الربا؛ ولأنَّ شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا؛ لأنَّ السهم يمثل جزءًا شائعًا من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيب منه؛ لأنَّ الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه، وبتوكيل منه، والتوكيل بعمل المحرَّم لا يجوز.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.
* فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بشأن "البورصة":
خلاصة الفتوى:
أولاً: أصل معنى كلمة "بورصة" كيس نقود ثم استُعملت في المكان الذي يجتمع فيه تجار مدينة، وصيارفتها، وسماسرتها، تحت رعاية حكومة، في ساعاتٍ محدودةٍ؛ للمضاربة في السلع التجارية، والأسواق الآجلة للعملات الأجنبية، وفي أسواق الأوراق المالية (الأسهم والسندات).
نشأت في رومانيا، ثم كانت في فرنسا في منتصف القرن السادس الميلادي تقريبًا، ثم انتشرت في الدول، وتطورت حتى انتهت إلى ما هي عليه اليوم.
وبهذا يُعلم أنَّ أنواعها:
(أ) مضاربة في السلع التجارية.
(ب) مضاربة في العملات الأجنبية.
(ج) مضاربة في الأوراق المالية "الأسهم والسندات".
ثانيًا: أن تقلب الأسعار في هذه الأسواق ارتفاعًا وانخفاضًا مفاجئًا،
стр. 2312
وغير مفاجيء بحدة، وغير حدة، لا يخضع لمجرد اختلاف حالات العرض والطلب، بل يخضع لعوامل أخرى مفتعلة، فإنَّ السياسة النقدية أو المالية للحكومات ذات العملة الرئيسية الدولارات، الإسترليني، التي تفرضها هذه الحكومات من خلال بنوكها المركزية، ومؤسساتها النقدية، تؤثر كثيرًا على تقلب أسعار العملات بين الدول، وعلى اقتصادها، أضف إلى ذلك قوَّة السياسة المالية الحكومية وبنوكها، على إنشاء نقد، واتخاذ عوامل تؤدي إلى تضخم، أو انكماش نقد ما، ويسري ذلك إلى عملات أخرى من خلال التبادل الدولي الكبير للسلع والخدمات.
وبذلك يُعلم ما في أنواع البورصة من غرر فاحشٍ، ومخاطرة بالغة، وأضرار فادحة، قد تنتهي بمن يخوض غمارها من التجار العاديين، ومن في حكمهم إلى الإفلاس، وهذا ما لا تقره شريعة الإسلام، ولا ترضاه، فإنَّها شريعة العدل والرحمة والإحسان.
ثالثًا: أنَّ كثيرًا مما ذكر في البورصة من المضاربات في السلع والأوراق المالية، فيه بيع كاليء بكاليء، دين بدين، وصرف آخر فيه أحد العوضين، وكلاهما دين بدين وصرف آخر فيه أحد العوضين وكلاهما ممنوع بالنص والإجماع.
رابعًا: أنَّ كثيرًا ممَّا ذُكر في البورصة من المضاربات في السلع، بيعٌ للشيء قبل قبضه، وهو منهيٌّ عنه.
خامسًا: أنَّ هذه الأسواق متوفرة في الدول الغربية، فالاستثمار فيها يترتب عليه نقل الثروة من البلاد الأخرى التي يسكنها المستثمر إلى الدول الغربية التي تقع فيها تلك الأسواق، مع أنَّ بلاد المستثمر في أشد الحاجة إليها، وقد تكون النتيجة نقل مدخرات المسلمين، واستثمارها في بلاد غير إسلامية، وفي هذا من الضرر والخطر ما فيه.
стр. 2313
فعلى ولاة أمور المسلمين حماية شعوبهم من المغامرة في هذه الأسواق، حفاظاً على دينهم، وحماية لثروتهم، والله الموفق.
هذا ما تيسر جمعه وترتيبه ومناقشته وتلخيصه في بحث البورصة وبيان حكمها، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
***
стр. 2314
٧٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ، خَرَجْتُ مِنْ بَيْنهِمَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، من طريق محمَّد بن الزبرقان، عن أبي حبان التميمي، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذري في الترغيب والترهيب.
قال ابن عبد الهادي: قيل: إنَّه منكر.
وأعلَّه ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حبان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال التهانوي في إعلاء السنن: وصله ابن الزبرقان، وهو من رجال الجماعة إلاَّ الترمذي، فهو صدوق، وقد زاد الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة، فزالت العلة وصلح الحديث للاحتجاج.
قال الألباني: هو ضعيف الإسناد وفيه علتان: الأولى: جهالة والد أبي حبان التيمي، فالذهبي في الميزان قال: لا يكاد يعرف.
стр. 2315
الثانية: الاختلاف في وصله، فرواه ابن الزبرقان موصولاً.
وجملة القول: أنَّ الحديث ضعيف الإسناد للاختلاف في وصله وإرساله وجهالة راويه، فإن سلِمَ من الأولى فلا يسلم من الأخرى. اهـ.
* مفردات الحديث:
- أنا ثالث الشريكين: يعني أنا معهما بالحفظ والرعاية، بإنزال البركة في تجارتهما وعملهما، فإذا وقعت الخيانة، رفعت عنهما البركة والإعانة والرعاية.
