- أكتافكم: بالمثناة الفوقية، جمع كتف، وهو العاتق، أي بينكم، ويروى بالنون "أكنافكم" جمع كنف بفتحها، ومعناها أيضا بينكم؛ لأنَّ الكنف الجانب.
قال ابن عبد البر: قرأناه في الموطأ بالتاء والنون، يعني بالوجهين بأكتافكم، وبأكنافكم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - للجار حقوق كثيرة كبيرة على جاره تجب مراعاتها، فقد حثَّ النبي ﷺ على صلة الجار، وبره، والإحسان إليه، وكف الأذى عنه، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وجاء في البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥)، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيورثه" وجاء في البخاري (٦٠١٦) أنَّه ﷺ قال: "والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه"، والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا.
٢ - ومن حُسن الجوار، ومراعاة الحقوق، أن يبذل الجار لجاره المنافع التي لا تعود عليه بالضرر الكبير، وينتفع بها الجار.
٣ - من ذلك أنَّه يجب على الجار أن يأذن لجاره أن يضع خشبة على جداره، إذا لم يكن عليه ضرر كبير من وضعها، وكان الجار في حاجةٍ إلى ذلك، ويحرم عليه منعه؛ لأنَّ النَّهي يفيد التحريم.
٤ - فهِمَ بعض العلماء أنَّ النَّهي للكراهة فقط، أما أبو هريرة ﵁ فقد فهِم من النَّهي التحريم من المنع؛ ولذا أنكر على أهل المدينة إعراضهم عن هذه السنة والأخذ بها، وفهم الصحابي مقدم على فهم غيره.
٥ - هذه من حقوق الجار التي حثَّ عليها الشارع، وأمر ببره بها، والإحسان إليه، فيقاس على وضع الخشب غيره من الانتفاعات التي يكون في الجيران
стр. 2277
حاجةٌ إليها، وليس على مالك المنفعة مضرةٌ كبيرةٌ في بذلها، فحينئذٍ يجب بذلها، ويحرم منعها، قياساً على التي قبلها.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على المنع من وضع الخشب على جدار الجار مع وجود الضرر إلاَّ بإذنه؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار".
واختلفوا فيما إذا لم يكن على صاحب الجدار ضرر، وكان بصاحب الخشب حاجة إلى وضعها، وذلك بأن لا يمكنه التسقيف إلاَّ بالوضع على جداره.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه لا يجوز، مستدلين بأصل المنع؛ لحديث: "لا يحل مال امريء مسلم، إلاَّ بطيبةٍ من نفسه"، وحديث: "أموالكم عليكم حرام" رواه مسلم (١٢١٨)، ونحو ذلك من الأدلة.
وذهب الإمام أحمد وإسحاق وأهل الحديث إلى وجوب بذل الجدار لصاحب الخشب، مع حاجة الجار إليه، وقلة الضرر على صاحب الجدار، وأنَّ على الحاكم إجباره بطلب صاحب الخشب، إذا امتنع من ذلك.
الدليل على ذلك:
١ - ظاهر الحديث الذي معنا، فإنَّه ورد بصيغة النَّهي المؤكد، والنَّهي يقتضي التحريم، وإذا كان حراماً فإنَّ البذل واجب.
٢ - أبو هريرة راوي الحديث استنكر عدم الأخذ بهذه السنة، وتوعَّد على تركها، والإعراض عنها.
وهذا يقتضي فهمه لوجوب البذل، وتحريم المنع، وراوي الحديث أعرف بمعناه.
٣ - ورد مثل هذه القضية في زمن عمر بن الخطاب، فقد روى مالك بسند صحيح أنَّ الضحاك بن خليفة سأل محمَّد بن مسلمة أن يجري خليجًا له في
стр. 2278
أرض محمَّد بن مسلمة فامتنع، فكلَّمه عمر في ذلك فأبى، فقال عمر: والله ليمرنَّ ولو على بطنك، ولم يُعلم لعمر مخالفٌ من الصحابة، فكان اتفاقًا منهم.
٤ - أنَّ الله عظَّم حق الجار، وأكَّد حرمته، فله على جاره حقوق، فإذا لم يبذل له ما ليس عليه فيه مضرة، فأين رعاية الحقوق.
أما العمومات التي يستدل بها الجمهور على عدم الوجوب، فهي مخصَّصة بهذا الحديث الصحيح؛ للمصالح المذكورة.
***
стр. 2279
٧٤٩ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ لامْرِيءٍ أنْ يَأُخُذَ عَصَا أخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" رَوَاهُ ابْنُ حِبَّان وَالحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه الدارقطني (٣/ ٢٥)، من طريق مقسم عن ابن عباس، ورواه البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي، وهو من رواية سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حُميد، وقوَّى ابن المديني رواية سهيل، وله شاهد من حديث يزيد ابن أخت نمر، قال البيهقي: إسناده حسن، وحديث أبي حميد أصح ما في الباب. وقال الزيلعي: إسناده جيد.
* مفردات الحديث:
- لامريء: أصله المرء، مثلث الميم: الإنسان، مثناه مرآن، والنسبة إليه مريء، فإن جئت بهمزة الوصل صار فيه ثلاث لغات، فتح الراء أو ضمها، أو إعرابها.
- العصا: العود، وما يتوكأ عليه، ويضرب به، وهو من الخَشب، مؤنث، وهو واوي، والدليل أنَّ مثنَّاه عصوان، جمعها عصي.
- طيب النفس: يقال طاب عنها شيء نفساً تركه، والمعنى طابت نفسه عن شيء بحله ورضاه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جاء في خطبة النبي ﷺ يوم عرفة، وهو يودع الناس، قوله: "إنَّ دماءكم
стр. 2280
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت، اللَّهم اشهد" [البخاري (١٦٥٤)].
٢ - فحديث الباب يفيد تحريم أخذ أموال الناس بغير رضا أنفسهم، وطيبة قلوبهم، فمن أخذها واستولى عليها بغير طريق الرضا، فهي عليه حرام.
٣ - حقوق العباد عظيمة، فالذنوب التي بين العبد وبين ربه تكفرها التوبة النصوح، أما حقوق العباد فلا يكفرها مع التوبة إلاَّ البراءة منها بأدائها، أو استحلال أهلها، أو غير ذلك من التخلص من تبعاتها.
