٣ - أنَّ بيع نوعي الجنس أحدهما بالآخر، ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه، وهي ما يسميها الفقهاء "مُدّ عجوة ودرهم" وهو أقسام ثلاثة:
الأول: أن يكون المقصود بيع رِبوي بجنسه متفاضلًا، أو يضم إلى الأقل غير جنسه حيلة، فالصواب الجزم بالتحريم.
الثاني: أن يكون المقصود بيع غير الرِبوي، كبيع شاة ذات لبن بشاة ذات لبن، فالصحيح الجواز، وهو مذهب مالك والشافعي.
الثالث: أن يكون كلاهما مقصودًا مثل مُدّ عجوة ودرهم بمثلها، فهذا فيه نزاع مشهور.
فأبو حنيفة يجوزه، وحرَّمه مالك والشافعي وأحمد.
٤ - عدم جواز بيع الشيء المجهول حتى يميز، ويفصل، ويعرف أفراده.
٥ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: العقد الفاسد لا ينقلب صحيحًا بحال، ومتى أراد تصحيحه فلابد من إعادته بشروطه المعروفة.
وفي هذا الحديث النبي ﷺ لم يعتبر البيع الأول، بل قال "لا تباع حتى تفصل" وبعد التفصيل يجري عقد جديد غير الأول.
***
стр. 2172
٧١٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئةً" رَوَاهُ الخَمْسَةَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الجَارُودِ. (١)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه مالك وعن مالك روى الشافعي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو عند أبي داود في المراسيل، ووصله الدارقطني عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه وصوَّب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبد البر وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع، وأبو أمية ضعيف.
وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح.
وقال ابن حجر في الفتح: رجاله ثقات، إلاَّ أنَّه اختلف في سماع الحسن، ثم ذكر له عدة طرق يقوي بعضها بعضًا.
وجملة القول: أنَّ الحديث بهذه الطرق حسن على أقل الدرجات، لذلك احتجَّ به الإمام أحمد، والله أعلم.
стр. 2173
* مفردات الحديث:
- نسيئة: بإثبات الهمزة بعد الياء على وزن كريمة، أو بالإدغام فهي على وزن عطية، منصوب على الحال.
والنسيئة لغة التأخير، والمراد هنا بيع حيوان بحيوان آخر، مؤخرًا قبضه عن وقت البيع.
***
стр. 2174
٧١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أَن يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلاَئِصِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرينِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةَ" رَوَاهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده قوي، فقد صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، وصححه البيهقي والنووي.
قال الشوكاني: حديث عبد الله بن عمرو في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف، قال الخطابي: في إسناده مقال، ولكن قوَّى الحافظ في الفتح إسناده. اهـ.
قال في التلخيص: لكن أورده البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحَّحه.
* مفردات الحديث:
- أن يجهز: فجهَّز المسافرَ أو الغازيَ هيَّأ له أدواته، جهاز المسافر أو الغازي ما يحتاج إليه.
- جيشًا: الجيش هو الجند، جمعه جيوش، وأقله أربعمائة، وقيل: أربعة آلاف.
- قلائص: على وزن مَفاعل جمع قلوص، وهي الناقة الشابة المجتمعة الخلق.
وذلك السن من حين تُركب حتى السنة التاسعة، ثم تسمى بعد التاسعة ناقة.
стр. 2175
- البعير: من الإبل بمنزلة الإنسان، يقع على الذكر والأنثى.
- الصدقة: المراد بها هنا الزكاة التي من مصارفها الشرعية التجهيز في سبيل الله.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم لنا أنَّ الراجح في ضابط الربا أنَّه يقع بين المكيل والموزون إذا كانا مطعومين، فإذا فُقِد منه الكيل أو الوزن مع الطعم، فليس فيه ربا فضل ولا ربا نسيئة.
٢ - وبناء عليه فلا ربا بين الحيوانات بعضها ببعض، ولا هي مع غيرها لفقد شرط الربا في ذلك.
٣ - أما اللحم ففيه الربا؛ لأنَّه موزون ومطعوم، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا إذا كانا من جنس واحد.
٤ - مشروعية الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وأخذ العُدَّة له.
٥ - صحة التوكيل فيما تدخله النيابة من الأعمال.
٦ - الصدقة هنا الزكاة المفروضة، والجهاد في سبيل الله أحد مصارفها، فهو ﷺ ينفق عليه منها.
٧ - جواز ادخار الزكاة لوقت الحاجة إليها، وهي مسألة خلافية، أجاز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الأئمة الثلاثة.
٨ - إباحة الاقتراض للحاجة، وأنَّه ليس من سؤال الناس أموالهم المذموم.
٩ - جواز التأجيل في أدائه، ولو لم يكن الأجل محددًا بيوم معلوم.
١٠ - أنَّ بيع الحيوان الحي بالحيوان الحي الآخر -نسيئةً- لا يعد من باب الربا، ذلك أنَّ الربا في المكيلات والموزونات المطعومة، وهذا هو الشاهد من الحديث.
١١ - أن الشراء بالثمن المؤجل له وقع في زيادة الثمن على المثمن.
стр. 2176
١٢ - أنَّ الربح في التجارة ليس له حد يُحد به، وإنما هو أمر خاضع لباب العَرْض والطلب.
١٣ - يعارض هذا الحديث ما تقدم من حديث سمرة من أنَّ النبيَّ ﷺ : "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" [رواه أحمد (٥/ ١٢)].
فأجاب العلماء عن هذا التعارض بترجيح أحدهما على الآخر فإن هذا الحديث أرجح من حديث سمرة، فقد قال الإمام الشافعي: إنَّ حديث سمرة غير ثابت عن رسول الله ﷺ .
فراوي حديث سمُرة هو الحسن، وهو لم يسمع منه إلاَّ حديث العقيقة، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رجاله ثقات، كما أنَّ معه الأصل وهو صحة المعاملات وجوازها.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز قرض الحيوان على قولين:
الأول: أنَّه جائز، وهذا هو مذهب الأئمة، مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف؛ عملًا بهذا الحديث، وبأنَّ الأصل جواز ذلك، فلا يعدل عن هذا الأصل إلاَّ بدليل صريح صحيح، ولم يوجد ذلك.