- خان: يخون خونًا وخيانة: أؤتمن فلم ينصح، فالخيانة خلاف الأمانة، وهي تدخل في أشياء سوى المال فالخائن الذي خان ما جعل عليه أمينًا.
قال في الكليات: الخيانة تقال اعتبارًا في العهد والأمانة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على جواز عموم المشاركات في أي عمل، وفي أي عقد من العقود، فجميع الشركات سواء كانت في الأموال أو في الأبدان، أو في الوجوه، وسواء كانت شركات مساهمة، أو محدودة أو تضامنية، أو غير ذلك، فالأصل فيها الجواز، ما لم يمنع من ذلك مانع شرعي.
٢ - الرغبة في عقود الشركات؛ لحصول بركة الله تعالى فيها، وكونه تعالى بإعانته وتوفيقه وتسديده مع الشريكين أو الشركاء، فإنَّ الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
ولما في عقد الشركة من التعاون بين الشركاء، والتناوب بينهم في الأعمال والتشاور والتفاهم على ما ينفع الشركة وأعمالهم فيها، فمن رحمته تعالى أن أباحها وأجازها، وكان معينًا وموفقاً لأصحابها.
٣ - هذا ما لم تدخلها الخيانة، ويدخلها الغش من أحد الشريكين، أو الشركات لصاحبه، فحينئذٍ يدعهم الله تعالي بلا توفيق ولا تسديد، فتحل فيهم
стр. 2316
الخسارة والبَوار؛ لأنَّ أصل العمل النية الصالحة والنصح، فإذا فُقد هذا، ودخل محله الغش والخيانة مُحِقَت البركة منهما أو منهم.
٤ - فضيلة الصدق والنصح في المعاملة والعمل، سواء كان ذلك قطاعاً حكوميًّا، أو قطاعاً خاصًا، فإنَّ هذا سبب البركة، وعنوان النجاح والفلاح، وضده سبب الخسارة، وضياع الجهد، ومحق البركة.
٥ - قال فقهاؤنا:
شركة المفاوضة قسمان:
أحدهما: صحيح، وهو تفويض كل من الشريكين فأكثر إلى صاحبه كل تصرف، مالي وبدني من أنواع الشركة، وهو الجمع بين عنانٍ، ووجوهٍ، ومضاربةٍ، وأبدانٍ، فتصح.
الثاني: فاسدة، وذلك بأن يدخلا فيها كسبًا نادرًا كوجدان لُقَطَةٍ، أو حصول ميراثٍ، أو أرش جناية، أو يدخلا فيها غرامة نادرةً، كضمان عارية، وقيمة متلَفٍ، وضمان غصبٍ ونحوه.
***
стр. 2317
٧٥٥ - وَعَنِ السَّائِبِ المَخْزُومِيِّ ﵁ "أَنَّهُ كَانَ شَرِيْكَ النَّبِيِّ ﷺ قبْلَ البِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم عنه، ورواه أبو نعيم، والطبراني، من طريق قيس بن السائب، والحديث صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي.
* مفردات الحديث:
- مرحباً: يقال: رحب المكان يرحب رُحبًا ورحابة، من بابي علم وكرم، اتَّسع فهو رَحْبٌ ورَحِيبٌ، ومنه قيل في التحيَّة: مرحبًا وأهلاً: أي صادفتَ سعة، وأتيت أهلاً.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لما فتح النبي ﷺ مكة جاءه الناس يُسْلِمُون، فكان ممن جاءه السائب بن أبي السائب المخزومي، فلما رآه النبي ﷺ قال: "مرحباً بأخي وشريكي، لا يماري ولا يداري".
٢ - ففيه أنَّ الشركة كانت موجودة في الجاهلية، ثم أقرَّها الإسلام وأثبتها؛ لأنَّ الإسلام يُبقي كل صالحٍ نافعٍ، ويُبطل كل فاسدٍ ضار.
٣ - فيه أنَّ حسن المعاملة والنصح يبقى أثره، وسمعته الطيبة، مهما طالت
стр. 2318
أيامه، وبعد زمنه، بخلاف المعاملة السيئة وشراسة الخُلُق، فإنَّها لا تبقي إلاَّ الأثر السيء، والذكر القبيح.
٤ - فيه أنَّ العرب في الجاهلية كانت عندهم مكارم أخلاق، وحسن معاملة، وخصال كريمة، جاءتهم من عنصرهم الطيب، والنبي ﷺ بعث متممًا لمكارم الأخلاق الموروثة.
٥ - وفيه حسن خلق النبي ﷺ ووفاؤه، وأنَّه لم ينس لهذا الرجل طيب صحبته، وجميل عشرته، وحسن معاملته.
٦ - المماراة: المجادلة، والمدارأة قال الخطابي: "لا يدريء" أي لا يدفع صاحب الحق عن حقه، قال أبو عبيد: المدارأة هنا مهموزة من درأت، وهي المشاغبة والمخالفة، وأما المداراة فهي حسن الخلق، فليست مهموزة، والمدارأة والمماراة خُلُقَان قبيحان يحصل منهما النفرة، ويسببان التفرق.
أما السماح والملاطفة فيجلبان المودة، ويديمان الإخاء والصفاء، ولذا فإنَّ النبيَّ ﷺ مدح شريكه بهذين الخُلُقين الكريمين، فيحسن لكل مسلم لاسيَّما الشركاء أن يتحلوا بهما.
