة، والغرر، والمخاطرة، فهي مجهولة

стр. 2077

العاقبة، فلا يعلم عن الغُنم أو الغُرم من نصيب أي العاقدين. والإسلام جاء بالعدل بين الطرفين، بأن لا يُقْدم أحد الطرفين إلاَّ على علم وبصيرة بالعقد، وما يؤول إليه أمره فيه. ٣ - المُحَاقلة: بيع الحب بعد اشتداده في سنبله بحب من جنسه، فهذه الصورة جمعت محذورين الجهالة والربا، فأما الجهالة فإنَّ بيع الحب في سنبله مجهول غير معروف من حيث المقدار، ومن حيث الجودة والرداءة. وأما الربا فبيع الحب بحب من جنسه بغير معياره الشرعي، وهذا يفضي إلى الجهالة، والضابط الشرعي: "أنَّ الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم". - المخابرة: هي المخابرة الجاهلية المحرَّمة، فهم يُكرون الأرض للزراعة كراء جاهليًّا، بأن يكون لصاحب الأرض جانب من الزرع معيَّن، وللمزارع جانب آخر، وهذه مخابرة مجهولة؛ لأنَّه لا يعلم عاقبة الأمر، فربَّما صلح هذا، وتلف الآخر، فمنع من أجل جهالته وخطره. والمخابرة الصحيحة أن يكون لصاحب الأرض أو المزارع، جزء مشاع معلوم، ليشتركا في الغُنم والغُرم، ويسلما من الجهالة. ٥ - المزابنة: فسَّرها الإمام مالك بأنَّها بيع كل مكيل لا يعلم كيله أو وزنه بشيء من جنسه، ومن ذلك بيع التمر على رؤوس النخل بتمر، فهذا يجمع أمرين ممنوعين: أحدهما: الجهالة والمخاطرة التي لم تدع إليها حاجة. الثانية: الربا، فإنَّ التمر على رؤوس النخل مجهول، فبيعه بتمر من جنسه لم يتحقق التماثل بينهما، فيفضي إلى ربا الفضل. "والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم". ٦ - المزابنة: رخَّص من بيعها ما تدعو الحاجة إليه بقيود تقلل من الملكية

стр. 2078

المباعة، وتخفف من الجهالة في العرايا، وتلك القيود هي: - أن يباع ما على رؤوس النخل بمثل ما يؤول إليه تمراً إذا جفَّ كيلاً. - أن يكون أقل من خمسة أوسق، وهي (٣٠٠) صاع. - لمحتاج إلى الرُّطب. - لا نقود معه يشتري بها. - بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق. ٧ - المخاضرة: هي بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها، لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع". ٨ - الملامسة: هي أن يشتري الرجل الثوب، ولا ينشره ولا يتبين ما فيه. ٩ - المنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون ذلك بيعاً من غير نظر. والمحذور الشرعي في هاتين الصورتين من البيع الجهالة المفضية إلى الخصام والشِّجار. ١٠ - الثُّنْيا إلاَّ أن تعلم: وصورتها -مثلاً- أن يقول: بعتك هذه الشجرة إلاَّ بعضها، أو بعتك هذا القطيع من الغَنم إلاَّ عشراً غير مُعيَّنة. فمثل هذه الأشياء مجهولة، واستثناء المجهول من المعلوم يصير الباقي مجهولاً، أما إذا كان المستثنى معلوماً فيجوز. ١١ - الإسلام دين محبة ومودة ووئام، يكره الخصومة، والشقاق، والعداوة، والبغضاء، ويدعو إلى ضمان البيوعات من الآفة. وهذه البيوعات وأمثالها مجهولة يحصل فيها التغابن بين الطرفين المتعاملين، مما يفضي إلى نزاع أحدهما مع الآخر، فجاء الإسلام بمنعها وإبطالها، كما أنَّ الإسلام دين العدل والمساواة. وهذه المعاملات تفضي إلى ظلم أحد الطرفين صاحبه، فالغابن يظلم

стр. 2079

المغبون، ويأكل حقه بغير حقٍّ ولا مقابلٍ. وقد جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". فنسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين وولاتهم إلى الرجوع إلى هذا الدين العظيم، وإلى أحكامه العادلة، ليهتدوا إلى الصراط المستقيم، الذي يبلغ بهم رضا ربهم، وسعادتهم في دنياهم وأخراهم آمين. ***

