← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عن المشتري في جميع الثمار والحبوب لعموم العلة، وهو اختيار المجد وحفيده شيخ الإسلام. ٨ - أما إذا تلفت الثمرة أو الزرع بفعل آدمي، فإنَّ المشتري مخيَّرٌ بين فسخ البيع وأخذ الثمن، وبين إمضاء البيع ومطالبة متلفه ببدله، والله أعلم. ٩ - قوله: "نهى البائع والمبتاع": نهى البائع لئلا يأخذ مال المشتري بدون مقابلة شيء، ونهى المشتري عن هذه المخاطرة والتغرير بماله. ١٠ - المنع من بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، والأئمة المتَّبعين، ذلك أنَّه لا يؤمن من هلاك الثمرة والحب، لورود العاهة عليها مع صغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع من الثمن شيء، وهذا معنى قوله: "نهى عن بيع النخيل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن من العاهة" [رواه مسلم (١٥٣٥)]. ***

стр. 2207

٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ نَخلًا بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائعٍ الَّذِي بَاعَهَا، إِلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ ... مفردات الحديث: - من ابتاع نخلًا: أي اشترى أصل النخل. النخل: اسم جنس يذكر ويؤنث، والجمع: نخيل. ويقول علماء الأحياء: النَّخلة شجرة من الفصيلة النخلية، كثيرة في بلاد العرب، لاسيما في العراق. - تؤبَّر: بضم التاء وفتح الواو المهموزة وتشديد الباء آخره راء. يقال: نخلة مؤبرة ومأبورة، والاسم منه الآبار، أما التأبير فهو التلقيح، وذلك بأن يشق طلع النخلة؛ ليوضع فيها شيء من طلع الفحال "ذكر النخل"، وفي ذكر النخل الذي يلقح به لغتان الأكثر "فُحَّال" وزان تفاح، والجمع فحاحيل، والثانية: "فحل" مثل غير، وجمعه فحول، مثل فلْس وفُلوس. - إلاَّ أن يشترطه المُبتَاع: أي المشتري، ولفظ "المبتاع" وإن كان عامًا للبائع والمشتري إلاَّ أنَّ الاستثناء يخصصه للمشتري، وأيضًا لفظ الافتعال يدل عليه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - منطوق الحديث أنَّ من باع نخلًا قد أُبِّر فثمرته لبائعه. ٢ - ومفهوم الحديث أنَّ من باع نخلًا لم يؤبره، فثمره لمشتريه.

стр. 2208

٣ - أن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر أو بعضها، فهي له بشرطه. ٤ - أن اشترط المشتري دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه. ٥ - أن كان بعض الثمرة مؤبرًا وبعضه لم يؤبر، فلكلٍّ حكمه؛ لأنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا هو القول الراجح. ٦ - صحة اشتراط بعضر الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله: "إلاَّ أن يشترط المبتاع"؛ لأنَّه صادق عليه كله وعلى بعضه. ٧ - أن كان بعض التأبير في نخلة واحدة، فتكون كل ثمرتها للبائع؛ لأنَّ باقيها تبع لها. ٨ - ألْحَق الفقهاء بالبيع جميع العقود الناقلة للملك، من جعل النخل المؤبر عوض صلح، أو جُعلًا، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو جعَلَه صاحبه أجرة أجيرٍ، أو وهبه، أو غير ذلك مما فيه نقل الملك. ٩ - دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشتري وهي مؤبرة، يُعد بيعًا للثمرة قبل بدو صلاحها، لكن رُخِّص فيه؛ لأنَّه تابع لأصله وليس مستقلًا، والقاعدة: "يثبت تبعًا ما لايثبت استقلالاً"، وهذه الصورة منها. قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء، وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق. وإن باعه مطلقًا لم يجز عند جماهير العلماء، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد. ١٠ - اعتبار الشروط في البيع التي يشترطها البائع أو المشتري ونفوذها، فالمسلمون على شروطهم، ومقاطع الحقوق عند الشروط. ***

стр. 2209

باب السلم مقدمة قال الأزهري: السَّلَم والسَلَف بمعنى واحد، هذا قول جميع أهل اللغة، إلاَّ أنَّ السلف يزيد معنى آخر فيكون قرضًا، وسمي السلم سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسمي سلفًا لتقديمه قبل أوان استلام المبيع. وتعريفه شرعًا: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد،، وبهذا التعريف فهو بيع عُجِّل ثمنه، وأُجِّل مثمَّنه. والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: أشهد أنَّ السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلَّه الله في كتابه، وأَذِن فيه، ثم قرأ هذه الآية. وأما السنة: فمنها حديثا الباب الآتيين. وأما الإجماع: فقال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت. وهو على وفق القياس، فإنَّ مصلحة البائع تقتضي قبض الثمن معجلًا، ليصلح أشجاره وزرعه، وفائدة المشتري تحصل بشرائه الثمرة رخيصة مقابل الأجل الطويل قبل قبض المبيع، والانتفاع به. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه يشترط للسلم ما يشترط للبيع.

стр. 2210

واشتُرط لصحة عقده شروطًا زائدةً على شروط البيع، لتُبعده عن الجهالة في قدره ووقته ونوعه، مما ينفي عنه الضرر والعذر، ويحقق فيه المصلحة للمتعاملين. فمن ذلك اشتراط: ١ - العلم بالمسلم به. ٢ - العلم بالثمن. ٣ - قبض الثمن في مجلس العقد. ٤ - كون المسلم فيه في الذمة. ٥ - وصفه صفة تنفي عنه الجهالة. ٦ - ذكر أجله، ومكان حلوله. ٧ - كون المسلم فيه يتحقق وجوده وقت وجوب تسليمه. * ظنَّ بعض العلماء خروجه عن القياس وعده من "باب بيع ما ليس عندك" المنهي عنه في حديث حكيم بن حزام. ولكن هذا الظن بعيد عن الصواب وليس بشيء، فإنَّ حديث حكيم بن حزام يراد به بيع عين معيَّنة، ليست في ملك البائع حينما أجرى عليها العقد، وإنما يشتريها من صاحبها فيسلمها للمشتري الذي اشتراها منه قبل دخولها في ملكه، وهذا هو صريح الحديث وقصته. فأما السلم فهو متعلق بالذمة لا العين، فهو بيع موصوف في الذمة. لذا فهو على وفق القياس، والحاجة داعية إليه، وقد ذكر النبي ﷺ : "أنَّ ثلاثًا فيهن بركة: ذكر منها: البيع إلى الأجل" والسلَّم منه، والله المستعان. ***

стр. 2211

٧٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِيْنَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فَقَال: مَنْ أسْلفَ فِي تَمْرٍ فَلْيسلِفْ فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: "مَن أَسْلَفَ فِي شَيءٍ" (١). ــ * مفردات الحديث: - وهم يُسلفون: الواو فيه للحال. يُسلفون: بضم الياء من السَّلف وهو السلم، قال الأزهري: السلم والسلف واحد في قول أهل اللغة، إلاَّ أنَّ السلف يكون قرضًا أيضًا، وأما اسم السلم فهو أخص بهذا الباب، وهو بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق. - السَّنةَ: منصوب إما على رفع الخافض، أي إلى السنة، وإما على المصدر، أي إسلاف السنة. - من أسلف في تمر: بالتاء المثناة، ويروى بالثاء المثلثة. - في كيل معلوم: في بعض روايات الصحيحين: "في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم" والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، واعتبار الوزن فيما يوزن. ...