الثاني: أنه لا يجوز، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وهو قول يعارِض هذا الحديث، ويعارض أصل الإباحة، ولذا فإنَّ الراجح هو القول الأول، والله أعلم.
***
стр. 2177
٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرْكْتُمْ الجِهَادَ، سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاًّ، لاَ يَنْزَعُهُ، حَتَّى تَرْجِعُوا إِلى دِينِكُمْ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنهُ، وَفِي إِسْنَادهِ مقَالٌ، وَلأحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ ابنُ القَطَّانِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المؤلف: الحديث في إسناده مقال؛ لأنَّ في إسناده عطاء الخراساني.
قال الذَّهبي: هذا من مناكيره.
وأما الذي صححه ابن القطان فمعلول، لأنَّه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا، والحديث له طرق عديدة، بيَّن عللها البيهقي.
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: أصح ما ورد في ذم بيع العينة ما رواه أحمد والطبراني، وله طرق، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: رجال إسناده رجال الصحيح.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: له طرق يشد بعضها بعضًا.
* مفردات الحديث:
- العينة: بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعضهم ضبطها بفتح
стр. 2178
العين وسكون الياء، وفتح النون، وهي على الضبطين مأخوذة من العين، وهو النقد الحاضر؛ لأنَّ المشتري إلى أجل يأخذ بدلها نقذا حاضرًا، وصورتها:
أن يبيع سلعة بنسيئة أو بثمن حال لم يقبضه، ثم إنَّ البائع يشتريها ممن اشتراها منه بنقد حال أقل مما باعها به، ويبقى الكثير في ذمة المشتري الأول.
- أذناب البقر: مفرده ذنب بفتحتين، عضو من الحيوان في مؤخره يقابل رأسه، والمراد الكناية عن الانشغال -بالحرث والزرع- عن أمور الدين، والجهاد في سبيل الله تعالى.
قلتُ: ومناسبة ذكر أذناب البقر مع ذكر الزرع، أنَّ الحارث يكون خلف البقر حال السواني، وساعة حرث الأرض بها.
- ذُلاًّ: ذل الرَّجل يَذل ذُلاًّ بضم الذال المعجمة، هو الضعف والمهانة، فالذليل هو الضعيف المهين.
- لا ينزعه: بكسر الزاي من باب ضرب، أي لا يرفعه ولا يزيله عنكم، حتى ترجعوا إلى دينكم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه تحريم الركون إلى الدنيا، والاشتغال بها عن أمور الدين، التي من أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى، الذي هو ذروة سنام الإسلام.
٢ - فيه أنَّ المسلمين إذا اشتغلوا بالحراثة ورضوا بها، وبجمع الأموال عن الجهاد في سبيل الله، فإنَّ الله يجازيهم بالذل والهوان من أعدائهم، فيكونون مستعَمرين مهانين أذلاء، جزاءً لهم على إعراضهم عن دينهم، الذي فيه عِزُّهم، وفيه مَنَعَتُهم، وفيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
٣ - أنَّ هذا الوعيد تحقق، فالمسلمون الآن يمثلون ثلث المعمورة كثرةً، فعندهم الثروة البشرية، والثروة الاقتصادية، والمساحات الزراعية، والعمرانية، والمواقع المسيطرة، وبلادهم وثروتهم أفضل وأحسن بلاد
стр. 2179
العالم، ومع هذا لما أعرضوا عن دينهم سلَّط الله عليهم أعداءهم، فأهانوهم، وأذلوهم، وصاروا لعبة في أيديهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فمن ترك هذا الدين تجبرًا قَصَمَهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غير كتابه أضلَّه الله، وقد تحقق وعيد الله تعالى في هذه الأمم التائهة ممن يدعون الإسلام، فهم في متاهات عما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم.
٤ - أنَّه ليس للمسلمين طريق إلى عزهم، ولا إلى سيادتهم، ولا إلى سعادتهم في دنياهم وأخراهم، إلاَّ بهذا الدين المتين، وإنَّه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلاَّ ما صلح به أولها، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤)﴾ [الحج].
* نصيحة للشاب:
إن كان شباب المسلمين جادين في التوجه إلى الله تعالى والإقبال عليه، ويريدون السعادة في الدنيا والرفعة فيها، كما يريدون في الآخرة جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتَّقين، فعليهم اتباع هذه النصيحة التي أوجزها بهذه الفقرات:
أولًا: عليهم بالصدق والإخلاص لله تعالى في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكون الله تعالى في عونهم، فيسدد خُطاهم، ويهديهم سبل الخير والنجاح.
ثانيًا: عليهم باتباع كتاب الله تعالى، وما صحَّ من سنة محمَّد ﷺ ، فهذا هو الصراط المستقيم، الذي سلكه عباد الله الصالحون، وهذا هو النَّهج الصحيح، الذي يقلل الخلاف فيهم، ويقرب وجهة النظر بينهم، ويوحد كلمتهم واتجاههم.
ثالثًا: أن ينبذوا الخلافات بينهم، فلا تكون المسائل العلمية الفرعية مثار جدل بينهم، يترتب عليها عداوة وبغضاء، وتخاصم وتهاجر، فالخلاف في
стр. 2180
هذه المسائل الفرعية موجود زمن الصحابة، وزمن التابعين والأئمة المهديين، ولم يحدث بينهم عداوةٌ وبغضاءٌ.
رابعًا: أن يدعوا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريقة التي هي أحسن وأفضل، وأن لا يبتعدوا عن الجماعة، أو عن الأشخاص الذين يخالفونهم في بعض المسائل، وإنما يوالونهم، ويحاولون تقريب شقة الخلاف بينهم.
خامسًا: أن يُحِذِّرُوا أصحابَ المباديء والأفكار المعادية للإسلام من يومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار، ويُذكِّروهم بهذه الآية الكريمة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل].
وليحذر هؤلاء من عاقبة دعواتهم المضللة، وافتراءاتهم المزوَّرة، فالوعيد صادق، والأمد قريب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت].
