يحلب حلبًا من باب قتل.
- بعد: قال الكرماني: بعد هذا النَّهي، أو بعد صر البائع، والثاني أوجه.
- صاعًا من تمر: المراد به الصاع النبوي، وقدره بالموازين الحاضرة هو (٣٠٠٠) غرامًا من البر الجيد.
وصاعًا من تمر: منصوب بفعل مقدر، تقديره: وردَّ معها صاع تمر.
- لاَ سمْرَاء: بفتح فسكون، هي قمح مخصوص، فهي الحنطة الشامية، قال العيني: وكانت أغلى ثمنًا من البر الحجازي، وقال ابن الأثير في النهاية: السمراء هي الحنطة، ومعنى نفيها: أي لا يلزم أن يعطي الحنطة لأنَّها أغلى من التمر بالحجاز.
***
стр. 2102
٦٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَنِ اشْتَرى شَاةً مُحَفَّلَةً فردَّها، فَلْيُردَّ مَعَهَا صَاعًا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَزَادَ الإسْمَاعِيلِيُّ: "مِنْ تَمْرٍ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُحفَّلة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء الموحدة، يقال: حفل اللبن في الضرع اجتمع.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الإسلام يريد بناء المعاملات على الصدق والأمانة والنصح، وينهى عن الخداع والتغرير، والتدليس لما يجره من غش يترتب عليه العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل.
٢ - نهى في هذين الحديثين عن التدليس، وذلك بترك اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند إرادة بيعها، حتى يجتمع، فيظنه المشتري عادة لها، فيشتريها بما لا تستحقه من ثمن، ويكون البائع قد غشَّ المشتري وظَلَمَه.
٣ - النَّهي يقتضي التحريم؛ لأنَّه أكل لأموال الناس بالباطل.
٤ - البيع صحيح، لقوله: "إن رضيهَا أمسكها" ولكن له الخيار بين الإمساك الرد، إذا علم بالتصرية، سواء علمه قبل الحلب أو بعده.
٥ - أن أمسكها فهو بثمنها الذي عليه العقد، وإن ردها رد معها صاعًا من تمر بدلًا من اللبن الذي اشتريت وهو في ضرعها، إذا حلبها المشتري، أما اللبن الحادث بعد حلبه التصرية فلا يرد عنه شيئًا؛ لأنَّ الخراج بالضمان.
стр. 2103
٦ - يفيد الحديث أنَّ كل بيع فيه التدليس فهو محرَّم، وأنَّ المدلس عليه بالخيار.
٧ - مدة خيار المشتري بالرد أو الإمساك ثلاثة أيام منذ علِم بالتصرية.
٨ - أما البائع فالعقد لازم في جانبه، لأنَّه لا يوجد من قِبله ما يفسد العقد، ويوجب الرد.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، إلى رد صاع من تمر عن لبن المصراة عند ردها إلى البائع لحديث الباب.
وذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أن يردها، ولا يرد معها شيئًا، واللبن للمشتري بدل علفها، واعتذروا عن الأخذ بالحديث بأئَه مخالف لقياس الأصول، وهو أنَّ اللبن مثلي، فيقتضي الضمان بمثله.
والجواب أنَّ خبر الشارع الثابت هو الأصل الذي يجب الرجوع إليه.
قال الخطابي: الحديث إذا صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، فليس إلاَّ التسليم له، وكل حديث أصل برأسه، ومعتبر بحكمه في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة، أو يتذرع إلى إبطاله بعدم النظير له، وقلة الأشباه في نوعه.
والأصل إنما صارت أصولًا لمجيء الشريعة بها، وليس ترك الحديث بسائر الأصول، بأولى من تركها له.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث مُجمع على صحته، واعتلَّ من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها.
***
стр. 2104
٦٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ علَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أصَابِعُهُ بلَلًا، فَقَال: مَا هَذا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أصَابتهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله! قالَ: أفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَام كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ، فَلَيْسَ مِنِّي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- صُبْرَة: بضم الصاد المهملة، وسكون الباء الموحدة.
الصبرة: هي الكومة المجموعة من طعام وغيره، سميت صبرة، لإفراغ بعضها على بعض، وضم بعضها إلى بعض.
- بلَلًا: بفتحتين، الندى والرطوبة.
- أصابتْه السماء: أي المطر النازل من السماء.
- غشَّ: الغِش بكسر الغين، وأصله من الغشش: وهو الماء المكدر، والغش ضد النصح، فهو الغدر والخديعة، فهو غاش، وجمعه غُشَّاش وغَشَشَة.
- فَليس مني: قال النووي: كذا بالأصول بياء المتكلم، ومعناه ليس ممن اهتدى بهدي، واقتدى بحسن طريقتي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث دليل على تحريم غش الناس في البيع، وسائر المعاملات.
٢ - أنَّ الواجب على البائع إذا كان طعامه أو غيره من السلع معيبًا، أو رديئًا، أن
стр. 2105
يجعله هو الأعلى؛ ليشاهده المشتري، فلا يُقْدِم في الشراء إلاَّ على علم وبصيرة.
٣ - يدل على جواز بيع الرديء والمعيب إذا رآه الناس، وعلموا به، ورضوا شراءه.
٤ - وأما قوله: "من غشَّ فليس مني" فقد اختلف العلماء في تفسيره.
قال سفيان بن عيينة: نمسك عن تأويله، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر.
وقال النووي: معناه ليس ممن اهتدى واقتدى بعلمي، وحسن طريقتي، وشيخ الإسلام يرى استحقاقه الوعيد لو لم يقم بالشخص ما يدفعه أو يخففه من أعمال.
٥ - هذا البيع من التدليس الذي يجعل للمشتري الخيار في إمساك المبيع، أو رده على البائع، والرجوع بثمنه.
٦ - ومما يؤسف له أنَّ أكثر معاملات الناس الآن جارية على هذا، لا يرون فيه بأسًا، ولا يخشون من عمله عقابًا، مما سبب منع القطر والقحط، ونزع البركة.
٧ - الغش محرم في كل عمل وصنعة ومعاملة، فهو محرَّم في الصناعات، ومحرَّم في الأعمال المهنية، ومحرَّم في المعاملات، ومحرَّم في العقود، ومحرَّم بما تحت يد الإنسان من أعمال حكومية، أو أعمال للناس.