стр. 2212

٧٣٢ - وَعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي أَبْزَى، وَعَبْدِ الله بْنِ أِبِي أوْفَى ﵄ قَالاَ: "كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكانَ يَأتِيْنَا أنْبَاطٌ مِنْ أنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، قِيل: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالاَ: مَا كُنَّا نَسْألهُمْ عَنْ ذلِكَ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - المغانم: على وزن مفاعل، جمع مغنم هي الأموال التي يستولي عليها المسلمون قهرًا من الكفَّار في الحرب. - أنباط: بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الباء ثم ألف وآخره طاء، هم قوم من العرب دخلوا في العجم فاستعجموا، فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، سموا بذلك؛ لكثرة معرفتهم بإنباط الماء واستخراجه. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - قدِم النبي ﷺ المدينة مهاجرًا إليها فوجد أهل المدينة يسلفون، وذلك بأن يقدموا الثمن ويؤجلوا المثمن في الثمار مدة سنة أو سنتين، فأقرَّهم ﷺ على هذه المعاملة، ولم ينههم عنها، وإنما أرشدهم إلى كيفية عقدها عقدًا شرعيًّا، وهذا ما يسمى السلم. قال ابن عباس: أشهد أنَّ السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلَّه الله

стр. 2213

في كتابه وأذِنَ فيه ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ٢ - يشترط في السلم ما يشترط في البيع؛ لأنَّه بيع عُجِّل ثمنه وأُجِّل مثمنه، فشروط البيع المتقدمة لابد أن توجد في السلم. ثم يزيد السلم شروطًا ترجع إلى طلب الشارع الحكيم الزيادة في ضبطه، لئلا يفضي عقده إلى النزاع والخصومة، لتأخر تسليم مثمنه، وطول مدَّته، ودقة وصفه، وتعلقه بالذمة، لا بمعيّن. ٣ - من هذه الشروط: الأول: قبض ثمنه في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل القبض لم يصح، وهذا الشرط مأخوذ من قوله: "يسلفون ومن أسلف في ثمر" فهذا معنى السلف والسلم لغة، وشرعًا: لئلا يصير بيع الدين بالدين المنهي عنه. ٤ - الثاني: العلم برأس مال السلم، وهذا مأخوذ من تسليمه في مجلس العقد، فإئَه ما يقبض في المجلس إلاَّ شيء معلوم، وهو من شروط البيع فها هنا أولى. ٥ - الثالث: أن يكون المسلَم فيه يمكن ضبط صفاته من مكيل وموزون ومذروع، وأما المعدود فلا يصح فيما اختلف أفراده كالرمان والخوخ والبَيض؛ لأنَّها تختلف بالكبر والصغر، فإن لم تختلف أفراد المعدود صحَّ السلم فيه، وهذا الشرط يشير إليه قوله: "في كيل معلوم". قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ السلم جائز في المكيلات، والموزونات، والمذروعات، التي يضبطها الوصف، واتَّفقوا على أنَّ السلم جائز في المعدودات التي لا تتفاوت آحادها، كالبيض والجوز. ٦ - الرابع: ذِكر قدره بالكيل إن كان مكيلًا، وبالوزن إن كان موزونًا، وبالذراع إن كان مذروعًا، وأن يكون بمكيال وميزان وآلة ذرع متعارَف عليه عند

стр. 2214

الناس؛ لأنَّه إذا كان مجهولًا تعذَّر الاستيفاء به، وهذا مأخوذ من قوله: "في كيل معلوم". قال ابن المنذر: "أجمع كل مَن نحفظ عنه على أنَّ السلم في الطعام لا يجوز بقفيزٍ لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذرع فلان؛ لأنَّ المعيار لو تلف، أو مات فلان بطل السلم. ٧ - المشهور من مذهب الإمام أحمد أنَّه إن أسلم في مكيل وزنًا، أو في موزون كيلًا، لم يصح، والرواية الأخرى: يصح، اختارها الموفق. قال الأثرم: الناس هاهنا لا يعرفون الكيل في الثمر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. ٨ - الخامس: ذِكر أجل معلوم، فلا يصح إلى أجل مجهول، وهذا مأخوذ من قوله: "إلى أجل معلوم". قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمَّد: إذا باع إلى الحصاد والجذاذ، فهذا لازم للأجل المعلوم عند بعض العلماء، وهو مذهب الإمام مالك وغيره، وكان ابن عمر يبتاع إلى العطاء، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها صاحب الفائق، وشيخنا عبد الرحمن السعدي. ٩ - السادس: أن يسلم في الذمة، فلا يصح السلم في عين كشجرة؛ لأنَّها ربما تلفت قبل أوان تمسلمها. وهذا مأخوذ من قوله: "قيل للراوي كان لهم زرع؟ قال: ما كنَّا نسألهم عن ذلك" فهذا يشير إلى أنَّ السلم وقع في الذمة، ولم يكن متعلَّقه الأعيان. ١٠ - السَّابع: وجود المسلم فيه -غالبًا- في وقت حلول الأجل لوجوب تسليمه، فإذا كان لا يوجد في ذلك الوقت، أو لا يوجد إلاَّ نادرًا لم يصح؛ لأنَّه لا يمكن تسليمه عند وجوبه، وهذا الشرط مأخوذ من قوله: "إلى أجل معلوم" فـ "إلى" لانتهاء الغاية التي يسلم فيها المسلم فيه. فإذا كان لا يوجد إلاَّ نادرًا لم يمكن تسليمه بهذه الغاية المعلومة.