٤ - الشهادة في سبيل الله تعالى تكفر الذنوب كلها إلاَّ الدين، كما جاء في مسلم (٣٤٩٧) من حديث أبي قتادة أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله: أرأيتَ إن قُتِلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إلاَّ الدين، فإنَّ جبريل قال لي ذلك".
٥ - أما أموال الغير فمع طيب النفس حلال وطيبة، والرضا يكون بالإذن الصريح، ويكون بما يدل عليه من قرينة، أو من حالة صاحب الحق، وصِلته بالمستبيح، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] لأنَّ القرابة والصداقة مظنة الإذن والإباحة.
٦ - هذه أمور الإباحة فيها أو عدمها ترجع إلى ما تعارف عليه الناس، واعتادوه بينهم، كما ترجع إلى ما يعرف عن أصحاب البيوت من السماح، وطيبة النفس أو عدم ذلك، فالمرجع هو طمأنينة القلب وراحة النفس في مثل هذه الأحوال التي تختلف باختلاف الناس، وباختلاف الوقت والمكان.
стр. 2281
باب الحوالة
مقدمة
الحوالة: بفتح الحاء وكسرها، مشتقة من التحول وهو الانتقال، فهي تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وهي ثابتة بالسنة كما في حديث الباب، وبإجماع العلماء، وبالقياس الصحيح، فإنَّ الحاجة داعيةٌ إليها.
قال ابن القيم: قواعد الشرع تقتضي جوازها؛ لأنَّها على وفق القياس.
وقال بعضهم: هي من بيع الدين، ولكن جاز فيها تأخير القبض من باب الرخصة، وتكون حينئذٍ على خلاف القياس، ولكن الصحيح خلاف ذلك، فإنَّها ليست من باب بيع الدين بالدين، وإنما هي من جنس إيفاء الحق؛ ولذا أمر النبي ﷺ بها في معرض الوفاء، وأداء الدين.
أما فائدتها: فهي تسهيل المعاملات بين الناس، لاسيَّما إذا كان الغريم في بلد، والمحال عليه في بلدٍ آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه، وإذا أحال المدينُ غريمَه على من لا دين عليه، فهو توكيل في الاستقراض، وليس من الحوالة، وليس لها أحكامها.
وكذا إحالة من لا دين له على من له عليه دين، فليست حوالة، وإنما هو توكيل في القبض من المدين.
* التحويل البنكي:
كان التجَّار في القرون القريبة يستعملون في تحويلهم النقود من بلد إلى
стр. 2282
آخر ما يسمى "السَّفْتَجَة"، التي صورتها أنَّ شخصاً يسلم شخصًا آخر نقوداً؛ ليحيله بمثلها في بلدٍ آخر، فيكتب قابض النقود لدافعها خطابًا، ليقبض بدلها في بلدٍ آخر، يعملون ذلك ليأمن الدافع من خطر الطريق، ولغير ذلك من المقاصد.
فهذه المعاملة منعها الحنفية والشافعية، واعتبروها من القرض الذي يجر نفعًا. وأجازها الحنابلة، وأيَّدهم شيخ الإسلام ابن تيمية، واعتبروها من نوع الحوالة، ولأنَّه ليس فيها محذور شرعي، والأصل في المعاملات الإباحة.
وورد أنَّ عبد الله بن الزبير ﵁ كان يقبض النقود من الرجل في مكة، ويكتب له خطاباً إلى أخيه مصعب في العراق ليسلمه بدلها.
أما الآن فحلَّ محلَّ "السفتجة" التحويل البنكي، وذلك بأن تسلم بنكَ البلد الذي أنت فيه نقودًا ثم يعطيك "شيكاً" لتقبض بدل نقودك في بلد آخر، وقد يكون في نفس البلد الذي أنت فيه، فهذه المعاملة أجازتها "المجامع الفقهية الإسلامية"، وعليها العمل في جميع البلدان الإسلامية وغيرها، وسواء كانت النقود المحولة من جنسى النقود المدفوعة، أو من غير جنسها.
* قرار المجمعى الفقهي بشأن التحويل البنكي:
وقد أصدر مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً في دورته الحادية عشرة برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وعضوية مجموعة كبيرة من العلماء يمثلون الأقطار الإسلامية والمذاهب الاجتهادية، وقرَّروا ما يلي:
١ - يقوم تسليم الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف.
٢ - يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض، لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعملة مودَعة فيه.
стр. 2283
٧٥٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبِعْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لأِحْمَد: "وَمَنْ أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَطْلُ الغَنِيِّ: هذه من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمَطْل لغة: المد، مطل الحديدة يمطلها إذا ضربها لتطول، وكل ممدود، والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
- الغني: غني يغنى غنًى، مثل رضي يرضى رضا، والجمع أغنياء، وأصله السعة، والمراد بالغني القادر على الأداء.
- أُتْبعَ: بضم همزة القطع وسكون التاء المثناة الفوقية وكسر الباء الموحدة، على البناء للمجهول.
قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه بالتشديد، وصوابه بسكون التاء على وزن أكرم.
- مليء: بالهمزة مأخوذ من الامتلاء بالهمز، يقال: ملؤ الرجل أي صار مليئًا، والمليء مهموز على وزن فعيل، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء، والمراد به الغني القادر على الوفاء.
- فَلْيتْبع: بفتح الياء، ومعناه: إذا أحيل فليحتل، كما هو في الرواية الأُخرى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث الشريف أدبٌ من آداب المعاملة الحسنة، بأمر المدين
стр. 2284
بحُسن القضاء، وأمر الدائن بحسن الاقتضاء.
٢ - فالغريم إذا طلب حقه فإنَّ الواجب أداؤه، ويحرم على الغني مطله؛ لأنَّ الحيلولة دون حقه بلا عذر ظلم.
٣ - لفظ "مَطْل" يشعر بأنه لا يحرم التأخير إلاَّ عند طلب الغريم، أو ما يدل على رغبته في استيفاء حقه.
٤ - تحريم المَطل خاص بالغني، أما الفقير أو العاجز لشيء من الموانع فلا يحرم عليه، لأنَّه معذور.
٥ - تحريم مطالبة المعسر، ووجوب إنظاره إلى ميسرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة].
٦ - ظاهر الحديث أنَّ المدين إذا أحال غريمه على ملىء وجب عليه التحول، ويأتي الخلاف إن شاء الله.
٧ - أما مفهوم الحديث فإنَّه إذا أحاله على غير مليء، فلا يجب على المحال قبوله.