فالغش يدخل في عموم ما يقوم به الإنسان، فإن نصَحَ فيه، وأخلص فيما وجب عليه، أَكَلَ رزقًا حلالًا، وإن خان وغش، ظلم نفسه، وظلم غيره، وأكل حرامًا.
стр. 2106
٦٩٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَد تَقَحَّمَ النَّارَ عَلى بَصِيرَةٍ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال الحافظ: إسناده حسن.
قال في التلخيص: أخرجه الطبراني عن محمَّد بن أحمد بن أبي خيثمة بإسناده عن بريدة مرفوعًا.
* مفردات الحديث:
- حَبس العنب: أبقى العنب حينما جاء وقت قطافه حتى يكون زبيبًا.
- القِطَافَ: بكسر القاف وفتحها هو أوان قطف الثمر من الشجر.
- تقحَّم النار علن بصيرة: بفتح التاء والقاف وتشديد الحاء آخره ميم، رمى بنفسه في النار على علم بالسبب الموجب لدخوله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الخمرة تتخذ من أشياء كثيرة، لكن أكثر ما يتَّخذونها من الزبيب، فمن ترك العنب فلم يقطفه إبان قطافه ليصير زبيبًا، فيبيعه على الذين يتَّخذون منه خمرًا، فقد عمل السبب الذي يوجب له دخول النار.
وذلك على علم منه بذلك وبصيرة، لأنَّه أقدم على المحرَّم عالمًا به.
٢ - عموم الحديث يدل على تحريم ذلك، لو كان المشتري ممن يُقَرُّون على
стр. 2107
شربها، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك أنَّ الكفار مخاطبون، ومسؤولون عن أصول الشريعة وفروعها، وأوامرها ونواهيها.
٣ - قال شيخ الإسلام: يحرم ذلك، ولو غلب على ظنه ذلك بالقرائن، وهو ظاهر نص أحمد، وصوَّبه في الإنصاف.
٤ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
قال ابن القيم: قد تظاهرت أدلة الشرع على أن القصود في العقود معتبرة، وأنَّها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته.
٥ - يقاس على ذلك كل ما أعان على معصية كآلات اللهو، وتأجير الحوانيت، لمن يبيع فيها خمرًا، أو دخانًا، أو تأجير بيته لمن يتَّخذه للبِغَاء والفساد، أو يعمل في مؤسسات تعمل في الربا، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، فإنَّه يحرم ذلك عليه إذا تيقن الأمر، أو غلب على ظنه بطرقٍ أُخر.
٦ - هناك أشياء يصلح أن تستعمل في الخير، ويصلح أن تستعمل في الشر، مثل الراديو والتلفاز، وأشرطة التسجيل، ونحو ذلك، فهذه لا تحرم؛ لأنَّها كما أنَّه يوجد فيها مفسدة، فإنَّه يوجد فيها مصلحة، أو مصالح، ووجود المفسدة والمصلحة في الشيء الواحد كثير جدًا، فمثل هذا لا يعطى حكم الحرمة مطلقًا، وإنما تعطى حكم الحرمة إذا علمتَ، أو غلب على ظنك أنَّ هذا المشتري لم يشتره إلاَّ للأمر المحرَّم.
***
стр. 2108
٦٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ القَطَّانِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المؤلف: رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، وابن القطان.
وضعَّفه البخاري وأبو داود ضعَّفه البخاري؛ لأنَّ فيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ذاهب الحديث.
قال في التلخيص: صححه ابن القطان، وقال ابن حزم: لا يصح.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
قال الألباني: ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير مخلد بن خفاف.
وقد وثقه ابن حبَّان، وقال ابن حجر: مقبول بالمتابعة، وقد توبع في هذا الحديث، وقد تلقاه العلماء بالقبول.
* مفردات الحديث:
- الخراج: بفتح الخاء ثم راء مخففة، الغلة والكرا، أي الفوائد والمنافع الحاصلة من العين المباعة.
стр. 2109
- بالضمان: بفتح الضاد الكفالة، والباء متعلقة بمحذوف، والتقدير: منافع المبيع، تكون للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بتلف المبيع، ونفقته ومؤنته.
قال ابن الأثير في النهاية: الباء بالضمان متعلقة بمحذوف، وتقديره، الخراج مستَحق بسبب الضمان.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة من "أنَّ رجلًا اشترط غلامًا في زمن النَّبي ﷺ ، وكان عنده ما شاء الله، ثم رده من عيب وجده، فقضى النبي ﷺ برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان".
٢ - الخراج بالضمان: يعني أنَّ ما خرج من المبيع من غلة ومنفعة فهو للمشتري، عوضَ ما كان يَلْزَمُه من ضمان المبيع لو تلف، فالغلة إذًا تكون له في مقابل الغرم، ولأنَّ من تحمل الخسارة -لو حصلت- يجب أن يحصل على الربح، وتقدم قول ابن الأثير أنَّ الباء في "بالضمان" متعلقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي بسببه.
٣ - هذا الحديث الوجيز المفيد من جوامع الكلم لاشتماله على معانٍ كثيرةٍ، حتى أصبح، "قاعدةً" من قواعد الدين وأصوله، فتخرج عليها ما لا يحصى من المسائل، والصور الجزئية.
٤ - فمن ابتاع أرضًا فاستعملها، أو ماشيةً فحلبها أو نتجها، أو دابةً، أو سيارةً. فركبها وحمل عليها، ثم وجد بشيء من ذلك عيبًا فله أن يرد الرقبة، ولا شيء فيما انتفع به؛ لأنَّها لو تلفت ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت في ضمان المشتري، فوجب أن يكون له الخراج.
стр. 2110
قال في المنتهى وشرحه: ولا يَرُدُّ مشترٍ -ردَّ مبيعًا لعيبه- نماءً منفصلًا منه، كثمرة، وولد بهيمة، وله كسبه من عقد إلى ردٍّ؛ لحديث: "الخراج بالضمان" فلو هلك المبيع لكان من ضمانه.
٥ - في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، ولهم تفصيلات فيما يبقى للمشتري، وما يرده مع المبيع إذا رده على البائع، ولكن ما قررنا هنا هو مذهب الإمامين، الشافعي وأحمد، وهو الذي يدل عليه الحديث "الخراج بالضمان".
***
стр. 2111
٦١٨ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينارًا لِيَشْتَرِي بِهِ أُضحِيَّهً أوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَّيْنِ، فَباعَ إِحْدَاهمَا بِدِيْنارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِيْنارٍ، فَدَعَا لَهُ بالبرَكةِ فِي بيعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابا لَرَبحَ فِيهِ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وَقدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهُ (١)، وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. (٢)
ــ
* درجة الحديث:
إسناده حسن.