* العينة:
صورتها: هي أن يبيع الرجل بألف ريال -مثلًا- مؤجِلًا الثمن، ثم إنَّ البائع يشتري المبيع نفسه ممن باعها عليه بأقل من ثمنها اشتراها به نقدًا؛ ليبقى الثمن الكثير في ذمة المشتري، فهذا ليس بيعًا ولا شراء حقيقةً، وإنما هو قرض ربوي، جاء بصورة البيع والشراء، فهو من الحِيل الظاهرة التي يلجأ إليها المرابون.
قال ابن القيم: ان هذا ينطبق عليه ما روي عن النبي ﷺ : "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع".
وقال أيضًا: إنَّ نهي النبي ﷺ : "عن بيعتين في بيعة" هو الشرطان في البيعة، فإذا باعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم اشتراها منه بثمانين حالَّة، فقد باع
стр. 2181
بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ ربا، وإن أخذ بالناقص أخَذ بأوكسهما، وهذان أعظم الذرائع.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الذي يدخل في النَّهي عن بيعتين في بيعة هي مسالة العينة.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى تحريم العينة لحديث: "إذا تبايعتم بالعينة" ولأنَّها صريح الربا.
وأجازها الشافعي لعموم حديث خيبر المتقدم، "بع الجَمع بالدراهم ثم اشتر بالدارهم جنيبًا".
فعمومه يدل على أنَّه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه التي باع عليه بها التمر الطيب، فعادت دراهمه إليه.
والجواب: أنَّ أحاديث النَّهي عن بيع العينة مخصِّصة لهذا العموم، وهذا هو الطريق بين العام والخاص، ولأنَّ حيلة الربا فيها واضحة مكشوفة والحيل إلى المحرمات محرَّمةٌ ممنوعةٌ باطلةٌ، والله أعلم.
***
стр. 2182
٧١٩ - وَعنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قالَ: "مَن شَفَعَ لأَخِيه شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَاباً عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
في إسناده مقال؛ لكنه محتج به، فقد رواه القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى بني أمية عن أبي أمامة، وفيه مقال.
قال المنذري: قال الإمام أحمد: روى عنه علي بن زيد أعاجيب، وما أراها إلاَّ من قِبل القاسم، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب النبي ﷺ المُعضلات، ووثقه ابن معين، وصحح الترمذي حديثه، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: صدوق يغرب كثيرًا، وسكت عن الحديث أبو داود.
* مفردات الحديث:
- شفع له: يشفع شفاعة: سعى له وأعانه.
- بابًا: أصله بوب، فالألف منقلبة عن واو، ويجمع على أبواب وبيبان، والأصل في الباب المدخل، ثم سمى به ما يتوصل به إلى شيء، والمراد هنا ما يتوصل به إلى أكل مالٍ بالباطل.
- الربا: مقصور، وأصل ألفه واو، وهو لغة الزيادة، فيقال ربا يربو أي: زاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
وشرعًا: زيادة محرَّمة في مال مخصوص.
стр. 2183
٧٢٠ - وَعَنْ عبد الله بنِ عَمْرِو بن العَاصِ ﵄ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي والمُرْتَشِي" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ، وَصَحَّحَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه الطبراني، وقد قوَّاه النسائي، ورواه الحاكم مرفوعًا من طريق عطاء عن ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذَّهبي، كما حسَّنه الترمذي، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
زاد الإمام أحمد في مسنده: "والرائش".
قال الحافظ: وله شواهد عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وثوبان، وعائشة، وأم سلمة.
* مفردات الحديث:
- الراشي: هو الذي يبذل المال؛ ليتوصل به إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل، وهو مأخوذٌ من الرشا، وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر.
- الرشوة: بكسر الراء وضمها، يقال: رشا يرشوا رشوًا: أعطاه الرشوة، هي بذل المال ليتوصل به إلى باطل.
- المرتشي: آخذ الرشوة، وهو الحاكم.
- الرائش: هو الذي يتوسط بإيصال الرشوة من معطيها إلى آخذها.
стр. 2184
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - إذا شفع الإنسان لغيره في أمر من الأمور فلا يخلو من حالات:
الأولى: أن يشفع لغيره في إنقاذه وتخليصه من مظلمة وقعت عليه، فهذه شفاعة واجبة من القادر عليها، فيحرم أخذ شيء عليها.
الثانية: أن يشفع لغيره في الحصول على أمر لا يستحقه، من وظيفة أو عمل، بل حصوله عليها وتوليه عليها ظلم له، وظلم لمن شفع عنده، وظلم للعمل، والمنتفعين به، فهذه شفاعة محرَّمة، وما أخذ عليها فهو حرام.
الثالثة: أن تكون لحصول أمر مباح، ويحصل للمشفوع له فائدة منه، فالأولى أن يبذل الشافع ذلك بلا مقابل ولا عوض، إنما يجعله إحسانًا فإن أخذ فلا يظهر أنَّه حرام عليه، ويكون من باب قوله ﷺ : "مَن صَنعَ إليكم معروفًا فكافئوه".
الرابعة: الشفاعة في حدود الله فهي محرَّمة، وذلك بعد أن تبلغ ولاة الأمور أو نوابهم.
قال شيخ الإسلام: وتحرم الشفاعة في حد من حدود الله لقوله ﷺ : "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" وكذا يحرم قبولها في حد من حدود الله؛ لقوله ﷺ : "فهلاَّ قَبْل أن تأتيني به".
الخامسة: قال الشيخ عبد الرحمن سعدي: من أُهدي إليه ليكف شره فقبول الهدية حرام عليه؛ لأنَّه يجب عليه كف شره، أُهدي له أو لا.
السادسة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ويوجد مسائل أخر لا يحرم قبول الهدية فيها، كمن أحسن إلى آخر فكافأه المحسَن إليه على ذلك، فإنَّه لا بأس بالمكافأة ولا بأس بقبولها.
٢ - أما الرشوة فهي بذل المال؛ ليتوصل بذلك إلى إبطال حق، أو الوصول إلى باطل.