٨ - فسر العلماء "المليء" بأنَّه ما اجتمع فيه ثلاثة صفات:
- أن يكون قادرًا على الوفاء، فليس بفقير.
- صادقًا بوعده، فليس بمماطل.
- يمكن جلبه إلى مجلس الحكم، فلا يكون ذا جاه يمتنع بجاهه، أو يكون أبًا للمحال، فلا يمكنه الحاكم من مرافعته.
٩ - ظاهر الحديث انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال إليه، والصحيح أنَّ المحال إن قَبِل برضاه عالمًا بفَلَس المحال عليه، أو موته، أو مماطلته، ونحو ذلك، ولم يشترط الرجوع عند تعسر الاستيفاء، فإنَّه لا يرجع، وإن لم يكن راضيًا بالحوالة على المعسر ونحوه، أو كان راضيًا لكن يجهل حاله، فله الرجوع عند تعذر الاستيفاء أو تعسره، والله أعلم.
стр. 2285
١٠ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا دعت الضرورة إلى التحويل من طريق البنوك الربوية، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، وهكذا الإيداع للضرورة بدون اشتراط الفائدة، فإن دفعت الفائدة بدون شرط، فلا بأس من أخذها لصرفها في المشاريع الخيرية، كمساعدة الفقراء، ومن عليهم دين، ونحو ذلك.
١١ - أما السَّفْتَجَة وهي خطاب مالي يكتبه الإنسان لمن دفع إليه مالاً علها سبيل التمليك، لكي يقبض بدلاً عنه في بلد آخر معيَّن.
فقد اختلف العلماء في حكمها:
الجمهور -ومنهم الحنفية والشافعية- على المنع؛ لأنَّهم يعتبرونها قرضًا جر نفعًا.
ويرى الحنابلة وشيخ الإسلام أنَّها من قبيل الحوالة، ولا يوجد محذورٌ شرعيٌّ في جوازها.
١٢ - قال الشيخ علي بن أحمد السالوس: إذا استلم منك البنك نقودًا، وأعطاك بها شيكًا لتستلمها في بلدآخر، فهل ينطبق عليها حكم مايسمى في الفقه الإسلامي السفتجة.
أفتى مجمع البحوث الإسلامي بالقاهرة أنَّها حلال.
١٣ - قال الشيخ تقي الدين: إذا أقرضه دراهم ليستوفي منه في بلد آخر، فقد اختلف العلماء في جوازه، والصحيح الجواز، واختاره القاضي والموفق في المغني.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على اعتبار المحيل في الحوالة.
واختلفوا في اعتبار رضا المحال والمحال عليه.
فذهب أبو حنيفة إلى اعتبار رضاهما؛ لأنَّها معاوضة يشترط لها الرضا من
стр. 2286
الطرفين، فهما طرف، والمحيل هو الطرف الآخر.
وذهب الجمهور -ومنهم المالكية والشافعية- إلى اعتبار المحال فقط.
وذهب الإمام أحمد، والظاهرية، وأبو ثور، وابن جرير، إلى أنَّ الأمر للوجوب، وأنه يتحتَّم على من أُحيل بحقه على مليء أن يتْبع.
لكن إن كانت الحوالة على غير مليء، فعند الظاهرية أنَّها حوالة فاسدةٌ لا تصح؛ لأنَّها لم تصادف محلها الذي ارتضاه الشارع، وهو الملاءة.
وعند الحنابلة تصح؛ لأنَّ الحق للمحال إذا رضي بذلك.
***
стр. 2287
باب الضمان
مقدمة
الضمان: من التضمن؛ لأنَّ ذمة الضامن تتضمن الحق الذي في ذمة المضمون عنه.
وشرعًا: التزام من يصح تبرعه دينًا، وَجَبَ أو سيجب على غيره، مع بقاء ما وجب، أو سيجب على المضمون عنه، فلا يسقط عنه بالضمان.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع ويقتضيه القياس الصحيح.
قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف].
وأما السنة: فمثل حديث جابر، وحديث أبي هريرة في الباب.
وأجمع على جوازه، ونفوذه العلماء.
ويصح وينعقد بلفظ: أنا ضمينٌ، وكفيلٌ، وحميلٌ، وزعيمٌ، ونحوه مما دلَّ عليه.
وقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب أنَّ الضمان يصح بكل لفظ فُهِم منه الضمان عرفًا.
***
стр. 2288
٧٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكفَّنَّاهُ، ثُمَّ أتيْنَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًا، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقُلْنَا: دِيْنَارَانِ فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أبُو قَتَادَةَ، فَأَتيْنَاهُ، فَقَالَ أبُو قَتَادَةَ: الدِّيْنَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : حَقَّ الغَرِيمَ، وَبَرِيءَ مِنْهُمَا المَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" رَواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح الإسناد، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ابن حبان، والدارقطني، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي.
وللحديث شواهد منها:
١ - حديث أبي قتادة، رواه النسائي، وابن ماجة (٢٣٩٨)، وأحمد، وابن حبان.
٢ - حديث سلمة بن الأكوع، في البخاري (٢١٦٩).
٣ - حديث أبي أمامة عند ابن حبان في الثقات (٣٠٥٩).
وبين هذه الشواهد زيادات ونقص.
* مفردات الحديث:
- حَنَّطنَاه: الحنوط، ويقال الحِناط بكسر الحاء: هو أنواع من الطيب والكافور،
стр. 2289
وذريرة القصب والصندل الأحمر والأبيض، يوضع في أكفان الميت خاصة؛ لتصليب جسده، شده من بعض هذه المواد.
- فخطا خُطًا: أي مشى عدة خطوات، وخُطَا بالضم على وزن هُدى، جمع خطوة.
- فَتَحمَّلهَا: فضمن أبو قتادة الدينارين عن الميت لصاحب الدين.
- حق الغريم: منصوب على المصدر مؤكد لمضمون قوله: "الديناران عليَّ"، أي حقَّ عليك الحق، وثبت عليك، وكنت غريمًا.
- وبريءَ الميت: أي وخلص الميت من الدين، ومن تبعته.
***
стр. 2290
٧٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوفَّى عَلَيْهِ الدَّينُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَالَ: صَلُّوا عَلى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَال: أنَا أوْلَى بِالمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "فَمَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عليه دين: جملة حالية.
- من قضاء: أي هل ترك قدرًا زائدًا على مؤنة تجهيزه يكفي لقضاء دينه.