стр. 2215

فإن تعذر تسليمه أو بعضه، بأن لم تحمل الثمار تلك السنة، فمذهب الأئمة الأربعة أنَّ لصاحب السلم الصبر، أو فسخ العقدة لأنَّ الفسخ وقع على موصوف في الذمة فهو باقٍ على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة. فهذه شروط السلم تتبعها الفقهاء من نصوص الشريعة، ونحن أرجعنا كل شرط إلى اللفظ الذي يدل عليه من الحديثين. ١١ - بيع المثليات من المكيل والموزون والمذروع جائز، ولو لم يؤجل؛ لأنَّه إذا جاز مع وجود الأجل، فبيعه حالاًّ جائز من باب أولى، وإنما لا يسمى سلمًا اصطلاحًا، فيكون معنى الحديث أنَّ من باع مكيلًا، أو موزونًا، أو مزروعًا، فليكن ذلك بكيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلوم، وزرعٍ معلومٍ، وإلاَّ صار البيع مجهولًا، سواء كان سلمًا أو حالًّا. ١٢ - ظهر في عصرنا البيع بالتقسيط، وهو أن يشتري الرجل السلعة ويدفع جزءًا من الثمن، وباقي الثمن يدفعه أقساطًا، ولكنه لا يبيع بالتقسيط إلاَّ بثمن أكثر من ثمن الدفع المعجل، وهو جائز؛ لأنَّه داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن البيع بالتقسيط: قرار رقم (٥١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ، الموافق ١٤ -

стр. 2216

٢٠ آذار "مارس" ١٩٩٠ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "البيع بالتقسيط"، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. قرَّر: ١ - تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقلًا، وثمنه بالأقساط لمدة معلومة، ولا يصح البيع إلاَّ إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتاجيل، بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدَّد، فهو غير جائز شرعًا. ٢ - لا يجوز شرعًا في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتَّفق العاقدان على نسبة الفائدة، أم ربطها بالفائدة السائدة. ٣ - إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأنَّ ذلك رِبا محرَّم. ٤ - يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء. ٥ - يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد. ٦ - لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة. ويوصي: بدراسة بعض المسائل المتصلة ببيع التقسيط للبت فيها إلى ما بعد إعداد دراسات وأبحاث كافية فيها، ومنها:

стр. 2217

(أ) خصم البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى البنوك. (ب) تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه، وهي مسألة "ضع وتعجل". (ج) أثر الموت في حلول الأقساط المؤجلة. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بيع التقسيط: قرار رقم (٦٤): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين على آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢ هـ، الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "البيع بالتقسيط"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرَّر: ١ - البيع بالتقسيط جائز شرعًا، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل. ٢ - الأوراق التجارية "الشيكات، السندات لأمر، سندات السحب" من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة. ٣ - أنَّ حسم "خصم" الأوراق التجارية غير جائز شرعًا؛ لأنَّه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم. ٤ - الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء كانت بطلب الدائن، أو المدين، "ضع وتعجل" جائز؛ شرعًا، لا تدخل في الربا المحرَّم، إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجزة لأنَّها تأخذ عندئذٍ حكم حسم الأوراق

стр. 2218

التجارية. ٥ - يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة ما لم يكن معسرًا. ٦ - إذا اعتبر الدين حالاًّ لموت المدين، أو إفلاسه، أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي. ٧ - ضابط الإعسار الذي يوجب النظارة ألاَّ يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقدًا، أو عينًا. والله أعلم * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن عقد الاستصناع: قرار رقم (٦٥): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ٧ إلى ١٢ ذوالقعدة ١٤١٢ هـ، الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "عقد الاستصناع". وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظرًا لأنَّ عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل، والنهوض بالاقتصاد الإسلامي. قرَّر: ١ - أنَّ عقد الاستصناع، وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة، ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.

стр. 2219

٢ - يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: (أ) بيان جنس المستصنع، ونو عه، وقدره، وأوصافه المطلوبة. (ب) أن يحدد فيه الأجل. ٣ - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة الآجال محددة. ٤ - يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتَّفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. والله أعلم * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع عقود التوريد والمناقصات: رقم (١٠٧): إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورته الثانية عشرة بالرياض، في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ، إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ الموافق ٢٣ - ٢٨ سبتمر ٢٠٠٠ م. بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع، بخصوص موضوع: "عقود التوريد والمناقصات"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع، بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه، وعدد من الفقهاء. قرَّر ما يلي: ١ - عقد التوريد: أولًا: عقد التوريد: عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة، مؤجلة بصفة دورية، خلال فترة معيَّنة، لطرف آخر، مقابل مبلغ معيَّن مؤجل كله أو بعضه. ثانيًا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة تتطلب صناعة، فالعقد استصناع تنطبق

стр. 2220

عليه أحكامه، وقد صدر بشأن الاستصناع قرار المجمع رقم (٦٥) (٣/ ٧). ثالثًا: إذا كان محل عقد التوريد سلعة لا تتطلب صناعة، وهي موصوفة في الذمة يلتزم بتسليمها عند الأجل، فهذا يتم بإحدى طريقتين: (أ) أن يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فهذا عقد يأخذ حكم السلم، فيجوز بشروطه المعتبرة شرعًا، المبينة في قرار المجمع رقم (٨٥) (٩/ ٢). (ب) إن لم يعجل المستورد الثمن بكامله عند العقد، فإنَّ هذا لا يجوز، لأنَّه مبني على المواعدة الملزمة بين الطرفين، وقد صدر قرار المجمع رقم (٤٠ - ٤١) المتضمن أنَّ المواعدة الملزمة تشبه العقد نفسه، فيكون البيع هنا من بيع الكاليء بالكاليء، أما إذا كانت المواعدة غير ملزمة لأحد الطرفين، أو لكليهما فتكون جائزة على أن يتم البيع بعقد جديد أو بالتسليم. ٢ - عقد المناقصات: أولًا: المناقصة: طلب الوصول إلى أرخص عطاء، لشراء سلعة أو خدمة، تقوم فيها الجهة الطالبة لها دعوة الراغبين إلى تقديم عطاءاتهم، وفق شروط ومواصفات محددة. ثانيًا: المناقصة جائزة شرعًا، وهي كالمزايدة، فتطبق عليها أحكامها، سواء كانت مناقصة عامة، أم محددة، داخلية، أم خارجية، علنية أم سرية، وقد صدر بشأن المزايدة قرار المجمع رقم (٧٣) (٨/ ٤) في دورته الثامنة. ثالثًا: يجوز قصر الاشتراك في المناقصة على المصنَّفين رسميًا، أو المرخص لهم حكوميًا، ويجب أن يكون هذا التصنيف، أو الترخيص قائمًا على أسس موضوعية عادلة. والله أعلم