стр. 2080

٦٨٦ - وَعَنْ طَاوُوسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: وَلاَ يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ للبُخَارِيِّ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا تلقوا: بفتح التاء والقاف، وأصله "لا تتلقوا" بتاءين فحذفت إحداهما، أي لا تستقبلوا الذين يحملون السِّلع إلى البلد للشراء منهم قبل قدومهم البلد، ومعرفة السعر. قال ابن عبد البر: وأما قوله: "لا تلقوا الركبان" فقد روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد. - الركبان: بضم الراء المهملة وسكون الكاف، جمع راكب، هم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، فهو في الأصل يطلق على راكب الإبل خاصة، ثم اتَّسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة. والمراد بهم هنا الذين يجلبون إلى البلدان المواشي، والطعام وغيره لبيعها، سواء كانوا ركباناً أو مشاة، جماعة أو واحداً، ولكن عبر بالغالب. - حاضر: حضَرَ المكان يحضر حضوراً: شهد، فالحاضر هو المقيم في المدن والقرى. - باد: بدا بألف من دون همزة يبدو بدْواً: سكن البادية، فالبادي: هو المقيم في البادية، أي الصحراء، جمعه بادون.

стр. 2081

- سِمْسَاراً: بكسر السين المهملة وسكون الميم وفتح السين الأخرى آخره راء، وأصل السمسار هو القيم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره، فمعناه هو الوسيط بين البائع والمشتري "الدلاَّل"، والمعنى منطبق عليه على الصحيح، سواء كان متولياً البيع، أو متولياً الشراء للمشتري. قال البخاري: قال ابن سيرين عن أنس: "لا يبع له شيئاً، ولا يبتاع له شيئاً". ***

стр. 2082

٦٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - الجلب: بفتحتين، مصدر المجلوب، يقال: جلب الشيء: جاء به من بلد إلى بلد للتجارة. - سيده: المراد به جالب السلعة. - الخيار: أي يختار أحد الخيارين، إما أن يختار إمضاء البيع، أو فسخه. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديثان فيهما فقرتان لبيان نوعين من المعاملات المحرَّمة، قوله: "لا تلقوا الركبان" والرواية الأخرى: "لا تلقوا الجلب"، معناه النَّهي عن استقبال القادمين إلى البلد لبيع بضائعهم فيه، حينما يتلقاهم السماسرة والدلالون خارج السوق الذي تباع فيه السلع، إما ليشتروا منهم بضائعهم على جهل من القادمين بقيمها في السوق، وإما ليتولى السماسرة بيعها عن أصحابها على الناس. ٢ - مذهب جمهور العلماء تحريم تلقيهم، والشراء منهم، وتركهم يبيعون سِلَعَهُم بأنفسهم على الناس. ٣ - علة التحريم أمران: الأول: غبن القادمين بشراء سلعتهم منهم بأقل من قيمتها في السوق.

стр. 2083

الثاني: التضييق على الناس المحتاجين المستفيدين، وذلك باستقصاء جميع ثمنها، فقد جاء في مسلم والسنن عن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". ٤ - الفقرة الثانية: "فمن تُلقي، فاشتُري منه، فإذا وصل البائع السوق فهو بالخيار" ففيه إثبات الخيار للبائع بين إمضاء البيع، أو رده. قال شيخ الإسلام: أثبت النبي ﷺ للركبان الخيار إذا تُلُقوا؛ لأنَّ فيه نوع تدليسٍ، وغشٍّ. وقال ابن القيم: نهى عن ذلك لِما فيه من تغرير البائع، فإنَّه لا يعرف السعر، فيُشْترى منه بدون القيمة، ولِذا أثبت له النبي ﷺ الخيار إذا دخل السوق. جاء في حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: الحديث وإن كان ظاهره الإطلاق، فيقيد بما هو جارٍ متسامحٌ فيه، من التغابن اليسير. والعقد صحيح؛ لأنَّ النَّهي قُصِر على التلقي، ولم يقل: لا تشتروا، ولا نزاع في ثبوت الخيار للبائع من الغبن غبناً يخرج عن العادة. ٥ - الإسلام يراعي المصالح العامة، فيقدمها على المصالح الخاصة، ولذا فإنَّ تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، فيه مصلحة خاصة للمتلقي الحاضر، ولكن لما كانت مصلحة أهل البلد -بشرائهم السلع رخيصة- قدمت على انتفاع الواحد. ٦ - قال شيخ الإسلام: من البيوع ما نهي عنه لِمعنىً فيه، من ظلم أحد المتبايعين للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك، والشارع لم يجعلها لازمة كالبيوع الحلال، بل جعل الخيرة إلى المظلوم، إن شاء أبطلها، وإن شاء أجازها، فإنَّ الشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهى عن الفواحش، ونكاح المحرَّمات، والمطلقة ثلاثاً، وبيع الربا. وبعض الناس يحسب أنَّ هذا النوع من جملة ما نهي عنه، والنَّهي يقتضي