- وإلاَّ: أي وإن لم يترك وفاء، قال: "صلوا على صاحبكم".
- الفُتُوح: أي لما جاءت فتوح بلدان الكفار، وصار في بيت المال من أموال الفيء.
- أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم: أي أحق وأقرب إليهم من أنفسهم، لما له ﷺ عليهم من الحُكم النافذ فيهم، فكذلك هو ضامن لأداء ديونهم إذا كانوا معذورين ومعسرين.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - عِظَم خطر الدين، وأنَّه من أهم الواجبات على الميت، فإنَّ الشهادة في سبيل الله تكفر جميع الذنوب كبيرها وصغيرها إلاَّ الدَّين، كما جاء ذلك في صحيح
стр. 2291
مسلم (١٨٨٥) عن أبي قتادة أنَّ رجلاً سأل النَّبيَّ ﷺ فقال: "أرأيتَ إن قُتِلت في سبيل الله، أتكَفَّر عني خطاياي؟ فقَال: "نعم إلاَّ الدَّين، فإنَّ جبريل قال لي ذلك".
٢ - أنَّ ذمة الميت مشغولة بدينه والحقوق التي عليه حتى تؤدى عنه، فتجب المبادرة بأدائها، لما روى الإمام أحمد (٩٣٠٢) والترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يُقْضى عنه".
قال شيخ الإسلام: وهذا الدين سواء كان لله تعالى كالزكاة والحج ونذر الطاعة والكفارة، أو للآدمي كأمانةٍ، وغصبٍ، وعاريةٍ، وغير ذلك.
وسواء أوصى بذلك أو لم يوص به؛ لأنَّها حقوق واجبة الأداء مطلقًا.
٣ - الحديث أصل في جواز الضمان، حينما يلتزم المكلف الرشيد بذمته ما وجب على غيره من الحقوق المالية، مع بقاء تلك الحقوق بذمة المكفول.
٤ - استحباب المبادرة في قضاء دين الميت؛ لتأخر النبي ﷺ عن الصلاة عليه حينما علِمَ أنَّه مدين.
٥ - جواز الضمان في الحقوق المالية حتى عن الميت، سواء ترك وفاء أو لم يترك؛ لأنَّ أبا قتادة لما تحمل دين الميت صلَّى عليه النبي ﷺ .
٦ - أنَّ هذا التحمل عن الميت لا يبرئه براءة تامَّة من الدين؛ لقوله ﷺ : نفس المؤمن معلقةٌ بدينه، حتى يُقضى عنه" رواه أحمد (٩٣٠٢) ولأنَّه لما أخبره أبو قتادة بأنه قضى عن الميت دينه قال: "الآن برَّدْتَ عليه جلدته" [رواه أحمد (١٤٠٠٩)] ولكنه يخفف عنه ثقله.
٧ - يترتب على هذا أنَّ الأفضل هو المبادرة بقضاء دين الميت، فإن لم يمكن يتحمل أحد عنه دينه، ويبادر أيضًا بقضائه؛ لتكمل راحة الميت من تبعاته.
٨ - من عظم الدين وحقوق العباد -ولعله من "باب التعزير"- امتناع النبي ﷺ -
стр. 2292
من الصلاة عليه، فإنَّ في ذلك ردعًا لغيره عن التهاون بحقوق العباد.
٩ - أما ما جاء في الحديث رقم: (٧٥٢) من كونه ﷺ يوفي دين من مات وعليه دين، ليس عنده ما يُوفَّى به عنه، فذلك بعد أن كَثُرت عنده أموال الفيء، أما الحالة الأولى فكانت في حال خلو بيت مال المسلمين من المال.
١٠ - النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأشفق عليهم من أنفسهم، فكان من تمام رأفته بهم، وشفقته عليهم أنَّه يتحمل عن موتاهم ديونهم، التي لا يوجد لها وفاء بعدهم، ويوفيها من بيت مال المسلمين.
١١ - أنَّ الأحكام الشرعية تكون حسب المصالح والأحوال الراهنة، فولي أمر المسلمين إذا كان في خزينة الدولة شيء قام بواجبات الولاية وأمر الرعية، التي منها وفاء ديون المعسرين، وإذا لم يكن في الخزينة شيء، أو كانت النفقات الأخر أهم، ولا أمكن التوفيق بينهما فلا يلزم ولي الأمر شيء.
١٢ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ما يجب على بيت المال دفعه من الديات والديون:
الأولى: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين من دية، أو غيرها من الديون ولم يخلف له وفاءً، فعلا ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة.
الثانية: إذا جنى إنسانٌ على آخر وقَتلَهُ، وكانت الجناية خطأً، أو شبه عمد، ولم يكن له عاقلةٌ موسرةٌ، فالدية في بيت المال.
الثالثة: كل من جُهل قاتله بزحمة ونحو ذلك فديته في بيت المال.
الرابعة: إذا حكم القاضي بالقسامة فنكل الورثة عن الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعى عليه، فداه الإمام من بيت المال.
стр. 2293
* قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بشأن خطاب الضمان: قرار رقم (١٢):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ، الموافق ٢٢ - ٢٧ ديسمبر ١٩٨٥ م.
بحث مسألة خطاب الضمان: وبعد النظر فيما أعد في ذلك من بحوث ودراسات وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة تبين ما يلي:
١ - أنَّ خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالاً أو مآلاً، وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي، باسم: "الضمان" أو "الكفالة".
وإن كان خطاب الضمان بغطاء، فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي "الوكالة"، والوكالة تصح بأجر، أو بدونه، مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد "المكفول له".
٢ - أنَّ الكفالة هي عقد تبرع يقصد للإرفاق والإحسان، وقد قرَّر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة؛ لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرَّ نفعًا على المقرض، وذلك ممنوع شرعًا.
стр. 2294
ولذلك فإنَّ المجمع قرَّر ما يلي:
أولاً: إنَّ خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان: "والتي يراعى فيها عادةً مبلغ الضمان ومدته" سواءٌ كان بغطاء أم بدونه.
ثانيًا: أما المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعية فجائزة شرعًا، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي، يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء.
والله أعلم
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع بطاقات الائتمان غير المغطاة: قرار رقم (١٠٨):
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ، الموافق ٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠م.
بناءً على قرار المجلس رقم: (٦٥/ ١/ ٧) في موضوع الأسواق المالية بخصوص بطاقة الائتمان، حيث قرَّر البت في التكييف الشرعي لهذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة.