قال المؤلف: رواه الخمسة إلاَّ النسائي، وأصله في البخاري.
قال في التلخيص: في إسناده سعيد بن زيد مختلف فيه، وقال المنذري والنووي: إسناده حسن صحيح، ومال كل من ابن القطان والخطابي والزيلعي إلى أنَّ الحديث منقطع، ذلك لأنَّ شبيب بن غرقدة يقول: إنَّ الحيَّ حدثوه، وقال ابن حجر في فتح الباري: الصواب أنَّه متَّصل، وفي إسناده مبهم، وهذا المبهم هو سعيد بن زيد بن درهم الأزدي، قال حرب: سمعتُ أحمد يثني عليه، وللحديث شاهد عند الترمذي عن حكيم بن حزام.
وأما الشاهد من حديث حكيم بن حزام فراويه عن حكيم هو حبيب بن ثابت، وقد ضعَّف الحديث الترمذي، والبيهقي، والخطابي، وقالوا: إنَّه
стр. 2112
منقطع، لأنَّ حبيب ابن ثابت لم يسمع من حكيم، وفيه راوٍ مجهول.
قُلتُ: وَهَذا في الكلام عن الشاهد، فلا يطعن في أصل الحديث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز الوكالة فيما تدخله النيابة من الأعمال، كالبيع والشراء، فالنبي ﷺ وكَّل عروة البارقي بشراء الشاة.
٢ - يدل الحديث على جواز تصرف الفضولي ونفاذ عقده بعد إجازة من تصرف له، ويصير التصرف لمن وقع له التصرف، وهذه رواية في مذهب الإمام أحمد.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ بيع الفضولي وشراءه صحيح، إذا أجازه من تصرف له.
أما المشهور من المذهب، فإنَّ تصرف الفضولي لا يصح، ولو أجازه من تصرف له، ولكن الرواية أصح إن شاء الله تعالى، وحديث عروة البارقي صريح في جوازها.
٣ - أنَّ شراء الشاة في هذا الحديث ليس تعيينًا لها أضحية فلا تبدل؛ لأنَّ الشراء يراد لأمور كثيرة، وإنما تتعيَّن بقوله: هذه أضحية، أو هذه لله؛ لأنَّها لو تعيَّنت بمجرد الشراء لم يجز بيعها، ولا هبتها؛ لتعلق حق الله تعالى بها.
٤ - بركة دعاء النبي ﷺ الذي بلغ بهذا الرجل أن لا يخسر في صفقة، حتى لو اشترى ترابًا لربح فيه.
٥ - أنَّ الدعاء هو مكافأة لمن صنع للإنسان معروفًا، أو نفعه بشيء، أو أعطاه شيئًا.
٦ - أنَّ الفرح بحصول الدنيا وزيادتها لا تنافي الاتجاه إلى الله تعالى، ما دام أنَّ الدنيا ليست هي هم من نالها، وإنما يُسرّ بها لقضاء واجباته ونفقاته، ولم يحرص على تحصيلها وجمعها للتكاثر، والتباهي بها.
стр. 2113
٧ - الحديث صريح في عدم تحديد الربح في البيع والشراء، وأنَّ هذا خاضع لنظام العرض والطلب في الأسواق، فهذا عروة ربح في بيعه الضعف، ولم ينكر عليه النبي ﷺ .
قالت لجنة الفتوى في إدارة البحوث العلمية: الأصل في الأثمان عدم التحديد، سواء كانت في الحال أو المؤجل، فتترك لتأثير العرض والطلب، إلاَّ أنَّه ينبغي للناس أن يتراحموا فيما بينهم، وأن تسود بينهم روح السماحة في البيع والشراء، قال ﷺ : "رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى".
* قرار مجمعى الفقه الإسلامي بشأن تحديد الأرباح:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى، ١٤٠٩هـ/ ١٠ إلى ١٥ كانون الأول "ديسمبر" ١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تحديد أرباح التُّجار، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرَّر:
أولًا: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارا في بيعهم وشرائهم، وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها، عملًا بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ثانيًا: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيَّد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة، وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة، والسماحة والتيسير.
стр. 2114
ثالثًا: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته، كالغش، والخديعة، والتدليس، والاستغلال، وتزييف حقيقة الربح، والاحتكار، الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.
رابعًا: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلاَّ حيث يجد خللًا واضحًا في السوق والأسعار، ناشئًا من عوامل مصطنعة، فإنَّ لولي الأمر حينئذ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة، التي تقضي على تلك العوامل، وأسباب الغلاء، والغبن الفاحش، والله أعلم.
***
стр. 2115
٦٩٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنْعامِ حتَّى تَضَعَ، وَعنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ العَبْدِ وَهُو آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ المَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبضَ، وَعنْ ضَرْبه الغَائِصِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالبَزَّارُ، والدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده حسن.
قال البيهقي: وهذه المناهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ .
قال ابن حجر: رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف؛ لأنَّه من حديث شهر بن حوشب، وقد تكلَّم فيه جماعة، كالنضر بن شميل والنسائي، وابن عدي وغيرهم، وقال البخاري: وشهر بن حوشب حسن الحديث، وقوى أمره، وروي عن أحمد أنَّه قال: ما أحسن حديثه.
* مفردات الحديث:
- آبق: أبق؛ بكسر الباء وفتحها وضمها في المضارع، هارب من سيده، وفرَّق الثعالبي بين آبق وهارب، فقال: آبق إذا هرب من غير كد، وهرب إذا فعل ذلك من كد.
- المغانم: جمع غنيمة، وهي ما استُولي عليه قهرًا من أموال الكفَّار المحاربين.
- ضربة الغائص: غاص في الماء غوصًا نزل تحته، وضربة الغائص، أي: نزلته في أعماق البحر؛ لاستخراج اللؤلؤ.
стр. 2116
٧٠٠ - وَعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي المَاءِ فإِنَّهُ غَرَرٌ" رَوَاهُ أَحمَدُ، وأَشَارَ إِلى أنَّ الصَّوَابَ وقَفُهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف، وروي مرفوعًا، والموقوف له حكم المرفوع، والله أعلم.
قال في التلخيص: رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا من طريق يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عنه.
قال البيهقي: فيه إرسال بين المسيب وعبد الله، والصحيح وقفه.