стр. 2084

الفساد، فأفسدوا بيع النجش، والبيع على أخيه، وبيع المدلس، والتحقيق أنَّ هذا النوع لم يكن النَّهي عنه فيه لحق الله، بل لحق الإنسان. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء إلى صحة شراء متلقي الركبان، للحديث رقم (٦٨٦)، ولأنَّ النَّهي لا يعود إلى نفس العقد، ولا إلى ركنه، أو شرطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان. واختلفوا في ثبوت الخيار إذا قدم السوق. فذهب الشافعي وأحمد إلى ثبوته إذا غبن البائع غبناً يخرج عن العادة؛ للحديث رقم (٦٨٦)، ولأنَّ هذا ضرر نزل به ولا يمكن تلافيه بغير الخيار. وذهب أبو حنيفة إلى عدم الخيار، والقول الأول أصح. واختلفوا في صحة بيع من باع على بيع أخيه، أو اشترى على شرائه. فذهب أحمد والظاهرية إلى أنَّ البيع والشراء غير صحيحين للنَّهي، والنَّهي يقتضي الفساد. وذهب الثلاثة إلى صحة البيع، لأنَّ النَّهي لا يعود إلى نفس العقد، بل إلى أمر خارجٍ عنه. واختلفوا في صحة بيع الحاضر للبادي. فالمشهور عند أحمد البطلان بشروط أربعة: ١ - أن يكون بالناس حاجة إلى السلعة. ٢ - أن يقدم البائع لبيع سلعته بسعر يومها. ٣ - أن يكون جاهلاً بسعرها. ٤ - أن يقصده الحاضر لبيعها. ودليلهم: أنَّ النَّهي يقتضي الفساد. وذهب جمهور العلماء إلى صحة البيع، مع التحريم لمخالفته النَّهي.

стр. 2085

٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ولاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلاَ تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا" متَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "لاَ يَسُومُ المُسْلِمُ عَلى سَوْمِ المُسْلِمِ" (١). ــ * مفردات الحديث: - لا يبيع: يروى برفع الفعل على أنَّ "لا" نافية، وبالجزم على أنَّها ناهية. - خِطبة: بكسر الخاء، طلب الزواج من المرأة، أو من ولي أمرها. - لِتَكْفأ: من كفأ الإناء إذا كبَّه، وقلبه، وأفرغ ما فيه. - سوم: مصدر سام يسوم سوماً وسُواماً، أي عرض السلعة، وذكر ثمنها. * ما يؤخذ من الحديث: في هذا الحديث ستة أمور منهىٌّ عنها: ١ - "أن يبيع حاضر لبادٍ ولا تناجشوا"، وهذان تقدما. ٢ - الثالث: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه". ومعناه: أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك خيراً منها بمثل ثمنها، ليفسخ البيع، ويعقد معه. ومثله الشراء على شرائه، وذلك بأن يقول مثلاً لمن باع سلعة بتسعة: أنا أشتريها منك بعشرة، فهو في معنى البيع المنهي عنه، فالبيع يشمل البيع والشراء.

стр. 2086

٣ - قال الفقهاء: ومحل ذلك في خيار المجلس، وخيار الشرط، واختار الشيخ، وابن القيم، وابن رجب، وكثير من المحققين التحريم، ولو فات زمن الخيار؛ لأنَّ ذلك يورث العداوة بين المسلمين، وربَّما حمل من أُعطي الزيادة على التحيل على فسخ عقد البيع. ٤ - قال في شرح الزاد: ويبطل العقد في البيع على بيعه، والشراء على شرائه، دون السوم على سومه فيحرم، ولا يبطل العقد إذا أجري. ٥ - قال الشيخ تقي الدين: ومثل تحريم البيع على بيع أخيه سائر العقود، وطلب الولايات ونحوها لأنَّه ذريعة إلى التباغض والتعادي. ٦ - الرابع: "السوم على سومه". ومعناه: أن يتَّفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر لمالك المبيع: استرده، فأنا أشتريه بأكثر، أو يقول للمستام: رده؛ لأبيعك خيراً منه بثمنه، أو مثله بأرخص منه. قال الحافظ: ليس المراد السوم في السلعة التي تباع في السوق بالمزايدة، فهذه لا تحرم بالاتفاق لما في الصحيحين من قصة المدبَّر "من يشتريه مني". * قرار مجمع الفقه الإسلام بشأن موضوع "عقد المزايدة": بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، برناوي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.