٧ - في الحديث الحث على الوفاء للجار القديم، والصاحب الأول بأنَّ الصلة الأولى التي طرأ عليها ما فَصَمها ينبغي للإنسان أن لا ينساها، ولا ينسى صاحبها، وأن يعرفها لعشيره الأول، فإنَّ هذا من الوفاء الذي تحلَّى به رسول الله ﷺ .
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن أخذ الشريك ربحًا مقابل شركته باسمه فقط:
قرار رقم (٩١) وتاريخ ٢٢/ ٥/ ١٤٠٢ هـ:
الحمد الله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمَّد، وعلى آله وصحبه. وبعد:
فقد اطلَّع مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة عشرة المنعقدة
стр. 2319
بمدينة الرياض، من الحادي عشر من جمادي الأولى عام: ١٤٠٢ هـ، حتى الثاني والعشرين منه على كتاب فضيلة الشيخ أحمد بن عبد العزيز المبارك، رئيس القضاء الشرعي بدولة الإمارات العربية المتَّحدة، الموجه إلى سماحة رئيس المجلس الأعلى للقضاء برقم: م/ ش ٢٠٠٦/ ١٩٨١ وتاريخ ٦/ ٢/ ١٤٠١ هـ والذي يطلب فيه الإفادة عن حكم الشركة التي أسهم فيها الوطني باسمه فقط مع الأجنبي، وأخذ المواطن نسبة من الربح أو جزءًا منه، مقابل ذلك، ويقول في كتابه: أصدرت بعض الحكومات في الآونة الأخيرة قوانين تحظر فيها على الشركات الأجنبية العاملة في أراضيها العمل إلاَّ بشريك مواطن، فتلجأ هذه الشركات إلى إبرام اتفاق مع المواطنين، مقابل مبلغ معيَّن مقطوع، أو نسبة من الربح، في حين أنَّ المواطن لم يدفع شيئاً من المال ولا يقوم بأي عمل في هذه الشركات، ولا يخفى على سماحتكم أنَّ هذا النوع من الشركة لا يستند إلى القواعد الشرعية فيما أعلم.
نرجو إفادتنا عن هذه المسألة، فلعلكم وقفتم على رأي لبعض المتقدمين فيها، أو عرضت عليكم فأفتيتم بها.
وقد أحاله سماحة رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بكتابة رقم: ١٠٨٧/ ١ وتاريخ ١٧/ ٦/ ١٤٠١ هـ، لعرضه على مجلس هيئة العلماء.
ولما اطَّلع المجلس على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع، وتأمل موضوع الشركة الواردة في السؤال المذكور، أي أنَّ تلك الشركة ليست من أنواع الشركات الجائزة لدى كثير من الفقهاء، وذلك لأنَّ شركة العنان التي هي محل وفاق من الفقهاء تكون بالمال والعمل من الجانبين، أو بالمال منهما والعمل من أحدهما، والشريك المواطن في الشركة محل السؤال ليس له مال في الشركة ولا عمل، وكذا الحال في
стр. 2320
شركة المفاوضة، وشركة الأبدان، اشتراك في عمل من الجانبين، بربحٍ مقدَّر النسبة، ولا عمل للشريك المواطن في الشركة المسؤول عنها، وشركة الوجوه بالأبدان، والذمم، لا عمل ولا التزام للشريك المواطن المذكور بشيء من ذلك في الشركة المسؤول عنها، وشركة المضاربة بالمال من طرف والعمل من طرف، وشركة المواطن المذكور لا مال له فيها ولا عمل، فإن قيل إنَّ لهذا الشريك شيئًا من العمل في الشركة باسمه، أو بوجاهته، أو بالتزامه، قيل:
أولاً: إنَّ هذه الشركة لها عقد ظاهر يقدم لولاة الأمور، وعقد باطن يختلف عنه فيما بين المواطن والشركة الأجنبية، والعقود الشرعية يجب أن يكون ظاهرها متفقًا مع باطنها.
ثانيًا: الاعتبار في العقود بالمقاصد، لا بالألفاظ الظاهرة، وهذه الشركة مقصودها غير ما ظهر منها.
ثالثًا: ما يذكر لهذا الشريك من وجاهةٍ، أو ضمانٍ، ليس من الأمور التي يشارك بها بدون مال ولا عمل.
رابعًا: الشركة باتخاذها مواطناً شريكًا اسمًا لا حقيقة، مخالف لتعليمات ولي الأمر، ومعلوم أنَّ السمع والطاعة في المعروف من أهم الواجبات، كما أنَّه مخالف لما تهدف إليه تعليمات ولي الأمر من تشغيل الأموال والطاقات المحلية، وإحلالها محل الأموال والطاقات الأجنبية، بجانب مخالفته للواقع في باطن الأمور، ووقوعه تحت طائفة الوعيد الواردة في النصوص الناهية عن قول الزور وشهادة الزور.
خامسًا: إنَّ تسمية الشركة باسم الشريك المواطن، وهو لا يملك منها شيئًا في حقيقة الأمر يغرر ويخدع من يتعاملون معها شخصيًا ببيع أو ضمان أو غير ذلك، وفي ذلك من الضرر والفساد ما لا يخفى على المتأمل.