стр. 2185
٣ - آخذ الرشوة، ومعطيها، والوسيط بينهما، كلهم ملعونون؛ لما روى الترمذي (١٣٣٧) بسند صحيح عن ابن عمرو: "أنَّ النبيَّ ﷺ لعن الراشي والمرتشي -زاد أبو بكر-: والرائش وهو السفير بينهما".
٤ - يدل الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب؛ لأنَّ اللعن لا يكون إلاَّ على كبيرة.
٥ - قال في شرح الإقناع: ويحرم بذلها من الراشي ليحكم بباطل، أو يدفع عنه حقًّا، كما يحرم قبول القاضي هدية إلاَّ ممن كان يهدي إليه قبل ولايته إن لم يكن له حكومة.
قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على أنَّ الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حَكم بحق أو بباطل، فإن قبل الرشوة أو الهدية حيث حرم القبول، وجب ردها إلى صاحبها، قال الشيخ تقي الدين: فإن لم يعلم صاحبها، دفعها في مصالح المسلمين.
٦ - في الحديث دليل على جواز لعن العصاة من أهل القبلة، وأما حديث: "المؤمن ليس باللعان" فالمراد: من لا يستحق اللعن.
***
стр. 2186
٧٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عنْ المُزَابَنَةِ: أن يَبِيْعَ ثَمَرَ حَائِطهِ، إِنْ كَانَ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا، أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا، أنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلِّهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- المزابنة: يُقال: زبنه بزبنة زبنًا: دفعه، فالزبن هو الدفع، فتزابن المتبايعان تدافعا، كأنَّ كل واحد منهما يزبن صاحبه عن حقه.
وشرعًا: بيعُ ربويٍّ معلوم بمجهولٍ من جنسه، ومثالها بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر مكيلًا.
- حائطه: قال في النهاية: الحائط هاهنا البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط: وهو الجدار، وجمعه حوائط.
- كَرْمًا: بفتح الكاف وسكون الراء آخره ميم، شجر العنب، وأريد به هنا العنب نفسه.
- زبيب: ما جفف من العنب.
...
стр. 2187
٧٢٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ: قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابنُ المَدِيِنيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من حديث زيد بن عياش، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص، وذكر الحديث.
وقد أعلَّه جماعة، منهم الطحاوي، والطبري، وابن حزم، وعبد الحق، بجهالة حال زيد بن عياش، ولكن الإمام مالكًا اعتمده، وقال الدارقطني: إنَّه ثقة ثبت، كما صححه ابن المديني، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، والمنذري، وابن الجوزي، وقال الحافظ: إنَّ المنذري قال: رواه عن زيد ثقتان. قد اعتمده مالك مع شدة نقده، وصححه الترمذي والحاكم وقال: لا أعلم أحدًا طعن فيه، فهو حديث صحيح، بإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنَّه محكم في كل ما يرويه، إذ لم يوجد في رواياته إلاَّ الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة، وله شاهد رواه البيهقي من حديث عبد الله بن أبي سلمة مرسلًا، وهو مرسل قوي، يعضد هذا الحديث المسند.
стр. 2188
* مفردات الحديث:
- الرُّطب: بالضم ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمر، واحده رُطبة، والجمع أرطاب.
- التمر: ثمر النخل إذا جفَّ، كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة، لأنَّه يُترك على النَّخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب، ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس، الواحدة تمرة، والجمع تمور.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - المزابنة: أن يبيع تمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا.
وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا.
وإن كان زرعًا أن يبيعه بطعامٍ كيلًا.
فهذا كله المزابنة المنهي عنها.
قال ابن عبد البر: لا مخالف أنَّ هذا كله مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك كل ما لا يجوز بيعه إلاَّ مثلًا بمثل؟، فالجمهور على الإلحاق في الحكم؛ للمشاركة في العلة، وهو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس والتقدير.
٢ - علة النَّهي ربا الفضل، فإنَّه إذا بيع أحد نوعي جنس بالآخر، فلابد من التماثل كما جاء في الحديث: "مثلًا بمثل".
وهنا لم يتحقق التماثل، فإننا إذا بعنا التمر على رؤوس النخل بتمر كيلًا، أو بعنا العنب بشجره بزبيب كيلًا، أو بعنا الحب في سنبله بحبٍّ كيلًا، فإنَّها لم تتحقق المماثلة بينهما، وبقي الأمر مجهولًا، فلا يصح البيع، وقد قال الفقهاء: "الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم".
٣ - هذا الحديث مما يؤيد القول من أنَّ الربوي هو ما جمع الكيل أو الوزن مع الطعم، فإن لم يوجد هذان الشرطان فلا ربا.
стр. 2189
٤ - أما الحديث رقم (٧٢٢) فيدل على أنَّه لا يجوز بيع أحد نوعي جنس بالآخر، إلاَّ أن يكونا في مستوًى واحدٍ، من حيث اليبس، أو الرطوبة، أو النعومة، أو الخشونة، أو الطبخ، والنيء، ذلك أنَّ النوعين إن لم يكونا في مستوًى واحدٍ من الصفة لم يحصل التساوي بينهما في القدر، فالرطب ينقص إذا جفَّ، والحب يربو إذا أنعم بالطحن، والمطبوخ تعقِد النارُ أجزاءَه فينقص، فلا يحصل التساوي بين النوعين فيحصل التفاضل المحرَّم.
٥ - قوله ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس؟ " ليس سؤالًا يقصد منه المعرفة، فإنَّه ﷺ يعرف أنَّ الرطب ينقص إذا يبس، وإنما يقصد ﷺ بيان مناط الحكم ووجه العلة بتحريم البيع.
***
стр. 2190
٧٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عنْ بَيْعِ الكَالِىءِ بالكَالِىءِ، يَعْنِي الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ" رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
لكنه داخل في الحديث الثابت في النَّهي عن بيع الغرر، وضعفه؛ لأنَّ موسى بن عبيدة تفرد به عن نافع، وهو ضعيف، قال أحمد: لا تحل الرواية عن موسى بن عبيدة، ولا أعلم هذا الحديث لغيره، وقد ضعفه الإمام الشافعي، والبيهقي.