стр. 2221

باب القَرْض مقدمة القَرْض: بفتح القاف وسكون الراء. لغةً: الحدّ والقطع، والقرض اسم مصدر، بمعنى الاقتراض. واسم المصدر: هو ما ساوى المصدر في الدلالة على الحدث، ولم يساوه في اشتماله على جميع حروف فعله. فالقرض اسم مصدرة لخلوه من بعض أحرف فعله لفظًا وتقديرًا. والقرض شرعًا: دفع المال ارتفاقًا لمن ينتفع به، ويردّ بدله. وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. فالكتاب: عموم قوله تعا لى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ [الحديد: ١٨]. والسنة كثيرة: ومنها أحاديث الباب الآتية. وقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ القرض قُربة ومثوبة. وأما القياس: فإنَّ القرض من جنس التبرع بالمنافع، كالعارية، وباب العارية أصله أن يعطيه أصل المال لينتفع به ثم يعيده إليه، فتارةً ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار، وتارةً يعيره ماشية ليشرب لبنها، وتارة يعيره شجرة ليأكل ثمرها ثم يعيدها. والمستقرض يأخذ القرض لينتفع به، ثم يعيد إلى المقرض مثله. ولهذا نُهِيَ أنَّ يشترط زيادة على المثل، وليس هو من باب البيع، فإنَّ

стр. 2222

عاقلًا لا يبيع درهمًا بمثله من كل وجه إلى أجل. فالقرض من باب الإرفاق والتبرع، لا من باب المعاوضات، ولهذا سمَّاه النَّبي ﷺ : "منيحة"؛ لينتفع المقترض، بما يستخلف منه، يعيده بعينه، فإن أمكن وإلاَّ فنظيره أو مثله. قال في شرح الإقناع: وهو من المرافق المندوب إليها في حق المقرض لقوله ﷺ : "من نفَّسَ عن مُؤمنٍ كُرْبةً من كرب الدنيا نفَّسَ الله عنه كُرْبة من كرب يوم القيامة" [رواه مسلم (٢٦٩٩)]. ولما فيه من الأجر العظيم، فقد روى أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "رَأَيتُ ليلة أُسري بي على باب الجنة مكتوبًا الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقلتُ يا جبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأنَّ السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلاَّ من حاجة" [رواه ابن ماجه (٢٤٣١)]. والقرض ليس من المسألة المذمومة لفعل النبي ﷺ له، ولا إثم على من سُئل فلم يُقرِض، لأنَّه ليس بواجب، بل مندوب. ***

стр. 2223

٧٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيَرْةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُرِيْدُ أدَاءَهَا أدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أخَذَهَا يُريدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ الله" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أدَاءَهَا: من أخذ أموال الناس بأي وجه من وجوه المعاملات، حال كونه يريد أداء هذه الأموال إلى أهلها أدَّى الله عنه، بأن ييسِّر له ما يؤديه من فضله لحسن نيته. - إتلافهَا: تلف الشيء تلفاً بمعنى هلك، فمن أخذها حال كونه يريد إتلافها على صاحبها أتلفه الله تعالى، بأن يُذهب ما في يده، فلا ينتفع به لسوء نيته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ القرض إرفاق وتبرع، لا معاوضة ومقاضاة؛ ولذا سماه النبي ﷺ منيحة، ينتفع بها المقترض، ثم يعيدها بعينها إن أمكن، وإلاَّ ردَّ مثلها، فهو ارتفاق. ٢ - الحديث يدل على أنَّ من أخذ أموال الناس قرضًا، أو شركةً، أو إجارةً، أو عاريةً، أو غير ذلك، ونيته أداءها إليهم، أدى الله عنه في الدنيا، وفي الآخرة. فأما في الدنيا فذلك بأن يسهِّل أمره، ويربح عمله، فيؤديها، وأما في الآخرة إذا مات ولم يوف فبأن يُرضي الله عنه غريمه بما شاء الله تعالى. فقد أخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ما من مسلم

стр. 2224

يُدان دينًا، يعلم الله أنَّه يريد أدَاءَهُ، إلاَّ أدَّاه الله عنه في الدنيا والآخرة". ٣ - يدل الحديث على أنَّ من أخذ أموال الناس ليس لحاجة إليها، ولا لتجارة وعمل بها، وإنما يريد الاستيلاء عليها وحرمانهم منها، أو يكون لحاجة إليها ولكنه لم ينو وفاءهم، ولا أداء حقوقهم، فإنَّ الله تعالى يتلف ماله في الدنيا بهلاكه، فيصاب بالفاقة، أو يبقيه له ولكن بمحق بركته، وهلاك ماله. ٤ - الحديث يدل على عِظم أثر النية في الأعمال، فمن صلحت نيته صلح عمله، ومن فسدت نيته فسد عمله: "إنما الأعمال بالنيات". ٥ - فيه تعظيم حقوق العباد وأموالهم، ووجوب التحرز منها والابتعاد عنها إلاَّ بحق. ٦ - فيه أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما يدين العبدُ يُدان، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فليحرص المسلم أن يعامل الخلق بمثل ما يحب أن يعامل به. ٧ - الحديث يدل على جواز الاستقراض بالنية الطيبة، من عزمه على أداء القرض؛ ليخرج من التبعة، وليحصل على معونة الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة، فقد روى ابن ماجه والحاكم بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله مع الدائن حتى يقضي دينه". ***

стр. 2225

٧٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِىَ اللهُ عنْهَا- قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ فُلاَنًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إِلَى مَيْسَرَةٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ" أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه الإمام أحمد قال: "حدثنا محمَّد بن جعفر حدَّثنا شعبة عن عمارة، يعني ابن أبي حفصة، عن عكرمة عن عائشة قالت: إنَّ فلانًا جاءه بزٌّ، فابعثْ إليه يبيعك ثوبين إلى الميسرة، فبعث إليه، فقال: قد عرفت ما يريد محمَّد، إنما يريد أن يذهب بثوبي -أي لا يعطيني دراهمي-. فبلغ ذلك النَّبي ﷺ ، فقال: "قد كذب، لقد عرفوا أني أتقاهم لله " أو قال: "أصدقهم حديثًا، وآداهم للأمانة" وأخرجه الحاكم وصححه، وأقرَّه الذَّهبي على ذلك. قال المؤلف: رجاله ثقات. * مفردات الحديث: - فلانًا: هو يهودي بخيل شحيح، حاقدٌ على الإسلام ورسول الإسلام، يقال له: "حليق"، وليس هذا الرد الجاف بغريب عن تلك الطغمة اليهودية الفاسدة. - بزّ: بفتح الباء، والزاي المشددة نوع من الثياب الغليظة. - نسيئة: أنْ يؤخِّر تسليم الثمن.