سادسًا: جعل مبلغ من المال مقطوع يدفع إليه، خسرت الشركة أو ربحت،
стр. 2321
يعتبر مخالفًا لأحكام الشركات الجائزة شرعًا: لما في ذلك من الغرر والضرر على الشركة، وعلى تقدير أنَّه جعل له جزء مشاع معلوم من الربح دون أن يتحمل ما يقابله من الخسارة، يعتبر أخذًا له بدون مقابل؛ لأنَّه لم يبذل مالاً ولا عملاً، ولا يخفى ما فيه من الغرر والضرر.
فإن قيل: إنَّ الأصل في المعاملات الإباحة.
قيل: إنَّ ذلك صحيح، ما لم تثبت مخالفة تلك المعاملة للقواعد الشرعية، وفي صورة هذه الشركة من الضرر، والتغرير، والكذب، والتزوير، ومخالفة لتعليمات ولي الأمر، ومقاصده الحسنة، والسَّعي لكسب المال من غير حِله، مما ينقلها عن الأصل، ويجعلها ممنوعة وباطلة.
وبناءً على ما تقدم، فإنَّ المجلس يرى عدم صحة عقد هذه الشركة، وأنَّه يجب على المسلمين الكف عن التعامل بها، الاكتفاء بالشركات والعقود المباحة في الشريعة الإسلامية، وبالله التوفيق.
وصلى الله على عبده ورسوله محمَّد وعلى آله وصحابته أجمعين.
هيئة كبار العلماء
***
стр. 2322
٧٥٦ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "اشْتَرَكْتُ أنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ .. " الحَديثَ روَاهُ النَّسَائِيُّ. (١)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث منقطع فيما بين ابن مسعود وبين ابنه أبي عبيدة.
فقد قال المنذري: إنَّ أبا عبيدة لم يسمع شيئًا من أبيه ابن مسعود.
وقال الشوكاني: إنَّ ابن المديني، والترمذي، والدارقطني لا يصححون ما رواه أبو عبيدة عن أبيه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث أصل في جواز شركة الأبدان، بين اثنين فأكثر من الشركاء، فيما يحصلانه، أو يحصلونه من مباح، أو يكتسبانه ببدنيهما، أو يغنمانه في غزوة.
٢ - يقسم ما حصل لهما من رزق الله بينهما بالسوية، ولو كسب أحدهما دون الآخر؛ لأنَّ عقد الشركة اقتضى ذلك.
٣ - يلزم كل واحد منهما العمل فيما تقبَّله الآخر، لأنَّ مبناها التضامن والتكافل في الأعمال.
٤ - قال الأصحاب: ولا تصح شركة دلالين؛ لأنَّ الشركة الشرعية لا تخرج عن أحد أمرين:
إما وكالة أو ضمان، ولا وكالة هنا، ولا ضمان.
стр. 2323
قال في الإقناع: هذا في الدلالة التي فيها عقد، كما دلَّ عليه التعليل المذكور، فأما مجرد النداء، والعرض وإحضار الزبون، فلا خلاف في جواز الاشتراك فيه. اهـ.
قال الشيخ تقي الدين: ووجه صحتها أنَّ بيع الدلال وشراءه بمنزلة حياكة الخياط، ومحل الخلاف: في الاشتراك في الدلالة التي فيها عقد، فأما مجرَّد النداء والعرض، وإحضار الزبون فلا خلاف في جوازه.
٥ - فيه جواز الاشتراك فيما يحصل الشريكان من الغنيمة، ويقاس عليها غيرها من الأعمال المباحة.
٦ - فيه أنَّ الرغبة في الغنيمة في الجهاد لا تقلل من أجر الجهاد، ما دامت ليست هي المقصودة وحدها.
٧ - فيه حل الغنائم لهذه الأمة واختصاصها بذلك من بين سائر الأمم، وأنَّها من أفضل المكاسب، فقد جاء في الحديث: "وقد جُعل رِزقي تحت ظل رمحي" [رواه أحمد (٤٨٦٨)].
وفي الحديث الآخر: "وَأُحِلَّتْ لِي الغَنائِمُ، ولم تحل لأحدٍ من قبلي" [رواه البخاري (٣٣٥)].
٨ - فيه أنَّ عقد الشركة يقتضي استحقاق كل واحد من الشريكين أو الشركاء فيما كسبه الآخر، فإنَّ تمام الحديث: "فجاء سعد بأسيرين، ولم أجىء أنا وعمَّار بشيء" [رواه النسائي (٧/ ٣١٩)].
٩ - فيه أنَّ الإسلام أقوى رابطة وأوثق صلة بين الإنسان والإنسان، فهؤلاء الثلاثة الذين ألَّف الإسلام بينهم وجعلهم أخوة يتساوون، ويشتركون في المغنم والمغرم، هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم من قبيلة، ولكن الإسلام ألَّف بينهم، فعمار عبْسي من اليمن، وسعد زهري من قريش، وابن مسعود هُذَلِي من ضواحي مكة.
стр. 2324
باب الوكالة
مقدمة
الوكالة: بفتح الواو وكسرها، والفتح أشهر، اسم مصدر بمعنى التوكيل، هي لغة التفويض والحفظ.
واصطلاحًا وشرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، وهي جائزة بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، فالحاجة داعية إليها إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ووكَّل ﷺ عروة البارقي في شراء الشاة، وأبا رافع في تزويج ميمونة، وكان يبعث عمَّاله في قبض الزكاة، كما يبعث في إقامة الحدود.