قال الذَّهبي: ضعفوه، وقال الحافظ: ضعيف.
وهذا الحديث وإن كان في سنده ضعف، فقد تلقته الأمة بالقبول، كما قال ابن عرفة، وتلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، وأيضًا قد أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز بيع الدين بالدين.
كما قال الإمام أحمد: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع الدَّين بالدَّين.
* مفردات الحديث:
- الكالىء بالكَالىء: بفتح الكاف ثم لام مكسورة ثم همزة على ياء، من كلأ الدَّينُ كَلؤ فهو كالىء، إذ تأخَّر، وكلأه: إذا أنساه.
وقال في النهاية: النسيئة بالنسيئة، والنسيئة هو التأخير.
стр. 2191
قال في شرح الإقناع: هو بيع دينٍ بدينٍ مطلقًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيع الكالىء هو بيع الدين بالدين.
قال ابن المنذر: ولا يجوز بيع الدين بالدين إجماعًا.
وقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ بيع الدين بالدين باطل.
٢ - بيع الدين له صور:
- منها: بيع ما في الذمة لمن هو عليه بثمن مؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض.
- ومنها: بيع ما في الذمة لغير مَن هو عليه بمؤجل، أو بحالٍّ لم يُقبض.
- ومنها: جعل ما في الذمة رأس مال سَلمِ.
- ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على الآخر من غير جنس دينه، كالذَّهب والفضة، فتصارفا، ولم يُحضرَا أحد العوضين.
- ومنها: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد وفاءه، فيقول: بِعْنيه إلى أجل آخر بزيادة، فيبيعه، ولا يجري بينهما تقابض.
* خلاف العلماء:
قال شيخ الإسلام: الاعتياض عن الدين بغيره -ولو كان دين سَلَمِ- جائز عند مالك، ورواية عن أحمد، وهي أشبه بأصوله، وهو الصحيح.
فالصواب الذي عليه جمهور العلماء أنَّه يجوز بيع الدين ممن هو عليه، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط الحلول والقبض.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الصحيح أنَّ جميع الديون التي في الذمم يجوز التعويض عنها، سواء كانت دين سَلم أو غيره، ولكن بشرط قبض العوض قبل مفارقة المجلس، لعموم حديث ابن عمر: "كنَّا نبيع الإبل بالدنانير، ونأخذ عنها الدارهم، وبالدارهم نأخذ عنها الدنانير، فسألنا رسول الله
стр. 2192
- ﷺ فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء" [رواه أحمد (٥٩٥٩)]. خلافًا لما منعه الأصحاب في دين السَّلم.
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن صور القبض:
إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ، قد نظر فيما يلي:
١ - صرف النقود في المصارف، هل يستغنى فيه عن القبض بالشيك، الذي يتسلمه مريد التحويل؟
٢ - هل يُكتفى بالقيد في دفاتر المصرف عن القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى مودعة في المصرف؟
وبعد البحث والدراسة قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:
أولًا: يقوم تسلم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.
ثانيًا: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودَعة فيه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمَّد.
أعضاء المجلس
* قرار المجمع الفقهي بشأن قضايا العملة: قرار رقم (٧٥):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر
стр. 2193
سيري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ، الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "قضايا العملة" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرَّر ما يلي:
١ - يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدَّد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور، على ألا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.
والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية، تبعًا للتغير في مستوى الأسعار، وفقًا لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص، والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي، وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وذلك لأنَّ الأصل في الشروط الجواز، إلاَّ الشرط الذي يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا.
على أنَّه إذا تراكمت الأجرة، وصارت دينًا تطبَّق عليها أحكام الديون المبينة في قرار المجمع رقم (٤/ د٥).
٢ - يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد لا قبله على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز في الدين على أقساط بعملة معيَّنة الاتفاق يوم سداد أي قسط أيضًا على أدائه كاملًا بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم.
ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة، مع مراعاة القرار الصادر عن المجمع برقم (٥٥/ ١/ د ٦) بشأن القبض.
стр. 2194
٣ - يجوز أن يتَّفق المتعاقدان عند العقد على تعيين الثمن الآجل، أو الأجرة المؤجلة بعملة تدفع مرة واحدة، أو على أقساط محددة من عملات متعددة، أو بكمية من الذَّهب، وأن يتم السداد حسب الاتفاق، كما يجوز أن يتم حسب ما جاء في البند السابق.
٤ - الدين الحاصل بعملة معيَّنة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذَّهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين باداء الدين بالذَّهب، أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها.
٥ - تأكيد القرار رقم (٤/ د ٥) الصادر عن المجمع بشأن تغير قيمة العملة.
٦ - يدعو مجلس المجمع الأمانة العامة لتكليف ذوي الكفاءة من الباحثين الشرعيين، والاقتصاديين من الملتزمين بالفكر الإسلامي بإعداد الدراسات المعمقة للموضوعات الأخرط المتعلقة بقضايا العملة، لتناقش في دورات المجمع القادمة إن شاء الله، ومن هذه الموضوعات ما يلي:
(أ) إمكان استعمال عملة اعتبارية مثل الدينار الإسلامي، وبخاصة في معاملات البنك الإسلامي للتنمية، ليتم على أساسها تقديم القروض واستيفاؤها، وكذلك تثبيت الديون الآجلة ليتم سدادها بحسب سعر التعادل القائم بين تلك العملة الاعتبارية بحسب قيمتها، وبين العملة الأجنبية المختارة للوفاء كالدولار الأمريكي.
(ب) السبل الشرعية البديلة عن الربط للديون الآجلة بمستوى المتوسط القياسي للأسعار.
(ج) مفهوم كساد النقود الورقية، وأثره في تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة.
(د) حدود التضخم التي يمكن أن تعتبر معه النقود الورقية نقودًا كاسدة. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه.
стр. 2195
باب الرخصة في العرايا
مقدمة
الرخصة لغة: السهولة والتيسير.
وشرعًا: ما يثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ.