стр. 2087

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "عقد المزايدة"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله: وحيث إنَّ عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر، وقد صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات، دعت لضبط طريقة التعامل به، ضبطاً يحفظ حقوق المتعاقدين، طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، كما اعتمدته المؤسسات والحكومات، وضبطته بتراتيب إدارية، ومن أجل بيان الأحكام الشرعية لهذا العقد. قرَّر ما يلي: ١ - عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء، أو كتابة للمشاركة في المزاد، ويتم عند رضا البائع. ٢ - يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه، إلى بيع، وإجارةٍ، وغير ذلك، وبحسب طبيعته إلى اختياري، كالمزادات العادية بين الأفراد، وإلى إجباري، كالمزادات التي يوجبها القضاء، وتحتاج إليه المؤسسات العامة والخاصة، والهيئات الحكومية، والأفراد. ٣ - أنَّ الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي، وتنظيم، وضوابط، وشروط إدارية، أو قانونية، يجب أن لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. ٤ - طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعاً، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يَرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة. ٥ - لا مانع شرعاً من استيفاء رسم الدخول "قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية" لكونه ثمناً له. ٦ - يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي، أو غيره مشاريع استثمارية؛ ليحقق

стр. 2088

لنفسه نسبة أعلى من الربح، سواء كان المستثمر عاملاً في عقد مضاربة مع المصرف، أم لا. ٧ - النَّجش حرام، ومن صوره: (أ) أن يزيد في ثمن السلعة مَن لا يريد شراءها، ليغري المشتري بالزيادة. (ب) أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها، ويمدحها؛ ليغر المشتري، فيرفع ثمنها. (ج) أن يدَّعي صاحب السلعة، أو الوكيل، أو السمسار، ادعاء كاذباً أنَّه دُفِع فيها ثمن معيَّن؛ ليدلس على من يسوم. (د) ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعاً اعتماد الوسائل السمعية، والمرئية، والمقروءة، التي تذكر أوصافاً رفيعة لا تمثل الحقيقة، أو ترفع الثمن لتغر المشتري، وتحمله على التعاقد. والله أعلم. ٧ - الخامس: "أن يخطب على خِطبة أخيه". ومعناه: أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه المسلم بلا إذن الأول، وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك، فإن تزوج والحال هذه فقد عصى الله اتفاقاً، ويصح النكاح عند جمهور العلماء، ولم يبطله إلاَّ داود الظاهري. ٨ - ذكر الفقهاء حالات يجوز فيها الخِطبة على الخِطبة، منها: - أن يكون الثاني استأذن الأول، فأذِن له إذناً صريحاً. - أن يكون الثاني غير عالم بخِطبة الأول. - أن ترد خِطبة الأول. - أن يترك الخاطب الأول، ويُعرض عن الخِطبة. ففي هذه الصور لا إثم على الخاطب الثاني إذا خطب. ٩ - السادس: "أن تسأل المرأة طلاق الزوجة الأخرى". ومعناه: أن يخطب الرجل المرأة، فتشترط عليه طلاق زوجته،

стр. 2089

والمشهور من مذهب الحنابلة صحة هذا الشرط ولزومه إذا شُرط، وعللوا ذلك بأنَّ لها حظًّا ومنفعة من هذا الشرط. والقول الثاني في المذهب: أنَّ الشرط ليس صحيحاً، وهو اختيار الشيخ تقي الدين؛ لأنَّه لا يحل اشتراطه، ولو شرطته فهو لاغ، لما في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". ١٠ - قوله: "لتكفأ ما في إنائها" تمثيل يقصد به التنفير، وتبشيع هذه الصورة التي تحرم بها الزوجة الجديدة رزق الزوجة الأولى، ونفقتها، وعشرتها مع زوجها. ١١ - قوله: "على بيع أخيه" و"خِطبة أخيه" أي في الإسلام، فالعقيدة أقوى رابطة بين المسلم والمسلم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ثم في هذا التعبير تقريب بين المسلم والمسلم مما لا ينبغي معه أن يشاحنه وينافسه على ما هو أولى، وأخص به. ***

стр. 2090

٦٨٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوب الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، والحاكم، وَلَكنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. رواه أحمد، والترمذي، والدارقطني، والحاكم، وقد حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم، وفي إسناده المعافري مختلف فيه. قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. وللحديث شاهدان أحدهما: عن علي، ورجال إسناده ثقات، والثاني: عن أبي موسى، وإسناده لا بأس به. قال الشوكاني عن حديث علي: رجال إسناده ثقات، كما قال الحافظ، وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن القطان، وأما حديث أبي موسى فإسناده لا بأس به. ...