وإشارة إلى قرار المجلس في دورته العاشرة رقم (١٠٢/ ٤/ ١٠)، وبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع "بطاقات الائتمان غير المغطاة" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء والاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم: (٦٣/ ١/ ٧) الذي يستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنَّه:
مستند يعطيه مصدره "البنك المصدر" لشخص طبيعي أو اعتباري "حامل
стр. 2295
البطاقة" بناء على عقد بينهما، يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممَّن يعتمد المستند "التاجر"، دون دفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد.
قرَّر ما يلي:
أولاً: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين.
ويتفرع على ذلك:
(أ) جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد، بصفتها أجراً فعليًّا على قدر الخدمات المقدمة منه.
(ب) جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد.
ثالثًا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، ولا حرج فيه شرعًا، إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرَّمة؛ لأنَّها من الربا المحرَّم شرعًا، كما نصَّ على ذلك المجمع في قراره رقم: (١٣/ ١٠/ ٢) و (١٣/ ١/ ٣).
رابعًا: لا يجوز شراء الذَّهب والفضة، وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة.
والله أعلم
стр. 2296
باب الكفالة
مقدمة
الكفالة: مصدر كفل، بمعنى التزم.
وشرعاً: التزام رشيد برضاه إحضار من تعلق به حق مالى لرب الحق.
وتنعقد الكفالة بالألفاظ التي ينعقد بها الضمان، نحو: أنا ضمين ببدنه وزعيم؛ لأنَّ الكفالة من نوع الضمان.
والكفالة: ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
قال تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
وقد أخرج أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس: أنَّ رجلاً لزم غريمًا له حتى يقضيه أو يأتي بحميل، فقال النبي ﷺ : "أنا أحمل".
وحكى غيرُ واحد الإجماع عليها، والحاجة داعية إلى استيثاق.
* موضوع الكفالة:
الكفالة لا تصح إلاَّ في حق مالي لا بدني، ولذا فإنَّها تصح بإحضار بدن كل إنسان عنده عين مضمونه كعارية؛ ليردها أو يرد بدلها إن كانت تالفة، كما تصح بإحضار بدن من عليه دين.
فصحت الكفالة بذلك؛ لأنَّ كُلاًّ من العين والدين حق مالى.
أما الحقوق المتعلقة بالبدن فلا تصح الكفالة فيها؛ لأنَّه لا يمكن استيفاؤها أو أداؤها إلاَّ من نفس بدن مَن وجب عليه الحق.
стр. 2297
فمثل حدود الله تعالى كالزنا، أو حدٍّ حقه للآدمي كالقذف والقصاص، فلا تصح الكفالة فيه؛ لأنَّه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل.
كما لا تصح بالحقوق الزوجية البدنية من القَسْم والعِشرة ونحو ذلك من كل حق يتعلَّق ببدن المكفول خاصة.
***
стр. 2298
٧٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ كَفَالَةَ فِي حَدٍّ" رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث منكر.
رواه البيهقي بإسناد ضعيف، وقال: إنَّه منكر، وقال الشيخ حامد الفقي في تعليقه على البلوغ: وفي الباب آثار لا تخلو من مقال، لكن أحاديث الأمر بإقامة الحدود تؤيد معناه.
* مفردات الحديث:
- في حد: جمعه حدود، وهو لغةً: المنع.
وشرعًا: عقوبة مقدَّرةٌ؛ لتمنع من الوقوع في مثل الذنب الذي شُرع له الحد.
والحد هنا يشمل العقوبات التعزيرية التي لم تُقَدَّر، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحد: يطلق شرعًا ويراد به: جميع أوامر الله تعالى ونواهيه.
فيشمل جميع ما يلي:
(أ) ما نهى الله تعالى عن فعله وحرَّمه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]،
(ب) ما أمر الله تعالى بفعله وأوجبه، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا
стр. 2299
حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
(ج) ما نهى الله تعالى عن تجاوزه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٢ - أما الحد في اصطلاح الفقهاء فهو: عقوبة مقدرة؛ لتمنع من الوقوع في مثلها، وهو -أيضًا- حقيقة شرعية، قال ﷺ لقاذف زوجته: "بيِّنةٌ، وإلاَّ حدٌّ في ظهرك".
٣ - الحديث الذي معنا شاملٌ للأمرين: فالكفالة لا تصح فيمن عليه حد، سواء كان هذا الحد ممن عليه عقوبةٌ مقدرةٌ، أو كان ممن عقوبته مطلقةٌ راجعةٌ إلى نظر الحاكم الشرعي، فالكفالة خاصةٌ بالحقوق المالية عينًا أو دينًا؛ لأنها استيثاقٌ يمكن استيفاء الحق بها، أمَّا الحقوق البدنية المتعلقة ببدن الشخص فهي أمورٌ لا تُستوفى إلاَّ منه خاصة، فلا تصح الكفالة فيها.
٤ - الحديث وإن كان ضعيف الإسناد إلاَّ أنَّ معناه صحيح، من حيث ثبوت أصل الكفالة، ومن حيث إنَّها لا تصح في الحدود.
***
стр. 2300
باب الشركة
مقدمة
الشركة: لها ثلاث أوزان:
فهي بوزن: سَرِقَة، ونِعْمَة، وثَمَرَة.
هي لغة: الاختلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
يقال: شركتك في الأمر، وأشركته فيه، صِرتُ شريكًا فيه.
وشرعًا: هي نوعان:
الأول: شركة أملاك: وهي الاجتماع في استحقاف مالي، إما عقارٌ، وإما منقول، وإما منفعة دون العين، يكون ذلك مشتركًا بين اثنين فأكثر، ملكاه بطريقة الشراء، أو الهبة، أو الإرث، أو غير ذلك، فهذا النوع من الاشتراك كل واحدٍ من الشريكين أجنبيٌ في نصيب شريكه، لا يجوز له التصرف فيه إلاَّ بإذنه.
الثاني: شركة عقود: وهي اجتماع في التصرف من بيع ونحوه، والقسم الأخير هو المراد هنا، فهنا ينفذ تصرف كل واحد من الشريكين بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.
والشركة: ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس:
أمَّا الكتاب: قال تعالي: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
стр. 2301
والسنة: كأحاديث الباب.
والإجماع: أجمع العلماء عليها في الجملة.