стр. 2226

- إلى ميسرة: أي إلى وقت اليسار والسعة والغنى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - القادم إلى المدينة بالبز من الشام هو يهودي من يهود المدينة المنورة الحاقدين على الإسلام ونبي الإسلام، وإلاَّ فهو يعلم أنَّ الحبيب المصطفى أوفى الناس وأكرم النَّاس، ولكنَّ الحقد والحسد الَّذي ملأَ قلبه، جعله يعامل حبيبنا محمدًا ﷺ هذه المعاملة الجافية، قبَّحه الله تعالى. ٢ - من كرم نفسه وحسن خلقه ﷺ أنَّه لم يعاتبه، ولم يؤنبه، وإنما عامله بما أدَّبه الله تعالى به في مثل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف]. ٣ - فيه دليل على جواز معاملة الكفار، والشراء منهم، والبيع لهم، وغير ذلك من التصرفات، وأنَّها لا تعتبر من موالاتهم والركون إليهم. ٤ - فيه دليل على جواز الاستقراض، وأنه ليس من المسألة المذمومة، فهو استرفاق بالشيء؛ ليعيد مثله عند الميسرة. ٥ - فيه دليل على أنَّ أجل القرض حال، ولكنه يصلح أن يوعد بوفائه عند الميسرة. ٦ - كما أنَّ الحديث يدل على أنَّه لا يشترط العلم بآجَل القرض؛ لأنَّه حالٌّ في نفس الأمر، فبقاؤه عند المستقرض إرفاق. ٧ - فيه دليل على أنَّ ما يأتي من الكفار من ثياب مصبوغة، أو أواني مُموَّهة، فالأصل في ذلك الطهارة. ٨ - وفيه بيان لؤم اليهود وشحهم، وفساد طويتهم، وأنَّ هذه الأخلاق الذميمة والصفات الدنيئة متأصلة بأولهم وآخرهم، إلاَّ من أنقذه الله تعالى منهم باتباع الرسل، وهدي الأنبياء. قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ

стр. 2227

سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء]. ٩ - وفيه دليل على جواز معاملة مَن في ماله شبهة حرام، فإنَّ المعروف عن اليهود التعامل بالربا، وأخذ الرشوة، هذا ما لم يكن المتصرف فيه هو عين المال الحرام. ***

стр. 2228

باب الرهن مقدمة الرهن: بفتح فسكون، هو لغة: الثبوت والدوام، يُقال: ماء راهن: أي راكد. وشرعًا: توثقة دينٍ بعينٍ، يمكن استيفاؤه منها، أو من ثمنها، إنْ تعذَّر الاستيفاء من ذمَّة المَدين. وهو جائزٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس، قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وأمَّا السنَّة فأحاديث الباب وغيرها، وأجمع العلماء على جوازه في السفر، وذهب الجمهور إلى جوازه ولزومه في الحضر. ولصحته ولزومه ستَّة شروط: ١ - إيجاب وقبول بما يدل عليهما. ٢ - كون الرَّاهن جائز التصرف بلا نزاع. ٣ - معرفة قَدر الرهن. ٤ - معرفة جنسه. ٥ - معرفة صفته؛ لأنَّه عقدٌ على مال، فاشترط العلم به. ٦ - ملك المرهون، أو الإذن في رهن. فائدته: الرهن من الوثائق التي يحصل منها الاستيفاء عند تعذر ذلك من الذمم.

стр. 2229

٧٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - الظَّهر: الظهر خلاف البطن، يجمع على أظهر وظهور، مثل فَلس وفلوس، والمراد هنا ظهر الحيوان المعد للركوب، من بعيرٍ، وحصانٍ، وحمارٍ، وغيرها. - لبن الدَّر: بفتح الدال المهملة، وتشديد الراء، هو اللبن، تسمية له بالمصدر، بمعنى الدارَّة: أي ذات الضرع واللبن. - بنفقته: أي بمقابل نفقته، فيُركب ويُنفَق عليه. - يُركب وَيُشرب: مبنيان للمجهول. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أصل الرهن، وأنَّه من العقود الشرعية التي تحفظ بها الحقوق، ويستحصل منها الدين عند تعذر الحصول عليه من المدين. ٢ - يدل على جواز رهن الحيوان؛ لأنَّ شرط الرهن العلم بجنس الرهن وصفته وقدره، وهذه كلها متوفرة في الحيوان. ٣ - أنَّ الرهن إذا كان حيوانًا مركوبًا، فإنَّ للمرتهن أن يركبه، ويحمل عليه بقدر نفقته، التي يجريها عليه، متحريًا للعدل في ذلك. ٤ - أنَّ لا يركبه، أو يحمل عليه بما يُنْهِكه، لما فيه من الضرر به، وبصاحبه.

стр. 2230

٥ - إذا كان الحيوان محلوبًا فله حلبه، وأخذ لبنه بقدر نفقته، متحريًا للعدل في ذلك. ٦ - هذا الحكم في الركوب والحلب إِذْنٌ من الشارع، لِذا فإنه لا يحتاج استئذان الراهن، ولا يحتاج إلى الاتفاق معه على ذلك. ٧ - ما دام أنَّ الحلب يكون بقدر النفقة، فإذا زاد اللبن على النفقة باعه المرتهن؛ لقيامه مقام المالك. ٨ - أما إذا لم يفِ اللبن، وصار أقل من النفقة رجع المرتهن به على الراهن إن نوى الرجوع عليه، أما إذا كان متطوعًا بزائد النفقة فلا يرجع. ٩ - قال أصحابنا الحنابلة: وإن أنفق على الحيوان الذي لا يُحلب ولا يُركب بغير إذن الراهن مع إمكانه، لم يرجع على الراهن، ولو نوى الرجوع؛ لأنَّه متبرع، أو مفرِّط. أما ابن القيم فقال: من أدَّى عن غيره واجبًا عليه، رجع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن]، فليس من جزاء المحسِن أن يضيع عليه معروفه؛ لقوله ﷺ : "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه" [رواه أحمد (٥٤٨٤)]. قال شيخ الإسلام: إن قال: الراهن: أنا لم أقم في النفقة، وقال: المنفق هي واجبة عليك، وأنا أستحق بها لحفظ المرهون، فهذا محض العدل، والمصلحة، وموجَب الكتاب. وهو مذهب أهل المدينة، وفقهاء الحديث. وقال أهل الحديث: إنَّ من أدى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله. ١٠ - قال ابن القيم: دلَّ هذا الحديث وقواعد الشريعة وأصولها على أنَّ الحيوان المرهون محترم في نفسه لحق الله تعالى، وللمالك فيه حق الملك، وللمرتهن فيه حق التوثقة، فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه

стр. 2231

ذهب نفعه باطلًا، فكان مقتضى العدل، والقياس، ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان، أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب، ويعوّض عنهما بالنفقة، فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوَّض عنها نفقة، كان في هذا جمعًا بين المصلحتين، وبين الحقين. ١١ - في الحديث الدلالة على وجوب العدل في جميع ما كان تحت ولاية الإنسان وتصرفه. ١٢ - يدل الحديث على أنَّ نفقة ومنفعة الرهن تكون على الراهن، فإنَّها لم تجب على المرتهن إلاَّ في حالة وجود منفعة في الرهن، يستوفيها المرتهن، وينفق عليه بقدرها. ١٣ - فيه أنَّ المنافع أن يستفاد منها، ولا تترك تذهب هدرًا، فإنَّ هذا من إضاعة المال المنهي عنه. * خلاف العلماء: في الحديث دليلٌ على أنَّ الرهن يكون بيد المرتهن مدة رهنه، كما قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهل القبض شرط للزوم الرهن، أم لا؟ المشهور من المذهب أنَّه شرط، فلا يلزم إلاَّ بالقبض، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم أبو حنيفة والشافعي. والرواية الأخرى عن أحمد: أنَّ القبض ليس شرطًا في اللزوم، فيلزم بمجرد العقد. قال في الإنصاف: وعنه: القبض ليس بشرط في المتعين، فيلزم بالعقد، نصَّ عليه. قال القاضي: هذا قول أصحابنا. قال في التلخيص: هذا أشهر الروايتين، وهو المذهب عند ابن عقيل

стр. 2232

وغيره، فعليها متى امتنع الراهن من تقبيضه أجبر عليه كالبيع، وإن ردَّه المرتهن على الراهن بعارية أو غيرها ثم طلبه، أجبر الراهن على رده. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فوصف أغلبي، والحاجة داعية إلى عدم القبض. * فائدة: يدل الحديث على أنَّ المرهون لا تعطل منافعه بل ينبغي أن ينتفع به، وينفق عليه، وهذا لا ينافي أنَّ كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا، ذلك أنَّه بإجماع العلماء، فإنَّ مؤنة الرهن على مالكه، كما أنَّ نماءه وكسبه له إلاَّ هذين النفعين فإنَّهما مستثنيان لدلالة هذا الحديث، ولأنَّه مشروط -أيضًا- تحري العدل، وذلك بأن يكون انتفاع الراكب والحالب بقدر النفقة، وبهذا فإنه بعيد عن القرض الذي يجر نفعًا، ومع هذا لم يأخذ بهذا الحديث إلاَّ الإمام أحمد، أما الأئمة الثلاثة فلم يأخذوا به، وأجابوا عنه بأجوبة رُدَّ عليها. منها دعوى النسخ، ومنها أنَّ "الباء" في قوله: "بنفقته" ليست البدلية، وإنما هي للمعية، والمعنى أنَّ الظهر يُركب وننفق عليه، فلا يمنع الرهن الراهن من الانتفاع بالمرهون، ولا يسقط عنه الإنفاق. والصحيح هو ما يفهم من نص الحديث وظاهره، كما فهمه رجال الحديث، ومنهم الإمام أحمد. ***

стр. 2233

٧٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذي رَهَنه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرمُهُ" روَاهُ الدَّراقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَرجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّ المَحْفُوظَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث رواه مالك، والشافعي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان. واختلف أصحاب الزهري في وصل هذا الحديث وإرساله: فرواه مالك، وابن أبي ذئب، ومعمر، ويونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. وصحح إرساله أبو داود، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، وابن القطان. وأما الذين رووه موصولًا، فهم زياد بن سعد، وإسحاق بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ لخلافٍ فيه على أصحاب الزهري، ووافقه الذَّهبي، وصحَّح اتصاله ابن عبد البر وعبد الحق. وقال الدارقطني: زياد بن سعد من الحفاظ الثقات. وهذا إسنادٌ حسن متَّصل. ونقله عنه البيهقي، وعقَّب عليه بقوله: قد رواه غيره عن سفيان عن زياد مرسلًا، وهو المحفوظ.

стр. 2234

قلتُ: والذي يظهر رجحان رواية مالك ومن معه؛ لأنَّ مالكًا أثبت أصحاب الزهري كما قال الإمام أحمد وابن معين وعمرو الفرس، هذا إذا كان بمفرده، فكيف إذا تابعه معمر، ويونس، وابن أبي ذئب. * مفردات الحديث: - الرهن: رهن الشيء يرهنه رهنًا ورهونًا: ثبت ودام، ورهنه وأرهنه بمعنًى واحد، ويجمع الرهن على رهان ورُهُن، والراهن الذي يرهن، والمرتهِن الذي يأخذ الرهن، والمرهون كل عين معلومة يمكن الاستيفاء منها، أو من ثمَنِها. والرَّهنُ لغة: الثبوت والدوام. وشرعًا: توثقة دين بعين يمكن أخذ الدين أو بعضه منها، أو من ثمنها. - لا يغلق الرهن من صاحبه: بفتح الياء وسكون الغين المعجمة ثم لام مفتوحة آخره قاف. قال الزهري: يقال: غلق الباب وانغلق واستغلق: إذا عسر فتحه، وانغلق الرهن ضد الفك، والمعنى لا ينغلق الرهن من صاحبه، فلا يفك. قال في النهاية: غلق الرهن إذا بقي في يد المرتهن، لا يقدر راهنه على تخليصه، وكان هذا من فعل الجاهلية، أنَّ الراهن إذا لم يؤدِّ ما عليه من الوقت المعيَّن ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام. - له غُنْمه: بضم الغين المعجمة وسكون النون، هي زيادته وثمرته وكسبه. - عليه غُرمه: بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة، هو هلاكه ونقصه ونفقته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - معنى الحديث: أنَّ المرتهن لا يستحق الرَّهن إذا عجز الرَّاهن عن أداء ما رهنه به؛ لأنَّ الرهن ملك للراهن لا يزال ملكه عليه، وإنما هو وثيقة بيد المرتهن؛ لحفظ ماله من الدين عند الراهن.

стр. 2235

٢ - الفائدة من الحديث بيان أنَّ نفقة الحيوان المرهون ومؤنته على الراهن، فليس على المرتهن شيء منها، كما أنَّ له غنمه من ثمرة وزيادة وكسب، كما جاء في الحديث السابق: "الخراج بالضمان". ولا يعارض الحديث الذي قبله، فتلك مسألة خاصة مستثناة للمصلحة؛ لئلا تضيع مصالح الحيوان المركوب والمحلوب على مالكه ومرتهنه. ٣ - كما يشمل الحديث معنًى آخر: ذلك أنَّه إذا حل أجل الدين في الجاهلية، ولم يوف الراهن المرتهن دينه، فإنَّ المرتهن يملك الرهن بغير إذن الراهن. فأبطل الإسلام هذه المعاملة الظالمة، وأخبر أنَّ الرهن لمالكه أمانةً عند المرتهن، لا يجبر الراهن على بيعه إلاَّ إذا تعذر الوفاء، حينئذٍ تأتي الفائدة من الرهن فيباع ويوفى الدين، فإن بقي من الثمن شيء فهو للراهن، وإن لم يف ثمن الرهن بالدين، فبقية الدين لا تزال في ذمة الراهن. والله أعلم. ***