стр. 2091

٦٩٠ - وَعنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلاَمَيْنِ أخَوَيْنِ، فبِعْتُهُمَا فَفرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَال: أدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلاَ تَبِعْهُمَا إِلاَّ جَمِيعاً" رَوَاهُ أَحمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَات، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وابنُ القَطَّانِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن لشواهده. قال المؤلف: رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي حاتم، والحاكم، والطبراني، وابن القطان. وقال في التلخيص: حديث علي: أنَّه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ ، ورد البيع" رواه أبو داود، وأُعِلَّ بالانقطَاع بين ميمون بن أبي شبيب، وعلي بن أبي طالب، ورواه الحاكم وصحَّح إسناده. ورجَّحه البيهقي لشواهده، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم (٦٨٩) يدل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها من الأرقاء، سواء كان ذلك عن طريق البيع، أو إزالة الملك بغيره. ٢ - عموم الحديث يفيد تحريم التفريق بينهما، ولو بعد البلوغ، قال في شرح الإقناع: يحرم، ولا يصح أن يفرق بين ذي رحم ببيع، أو قسمة، أو هبة، أو نحوها، ولو بعد البلوغ، لعموم حديث أبي أيوب، فألحقوا ذوي الأرحام

стр. 2092

بالوالدة والولد، وبعض العلماء قصَر تحريم التفريق على ما في النص، ولم يعده إلى غيره. ٣ - الحديث رقم (٦٩٠) يفيد عدم صحة العقد الذي تضمن التفريق، فإنَّ عليًّا ﵁ باع الغلامين، ولكن النبي ﷺ أمره بردهما، ولم يعتبر البيع. ٤ - استثنى العلماء العتق وافتداء الأسير، فأجازوا التفريق فيهما، قال في شرح الإقناع: "إلاَّ بعتق فيجوز عتق أحدهما دون الآخر، أو افتداء أسير مسلم بكافر، فيجوز التفريق بينهما للضرورة" ٥ - مثل هذه الأحكام الإسلامية الحكيمة الرحيمة، يستدل بها على ما في الإسلام من رحمةٍ ورأفةٍ ونظرات كريمة لهذا الإنسان، الذي حتمت عليه ظروفه أن يكون التصرف فيه بأيدي المسلمين، فلم تَحُل عداوته للإسلام وأهله، ووقوفه في وجه دعوتهم، أن يقسوا عليه، ويعذبوه، ويهينوه، كما تفعل كثير من الدول بأسراهم، وإنما الإسلام يعاملهم بكل معاني الرحمة واللطف، واحترام الشعور. وسيأتي في باب العتق أوفى من هذا إن شاء الله تعالى. ٦ - في الحديث أنَّ العقود التي تجري على خلاف المقتضى الشرعي أنَّها لاغية، غير معتبرة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يعتبر عقد البيع في الغلامين لازماً معتبراً، وإنما اعتبره فاسداً لا ينفذ بمقتضاه حكم. ***

стр. 2093

٦٩١ - وَعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "غَلاَ السِّعْرُ فِي المَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال النَّاس: يَا رَسُولَ الله! غَلاَ السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الله هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ، وَلاَ مَالٍ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح بمجموع طرقه. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبزَّار من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس، وإسناده على شرط مسلم، وقد صححه ابن حبان والترمذي. وللحديث شواهد: ١ - حديث أبي هريرة: عند أحمد وأبي داود، وإسناده حسن. ٢ - حديث أنس أيضاً: عند ابن ماجه والبزار، وإسناده حسن أيضاً. ٣ - حديث علي: عند البزار. ٤ - حديث ابن عباس: عند الطبراني في الصغير. * مفردات الحديث: - غلا السعر: يغلوا، الاسم الغَلاء بالفتح والمد، ومعناه ارتفاع السعر عن الثمن

стр. 2094

المعتاد ارتفاعًا كثيرًا. - السعر: بكسر السين المهملة، وسكون العين المهملة، وهو ما يُقَوَّم عليه الثمن. - سعر لنا: أمر من التسعير، هو أن يلزم ولي أمر المسلمين، أو نائبه الناس سعرًا مقدرًا محدودًا، يتبايعون به بلا زيادة، ولا نقصان. - القابض: القابض للأرزاق المضيِّق بحِكمته وعدله. - الباسط: الباسط للأرزاق، والموسع فيها بحكمته وفضله. ومثل هذه الأسماء المتقابلة معانيها لا ينبغي أن يوصف الله تعالى بها إلا مقرونًا أحد الوصفين بالاَخرة لأنَّ الكمال المطلق هو من اجتماع الوصفين معًا. - بمظلمة: بفتح الميم وكسر اللام، هو ما يؤخذ بغير حق، وبفتح اللام مصدر ظلم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - زادت أسعار المواد الغذائية في المدينة على عهد النبي ﷺ ، ولعله بسبب القحط، وقلة الأمطار، وانقطاع السبل فيما بين المدينة والشام، التي ترد منها الأغذية. فجاء الناس إلى رسول الله ﷺ يطلبون منه أن يحدد قِيَمًا للأرزاق، ويجعل للتجَّار سعرًا معيَّنًا، وربحًا محددًا لا يزيدون عنه، فالنَّبي ﷺ أرجع الأمور إلي أصلها، بأنَّ الله تعالى هو المتصرف، فهو القابض المضيق على عباده، الباسط الموسع رزقهم بحكمته التي اقتضت ذلك. وأنَّ التحجير على الناس، والحد من تصرفهم ظلمٌ لهم، وإني لأرجو الله تعالي أن يتوفَّاني في هذه الدنيا إلى الرفيق الأعلى، وليس أحد منكم يطلبني بمَظْلَمَةِ في دم، ولا مال.