والقياس: والقياس الصحيح يقتضيها، فإنَّها عظيمة المصلحة، فهي على أصول العقود.
* أنواع الشركات:
حسب الاستقراء والتتبع، فإنَّ فقهاءنا الأقدمين قسَّموا شركات العقود إلى خمسة أنواع:
الأول: شركة عنان: وهي أن يشترك اثنان فأكثر بمالَيْهِما؛ ليعملا فيه ببدنهما، أو يعمل أحدهما ويكون له من الربح أكثر من ربح الآخر.
الثاني: شركة المضاربة؛ وهي أن يدفع شخصٌ مالاً معلومًا؛ ليتجر فيه شخصٌ آخر، بجزءٍ مُشاعٍ معلومٍ من ربحه.
الثالث: شركة الوجوه: بأن يشترك اثنان فأكثر بربح ما يشتريانه بذمتيهما من عروض التجارة، من غير أن يكون لهما مال، فما ربحاه فهو بينهما، على حسب ما شرطاه.
الرابع: شركة أبدان: بأن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبان بأبدانهما من مباح، أو يشتركا فيما يتقبلانه في ذمتيهما من عمل.
الخامس: شركة المفاوضة: وهي أن يفوض كل منهما الآخر في كل تصرف مالي وبدني، بيغا وشراءً في الذمة، وفي كل ما يثبت لهما أو عليهما من غير أن يدخلا فيها كسبًا، أو غرامة مالية خاصة.
وشركة المفاوضة تشبه ما يسمى في هذا العصر بالشركة المختلطة.
* أقسام الشركات المعاصرة:
تنقسم الشركة بالنسبة لتكوينها إلى قسمين:
١ - شركات أشخاص: هي التي يبرز فيها الشخص عند التكوين، بأن يكون
стр. 2302
الاعتبار فيها لشخص الشريك.
٢ - شركات أموال: هي التي يتضاءل فيها العنصر الشخصي، وإنما تكون الأهمية للمال في استغلال الشركة.
* أنواع شركات الأشخاص:
١ - شركات التضامن: هي الشركة التي يعقدها شخصان أو أكثر بقصد التجارة، ويكون فيها جميع الشركاء ملزمين بالتضامن عن جميع التزامات الشركة في أموالهم العامة والخاصة.
٢ - شركات التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شخص واحد أو أكثر من جانب، ويكونون مسئولين بالتضامن في جميع أموالهم عن ديون الشركة، وعن إدارة الشركة، ويسمون شركاء متضامنين، كما تكون شركة التوصية بين شريك واحد أو أكثر يكونون أصحاب حصص مالية، ولا يسألون إلاَّ بمقدار حصصهم، ولا يتدخلون في إدارة الشركة، ويسمون شركاء موصين.
٣ - شركات المحاصة: هي شركة تقوم بين الشركاء وحدهم، ولا وجود لها بالنسبة للآخرين، فمن عقد من الشركاء المحاصين عقداً مع الغير يكون مسئولاً عنه وحده، والأرباح والخسائر بينهم بحسب الاتفاق.
* أنواع شركات الأموال:
١ - شركة المساهمة: هي التي يقسم فيها رأس المال إلى أسهم متساوية القيمة، ويكون لكل شريك عدد من الأسهم.
٢ - شركة التوصية بالأسهم: وهي شركة تشبه شركة التوصية البسيطة؛ لأنَّ فيها نوعين من الشركاء: شركاء متضامنين، وشركاء موصين لا يسألون إلاَّ بمقدار حصصهم، وتشبه شركة المساهمة؛ لأنَّ الحصص تقسم إلى أسهم.
٣ - الشركة ذات المسؤلية المحدودة: هي شركة لها خصائص الشركات؛
стр. 2303
ولكنها تمتاز بأنَّها أعفيت من أكثر قيود شركات المساهمة، وبقيت فيها مسؤولية الشركاء محدودة بمقدار الحصص التي يملكونها.
وهناك نوعٌ من الشركات يجمع بين صفة الشركات المدنية، والشركات التجارية، وقد أطلق عليها اسم الشركات المدنية ذات الشكل التجاري، وذلك إذا اتَّخذت الشركة المدنية شكلاً من أشكال الشركات التجارية كشركة مساهمة أو شركة ذات مسؤولية محدودة.
وكل ما تقدم من أنواع الشركات المعاصرة صحيحة، ذلك أنَّ الأصل في المعاملات الصحة.
* قرار المجمع الفقهيى بشأن الأسواق المالية، والإسهام في الشركات: قرار رقم (٦٣):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة، في المملكة العربية السعودية، من ٧ إلى ١٢ ذوالقعدة ١٤١٢ هـ، الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: الأسواق المالية، الأسهم، الاختيارات، السلع، الائتمان، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرَّر:
أولاً: الأسهم:
١ - الإسهام في الشركات:
(أ) بما أنَّ الأصل في المعاملات الحل، فإنَّ تأسيس شركة مساهمة ذات
стр. 2304
أغراضٍ وأنشطةٍ مشروعيةٍ، أمرٌ جائزٌ.
(ب) لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرَّم، كالتعامل بالربا، أو إنتاج المحرَّمات، أو المتاجرة بها.
(ج) الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أنَّ أنشطتها الأساسية مشروعة.
٢ - ضمان الإصدار: (under writing)
ضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم، أو جزء من ذلك الإصدار، وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره، وهذا لا مانع منه شرعًا، إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الإسمية، بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه، غير الضمان، مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم.
٣ - تقسيم سداد السهم عند الاكتتاب؛
لا مانع شرعًا من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه، وتأجيل سداد بقية الأقساط؛ لأنَّ ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجَّل دفعه، والتواعد على زيادة رأس المال، ولا يترتب على ذلك محذور؛ لأنَّ هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير، لأنَّه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاملين مع الشركة.
٤ - السهم لحامله:
بما أنَّ المبيع في "السهم لحامله" هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأنَّ شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعًا من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها.
стр. 2305
٥ - محل العقد في بيع السهم:
إنَّ المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة.
٦ - الأسهم الممتازة:
لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال، أو ضمان قدر من الربح، أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح.
ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلَّق بالأمور الإجرائية، أو الإدارية.
٧ - التعامل في الأسهم بطرق ربوية:
(أ) لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري، لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن، وهما من الأعمال المحرَّمة بالنص على لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه.