والعرايا: بفتح العين والراء، بعدها ألف، ثم ياء، ثم ألف، والكلمة إذا زادت عن ثلاثة أحرف تكتب بالياء، إلاَّ إذا لزم في كتابتها اجتماع ياءين فتكتب بالألف، مثل استحيا وزوايا وعرايا، ومفردها عرية، سميت بذلك؛ لأنَّها عريت من البيع المحرَّم، أي خرجت منه.
وصورتها: أن يباع الرُّطب في رؤوس النخل بقدر ما يؤول إليه تمرًا يابسًا، فيباع بمثله من التمر فيما دون خمسة أوسق، بشرط التقابض في مجلس العقد، فالتمر على رأس النخلة بتخليته، وعوضه من التمر بكيله، وسيأتي بيانه بأوضح من هذا إن شاء الله تعالى.
***
стр. 2196
٧٢٤ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: "رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكللُونَهَا رُطَبًا" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رخَّص: الرخصة لغة: اليسر والسهولة.
واصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ، والترخيص بعد المنع من بيع التمر بالتمر إلاَّ مثلًا بمثل.
- بِخَرْصِهَا: بفتح الخاء مصدر، وبكسرها اسم للشيء المخروص.
خرص الشيء يخرصه خرصًا فهو خارص، حزره وقدَّره بالظن.
يقال: خرص النخل والكرم: قدَّر ما عليه من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا.
- العرية: فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية، فنقل منها العقد الوارد عليها المتضمن لإعرائها، وسميت عرية؛ لأنَّها عريت من جملة التحريم، وجمعها عرايا.
- تمرًا: يحتمل أن يكون تمييزًا، ويجوز أن يكون حالًا مقدرة.
- رطبًا: منصوب على الحال، فالحال مشتقة، أو مؤولة بمشتق.
...
стр. 2197
٧٢٥ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، أوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أو فيما دون خمسة أوسق: فيه شك، والشك وقع من أحد رواة الحديث، وهو داود بن الحصين، فاحتاط الإمام الشافعي وأحمد وجعلا الحد الأعلى لجواز بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق.
- أوسق: جمع وَسْق، والوَسق بفتح الواو وسكون السين المهملة: هو مكيال قدْره ستون صاعًا نبويًّا وخمسة أوسق تكون ثلاثمائة صاع، وهو تسعمائة كيلو، وحكى بعضهم كسر الواو، وجمعه أوساق مثل حمل وأحمال، ولكن الفتح أفصح.
- بخرصها: الباء للمعاوضة، فالشجر الجاف ثمن، والرطب على رؤوس النخل ثمن.
- من التمر: متعلق بخرصها، و"من" بيان الجنس.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - سبب العرية أنَّ رجالًا احتاجوا إلى الرطب، وليس بأيديهم نقود يشترون بها الرطب، وعندهم تمر جاف، فشكوا إلى رسول الله ﷺ أمرهم، فرخَّص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم؛ ليأكلوا رطبًا، وستاتي شروط صحة هذه المعاملة حسبما فهمه العلماء من أحاديثها.
стр. 2198
٢ - الأصل تحريم شراء ما على رؤوس النخل بتمر، سواء كان كيلًا أو جزافًا؛ لأنَّهما نوعا جنس واحد، يحرم بينهما التفاضل، وإذا جهلنا ما على رؤوس النخل لم نتمكن من معرفة التساوي بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم بالتحريم، وهذا من بيع المزابنة الذي مرَّ النَّهي عنه.
٣ - رخَّص بيع المزابنة بيع العرية، فأجازها الشرع للحاجة إليها بشروط خمسة، استنبطها العلماء من النصوص الشرعية، وهي:
- حاجة المشتري إلى أكل الرطب.
- أن لا يكون عنده نقد يشتري به نخلة أو رطبًا، ولو كان غنيًّا، فلا يشترط الفقر في أصح قولي العلماء.
- أن يكون المبيع من العرية فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا نبويًّا.
- يخرص الرطب بقدر ما يؤول إليه جافًا تمرًا، فالخرص قائم هنا مقام الكيل.
- أن يحصل التقابض بمجلس العقد، فالنخلة بالتخلية، والتمر بالكيل، فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها لم يصح، لأنَّه يفضي إلى الربا، وإنما رخَّص في هذه الصورة لأجل الحاجة.
٤ - الضرورة والحاجة تقدران بقدرهما، فلا تجوز الزيادة عما تندفع به الحاجة أو الضرورة؛ لأنَّ هذا جاء على خلاف الأصل وهو الحظر والمنع.
٥ - سماح الشريعة ويسرها، وتلبيتها الرغبات والشهوات المباحة، وأنه لا عَنَت فيها، ولا مشقة.
٦ - أنَّ المحرَّمات ليست على درجة واحدة في التحريم، فبعضها أشد من بعض، فلما كان ربا الفضل حُرِّم تحريم الوسائل، سومح في بعض صوره للحاجة.
стр. 2199
٧ - أنَّ غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذر اليقين أو تعسر، فإنه لما تعذر علينا معرفة قدر ما على رأس النخلة بمعياره الشرعي وهو الكيل، اكتفينا بعلة الظن بتقديره خرصًا.
٨ - إباحة الترفه والتنعم في المأكل والمشرب والملبس، ما دام أنَّ ذلك لم يصل إلى درجة السرف والتبذير.
***
стр. 2200
باب بيع الأصول والثمار
مقدمة
الأصول: جمع أصل، وهو ما يتفرع عنه غيره.
والمراد هنا: الدُّور، والأرض، والدكاكين، والطواحين، والمعاصر، ونحوها، وكذلك الشجر.
والثمار: جمع ثمرة، ويجمع على أثمار، وهو حمل الشجر، وهو أعم مما يؤكل.
***
стр. 2201
٧٢٦ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحهَا، نَهَى البَائعَ وَالمُبْتَاع" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: "كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَحِهَا، قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الثمار: بكسر الثاء المثلثة، جمع ثمرة بفتح الميم، وهو يتناول ثمار النخيل وغيره.
- حتى يبدو: بدا بدون همزة يبدو بُدُوًّا: ظهر بعد أن لم يكن، وأما بدأت الشيء أو بالشيء بالهمزة فيهما، فمعناه ابتدأت به وقدمته.