стр. 2095

٢ - ففي هذا تحريم التسعير على الناس في أسواقهم وبيوعهم. ٣ - فيه تعظيم ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وأنَّ خطره عظيم يوم القيامة، حيث لا وفاء إلاَّ من الأعمال الصالحة. ٤ - فيه إثبات تفرد الله تعالى بالملك والتصرف، فلا شريك له في ذلك، وأنَّ تصرفه بخلقه هو على وفق الحكمة في حال السعة والرخاء، وفي حال الضيق والشدة، فكلها حِكمة عالية، تناسب الحال الحاضرة للمخلوقين. ٥ - فيه إثبات الجزاء الأخروي، وأنَّه حق، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ٦ - إذا كان تحديد السعر على الناس ظلمًا تبرأ منه النبي ﷺ ، فما بالك بالحكومات التي تدعي الإسلام، وتسلب أموال الرعية باسم الاشتراكية، وتأميم موارد رزقهم، ثم ترهقهم بالضرائب والرسوم والتعريفات الجمركية، التي ألحقت الفقر والفاقة بالمستهلكين من رعاياهم، ومع هذا لم تزدهم هذه الأعمال إلاَّ فقرًا وديونًا، واستعمارًا للدول الغنية. قال ابن القيم: التسعير منه ما هو محرَّم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بشيء لا يرضونه، أو منعهم مما أباح لهم فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز بل واجب، وجِماع الأمر أنَّ مصلحة الناس إذا لم تتم إلاَّ بالتسعير سعَّر عليهم بتسعير العدل، وإذا اندفعت حاجتهم، وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل. قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: الذي يظهر لنا وتطمئن إليه نفوسنا ما ذكره ابن القيم، من أنَّ التسعير منه ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل جائز.

стр. 2096

فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب، فالتسعير جائز بشرطين: أحدهما: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس. ثانيًا: أن يكون الغلاء لقلة العرض، أو كثرة الطلب. فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلًا، وضربًا من ضروب رعاية المصلحة العامة، كتسعير اللحوم، والخبز، والأدوية، ونحو هذه الأمور. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تحديد أرباح التَّجار: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ، ١٠ إلى ١٥ كانون الأول "ديسمبر" ١٩٨٨ م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع "تحديد أرباح التجَّار"، واستماعه للمناهشات التي دارت حوله. قرَّر: أولًا: الأصل الذي تقرره النصوص، والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارًا في بيعهم وشرائهم، وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها، عملًا بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

стр. 2097

ثانيًا: ليس هناك تحديد لنسبة معئنة للربح يتقيد بها التجَّار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة، وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق، والقناعة، والسماحة، والتيسير. ثالثًا: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته، كالغش، والخديعة، والتدليس، والاستغفال، وتزييف حقيقة الربح، والاحتكار، الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة. رابعًا: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلاَّ حيث يجد خللًا واضحًا في السوق والأسعار، ناشئًا من عوامل مصطنعة، فإنَّ لولي الأمر حينئذٍ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة، التي تقضي على تلك العوامل، وأسباب الخلل، والغلاء، والغبن الفاحش. والله أعلم. ***

стр. 2098

٦٩٢ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَيَحْتكِرُ إِلَّا خَاطِىءٌ" رَوَا مُسْلِمٌ (١) ــ * مفردات الحديث: - لا يحتكر إلاَّ خاطيء: من الاحتكار، وهو شراء الطعام وأقوات الناس للتجارة، وحبسه ليتربَّص به الغلاء، هذا هو تعريفه اللغوي، وقد اشترط الفقهاء له شروطًا ستأتي في الكلام على فقه الحديث إن شاء الله تعالى. - والخاطىء: آخره همزة، قال الراغب: الخطأ العدول عن الجهة، وذلك إضراب، فلفظته مشتركة مترددة بين معان، ومن تلك المعاني أن يريد غير ما تحسن إرادته فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، قلت: وهو المراد هنا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الاحتكار هو شراء السلعة للتجارة، وحبسها لتقل في السوق فتغلو ويرتفع سعرها على المشترين. ٢ - قسَّم العلماء الاحتكار إلى نوعين: أحدهما: محرَّم، وهو الاحتكار في قوت الآدميين، لِما روى الأثرم عن أبي أمامة أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "نهى أن يحتكر الطعام"، وهذا النوع هو المراد من الحديث، بأنَّ صاحبه خاطىء، أي عاصٍ آثمٌ مرتكبٌ للخطيئة. الثاني: جائز، وهو في الأشياء التي لا تعم الحاجة إليها، كالأدم، والزيت، والعسل، والثياب، والحيوان، وعلف البهائم، ونحو ذلك.