قال ابن قدامة: وأجمعت الأمة على جوازها.
وتصح الوكالة بكل قول يدل على الإذن بالتصرف بلا خلاف، ويصح قبولها على الفور والتراخي بكل قولٍ، أو فعلٍ، دالٍّ على القبول من الوكيل، بلا نزاع.
* حكمتها:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: من سعة الشرع أن أباح للإنسان أن يفعل الأشياء بنفسه، أو يقيم مقامه من يتولى ذلك العمل، وهو مطرد في حقوق الله وحقوق عباده، إلاَّ ما لا يحصل المقصود إلاَّ بمباشرة الإنسان له وتوليه
стр. 2325
بنفسه، فإنَّ هذا النوع لا تصح فيه الوكالة.
* حُكْم الدُخول فيها:
التحقيق: إنَّ من علم من نفسه القوة والأمانة فيها، وأنَّها لا تشغله عما هو أهم منها، فالمستحب له الدخول فيها، لِما فيه من قضاء حاجة المسلم، ولما يحصل له من الأجر والثواب.
وأما من علم من نفسه عدم القدرة عليها، أو يخشى الخيانة من نفسه أو تشغله عما هو أهم منها فالبعد عنها أسلم.
والوكالة من العقود الجائزة من الطرفين، فتنفسخ بفسخ أي واحد من الموكل والوكيل، كما تبطل بموت أحدهما، أو جنونه.
***
стр. 2326
٧٥٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "أرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبرَ، فَأَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي بِخَيْبَر، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا" رَوَاه أَبُو دَاوُدَ وصَحَّحَهُ (١)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه أبو داود من طريق وهب بن كيسان عنه بسند حسن، وعلَّق البخاري طرفًا منه آخر كتاب الخُمس، وقد صحَّحه أبو داود.
قال الشيخ حامد الفقي: وحسَّن الحافظ إسناده، ولكنه من حديث محمَّد بن إسحاق.
قلتُ: ذكر ابن عبد الهادي أنَّه قد صرَّح في بعض طرقه بالتحديث، ونقل الحافظ تصحيح أبي داود للحديث.
* مفردات الحديث:
- وَسقاً: بفتح الواو وسكون السين المهملة آخره قاف، الوسق: ستون صاعًا نبويًا، والصاع النبوي زنته ثلاثة آلاف غرام (٣٠٠٠) تقريبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أراد جابر بن عبد الله الخروج من المدينة إلى خيبر، وأتى النبيَّ ﷺ وأعلمه بذلك، فأراد ﷺ أن يُعِينَ جابرًا على نفقات سفرته، فأمره أن يأتي وكيله على جبي الزكاة بخيبر؛ ليعطيه خمسة عشر وسقًا من التمر، لكون جابر هناك ابن سبيل من أهل الزكاة إذا انقطعت به النفقة، وقال ﷺ لجابر: إن
стр. 2327
طلب منك الوكيل أمارة وعلامة على صدقك فيما حولتك به عليه، فضع يدك على ترقوته.
٢ - فيه دليل على على صحة الوكالة، وهو أمرٌ مجمَع عليه بين العلماء.
٣ - فيه جواز التوكيل في قبض الزكاة، ودفعها إلى مستحقيها.
٤ - فيه جواز العلم بالأمارة، وقبول قول المرسَل، إذا عرف المرسَل إليه صدقه.
٥ - وفيه جواز العلم بالقرينة في مال الغير إذا غلب على الظن صدقه.
٦ - فيه دليل على استحباب اتخاذ أمارة بين الوكيل وموكله، لا يطلع عليها غيرهما، ليعتمد الوكيل عليها في تنفيذ أوامر موكله، ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لجابر: "فإن طلب منك آية فضَع يدك على ترقوته"
وما "الشفرة" في الأعراف السياسية الدولية، وكلمة السر عند الكشافة والجوالة إلاَّ من هذا القبيل.
٧ - فيه إعطاء ابن السبيل من الزكاة، وهو أحد الأقسام الثمانية ممن يستحق الزكاة.
***
стр. 2328
٧٥٨ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ﵁ "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً .. " الحديث رَوَاهُ البُخَارِيُّ في أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم هذا الحديث في كتاب البيع برقم (٦٩٨) وذكرنا ما تيسر من فوائده.
٢ - فيه دليلٌ على جواز الوكالة في الشراء.
٣ - فيه دليل على مشروعية الأضحية والتوكيل في شرائها.
٤ - فيه دليل على صحة تصرف الفضولي، إذا أجازه المالك؛ ذلك أنَّ عروة البارقي اشترى بالدينار شاتين، ثم باع شاةً منهما بدينار، فجاء النَّبي ﷺ بشاة ودينار، فأقرَّه النبي ﷺ . أما من لم ير جواز تصرف الفضولي بعد الإجازة، فإنه يؤوِّل هذا الحديث بأنَّ وكالة عروة كانت وكالة تفويضٍ وإطلاق، والوكيل المطلق يملك البيع والشراء، ويكون تصرفه صادرًا عن إذن المالك، ولكن الرَّاجح هو القول الأول، فإنَّ تصرُّفَ عروة مقيدٌ بشراء الشاة، التي صارت الحاجة إليها.