وقال الدارقطني: الموقوف أصح، وكذا قال الخطيب وابن الجوزي.
وفي الباب عن عمران بن حصين مرفوعًا رواه ابن أبي عاصم، وقال الهيثمي: رواه أحمد موقوفًا ومرفوعًا، والطبراني في الكبير كذلك، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وفي رجال المرفوع شيخ أحمد، محمد بن السماك، ولم أجد من ترجمه، وبقيتهم ثقات اهـ.
وهو أيضًا داخل في حديث النَّهي عن بيع الغرر.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن بيع الغرر".
والغرر ما طوي عنك علمه وخفي عليك باطنه، من مجهول، أو معدوم،
стр. 2117
أو معجوز عن الحصول عليه، أو غير مقدور عليه، فهذا كله غرر.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه لا يجوز بيع الغرر.
٢ - البيوعات المذكورة في هذين الحديثين كلها بيوع غرر، ولذا نهى عنها الشارع الحكيم لما يجرّه الغرر والجهالة من مفسدتين كبيرتين:
الأولى: أنَّ الجهالة والغرر يسببان أكل أموال الناس بالباطل، فأحد العاقدين إما غانم بلا غرم، أو غارم بلا غُنم؛ لأنَّها رهان ومقامرة.
الثانية: إنَّ هذه العقود تجر العداوة والبغضاء، وتسبب الحقد والشحناء، والإسلام جاء للقضاء على هذه المفاسد.
٣ - البيوعات المذكورة في هذين الحديثين النَّهي عن تعاطيها يعود إلى ثلاثة أمور: إما لجهالتها، وإما للعجز عن تسليمها، وإما لعدمها حين العقد.
٤ - قوله: "شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع" وهو بيع الحمل في بطن أمه، فهذا هو بيع الملاقيح المنهي عنه، لأنَّه مجهول فهو من بيع الغرر، ولكن لو بيع الحمل مع أمه صحَّ؛ لأنَّه تابع وليس مستقلاً
والقاعدة الشرعية: "يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا" منطبقة على هذا.
٥ - قوله: "وعن بيع ما في ضروع بهيمة الأنعام" لأنَّه مجهول غير معلوم المقدار، فهو من بيع الغرر.
٦ - قوله: "وعن شراء العبد وهو آبق" وذلك لعدم القدرة على تحصيله وتسليمه، فهو من أنواع بيع الغرر، ومثله الجمل الشارد، والطير في الهواء، ونحو ذلك.
٧ - قوله: "وعن شراء المغانم حتى تقسم" لأنَّ نصيب الغانم مجهول المقدار، فإن كان باع معينًا من الغنيمة، فيزيد على الجهالة أنَّه باع ما لم يملكه، فقد باع ما ليس عنده.
٨ - قوله: "وعن شراء الصدقات حتى تقبض" وعلة النَّهي هي الجهل بالمقدار،
стр. 2118
والعلة الأخرى أنَّه باع ما لم يملكه، فإنَّ مستحق الصدقة لا يملكها إلاَّ بعد قبضها بإذن المتصدق، كالهبة.
٩ - قوله: "عن ضربة الغائص" فضربة الغائص جَمَعَت من محاذير عدم صحة العقد: الجهل بقدر ما يحصله الغائص في ضربته التي يريد المشتري كسبها، وعدم ملك البائع لها حين العقد، ففيها غرر كبير.
١٠ - قوله: "عن شراء السمك في الماء" وعلَّة النَّهي هنا أمران:
أحدهما: عدم القدرة على الحصول عليه، وتسليمه للمشتري.
الثاني: الجهل به، فإنَّ السمك بالماء الغمر مجهول غير معروف القدر، وغير معروف الحجم، وغير معروف النوع، فهو مجهول، فبيعه غرر كبير.
١١ - استثنى الفقهاء السمك إذا كان بماء مَحُوز، نحو بركة يسهل أخذه، والماء صافٍ يعلم فيه مقدار السمك وأحجامه، فإنَّه يجوز بيعه لإمكان أخذه ولمعرفته، فلا غرر في ذلك.
١٢ - أما بعد: فباب الغرر باب واسع لا يحاط بجزئياته، ولا تحصى مفرداته، ولكن تحكُمه ضوابط شرعية تحدد أفراده، وتميز معالمه، وهو باب خطر من أبواب المعاملات، كان في زمن الجاهلية يتمثل في بيع الحمل، وبيع اللبن في الضرع، والجمل الشارد، وبيع الحصاة، والملامسة، والمنابذة، ونحو ذلك، وما زالت جزئيات منه وأنواع، تظهر في كل زمان ومكان، حسب ما يناسب حالة أهله، حتى ظهر في زمننا أنواع منه خطرة جدًا، أفقرت بيوتًا تجارية كبرى، وقضت علما مستقبل وحياة أفراد فُتِنُوا بالميسر والقِمار، الذي ظهر بوسائله وأدواته الحديثة، ومؤسسات اليانصيب، وألعاب: "أُطرقْ بابَ الحظِّ بِعِنَادٍ" (١)، و"الوتري"، وغير ذلك مما نسمع عنها أنَّها سببت ثراء قوم بلا جهد، وفقر آخرين بالباطل، وكل هذا من
стр. 2119
أعمال الشيطان، التي قال تعالى عنها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] اللَّهمَّ بصِّر المسلمين في أمر دينهم.
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن موضوع عملية اليانصيب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ ، وعليه آله وصحبه وسلم ... أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة والتي بدأت يوم السبت ٢٠ من شعبان ١٤١٥هـ، ٢١/ ١/ ١٩٩٥م قد نظر في هذا الموضوع وهو عملية اليانصيب، وهي المعرَّفة في القانون بأنَّها "لعبة يسهم فيها عدد من الناس بأن يدفع كل منهم مبلغًا صغيرًا ابتغاء كسب النصيب، وهو عبارة عن مبلغ كبير، أو أي شيء آخر، يوضع تحت السحب، ويكون لكل مساهم رقم، ثم توضع أرقام المساهمين في مكان، ويسحب منها عن طريق الحظ رقم، أو أرقام، فمن خرج رقمه كان هو الفائز بالنصيب.
وبناء على هذا التعريف فإن عملية اليانصيب تدخل في القمار؛ لأنَّ كل واحد من المساهمين فيها، إما أن يغنم الينصب كله، أو يغرم ما دفعه، وهذا ضابط القمار المحرَّم.