стр. 2099

٣ - قال في شرح الإقناع: ويُجْبر المُحتكر على البيع كما يبيع الناس، دفعًا للضرر، فإن أبى أن يبيع ما احتكره من الطعام، وخيف التلف بحبسه على الناس، فرَّقه الإمام على المحتاجين إليه، ويردون مثله عند زوال الحاجة. ٤ - قال شيخ الإسلام: عِوَض المثل كثير الدوران في كلام العلماء، وهو أمر لابد منه في العدل، الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة، فهو من أركان الشريعة، فقيمة المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل ونحو ذلك محتاج إليه فيما يُضْمن بالإتلاف بالنفوس، والأبضاع، والمنافع، والأموال، وما يضمن بالعقود الفاسدة، والصحيحة أيضًا، وهو متَّفق عليه بين المسلمين، بل وبين أهل الأرض، وهو معنى القسط، الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل فيه الكتب، وهو مقابلة الحسنة بمثلها، والسيئة بمثلها، وهو مثل المسمى "العرف والعادة". فالمسمَّى في العقود نوعان: ١ - نوع اعتاده الناس وعرفوه، فهو العوض المعروف المعتاد. ٢ - نوع نادر لفرط رغبة، أو مضرة، أو غيرها، ويقال فيه: "ثمن المثل" فالأصل فيه اختيار الآدميين، وإرادتهم، ورغبتهم. ***

стр. 2100

٦٩٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ تُصَرُّوا الإِبلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ امْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: "فَهُوَ بالخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ". وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا البُخَارِيُّ: "وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعامٍ، لاَ سَمْرَاءَ" قَالَ البُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ (١). ــ * مفردات الحديث: - لا تُصَرُّوا الإبل: بضم المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء المضمومة، مأخوذ من التصرية، يقال: صرى يصري اللبن في ضرعها، ومعناه يرجع إلى الجمع، والمصراة اسم مفعول، هي التي تُرْبط أخلافها؛ ليجتمع لبنها للتدليس على المشتري، قال ابن دقيق العيد: لم تأت رواية بحذف الواو من تصروا، قال البخاري: أصل التصرية حبس اللبن في الضرع لذوات الظلف. - فمَن ابتاعَها: أي من اشترى المصراة، فالبيع والشراء يطلق أحدهما على الآخر، والغالب أنَّ البائع باذل السلعة، والمشتري باذل الثمن. - فهو بخيْر النَّظرين: يقال: نظر في الأمر ينظر نظرًا تدبره وفكر فيه؛ ليختار بين الإمساك أو الرد، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها. - بعد أن يحلبها: وروي بكسر "إن" فتكون شرطية، ويحلبها مجزوم، وحلب

стр. 2101

يحلب حلبًا من باب قتل. - بعد: قال الكرماني: بعد هذا النَّهي، أو بعد صر البائع، والثاني أوجه. - صاعًا من تمر: المراد به الصاع النبوي، وقدره بالموازين الحاضرة هو (٣٠٠٠) غرامًا من البر الجيد. وصاعًا من تمر: منصوب بفعل مقدر، تقديره: وردَّ معها صاع تمر. - لاَ سمْرَاء: بفتح فسكون، هي قمح مخصوص، فهي الحنطة الشامية، قال العيني: وكانت أغلى ثمنًا من البر الحجازي، وقال ابن الأثير في النهاية: السمراء هي الحنطة، ومعنى نفيها: أي لا يلزم أن يعطي الحنطة لأنَّها أغلى من التمر بالحجاز. ***

стр. 2102

٦٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَنِ اشْتَرى شَاةً مُحَفَّلَةً فردَّها، فَلْيُردَّ مَعَهَا صَاعًا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَزَادَ الإسْمَاعِيلِيُّ: "مِنْ تَمْرٍ" (١). ــ * مفردات الحديث: - مُحفَّلة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء الموحدة، يقال: حفل اللبن في الضرع اجتمع. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الإسلام يريد بناء المعاملات على الصدق والأمانة والنصح، وينهى عن الخداع والتغرير، والتدليس لما يجره من غش يترتب عليه العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل. ٢ - نهى في هذين الحديثين عن التدليس، وذلك بترك اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند إرادة بيعها، حتى يجتمع، فيظنه المشتري عادة لها، فيشتريها بما لا تستحقه من ثمن، ويكون البائع قد غشَّ المشتري وظَلَمَه. ٣ - النَّهي يقتضي التحريم؛ لأنَّه أكل لأموال الناس بالباطل. ٤ - البيع صحيح، لقوله: "إن رضيهَا أمسكها" ولكن له الخيار بين الإمساك الرد، إذا علم بالتصرية، سواء علمه قبل الحلب أو بعده. ٥ - أن أمسكها فهو بثمنها الذي عليه العقد، وإن ردها رد معها صاعًا من تمر بدلًا من اللبن الذي اشتريت وهو في ضرعها، إذا حلبها المشتري، أما اللبن الحادث بعد حلبه التصرية فلا يرد عنه شيئًا؛ لأنَّ الخراج بالضمان.