٥ - فيه دليل على عدم حد قدر المكاسب في البيع؛ لكن ينبغي للمسلم أن يكون سمحاً إذا اشترى، قنوعًا بما يسَّر الله له من الرزق إذا باع، وأن يكون فيه رحمة وشفقة على إخوانه المسلمين.
٦ - فيه دليل على أنَّ الأضحية لا تتعيَّن أضحية بمجرد الشراء، فإنَّ عروة باع واحدة من الشاتين، وأيضاً فإنَّ الشراء لا يقصد للأضحية فقط، وإنما يراد لأغراض كثيرة، فالشراء لا بعينها أضحية.
стр. 2329
٧٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بَعثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدقَةِ" الحَديثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٧٦٠ - وَعَن جَابِرٍ ﵁ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ، وَأمَرَ عَلِيًّا ﵁ أنْ يَذْبَحَ البَاقِي" الحَديثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* مفردات الحديث (٧٦٠):
- نحر: النحر طعن البعير في لبته بالسكين، وهو خاصٌّ بالإبل.
- ثلاثًا وستين: بدنة مما أهدي إلى البيت الحرام، وكانت مائة بدنة.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى عمره الشريف.
- يذبح الباقي: أي ينحر باقي البدن، وهي سبع وثلاثون.
قال بعضهم: فيه إشارة إلى خلافته في تلك السنين.
...
стр. 2330
٧٦١ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في قِصَّةِ العَسِيفِ، قَالَ النَّبِي ﷺ : "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" الحَديثَ مُتَّفَقٌ عَليْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- العسيف: عسف الطريقَ إذا سلكه على غير قصد، ومنه العسيف وهو الأجير, لأنَّه يعسف الطرقات مترددًا في الاشتغال، فالعسيف هنا هو الأجير، وزناً ومعنًى.
- اغدُ: فعل أمر، من غدى يغدو غُدُوًّا، من باب قعد، ذهب غُدوة، جمعها غُدى، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.
قال في المصباح: هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق. أي وقت كان.
- أُنَيس: بضم الهمزة، وفتح النون، وسكون الياء، آخره سين مهملة، تصغير أنس.
وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، من قبيلة أسلم.
- فارجمها: رجمه يرجمه رجمًا، رماه بالحجارة حتى الموت.
قال في المحيط: هذا هو الأصل في معناه، وباقي المعاني متفرعة منه.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - الحديث رقم (٧٥٩) يدل على صحة الوكالة في قبض الصدقة ممن هي عليه.
стр. 2331
٢ - فيه دليل على جواز دفعها إلى الجابي، إذا علموا صِدقه بالولاية على ذلك.
٣ - فيه دليل على وجوب اختيار الأمناء في مثل هذه الولايات المالية الهامة، فمن وكلائه ﷺ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
٤ - فيه دليلٌ على مشروعية بعث السعاة والجباة لقبض الزكاة، لأنَّ هذه شعيرةٌ كبيرة، يستحب إظهارها.
٥ - في الحديث رقم (٧٦٠) دليل على صحة التوكيل في ذبح أو نحر الهدايا والأضاحي، وتفريق لحومها، وجلودها، وجلالها على المساكين، كما جاء في بقية الحديث.
٦ - هذه الأحاديث نماذج من الأعمال التي تدخلها النيابة، فتصح فيها الوكالة، وإلاَّ فجزئياتها كثيرة وصورها متعددة، ولكن الذي يميز بين ما تصح الوكالة فيه، وما لا تصح هذا الضابط، وهو أن يكون العمل مما لا يختص القيام به صاحبه، بل تدخله النيابة، فإن كانت النيابة لا تدخله بل يختص بصاحبه، كاليمين، واللعان والنذر، والقَسم بين الزوجات، ونحو ذلك، فلا يصح التوكيل فيه، وأنَّ للإنسان أن يوكِّل في الأعمال التي يستطيع القيام بها بنفسه.
٧ - وفي الحديث رقم (٧٦١) دليل على جواز التوكيل في إثبات الحدود، وأخذ إقرار المتَّهمين.
٨ - فيه دليل على أنَّ للإمام أن يوكل في إقامة الحدود، سواء كان قادرًا على إقامتها بنفسه، أو غير قادر.
٩ - فيه دليل على أنَّ التوكيل من الموكل، والقبول من الموكَّل لا يتقيد بصيغة خاصة، وإنما يثبت ذلك بما دلَّ عليه من قول أو فعل؛ لأنَّه لم يذكر ذلك، ولو كان لازمًا لذكر.
١٠ - وفيه دليل على أنَّ الوكالة قد تكون في العبادات إذا كانت مما تدخله
стр. 2332
النيابة، فإنَّ نحر الهدي، وتفريق لحمها عبادة وشعيرة.
١١ - وفيه دليل على أنَّ الاعتراف من أقوى الإثبات على ثبوت الحكم، فإنَّه رتَّب رجمها على اعترافها، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
١٢ - وفيه دليل على استحباب الإكثار من الهدي إلى البيت الحرام، فإنَّ النبي ﷺ أهدى إليه مائة بدنة.
١٣ - وفيه استحباب تولي المهدي والمضحي نحر هديه أو ذبحه بيده؛ لأنَّه عبادة يتقرب بفعلها.
١٤ - وفيه حكمة النبي ﷺ وسياسته الرشيدة، فإنَّ أُنيسًا من أقارب المرأة التي أقيم عليها الحد، وكون من يتولى ذلك رجل من أهلها أسهل على أهلها من أن يتولى ذلك إنسان ليس منهم.