(ب) لا يجوز أيضًا بيع سهم لا يملكه البائع، وإنما يتلقى وعدًا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم؛ لأنَّه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوي المنع، إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار؛ لينتفع به بإيداعه بفائدة، للحصول على مقابل الإقراض.
٨ - بيع السهم أو رهنه:
يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقتضي به نظام الشركة، كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقاً، أو مشروطاً بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء، وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة.
٩ - إصدار أسهم مع رسوم إصدار:
إنَّ إضافة نسبة معيَّنة مع قيمة السهم، لتغطية مصاريف الإصدار، لا مانع
стр. 2306
منها شرعاً، ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديراً مناسباً.
١٠ - إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم "خصم" إصدار:
يجوز إصدار أسهم جديدة؛ لزيادة رأس مال الشركة، إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة "حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة"، أو بالقيمة السوقية.
١١ - ضمان الشركة شراء الأسهم:
يرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة، لمزيد من البحث والدارسة.
١٢ - تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة:
لا مانع شرعًا من إنشاء شركة مساهمة، ذات مسؤولية محدودة، برأس مالها؛ لأنَّ ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة، وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة، كما لا مانع شرعًا من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام، وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودوا المسؤولية.
١٣ - حصر تداول الأسهم بسماسرة مرخصين، واشتراط رسوم للتعامل في أسواقها:
يجوز للجهات الرسمية المختصة أن تنظم تداول بعض الأسهم، بأن لا يتم إلاَّ بواسطة سماسرة مخصوصين، ومرخصين بذلك العمل؛ لأنَّ هذا من التصرفات الرسمية المحققة لمصالح مشروعة.
وكذلك يجوز اشتراط رسوم العضوية المتعامل بها في الأسواق المالية؛ لأنَّ هذا من الأمور التنظيمية المنوطة بتحقيق المصالح المشروعة.
١٤ - حق الأولوية:
يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة، لمزيد من
стр. 2307
البحث والدارسة.
١٥ - شهادة حق التملك:
يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدارسة.
ثانيا: بيع الاختيارات:
صورة العقد:
إنَّ المقصود بعقود الاختيارات الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد، خلال فترة زمنية معيَّنة أو فى وقت آخر إما مباشرة، أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين.
حكمه الشرعي:
إنَّ عقود الاختيارات كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية هي عقود مستحدثة، لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة.
وبما أنَّ المعقود عليه ليس مالاً، ولا منفعة، ولا حقًا ماليًّا يجوز الاعتياض عنه، فإنَّه عقد غير جائز شرعًا.
وبما أن هذه العقود لا تجوز ابتداءً، فلا يجوز تداولها.
ثالثاً: التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة:
١ - السلع:
يتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي التالية:
الطريقة الأولى:
أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع، وتسلم الثمن في الحال، مع وجود السلع، أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه.
وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة.
стр. 2308
الطريقة الثانية:
أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع، وتسلم الثمن في الحال، مع إمكانهما بضمان هيئة السوق.
وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة.
الطريقة الثالثة:
أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة، في موعدٍ آجل، ودفع الثمن عند التسليم، وأن يتضمن شرطاً يقتضي أن ينتهي فعلاً بالتسليم والتسلم.
وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين، ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة، فإذا استوفى شروط السلم جاز.
وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سَلَمًا قبل قبضها.
الطريقة الرابعة:
أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل، ودفع الثمن عند التسليم، دون أن يتضمن العقد شرط أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعلين بل يمكن تصفيته بعقد معاكس.
وهذا هو النوع الأكثر شيوعًا في أسواق السلع، وهذا العقد غير جائز أصلاً.
٢ - التعامل بالعملات:
يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرف الأربع المذكورة في التعامل بالسلع.
ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة.
أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة.
стр. 2309
٣ - التعامل بالمؤشر:
المؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة، يقصد منه معرفة حجم التغير في سوقٍ معيَّنة، وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق العالمية.
ولا يجوز بيع وشراء المؤشر؛ لأنَّه مقامرة بحتة، وهو بيع شيء خيالي، لا يمكن وجوده.
٤ - البديل الشرعي للمعاملات المحرَّمة في السلع والعملات:
ينبغي تنظيم سوق إسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية، وبخاصة بيع السلم، والصرف، والوعد، بالبيع في وقت آجل، والاستصناع وغيرها.
ويرى المجمع ضرورة القيام بدراسة وافية لشروط هذه البدائل، وطرائق تطبيقها في سوق إسلامية منظمة.
رابعًا: بطاقة الائتمان
تعريفها:
بطاقة الائتمان هي مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري، بناء على عقد بينهما، يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات ممن يَعتَمِد المستَنَد دون دفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدر بالدفع.
ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف. ولبطاقات الائتمان صور:
- منها: ما يكون السحب أو الدفع بموجبها من حساب حاملها في المصرف، وليس من حساب المصدر، فتكون بذلك مغطاة.
- ومنها: ما يكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية.
- ومنها: ما يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع، خلال
стр. 2310
فترة محددة من تاريخ المطالبة.
- ومنها: ما لا يفرض فوائد.
- وأكثرها يفرض رسمًا سنويًّا على حاملها، ومنها ما لا يفرض فيه المصدر رسمَّا سنويًّا.
وبعد التداول قرر المجلس تأجيل البت في التكييف الشرعي لهذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدارسة. والله أعلم.
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن حكم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا:
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبيَّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت ٢٠ من شعبان ١٤١٥هـ ٢١/ ١/ ١٩٩٥م، قد نظر في هذا الموضوع وقرَّر ما يلي:
١ - بما أنَّ الأصل في المعاملات الحِل والإباحة، فإنَّ تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة، أمرٌ جائزٌ شرعًا.
٢ - لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرَّم، كالتعامل بالربا، أو تصنيع المحرَّمات، أو المتاجرة فيها.
٣ - لا يجوز لمسلمٍ شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها رِبًا، وكان المشتري عالماً بذلك.
٤ - إذا اشترى شخصٌ وهو لا يعلم أنَّ الشركة تتعامل بالرِبا، ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.
والتحريم في ذلك واضح؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم
стр. 2311
الربا؛ ولأنَّ شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا؛ لأنَّ السهم يمثل جزءًا شائعًا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه؛ لأنَّ الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه، وبتوكيل منه، والتوكيل بعمل المحرَّم لا يجوز.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.
* فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بشأن "البورصة":
خلاصة الفتوى:
أولاً: أصل معنى كلمة "بورصة" كيس نقود ثم استُعملت في المكان الذي يجتمع فيه تجار مدينة، وصيارفتها، وسماسرتها، تحت رعاية حكومة، في ساعاتٍ محدودةٍ؛ للمضاربة في السلع التجارية، والأسواق الآجلة للعملات الأجنبية، وفي أسواق الأوراق المالية (الأسهم والسندات).
نشأت في رومانيا، ثم كانت في فرنسا في منتصف القرن السادس الميلادي تقريبًا، ثم انتشرت في الدول، وتطورت حتى انتهت إلى ما هي عليه اليوم.
وبهذا يُعلم أنَّ أنواعها:
(أ) مضاربة في السلع التجارية.
(ب) مضاربة في العملات الأجنبية.
(ج) مضاربة في الأوراق المالية "الأسهم والسندات".
ثانيًا: أن تقلب الأسعار في هذه الأسواق ارتفاعًا وانخفاضًا مفاجئًا،
стр. 2312
وغير مفاجيء بحدة، وغير حدة، لا يخضع لمجرد اختلاف حالات العرض والطلب، بل يخضع لعوامل أخرى مفتعلة، فإنَّ السياسة النقدية أو المالية للحكومات ذات العملة الرئيسية الدولارات، الإسترليني، التي تفرضها هذه الحكومات من خلال بنوكها المركزية، ومؤسساتها النقدية، تؤثر كثيرًا على تقلب أسعار العملات بين الدول، وعلى اقتصادها، أضف إلى ذلك قوَّة السياسة المالية الحكومية وبنوكها، على إنشاء نقد، واتخاذ عوامل تؤدي إلى تضخم، أو انكماش نقد ما، ويسري ذلك إلى عملات أخرى من خلال التبادل الدولي الكبير للسلع والخدمات.
وبذلك يُعلم ما في أنواع البورصة من غرر فاحشٍ، ومخاطرة بالغة، وأضرار فادحة، قد تنتهي بمن يخوض غمارها من التجار العاديين، ومن في حكمهم إلى الإفلاس، وهذا ما لا تقره شريعة الإسلام، ولا ترضاه، فإنَّها شريعة العدل والرحمة والإحسان.
ثالثًا: أنَّ كثيرًا مما ذكر في البورصة من المضاربات في السلع والأوراق المالية، فيه بيع كاليء بكاليء، دين بدين، وصرف آخر فيه أحد العوضين، وكلاهما دين بدين وصرف آخر فيه أحد العوضين وكلاهما ممنوع بالنص والإجماع.
رابعًا: أنَّ كثيرًا ممَّا ذُكر في البورصة من المضاربات في السلع، بيعٌ للشيء قبل قبضه، وهو منهيٌّ عنه.
خامسًا: أنَّ هذه الأسواق متوفرة في الدول الغربية، فالاستثمار فيها يترتب عليه نقل الثروة من البلاد الأخرى التي يسكنها المستثمر إلى الدول الغربية التي تقع فيها تلك الأسواق، مع أنَّ بلاد المستثمر في أشد الحاجة إليها، وقد تكون النتيجة نقل مدخرات المسلمين، واستثمارها في بلاد غير إسلامية، وفي هذا من الضرر والخطر ما فيه.
стр. 2313
فعلى ولاة أمور المسلمين حماية شعوبهم من المغامرة في هذه الأسواق، حفاظاً على دينهم، وحماية لثروتهم، والله الموفق.
هذا ما تيسر جمعه وترتيبه ومناقشته وتلخيصه في بحث البورصة وبيان حكمها، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
***
стр. 2314
٧٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ، خَرَجْتُ مِنْ بَيْنهِمَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمَّد بن الزبرقان، عن أبي حبان التميمي، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذري في الترغيب والترهيب.
قال ابن عبد الهادي: قيل: إنَّه منكر.
وأعلَّه ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حبان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال التهانوي في إعلاء السنن: وصله ابن الزبرقان، وهو من رجال الجماعة إلاَّ الترمذي، فهو صدوق، وقد زاد الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة، فزالت العلة وصلح الحديث للاحتجاج.
قال الألباني: هو ضعيف الإسناد وفيه علتان: الأولى: جهالة والد أبي حبان التيمي، فالذهبي في الميزان قال: لا يكاد يعرف.
стр. 2315
الثانية: الاختلاف في وصله، فرواه ابن الزبرقان موصولاً.
وجملة القول: أنَّ الحديث ضعيف الإسناد للاختلاف في وصله وإرساله وجهالة راويه، فإن سلِمَ من الأولى فلا يسلم من الأخرى. اهـ.
* مفردات الحديث:
- أنا ثالث الشريكين: يعني أنا معهما بالحفظ والرعاية، بإنزال البركة في تجارتهما وعملهما، فإذا وقعت الخيانة، رفعت عنهما البركة والإعانة والرعاية.
- خان: يخون خونًا وخيانة: أؤتمن فلم ينصح، فالخيانة خلاف الأمانة، وهي تدخل في أشياء سوى المال فالخائن الذي خان ما جعل عليه أمينًا.
قال في الكليات: الخيانة تقال اعتبارًا في العهد والأمانة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على جواز عموم المشاركات في أي عمل، وفي أي عقد من العقود، فجميع الشركات سواء كانت في الأموال أو في الأبدان، أو في الوجوه، وسواء كانت شركات مساهمة، أو محدودة أو تضامنية، أو غير ذلك، فالأصل فيها الجواز، ما لم يمنع من ذلك مانع شرعي.
٢ - الرغبة في عقود الشركات؛ لحصول بركة الله تعالى فيها، وكونه تعالى بإعانته وتوفيقه وتسديده مع الشريكين أو الشركاء، فإنَّ الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
ولما في عقد الشركة من التعاون بين الشركاء، والتناوب بينهم في الأعمال والتشاور والتفاهم على ما ينفع الشركة وأعمالهم فيها، فمن رحمته تعالى أن أباحها وأجازها، وكان معينًا وموفقاً لأصحابها.
٣ - هذا ما لم تدخلها الخيانة، ويدخلها الغش من أحد الشريكين، أو الشركات لصاحبه، فحينئذٍ يدعهم الله تعالي بلا توفيق ولا تسديد، فتحل فيهم