قال العيني: ومما ينبغي أن ينبه عليه أن يقع في كثير من كتب المحدِّثين وغيرهم: "حتى يبدوا" هكذا بالألف بعد الواو، وهو خطأ، والصواب حذفها.
- عاهتها: يُقال: عاه المال يعوه عُووُهًا: أصابته العاهة، وأصل العاهة عوهة جمعها عاهات.
والعاهة: هي آفة التي تصيب الزرع أو الثمرة فتتلفها، أو تعيبها.
...
стр. 2202
٧٢٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بيعٍ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِي، قِيلَ: وما زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تُزهِيَ: من الرباعي، يقال: أزهى، ومعناه: بدأ نضجه بالاحمرار أو الاصفرار، ويقال: زهي النخل يزهو: إذا طال واكتمل، وأزها من يزهي: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، وذلك علامة الصلاح منها، ودليل خلاصها من الآفة.
والزهو: البسر إذا ظهرت فيه الحمرة أو الصفرة.
- تحمارّ وتصفارّ: بفتح التاء فيهما وسكون ثانيهما، آخرهما راء مشددة.
قال الخطابي: قوله "تحمار وتصفار" لم يرد بذلك اللون الخالص من الحمرة والصفرة، وإنما أراد بنالك حمرةً أو صفرةً بكمودة، والكمودة تغيَّر اللون وذهاب صفاته.
وقال ابن التين: أراد ظهور أول الحمرة أو الصفرة عليها قبل أن تنضج.
قال في الوسيط: الكُمْدة، بضم فسكون: تغير اللون وذهاب صفائه.
...
стр. 2203
٧٢٨ - وَعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بيعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" رَوَاهُ الخَمْسةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
صححه ابن حبان، وقال في التلخيص: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وصححه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، وقال الترمذي والبيهقي: تفرد به حماد بن سلمة عن حميد. اهـ.
ولكن حمادًا ثقة، ولذا حسَّن الحديث الترمذي، وقال الحاكم والذَّهبي: إنَّه على شرط مسلم.
...
стр. 2204
٧٢٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمرًا، فَأَصَابتهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمرَ بوَضْعِ الجَوَائِح" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- جائحة: يقال: جاحتهم السنة، تجوحهم جوحًا وإجاحة.
فالجائحة لغة: هي الآفة التي تسبب المصيبة العظيمة في مال الرجل، فتجتاحه كله، كالمطر الشديد، والبرد، والريح والحريق، والجراد.
وشرعًا: ما أذهب الثمر أو بعضه، من آفة سماوية أو أرضية، لا صنع لآدمي فيها.
- بم يأخذ: حذف الألف عند دخول حرف الجر على "ما" الاستفهامية، ولما كانت "ما" الاستفهامية متضمنة معنى الهمزة، وللهمزة صدر الكلام، فينبغي أن يقدر: أبم يأخذ، والهمزة للإنكار، ومثل "بم يأخذ"، "فبمَ، وعلامَ، وحتامَ" في حذف الألف عند دخول حرف الجر على "ما" الاستفهامية.
- لو بعت .. فلا يحل لك: يجوز في ذلك إعرابان: أحدهما أنَّ "لو" شرطية، و"فلا يحل" هو جواب الشرط.
الثاني: أنَّ "لو" بمعنى إِنْ.
* ما يؤخذ من هذه الأحاديث:
١ - الأحاديث تدل على النَّهي عن بيع الثمار حتى تزهي، وزهوها أن تحمار أو
стр. 2205
تصفار، فإنَّها حينئذ تبدأ في النضج ويطيب أكلها.
٢ - وتنهى عن بيع العنب في شجره حتى يسود، وإذا اسود بعض أنواعه دخل النضج، وطاب أكله.
٣ - وتنهى عن بيع الحب في سنبله حتى يشتد، ويحين حصاده، والاستفادة منه.
٤ - حكمة النَّهي عن بيعها قبل أن تطيب، ويبدأ فيها النضج ثلاثة أمور:
الأول: أنَّها قبل النضج لا منفعة فيها، فبيعها لا يعود على المشتري بفائدة.
الثاني: إنَّ تمام الملك بعد الشراء هو القبض، وقبض الثمار في شجره، والحب في زرعه وسنبله بالتخلية، قبض ناقص، وتوقف صحة البيع على نضج الثمار، واشتداد الحب تقليل لمدة بقاء الثمرة بعد بيعها إلى زمن أخذها، وحيازتها.
الثالث: إنَّ التمر والزرع إذا بدا فيه النضج خفت عنه العاهات والآفات السماوية، فلوحظ بيعها في وقت تقل فيه إصابة الثمرة بالجوائح السماوية.
٥ - قال الفقهاء: وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها، الذي في البستان إذا بيع صفقةً واحدةً.
ولا يصح بيع الجنس الذي لم يبد صلاحه تبعًا للنوع الذي بدا صلاحه، هذا هو المشهور من المذهب.
والرواية الثانية: يكون بدو الصلاح في بعضها صلاح للجنس كله، وهو اختيار كثير من أصحاب الإمام أحمد، وهو قول مالك والشافعي.
٦ - وإن تلفت الثمرة بآفة سماوية، وهو ما لا صنع لآدمي فيها، كالريح، والبرد، والحر، فضمانها على بائعها؛ لأنَّ التخلية ليست قبضًا تامًّا.
٧ - قال فقهاء الحنابلة واللفظ للشيخ منصور البهوتي: زرع البر ونحوه إذا تلف بجائحة فهو من ضمان مشترٍ، وليس كالثمرة.
لكن قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ الجائحة موضوعة
стр. 2206
عن المشتري في جميع الثمار والحبوب لعموم العلة، وهو اختيار المجد وحفيده شيخ الإسلام.
٨ - أما إذا تلفت الثمرة أو الزرع بفعل آدمي، فإنَّ المشتري مخيَّرٌ بين فسخ البيع وأخذ الثمن، وبين إمضاء البيع ومطالبة متلفه ببدله، والله أعلم.