والتدبير الذي تذكره بعض القوانين لجواز لعبة اليانصيب إذا كان بعض دخلها يذهب للأغراض الخيرية، يرفضه الفقه الإسلامي؛ لأنَّ القِمار حرام أيًّا كان الدافع إليه، فالمَيسر وهو قمار أهل الجاهلية كان الفائز فيه يفرق ما كسبه على الفقراء، وهذا هو نفع الميسر الذي أشار إليه القرآن، ومع ذلك حرمه؛ لأنَّ إثمه أكبر من نفعه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم أنزل سبحانه قوله
стр. 2120
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة] ثم يوصي المجلس بأن تقوم إدارة المجمع بإجراء دراسة ميدانية لأنواع الجوائز والمسابقات والتخفيضات، المنتشرة في وسائل الإعلام، والأسواق التجارية، ثم استكتاب عدد من الفقهاء والباحثين، وعرض الموضوع على المجلس في دورته القادمة إن شاء الله.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 2121
٧٠١ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلاَ يُبَاعُ صُوفٌ عَلى ظَهْرٍ، وَلاَ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ" رَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ فِي الأوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي المَرَاسِيلِ لِعِكْرِمَةَ وهو الرَّاجِحُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ البَيْهَقِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل صحيح، وروي بإسناد صحيح موقوفًا على ابن عبَّاس، لكن له حكم الرفع، إذ هو مما لا مجال للرأي فيه.
قال المؤلف: رواه الطبراني والدارقطني، وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة وهو الراجح، وأخرجه موقوفًا عن ابن عباس بإسنادٍ قوي، ورجَّحه البيهقي، قال في التلخيص: وللبزار بإسناد صحيح عن طاووس عن ابن عباس بلفظ: "نهى عن بيع الثمار حتى تطعم".
قال الهيثمي: رجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- ثمرة: بالمثلثة، وأكثر ما تطلق الثمرة على ثمرة النخل.
- تُطعِم: بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة، يبدو صلاحها، يقال: أطعمت البسرة صار لها طعم، والطعم ما تدركه حاسة الذوق.
- الضَّرع: بفتح الضاد، جمعه ضروع مدر اللبن لذات الظلف، كما يسمى ثديًا للمرأة.
стр. 2122
٧٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن بيعِ المَضَامِينِ وَالمَلاَقِيحِ" رَوَاهُ البَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل صحيح، وروي بإسنادٍ قويٍّ موقوفًا على ابن عمر ﵄ له حكم الرفع، والله أعلم.
قال في التلخيص: رواه إسحاق بن راهويه والبزَّار من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، وهو ضعيف.
وقد رواه مالك عن الزهري، وعن سعيد بن المسيب مرسلاً، قال الدارقطني: وصله عمر بن قيس عن الزهري، والصحيح قول مالك، وفي الباب عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، وإسناده قوي. اهـ.
وهذا الموقوف له حكم الرفع، والله أعلم.
قال ابن القيم في زاد المعاد: الحديث صحيح.
وقال الحافظ عن الشاهد: إسناده قوي.
* مفردات الحديث:
- المضامين: المضامين: هي ما في أصلاب الفحول، وهي جمع مضمون.
- الملاقيح: جمع ملقوح، وهي ما في بطون النوق، ولقحت الناقة، قبلت ماء الفحل، فهي لاقح، وجمعها ملاقيح ولواقح.
стр. 2123
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - النَّهي عن بيع الثمرة من التمر، والعنب، والتين، وغيرها حتى يدخلها الطعم الحلو، ويبتدي فيها النضج، وتخف إصابة العاهات السماوية بها، وسيأتي الكلام عنها بأوسع من هذا.
٢ - النَّهي عن بيع الصوف على ظَهر الدابة، لأنَّه مجهول، فيفضي إلى الغرر والخصومة، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
والرواية الأخرى، جواز بيع الصوف على الظَّهر بشرط القطع في الحال؛ لأنَّ المدار على الجهالة، والصوف يشاهد، ويعرف، فلا جهالة فيه.
وهذا هو مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
٣ - الملاقيح والمضامين: قال أبو عبيد: المضامين ما في أصلاب الفحول، والملاقيح: ما في بطون الأمهات من الأجنة.
قال شيخ الإسلام: ومن أنواع الغرر بيع الملاقيح والمضامين، فكل بيع غرر، فهو من الميسر الذي حرَّمه الله في القرآن.
٤ - بيع اللبن في الضرع تقدم أنَّه من الغرر.
***
стр. 2124
باب الخيار
مقدمة
الخِيَار: بكسر الخاء المعجمة، وهو اسم مصدر اختار يختار، وليس مصدرًا، فاسم المصدر، هو ما ساوى المصدر في الدلالة على الحدث، ولم يساوه في اشتماله على جميع أحرف فعله، بل خلت هيئته من بعض أحرف فعله، لفظًا وتقديرًا.
والخيار شرعًا: في بيع وغيره: طلب خير الأمرين، وهُما هنا فسخ البيع، أو إمضاؤه. وخيار المجلس ثابت بالسنة الصحيحة، ويقتضيه القياس.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في صحة البيع.
فذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة إلى صحته، لأدلته الثابتة.
وذهب المالكية إلى عدم صحته، واعتذورا عن العمل بأحاديثه بأعذار ضعيفة، منها أنَّه خلاف عمل أهل المدينة، فأجاب الجمهور عن أعذارهم.
* حكمته:
قال ابن القيم: أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمةً ومصلحةً للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضا الذي شرطه الله تعالى فيه بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فإنَّ العقد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد أمدًا يتروَّى فيه المتعاقدان، ويعيدان فيه النظر، ويستدرك كل واحد منهما ما فاته.
стр. 2125
٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَه" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
قال القشيري: هو على شرطهما، وصححه ابن حزم، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، وصححه المنذري، وابن دقيق العيد.
* مفردات الحديث:
- أقال مسلمًا بيْعَتَهُ: قال فلانًا البيع يقيله قيلًا: فسخه، كما يقال: أقاله إقالة فسخه، والإقالة في البيع هي فسخٌ للبيع، ورفع وإزالة للعقد، الواقع بين المتعاقدين.
- عَثْرَتَه: بفتح العين وسكون الثاء المثلثة ثم راء ثم تاء، يقال: عثر يعثر عثرًا: زلَّ وسقط، والعثرة المرة، جعهما عثرات، أي غفر الله زلَّته وخطيئته.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في شرح الإقناع: الإقالة: فسخ للعقد، لأنَّها عبارة عن الرفع، والإزالة، فليست بيعًا.