стр. 2236

٧٣٧ - وَعنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بكْرًا، فَقدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أبَا رَافِعٍ أنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بكْرَهُ، فَقَال: لاَ أجِدُ إِلاَّ خِيَارًا رَبَاعِيًّا، فَقَال: أعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهمْ قَضَاءً" رَواهُ مُسْلِمٌ. (١) ــ * مفردات الحديث: - استلف: استقرض، أي: أخذه نسيئة - بكْرًا: بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف، الفتي من الإبل، جمعه أبكر وبكار. - خيارًا: بكسر الخاء، أي جيد، فخيار الشيء أفضله. - رباعيًا: بفتح الراء، وأما الباء فيجوز فيها التخفيف والتشديد، والسن الرباعية هي التي بين الثنجة والناب، والرباعي من الإبل ما دخل في السنة السابعة، حينما تسقط رباعيته. - خيار الناس: اسم "إنَّ"، ويحتمل أنَّ يراد به المفرد بمعنى المختار، ويحتمل أن تكون جميعًا. - أحسنهم: خبر "إن"، والأصل التطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، فإن كان المبتدأ مفردًا بمعن المختار فالمطابقة حاصلة، وإلاَّ فأفعل التفضيل المضاف المقصود منه الزيادة، يجوز فيه الإراد والمطابقة لمن هو له. - قضاءً: منصوب على التمييز.

стр. 2237

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز القرض، وأنه ليس من المسألة المذمومة؛ لأنَّه ارتفاق بالشيء ليرد إلى صاحبه مثله. ٢ - أنَّ العدل هو أن يرد المقترِض مثل ما اقترض، فإذا ردَّ أفضل منه بلا شرطٍ، ولا مواطأةٍ فلا بأس، ولا يعتبر من القرض الذي جرَّ نفعًا؛ لأن الزيادة لم تقصد، ولم يستشرف لها المقترِض. ٣ - جواز قرض الحيوان، ورد بدله حيوانًا مثله. ٤ - أنَّ خير الناس أحسنهم قضاءً، ممن يقضي بلا مماطلة، ويكافيء مقرِضه إحسانًا على إحسانه؛ لكنه إحسان غير مشترط. ٥ - جواز القرض لحاجة ما تولى عليه الإنسان من وقفٍ، أو وصيةٍ، أو مال يتيمٍ، إذا كان في الاستقراض والاستدانة غبطةٌ أو مصلحةٌ لما تولى عليه. ٦ - جواز التوكل في مثل هذه التصرفات التي تدخلها النيابة. ٧ - أنَّ ربا الفضل وربا النسيئة لا يجريان بين الحيوانات، ولو كانا من جنس واحد؛ لأنَّ علة الربا على الراجح هي الكيل أو الوزن مع الطعم. ٨ - أنَّ الحيوان مما تنضبط صفاته، فيجوز بيعه بالصفة، ويجوز السلم فيه. ٩ - أنَّ من تولى على ما ليس له، من نظارة على وقفٍ، أو وصايةٍ على وصيةٍ، أو ولايةٍ على صغيرٍ أو مجنونٍ أو سفيهٍ، ونجوإ ذلك، له التصرف فيما يتولى عليه، ولو كان تصرفه يشبه المحاباة للغير، إذا كان التصرف يحقق مصلحةً لما تولى عليه من حق غيره. ١٠ - أنَّ والي المسلمين يتصرف في بيت المال بما يرى أنَّه الأحسن والأصلح. * فائدة: إن نقصت قيمة الدراهم مع بقاء التعامل بها، ردَّ المقترض مثلها على المذهب، وعليه أكثر الأصحاب؛ لأنَّ زيادة القيمة ونقصانها لا يسقط المثل عن

стр. 2238

ذمة المقترض. واختار الشيخ تقي الدين وابن القيم رد القيمة كما لو حرَّمها السلطان. قال الشيخ عبد الله بن محمد: هو أقوى. وألحق الشيخ تقي الدين سائر الديون بالقرض، وتابعه كثير من الأصحاب. ***

стр. 2239

٧٣٨ - وَعنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا" رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ (١)، وَلَهُ شَاهدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ، (٢) وَآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَمٍ ﵁ عِنْدَ البُخَارِيِّ. (٣) ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه البغوي قال: حدثنا سوار بن مصعب عن عمارة عن علي بن أبي طالب مرفوعًا، وهذا إسناد ضعيف جدًا، قال ابن عبد الهادي؛ هذا إسنادٌ ساقطٌ، وسوار متروك الحديث، وقال عمر الموصلي: لم يصح فيه شيء. وهو مع ضعفه لكن له شواهد موقوفة على ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، وفضالة بن عبيد، ويؤيده إجماع العلماء على ذلك، وعملهم به. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الغرض من القرض الحَسن هو الإرفاق، ونفع المقترض المحتاج إليه، وثمرته للمقرِض الإحسان، ورجاء الثواب من الله تعالى. ٢ - لذا جاء التحريم برد الزيادة أو الانتفاع من المستقرض، لقاء ما قدَّمه

стр. 2240

المقرِض من قرض. ٣ - لذا قال ﷺ : "كل قرض جر منفعة فهو ربا" وقال ابن مسعود: كل قرض جر نفعًا فهو ربا، وحكاه الوزير اتفاقًا، وقال الموفق: كل قرض بشرط زيادة فهو حرام بلا خلاف. وهذا الحديث إسناده متكلم فيه، لكن له شواهد كثيرة منها ما في البخاري (٣٨١٤) عن عبد الله بن سلام: "إذا كان ذلك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبنٍ، أو حمل شعيرٍ، أو حمل قتٍّ، فلا تأخذه، فإنَّه ربا" وأورد غيره من الآثار، والأصول الشرعية تعضد ذلك. قال في شرح الزاد: ويحرم كل شرط جرَّ نفعًا، كأن يسكنه داره، أو يقضيه خيرًا منه. فالقرض الذي يجر نفعًا هو القسم الثالث من أقسام الربا. ٤ - قال في شرح الزاد: وإن بدأ بما فيه نفع بلا شرط ولا مواطأة بعد الوفاء، أو إعطاه أجود بلا شرط جاز. وقال الموفق: تجوز الزيادة في القدر والصفة بلا شرط ولا مواطأة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ استلف بَكْرًا فردَّ خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاءً" [متَّفق عليه]. ذلك أنَّه من مكارم الأخلاق عرفًا وشرعًا. ٥ - ما يؤخذ عند تحويل النقد من بلد إلى آخر، إذا كان بقدر أجرة البنك الذي عمل التحويل فلا بأس بأخذها؛ لأنَّها أجرة على ذلك. ٦ - قال ابن القيم في تهذيب السنن: واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم، وشرط عليه أن يوفيه إياها ببلد آخر، ولا مئونة لحملها، فروي عنه أنَّه قال: لا يجوز، وكرهه مالك والشافعي، وروي عن أحمد الجواز؛ لأنَّه مصلحة لهما، ولم ينفرد المقترض بالمنفعة، وحكي عن علي، وابن