١٥ - أنَّ الرجل أو المرأة إذا اعترف أحدهما دون الآخر، لا يسري اعترافه إلاَّ على المعترف نفسه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكتف باعتراف الزاني على المرأة، وإنما أقام عليها باعترافها بنفسها.
١٦ - وفيه أنَّ حد الزَّاني المحصَن الرجم بالحجارة حتى الموت.
١٧ - وفيه أنَّه لا يشترط حضور ولي الأمر إقامة الحدود، بل تنفذ، ولو بغيبته، إذا أُمن الحَيْف.
١٨ - وفيه وجوب إقامة الحدود، وأن إقامتها منوطة بولي أمر المسلمين أو نائبه.
***
стр. 2333
باب الإقرار
مقدمة
الإقرار: يقال قرَّ الشيء في مكانه قرارًا: ثبت وسكن.
وشرعًا: إظهار مكلف مختار ما عليه، أو على موكله، أو موليه، أو مورثه، باللفظ، أو الكتابة، بما يمكن صدقه.
وحجية الإقرار ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما السنة: فما في البخاري (٦٨٥٩) ومسلم (١٦٩٧) قوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".
وأما الإجماع: فإنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ الإقرار حجةٌ شرعيةٌ على المقِر. وأما القياس: فلأنَّ العاقل لا يقر على نفسه بشيء ضار بنفسه أو ماله، إلاَّ إذا كان صادقًا فيه.
* الإقرار حجة قاصرة:
الإقرار حجة قاصرة على نفس المقِر، لا يتعداه إلى غيره، وذلك لأنَّ المقِر لا ولاية له إلاَّ على نفسه، فيسري كلامه عليه دون غيره.
والإقرار إخبار عما في نفس الأمر، لا إنشاء، ولا عذر لمن أقر، فمن أقرَّ بحق ثم ادَّعى الإكراه لم يقبل منه إلاَّ ببينة، إلاَّ أن تكون هناك دلالة على الإكراه كقَيد، وحبس، وترسيم عليه، ويكون قرينة على صدقه، والقول قول بيمينه، لكن إن كان هناك قرائن تدل على قوة التهمة بحقه، فلا ينبغي أن تهمل تلك القرائن، لاسيَّما إذا تضافرت، وحينئذِ يجوز أن يُمسَّ بشيءٍ من العذاب ليقر.
стр. 2334
٧٦٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا" صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، مِنْ حَديثٍ طَوِيلٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
قال في التلخيص: روى أحمد، والطبراني، وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: "أوصاني خليلي ﷺ أن أقول الحق وإن كان مرًّا".
قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح، غير سلام وهو ثقة، وقال: أحد إسنادي أحمد ثقات. وللحديث شاهد هو:
حديث علي بن أبي طالب: "قولوا الحق ولو على أنفسكم" قال في التلخيص: رويناه في جزء من حديث أبي علي بن شاذان بسنده إلى علي ﵁، وفيه ضعف وانقطاع، وقد جاء معنى هذا الحديث في عدد من الآيات الكريمات.
* مفردات الحديث:
- ولو كان مُرًّا: منصوب؛ لأنَّه خبر "كان" المحذوف اسمها.
- المر: بضم الميم وتشديد الراء، ضد الحلو، وهو ما تدرك مرارته بحاسة الذوق، وقد تجاوزوا به المحسوسات إلى المعنويات.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث ساقه المنذري في الترغيب والترهيب كما يلي: قال أبو ذر ﵁: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ أن أقول الحق ولو كان مرًا، وأن لا
стр. 2335
أخاف في الله لومة لائم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني، وألاَّ أنظر إلى من أعلى مني، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصِلَ رَحمي وإن قطعوني وجفوني، وألاَّ أسأل أحدًا شيئًا، وأن أستكثر من لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، فإنَّها من كنوز الجنة".
فهذه وصايا نبوية كريمة، وكل فقرة منها لها أصل من الكتاب أو السنة، فجمعت في هذا الحديث.
٢ - الحديث فيه وجوب الإقرار بالحق، ولو لحق القائل المقر تبعات؛ لأنَّ في ذلك إظهارًا للحق، وإبراءً للذمة.
وقول الحق هذا شاملٌ لما على المقر نفسه، وشامل أيضًا لما على غيره من أداء الشهادة وإنكار المنكَر.
٣ - وفيه دلالة على قبول واعتبار قول القائل، وإقراره على نفسه في جميع الحقوق، فلو لم يكن لإقراره اعتبار ما أكَّد عليه بالإقرار به.
٤ - وهذا عامٌّ لجميع ما يجب الإقرار به من دم، أو حدٍّ، أو مال، أو أي حقٍّ من الحقوق، فهو إخبارٌ بما على النفس، ممَّا يلزمها التخلص منه.
٥ - ولكون الحق يصعب إجراؤه على النفس، وُصِف بالمرارة التي يُكره طعمها ويصعب استساغتها.
٦ - الإقرار حجَّةٌ قويةٌ؛ لأنَّ العاقل لا يقر على نفسه بما يضره، إلاَّ صادقًا، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قَبِل من ماعز والغامدية إقرارهما بالزنا، وعاملهما بموجبه في إقامة الحد عليهما، فلو لم يكن حجة لما أخذها به في الحد، الذي من أخص صفاته أنَّه يُدرأ بالشبهات.