٢ - هي مستحبة للنادم، لما تقدم من حديث الباب "من أقال مسلمًا بيعته، أقال
стр. 2126
الله عثرته يوم القيامة".
٣ - تصح الإقالة بلا شروط بيع، لأنَّها فسخ للعقد وليس بيعًا، فتصح في البيع، ولو قبل قبضه، وتصح في مكيلٍ، وموزونٍ، ومعدودٍ، ومذروعٍ، بغير كيلٍ ووزنٍ وعدٍ، وزرعٍ.
والخلاصة: أنَّها لا تأخذ شروط البيع وأحكامه؛ لأنَّها رفع للعقد، وإزالة له فقط.
٤ - لا تصح الإقالة بزيادة على الثمن المعقود به، أو بأنقص منه، أو بغير جنسه، لأنَّ مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه.
٥ - ما حصل في البيع من كسبٍ، أو نماءٍ منفصلٍ، فهو للمشتري لحديث: "الخراج بالضمان"، فما حصل من المبيع من نماء منفصل إنما مستحق بضمان المبيع مدة بقائه عند المشتري، قبل الإقالة.
***
стр. 2127
٧٠٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلى ذلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
ــ
* مفردات الحديث:
- الخيار: خبر لقوله: "كل واحد" أي محكوم له بالخيار، والخيار اسم مصدر، حيث المصدر: الاختيار، وهو طلب خير الأمرين: إما إمضاء البيع، أو فسخه.
- إذا تبايع: تفاعل، وباب التفاعل بمعنا المفاعلة، فيكون: "وكانا جميعًا" تأكيدًا له.
- ما لم يتَفَرَّقَا: هكذا في أكثر الروايات بتقديم التاء وبتشديد الراء، وعند مسلم ما لم يفترقا بتقديم الفاء والتخفيف، وقد فرَّق بينهما بعض أهل اللغة بأن يفترقا بالكلام، ويتفرَّقا بالأبدان، فالرواية هنا تؤيد أنَّ المراد التفرق بالأبدان.
- أو يخير أحدهما الآخر: في إعرابه وجهان:
أحدهما: جزم، "يخير" عطفًا على "ما لم يتفرَّقا".
الوجه الثاني: نصب "يخير"، بأن مضمرة بعد أو، والمعنى: إلاَّ أن يخير أحدهما الآخر.
قال النووي: معنى أو يخير أحدهما الآخر أن يقول: اختر إمضاء البيع، فإذا اختار وجب البيع.
стр. 2128
٧٠٥ - وَعَنِ عَمْرِو بنِ شُعَيب عَنْ إبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "البَائِعُ وَالمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ أَنْ تَكُون صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابنُ الجَارُودِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: "حَتَّى يَتفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الألباني: أخرجه النسائي، والترمذي، وأبو داود، من طريق عمرو بن شعيب.
قال الترمذي: حديث حسن، وقد استقر رأي جماهير المحدثين على الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بعد خلاف قديم فيه.
قال الدارقطني: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صحَّ سماع عمرو عن أبيه شعيب، وصحَّ سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو.
وعن البخاري، أنَّه سئل: هل سمع شعيب من عبد الله بن عمرو؟ قال: رأيتُ علي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق يحتجون به.
* مفردات الحديث:
- صفقة: يقال: صفق يصفق صفقًا، ضرب البائع يده بيد المشتري عند عقد
стр. 2129
البيع، حتى يسمع لها صوت، وكانت هذه عادة العرب عند إيجاب البيع، ثم سمي عقد البيع صفقة.
- صفقة الخيار: الصفقة هي أن يعطي الرجل الرجل عهده وميثاقه، فيضع يده في يده، والمراد هنا يتبايعان على أنَّ لا خيار مجلس بينهما، ويوجبان البيع.
صفقة خيار: بالرفع على أنَّ "كان" تامة أي: إلاَّ أن توجد صفقة خيار، وبالنصب على أنَّ "كان" ناقصة، واسمها مضمر، والتقدير إلاَّ أن تكون الصفقة صفقة خيار.
- خشْية أن يَسْتَقِيله: خوف أن يرجع في بيعته، ويفسخها معه.
- البائع والمبتاع: هما متبايعان حقيقة، وقد ترتبت أحكام الملك وعهدته على كل واحد منهما؛ من الثمن والمثمن، وأما خيار المجلس فما هو إلاَّ فسحة لكل منهما لاستدراك ما قد غفل عنه، هذا ما لم يسقطا هذا الحق بإمضاء البيع بلا خيار.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - لما كان البيع قد يقع بلا تفكر ولا تروٍّ، فيحصل للبائع أو المشتري ندم على فوات بعض مقاصده، جعلَ له الشارع الحكيم أمدًا يتمكن فيه من فسخ العقد، وهذا الأمد هي مدة مجلس العقد، فما دام العاقدان في مجلس العقد، فلكل منهما الخيار في إمضاء العقد، أو فسخه.
٢ - إذا افترق العاقدان بأبدانهما عن مجلس العقد قبل فسخ العقد لزم البيع.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا وجب البيع، وتفرقا من المجلس من غير خيار، فليس لأحدهما الرد إلاَّ بعيب.
٣ - أنَّ العاقدين لو اتَّفقا على إسقاط الخيار بعد العقد، وقبل التفرق سَقط، أو تبايعا على أن لا خيار بينهما لزم العقد؛ لأنَّ الحق لهما وكيفما اتَّفقا جاز، ولو أسقط أحدهما خياره بقي خيار الآخر.
стр. 2130
٤ - لم يحد الشارع حدًّا للتفرق فمرجعه إلى العرف، فما عده الناس تفرقًا أنيط الحكم به، ولزم البيع، فالتنحي في الصحراء يعد تفرقًا، والخروج من البيت الصغير، أو الصعود إلى أعلاه، يعد تفرقًا ملزمًا للبيع.
٥ - تحريم التفرق خشية فسخ العقد، لقوله: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" ولأنَّه تحيل لإسقاط حق الغير الواجب.
قال الإمام أحمد: يحرم التحيل لإبطال حق مسلم.
قال ابن القيم: اتفق السلف على أنَّ من احتال على تحليل ما حرَّم الله، أو إسقاط ما شرع كان ساعيًا في دين الله بالفساد.