стр. 2241

عباس، وابن الزبير، والثوري، وإسحاق وغيرهم. والصحيح جوازه، واختاره القاضي، وصاحب المغني، وذلك لأنَّ المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفائه إيَّاه في بلدٍ اَخر، من حيث إنَّه مصلحة لهما جميعًا، والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض، كسكنى دار المقترض، وركوب دوابه، وقبول هديته، فإنَّه لا مصلحة له في ذلك، بخلاف هذه المسائل، فإنَّ المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة. ٧ - الودائع البنكية قسمان: بفائدة، أو بغير فائدة. وهي بحالتيها تعتبر قرضًا، واستثمارها عن طريق الفائدة يعتبر قرضًا ربويًّا، فالحاصل أنَّ ودائع البنوك: إما أن تكون ودائع بفوائد، فهو القرض الربوي المحرَّم، وهو في المرة الأولى ربا فضل ونسيئة، وأما في المدة التي بعد الأولى فهو ربا الجاهلية المضاعف. وأما إذا كان بغير فائدة، فتسمى ودائع بنكية، وهي في حقيقة الأمر قروض إلاَّ أنَّها محرَّمة. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الودائع المصرفية (حسابات المصارف): قرار رقم (٨٦): إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقدة في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتَّحدة من ١ - ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ١ - ٦ نيسان "أبريل" ١٩٩٥ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الودائع المصرفية "حسابات المصارف"، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت

стр. 2242

حوله. قرَّر ما يلي: أولًا: الودائع تحت الطلب "الحسابات الجارية" سواء كانت لدى البنوك الإسلامية، أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إنَّ المصرف المتسلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعًا بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك "المقترض" مليئًا. ثانيًا: إنَّ الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي: (أ) الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية، هي قروض ربوية محرَّمة سواءٌ كانت من نوع الودائع تحت الطلب "الحسابات الجارية"، أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير. (ب) الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعليًا بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثمار على حصة من الربح هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة "القراض" في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب "البنك" لرأس مال المضاربة. ثالثًا: إنَّ الضمان في الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) هو على المقترضين لها (المساهمين في البنوك)، ما داموا ينفردون بالأرباح المتولدة من استثمارها، ولا يشترك في ضمان تلك الحسابات الجارية المودعون في حسابات الاستثمار، لأنَّهم لم يشاركوا في اقتراضها، ولا استحقاق أرباحها. رابعًا: إنَّ رهن الودائع جائزٌ، سواءٌ كانت من الودائع تحت الطلب "الحسابات الجارية" أم الودائع الاستثمارية، ولا يتم الرهن على مبالغها إلاَّ بإجراء يمنع صاحب الحساب من التصرف فيه طيلة مدة الرهن، وإذا كان البنك

стр. 2243

الذي لديه الحساب الجاري هو المرتهن لزم نقل المبالغ إلى حساب استثماري، بحيث ينتفي الضمان للتحول من القرض إلى القراض "المضاربة"، ويستحق أرباح الحساب صاحبه تجنبًا لانتفاع المرتهن (الدائن) بنماء الرهن. خامسًا: يجوز الحجز من الحسابات إذا كان متَّفقًا عليه بين البنك والعميل. سادسًا: الأصل في مشروعية التعامل الأمانة والصدق بالإفصاح عن البيانات بصورة تدفع اللبس أو الإيهام، وتطابق الواقع، وتنسجم مع المنظور الشرعي، ويتأكد ذلك بالنسبة للبنوك تجاه ما لديها من حسابات؛ لاتصال عملها بالأمانة المفترضة ودفعًا للتغرير بذوي العلاقة. والله أعلم * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن فرض الغرامة المالية على تأخر السَّداد: إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ، إلى يوم الأحد ٢٥ رجب ١٤٠٩ هـ، قد نظر في موضوع السؤال المطروح من فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح المستشار الشرعي للبنك الإسلامي في الأردن، وصورته كما يلي: "إذا تأخر المدين عن سداد الدين في المدة المحددة، فهل له -أي البنك- الحق بأن يفرض على المدين غرامة مالية جزائية، بنسبة معيَّنة، بسبب التأخير عن السداد في الموعد المحدد بينهما؟ ". وبعد البحث والدراسة قرَّر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع ما يلي: إنَّ الدائن إذا شرط على المدين، أو فرض عليه أن يدفع له مبلغًا من المال، غرامةً ماليةً جزائيةً محددةً، أو بنسبةٍ معيَّنةٍ إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل، سواء

стр. 2244

كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأنَّ هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أعضاء المجلس * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن السندات: قرار رقم (٦٠): إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة، في المملكة العربية السعودية، من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ، الموافق ١٤ - ٢٠ آذار "مارس" ١٩٩٠ م. بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة "الأسواق المالية" المنعقدة في الرباط ٢٠ - ٢٤ ربيع الثاني ١٤١٠ هـ/ ٢٠ - ٢٤/ ١٠/ ١٩٨٩ م، بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريبات بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية. وبعد الاطلاع على أنَّ السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الإسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متَّفق عليها منسوبة إلى القيمة الإسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط، سواء كان جوائز توزع بالقرعة، أم مبلغًا مقطوعًا، أم حسمًا. قرر ما يلي: أولاً: إنَّ السندات التي تمثل التزامًا بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط، محرَّمة شرعًا، من حيث الإصدار، أو الشراء، أو التداول؛ لأنَّها قروض ربوية، سواءٌ كانت الجهة المصدرة لها خاصةً، أو عامةً ترتبط بالدولة.

стр. 2245

ولا أثر لتسميتها شهادات، أو صكوكًا استثمارية، أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحًا، أو ريعًا، أو عمولة، أو عائدًا. ثانيًا: تحرم أيضًا السندات ذات الكوبون الصفري، باعتبارها قروضًا يجري بيعها بأقل من قيمتها الإسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها حسمًا لهذه السندات. ثالثًا: كما تحرم أيضًا السندات ذات الجوائز، باعتبارها قروضًا اشترط فيها نفع، أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار. رابعًا: من البدائل للسندات المحرَّمة إصدارًا، أو شراءً، أو تداولاً، السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع، أو نشاط استثماري معيَّن، بحيث لا يكون لمالكيها فائدةٌ، أو نفعٌ مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع، بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك، ولا ينالون هذا الربح إلاَّ إذا تحقق فعلاً، ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تمَّ اعتمادها بالقرار رقم (٣٠) لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة. والله أعلم. ***
следующие страницы →