٩ - قوله: "نهى البائع والمبتاع": نهى البائع لئلا يأخذ مال المشتري بدون مقابلة شيء، ونهى المشتري عن هذه المخاطرة والتغرير بماله.
١٠ - المنع من بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، والأئمة المتَّبعين، ذلك أنَّه لا يؤمن من هلاك الثمرة والحب، لورود العاهة عليها مع صغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع من الثمن شيء، وهذا معنى قوله: "نهى عن بيع النخيل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن من العاهة" [رواه مسلم (١٥٣٥)].
***
стр. 2207
٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ نَخلًا بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائعٍ الَّذِي بَاعَهَا، إِلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
... مفردات الحديث:
- من ابتاع نخلًا: أي اشترى أصل النخل.
النخل: اسم جنس يذكر ويؤنث، والجمع: نخيل.
ويقول علماء الأحياء: النَّخلة شجرة من الفصيلة النخلية، كثيرة في بلاد العرب، لاسيما في العراق.
- تؤبَّر: بضم التاء وفتح الواو المهموزة وتشديد الباء آخره راء.
يقال: نخلة مؤبرة ومأبورة، والاسم منه الآبار، أما التأبير فهو التلقيح، وذلك بأن يشق طلع النخلة؛ ليوضع فيها شيء من طلع الفحال "ذكر النخل"، وفي ذكر النخل الذي يلقح به لغتان الأكثر "فُحَّال" وزان تفاح، والجمع فحاحيل، والثانية: "فحل" مثل غير، وجمعه فحول، مثل فلْس وفُلوس.
- إلاَّ أن يشترطه المُبتَاع: أي المشتري، ولفظ "المبتاع" وإن كان عامًا للبائع والمشتري إلاَّ أنَّ الاستثناء يخصصه للمشتري، وأيضًا لفظ الافتعال يدل عليه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - منطوق الحديث أنَّ من باع نخلًا قد أُبِّر فثمرته لبائعه.
٢ - ومفهوم الحديث أنَّ من باع نخلًا لم يؤبره، فثمره لمشتريه.
стр. 2208
٣ - أن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر أو بعضها، فهي له بشرطه.
٤ - أن اشترط المشتري دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه.
٥ - أن كان بعض الثمرة مؤبرًا وبعضه لم يؤبر، فلكلٍّ حكمه؛ لأنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا هو القول الراجح.
٦ - صحة اشتراط بعضر الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله: "إلاَّ أن يشترط المبتاع"؛ لأنَّه صادق عليه كله وعلى بعضه.
٧ - أن كان بعض التأبير في نخلة واحدة، فتكون كل ثمرتها للبائع؛ لأنَّ باقيها تبع لها.
٨ - ألْحَق الفقهاء بالبيع جميع العقود الناقلة للملك، من جعل النخل المؤبر عوض صلح، أو جُعلًا، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو جعَلَه صاحبه أجرة أجيرٍ، أو وهبه، أو غير ذلك مما فيه نقل الملك.
٩ - دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشتري وهي مؤبرة، يُعد بيعًا للثمرة قبل بدو صلاحها، لكن رُخِّص فيه؛ لأنَّه تابع لأصله وليس مستقلًا، والقاعدة: "يثبت تبعًا ما لايثبت استقلالاً"، وهذه الصورة منها.
قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء، وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق.
وإن باعه مطلقًا لم يجز عند جماهير العلماء، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد.
١٠ - اعتبار الشروط في البيع التي يشترطها البائع أو المشتري ونفوذها، فالمسلمون على شروطهم، ومقاطع الحقوق عند الشروط.
***
стр. 2209
باب السلم
مقدمة
قال الأزهري: السَّلَم والسَلَف بمعنى واحد، هذا قول جميع أهل اللغة، إلاَّ أنَّ السلف يزيد معنى آخر فيكون قرضًا، وسمي السلم سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفًا لتقديمه قبل أوان استلام المبيع.
وتعريفه شرعًا: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد،، وبهذا التعريف فهو بيع عُجِّل ثمنه، وأُجِّل مثمَّنه.
والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: أشهد أنَّ السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلَّه الله في كتابه، وأَذِن فيه، ثم قرأ هذه الآية.
وأما السنة: فمنها حديثا الباب الآتيين.
وأما الإجماع: فقال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت.
وهو على وفق القياس، فإنَّ مصلحة البائع تقتضي قبض الثمن معجلًا، ليصلح أشجاره وزرعه، وفائدة المشتري تحصل بشرائه الثمرة رخيصة مقابل الأجل الطويل قبل قبض المبيع، والانتفاع به.
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه يشترط للسلم ما يشترط للبيع.
стр. 2210
واشتُرط لصحة عقده شروطًا زائدةً على شروط البيع، لتُبعده عن الجهالة في قدره ووقته ونوعه، مما ينفي عنه الضرر والعذر، ويحقق فيه المصلحة للمتعاملين.
فمن ذلك اشتراط:
١ - العلم بالمسلم به.
٢ - العلم بالثمن.
٣ - قبض الثمن في مجلس العقد.
٤ - كون المسلم فيه في الذمة.
٥ - وصفه صفة تنفي عنه الجهالة.
٦ - ذكر أجله، ومكان حلوله.
٧ - كون المسلم فيه يتحقق وجوده وقت وجوب تسليمه.
* ظنَّ بعض العلماء خروجه عن القياس وعده من "باب بيع ما ليس عندك" المنهي عنه في حديث حكيم بن حزام.
ولكن هذا الظن بعيد عن الصواب وليس بشيء، فإنَّ حديث حكيم بن حزام يراد به بيع عين معيَّنة، ليست في ملك البائع حينما أجرى عليها العقد، وإنما يشتريها من صاحبها فيسلمها للمشتري الذي اشتراها منه قبل دخولها في ملكه، وهذا هو صريح الحديث وقصته.
فأما السلم فهو متعلق بالذمة لا العين، فهو بيع موصوف في الذمة.
لذا فهو على وفق القياس، والحاجة داعية إليه، وقد ذكر النبي ﷺ : "أنَّ ثلاثًا فيهن بركة: ذكر منها: البيع إلى الأجل" والسلَّم منه، والله المستعان.
***