٦ - قوله: "وكانا جميعًا" أي مجتمعين في موضع واحد، مما يؤكد أنَّ المراد بالتفرق هو التفرق بالأبدان لا بالكلام، كما ذهب إليه النَّخعي.
قال الخطابي: وعلى هذا أمر الناس، وعرف أهل اللغة، وظاهر الكلام أنَّه إذا قيل: تفرق الناس كان المفهوم منه التمييز بالأبدان.
قال أبو برزة وابن عمر: التفرق بالأبدان، قال الحافظ: ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال النووي: ومَن قال بعدمه، ترد عليه الأحاديث الصحيحة.
٧ - قال ابن القيم: أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضا الذي شرطه الله تعالى فيه بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فإنَّ العقد قد يقع بغتة من غير تروٍّ، ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد أمدًا يتروَّى فيه المتعاقدان، ويعيدان فيه النظر، وليستدرك كل واحد منهما ما فاته.
٨ - قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ خيار المجلس لا يثبت في العقود التي هي غير
стр. 2131
لازمة، كالشركة والوكالة، كما اتَّفقوا على أنَّه لا يثبت في العقود اللازمة، التي لا يقصد فيها العوض، كالنكاح والخلع.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ثبوت خيار المجلس.
فمن الصحابة علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو برزة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وطاووس، والشعبي، والزهري.
ومن الأئمة: الليث، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والبخاري، وكثير من المحققين.
ودليلهم: ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى عدم ثبوته، واعتذروا عن العمل بالأحاديث بأعذار ضعيفة، أجاب عنها الجمهور بما ردها وأوهاها.
فمن أعذارهم:
أولاً: أنَّ الأحاديث على خلاف عمل أهل المدينة، وعملهم حجة.
وأجيب بأنَّ كثيرًا من أهل المدينة يرون الخيار، ومنهم الصحابة المذكورون، ومن التابعين سعيد بن المسيب.
قال ابن عبد البر: لا تصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسالة؛ لأنَّ سعيد بن المسيب، وابن شهاب وهما من أجل فقهاء المدينة روي عنهما العمل بذلك، فكيف يصح لأحد أن يدَّعي إجماع أهل المدينة في هذه المسألة، هذا لا يصح القول به.
قلتُ: وعلى فرض أنَّهم مجمعون فليس إجماعهم بحجة؛ لأنَ الحجة إجماع الأمة التي ثبتت لها العصمة.
قال ابن دقيق العيد: الحق إجماع أهل المدينة ليس بحجة، وقد أجاد
стр. 2132
العلماء وأفادوا بالرد على شبههم، التي حاولوا بها رد أحاديث صحيحة صريحة واضحة، والله الموفق.
ثانيًا: أوَّدوا التفرق بأنه تفرق بالأقوال، وهو الفراغ من العقد، وحمل المتبايعين على المتساومين. لأنَّهما على صدر البيع، وهذا غير محله، ذلك أنَّ علماء اللغة أطبقوا على أنَّ المفهوم من التفرق هو التفرق بالأبدان، وأيضًا فنص الحديث يأبى هذا التأويل.
ففي بعض الروايات: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلاَّ بيع خيار" فهذا استثناء من مفهوم الغاية، والمعنى: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا سقط الخيار، ولزم البيع إلاَّ بيع خيار، أي: إلاَّ بيعًا شرط فيه الخيار، فإنَّ الخيار بعدُ باقٍ إلي أن يمضي الأجل المضروب للخيار المشروط.
وعلى كل فالخلاف في المسألة قديم، وكتبت في صفحات طويلة ومناقشات، وأدلة لكل من الطرفين، ولكن ما تقدم هو ملخصها مع بيان الراجح منها.
***
стр. 2133
٧٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "ذَكرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَن يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَال: إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رجل: هو حبَّان، بفتح الحاء والباء الموحدة المشددة وآخره نون، هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري الخزرجي المازني، وهو جد محمَّد بن يحيى بن حبَّان شيخ الإمام مالك، وكان في لسانه ثِقل، فقد شجَّ في أحد مغازيه مع النبي ﷺ بحجر، فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله، فإذا اشتركا يقول: لا خِلابة؛ لأنَّه كان يُخْدع في البيع لضعفٍ في عقله، وتوفي في خلافة عثمان.
- لا خِلابة: بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام مفتوحة ثم باء مفتوحة أيضاً وآخره تاء، أي لا خديعة، يقال: خلبه يخلبه خلبًا وخلابة، ورجل خالب وخلاب: أي خداع، فالخلب، الخديعة باللسان.
لا خلابة: "لا" نافية للجنس، وخبرها محذوف، والمعنى أنَّ الدين النصيحة، فلا خديعة في الإسلام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جاء في السنن عن أنس أنَّ رجلاً على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع، وكان في عقله ضعف، فاتى أهله النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! احجر على فلان فإنه يبتاع، فدعاه ونهاه عن البيع، فقال: يا رسول الله! إني لا أصبر عن
стр. 2134
البيع، فقال: "إن كنتَ غير تارك للبيع فقل: ها ها، ولا خِلابة".
٢ - فالحديث فيه إثبات خيار الغبن لمن كان لا يُحسن المماكسة، ولا يعرف القيمة، إذا غبن في البيع أو الشراء، فله حق إرجاع المبيع على صاحبه، والرجوع بثمنه، ومثله إذا باع سلعته، وغبن فيها.
٣ - ثبوت خيار الغبن، والمراد بالغبن الذي يخرج عن العادة، أما الغبن بالشيء اليسير الذي يجري عادة بين المتبايعين، فليس له اعتبار.
٤ - جمهور العلماء -ومنهم الحنفية والشافعية- ذهبوا إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن، لعموم أدلة نفوذ البيع من غير تفرقة بين الغبن وعدمه، وأجابوا عن الحديث بأنَّ الرجل في عقله ضعف، فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له، فهي قصة خاصة، لا عموم لها.
وذهب الإمامان: مالك وأحمد إلى ثبوت الخيار إذا غبن في البيع. أو الشراء، غبنًا يخرج عن العادة.
أما الغبن اليسير الذي جرت العادة بالسماح به بين الناس، وهو يقع بين الناس كثيرًا في بيوعهم: فلا يثبت به خيارة فإنه لا عبرة به.
٥ - الغبن محرَّم لما فيه من التغرير والغش المنهي عنه، ويحرم تعاطي أسبابه.