стр. 2103

٦ - يفيد الحديث أنَّ كل بيع فيه التدليس فهو محرَّم، وأنَّ المدلس عليه بالخيار. ٧ - مدة خيار المشتري بالرد أو الإمساك ثلاثة أيام منذ علِم بالتصرية. ٨ - أما البائع فالعقد لازم في جانبه، لأنَّه لا يوجد من قِبله ما يفسد العقد، ويوجب الرد. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، إلى رد صاع من تمر عن لبن المصراة عند ردها إلى البائع لحديث الباب. وذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أن يردها، ولا يرد معها شيئًا، واللبن للمشتري بدل علفها، واعتذروا عن الأخذ بالحديث بأئَه مخالف لقياس الأصول، وهو أنَّ اللبن مثلي، فيقتضي الضمان بمثله. والجواب أنَّ خبر الشارع الثابت هو الأصل الذي يجب الرجوع إليه. قال الخطابي: الحديث إذا صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، فليس إلاَّ التسليم له، وكل حديث أصل برأسه، ومعتبر بحكمه في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة، أو يتذرع إلى إبطاله بعدم النظير له، وقلة الأشباه في نوعه. والأصل إنما صارت أصولًا لمجيء الشريعة بها، وليس ترك الحديث بسائر الأصول، بأولى من تركها له. قال ابن عبد البر: هذا الحديث مُجمع على صحته، واعتلَّ من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها. ***

стр. 2104

٦٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ علَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أصَابِعُهُ بلَلًا، فَقَال: مَا هَذا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أصَابتهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله! قالَ: أفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَام كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ، فَلَيْسَ مِنِّي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - صُبْرَة: بضم الصاد المهملة، وسكون الباء الموحدة. الصبرة: هي الكومة المجموعة من طعام وغيره، سميت صبرة، لإفراغ بعضها على بعض، وضم بعضها إلى بعض. - بلَلًا: بفتحتين، الندى والرطوبة. - أصابتْه السماء: أي المطر النازل من السماء. - غشَّ: الغِش بكسر الغين، وأصله من الغشش: وهو الماء المكدر، والغش ضد النصح، فهو الغدر والخديعة، فهو غاش، وجمعه غُشَّاش وغَشَشَة. - فَليس مني: قال النووي: كذا بالأصول بياء المتكلم، ومعناه ليس ممن اهتدى بهدي، واقتدى بحسن طريقتي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث دليل على تحريم غش الناس في البيع، وسائر المعاملات. ٢ - أنَّ الواجب على البائع إذا كان طعامه أو غيره من السلع معيبًا، أو رديئًا، أن

стр. 2105

يجعله هو الأعلى؛ ليشاهده المشتري، فلا يُقْدِم في الشراء إلاَّ على علم وبصيرة. ٣ - يدل على جواز بيع الرديء والمعيب إذا رآه الناس، وعلموا به، ورضوا شراءه. ٤ - وأما قوله: "من غشَّ فليس مني" فقد اختلف العلماء في تفسيره. قال سفيان بن عيينة: نمسك عن تأويله، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. وقال النووي: معناه ليس ممن اهتدى واقتدى بعلمي، وحسن طريقتي، وشيخ الإسلام يرى استحقاقه الوعيد لو لم يقم بالشخص ما يدفعه أو يخففه من أعمال. ٥ - هذا البيع من التدليس الذي يجعل للمشتري الخيار في إمساك المبيع، أو رده على البائع، والرجوع بثمنه. ٦ - ومما يؤسف له أنَّ أكثر معاملات الناس الآن جارية على هذا، لا يرون فيه بأسًا، ولا يخشون من عمله عقابًا، مما سبب منع القطر والقحط، ونزع البركة. ٧ - الغش محرم في كل عمل وصنعة ومعاملة، فهو محرَّم في الصناعات، ومحرَّم في الأعمال المهنية، ومحرَّم في المعاملات، ومحرَّم في العقود، ومحرَّم بما تحت يد الإنسان من أعمال حكومية، أو أعمال للناس. فالغش يدخل في عموم ما يقوم به الإنسان، فإن نصَحَ فيه، وأخلص فيما وجب عليه، أَكَلَ رزقًا حلالًا، وإن خان وغش، ظلم نفسه، وظلم غيره، وأكل حرامًا.
следующие страницы →