٦ - عقد الغبن صحيح، فإن أمضى المغبون العقد فليس له أرش مع الإمساك، لأنَّ الشارع لم يجعل له ذلك، ولأنَّه لم يفته من جزء من المبيع.
***
стр. 2135
باب الربا
مقدِّمة
الربا: بكسر الراء مقصور، من ربا يربو، فأصله الواو.
وهو لغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] يعني زادت.
وشرعًا: زيادة في شيء مخصوص.
وهو محرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وفي صحيح مسلم (١٥٩٨) عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وكاتِبَه، وشاهِدَيْهِ، وقال: هم سواء".
وأجمع المسلمون على تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب.
والربا ظلم بيِّن، والقياس في الشريعة العادلة تحريم الظلم.
* أقسام الربا:
أقسام الربا ثلاثة:
ربا الفضل: وذلك بيع مكيل بمكيل من جنسه إذا كانا مطعومين، أو موزون جنسه إذا كانا مطعومين، ولو اختلف النوع إذا بيعا وأحدهما أكثر من الآخر.
стр. 2136
ربا نسيئة: وهو بيع المكيل بالمكيل المطعومَينْ، والموزون بالموزون المطعومَين، ولو لم يكونا من جنسٍ واحد، فيحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة، أو غير مقبوضين بمجلس العقد، فإنَّه يحرم ذلك، ولا يصح العقد بإجماع العلماء المستند إلى النصوص الصحيحة الصريحة.
ربا القرض: وهو أن يقرضه شيئًا مما يصح قرضه، ويشترط عليه منفعةً مقابل القرض، كسكنى داره، أو ركوب دابته، أو يَرُد أجود منه في القرض ونحو ذلك، فهذه أنواع الربا التي حرَّمها الله تعالى ورسوله ﷺ .
وقسَّمه ابن القيم إلى خفي وجلي:
الخفي: حرام؛ لأنَّه وسيلة إلى الجلي، فتحريمه من باب تحريم الوسائل إلى المقاصد، وهذا ربا الفضل، ذلك أنَّه إذا بيع درهم بدرهمين تدرج به إلى الربح المؤجل، وهو علة ربا النسيئة، فمن حكمة الله أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، وهي حكمة معقولة.
الجلي: هو ربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، والغالب أنَّه لا يفعله إلاَّ محتاج، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، حتى ترهقه الديون، فمن رحمة الله بخلقه أنَّه حرمه.
ربا الجاهلية: قال الجصَّاص في تفسيره: الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان إقراض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة عليه مقدار ما استقرضه على ما تراضوا به، هذا المتعارف المشهور عندهم.
قال تعالى مخاطبًا من يفعل هذا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة].
فهذا نصٌّ صريحٌ على أن الذي يستحقه صاحب الدين هو رأس ماله فقط، بدون زيادة، ذلك أنَّهم كانوا إذا حلَّ دين أحدهم على المعسِر، قالوا له:
стр. 2137
إما أن توفي وإما أن تربي، فيزيد الدائن بالأجل، ويزيد المدين بالفائدة، يفعلون لك المرة بعد المرة حتى تتراكم الديون، فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران].
* مضار الربا:
١ - يقتل مشاعر الشفقة في الإنسان، فإنَّ المرابي لا يتردد في تجريد المدين من أمواله، لذا اعتبره الإسلام منكرًا اقتصاديًا غليظ الإثم؛ لأنَّه يتنافى مع تعاليمه التي تحض على التعاون.
٢ - الربا يسبب العداوة والبغضاء بين الأفراد، ويوجِد الشحناء، ويوجب التقاطع والفتنة.
٣ - الإسلام يرمي في تحريمه إلى تحقيق المساواة بين أفراد الأمة، ليكتفي الثري برأس ماله، ويسْلم للفقير جهده، وكدحه، وتعبه، وشقاؤه، فلا يمتص الثري جهد كده، ويضيفه إلى ثرائه، فتتسرَّب الأموال من الأيدي الفقيرة والعاملة إلى صناديق أفراد محدودين، فتتضخم ثرواتهم، وتعظم كنوزهم على حساب هؤلاء الفقراء الكادحين، فهو طريق لكسب مالٍ غير مشروع، فيسبب العداوات، ويثير الخصومات، ويحل بالمجتمع الكوارث والمصائب.
٤ - الربا يجر الناس إلى أن يدخلوا في مغامرات ليس باستطاعتهم تحمل نتائجها، قد تأتي على حياة المرابي.
وأضرار الربا لا تحصى، ويكفي أن نعلم أنَّ الله تعالى لا يحرم، ولا ينهى إلاَّ عن كلِّ ما فيه ضرر ومفسدة خالصة، أو ما ضرره ومفسدته أكثر من نفعه وفائدته، فنسأل الله تعالى العصمة.
стр. 2138
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد: رقم (١٠):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة، من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ، ٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م.
بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر.
وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة، أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث.
وبعد التأمل: فيما جره هذا النظام من خراب، نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله من تحريم الربا جزئيًّا وكليًّا تحريمًا واضحًا، دعا المجمع إلى التوبة منه، وإلى الاقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة، ولا نقصان، قل أو كثر، وبيَّن ما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين.
قرَّر:
أولًا: أنَّ كل زيادة أو فائدة على الدَّين الذي حلَّ أجله، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة "أو الفائدة" على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربًا محرَّم شرعًا.
ثانيًا: أنَّ البديل الذي يضمن السيولة المالية، والمساعدة على النشاط
стр. 2139
الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام، هو التعامل وفقًا للأحكام الشرعية.
ثالثاً: قرَّر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف التي تعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي؛ لتغطي حاجة المسلمين، كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته. والله أعلم.
***
стр. 2140
٧٠٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكلَهُ، وكَاتِبه، وَشَاهِدَيْهِ، وقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ (٢).
٧٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الرِّبَا ثَلاَثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُل المُسْلِم" رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالحَاكِمُ بِتَمَامِهِ، وَصَحَّحَهُ (٣).
ــ
* درجة الحديث (٧٠٨):
الحديث ظاهر إسناده الصحة، ومتنه متكلم فيه.
قال ابن عبد الهادي في المحرر: رواه ابن ماجه، ورجاله رجال الصحيحين.
ورواه الحاكم وقال: على شرطهما، ووافقه الذَّهبي.
قال الصنعاني: وفي معناه أحاديث:
منها حديث عبد الله بن حنظلة قال: قال رَسُول الله ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية" [رواه أحمد (٢٠٩٥١)].