٧ - الإقرار حجة قاصرة على نفس المقر دون غيره، فيقتصر إقراره عليه، ولا يؤخذ به غيره، لما روى الطبراني (١٠٧٠١) عن ابن عباس: "أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! أَقِم عليَّ الحد، فقد أتيتُ أمرًا حرامًا، فقال ﷺ : انطلقوا به
стр. 2336
فاجلدوه -ولم يكن تزوج- فقال ﷺ : من هي صاحبتك؟ قال: فلانة، فدعاها فقالت: يا رسول الله! كذَّب عليَّ، والله إني لا أعرفه، فقال ﷺ : من شاهدك؟ فقال يا رسول الله! مالي شاهد، فأمر به فُجُلِدَ حدَّ الفرية ثمانين جلدة".
٨ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: حديث "لا عذر لمن أقرَّ" يروى ولا أدري عن أصله، إلاَّ أنَّ معناه صحيح، وظاهره عند جميع العلماء اعتبار ذلك الإقرار من المقر بالحق الذي أنشأه.
قلتُ: قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" عن هذا الحديث: قال شيخنا -يعني ابن حجر: "لا أصل له، وليس معناه على إطلاقه صحيحًا".
٩ - قالت ندوة رؤساء المحاكم: إذا أقرَّ المتَّهم حال الامتحان بالحبس والضرب أو التهديد، إن وجد ما يصدق هذا الإقرار من وجود السرقة بعينها عنده، أو دلَّ على مكانها، وكيفية أخذها من حرز مثلها، فإنه لم يُقبل منه بل يؤاخذ بإقراره، أما إذا لم يظهر صدق ذلك الإقرار، وكان إقراره نتيجة تعذيب وإكراه، فإنَّه لا يعتبر مثل هذا الإقرار.
١٠ - قال شيخ الإسلام: الحقوق قسمان:
- حقوق الله.
- حقوق الآدميين.
فأما حقوق الله، فإنَّ من شروط إقامتها البقاء على إقراره إلى تمام الحد، فإن رجع عن إقراره كفَّ عنه.
وبهذا قال الأئمة الأربعة، والثوري، وإسحاق.
وأما حقوق الآدميين، فهي مبنيَّةٌ على المشاحة، فإذا أقرَّ المكلف مختارًا، فلا يُقْبل رجوعه، ولا ادعاؤه غلطًا، أو نسيانًا بعد الإقرار، الذي يعتبر من أقوى الإثبات؛ ولهذا تلزم غرامة المسروق من أقرَّ ولو مرَّة
стр. 2337
واحد.
١١ - قال الشيخ تقي الدين: وأما ضرب المتَّهم إذا عرف أنَّ المال عنده، وقد كتمه ليقر بمكانه، فهذا لا ريب فيه، كما يضرب ليؤدي ما عليه من المال الذي يقدر على وفائه، كما جاء في الصحيح من قصة عم حُيي بن أخطب الذي عُذِّب حتى أخرج المال المخفي.
١٢ - قوله: "قل الحق ولو كان مُرًّا" أنَّ الله تعالى بكرمه ورحمته لا يؤاخذ على ما تهواه النفوس، ولو كان أمرًا مخالفًا للحق والعدل، ما دام أنَّه مضمر ذلك في نفسه، لم يتابع هواه وشهوته، وإنما عصى نفسه وألزمها الحق، بل إنَّه بهذه المجاهدة مأجور مثاب.
***
стр. 2338
باب العارية
مقدمة
العارية: بتشديد الياء على المشهور، ويجوز تخفيفها.
جمعها: عواري بالتشديد والتخفيف، يقال عاره الشيء، وأعاره إيَّاه.
سميت عارية: من العُري، وهو التجرد؛ لتجردها من العِوض.
وشرعًا: هي إباحة نفْع عين تبقى بعد استيفائها، ليردها على مالكها.
وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها، وهي مشروعةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧].
وتدخل في قوله تعالي: ﴿الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا﴾ [المائدة: ٢].
واستعار ﷺ من صفوان بن أمية أدراعًا، [رواه أبو داود (٣٥٦٢)].
قال الوزير وغيره: "اتَّفقوا على أنَّها جائزة، وقُربة مندوب إليها، وأنَّ للمعير ثوابًا.
قال الموفق: "الإعارة مستحبةٌ بإجماع المسلمين".
وقال الشيخ تقي الدين: "تجب مع غنى المالك للآية، وهو قولٌ لأحمد". قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] أي يمنعون إعطاء الشيء الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، كالإناء والفأس، ونحو ذلك مما جرت العادة ببذله والسماح به، ففيه الحث على فعل المعروف، وبذل الأموال الخفيفة؛ لأنَّ الله لام من لم يفعل ذلك، والله سبحانه أعلم.
стр. 2339
٧٦٣ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيهِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث معلول؛ لعنعنة فيما بين الحسن، وسمرة.
قال في "التلخيص": رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحسن عن سمرة، والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
قال الترمذي: "حديث حسنٌ صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط البخاري" ذلك إذا صرَّح بالتحديث من سمرة، أما وهو لم يصرح به بل عنعنه فليس الحديث إذًا بصحيح الإسناد، وبهذا أعلَّه الحافظ في "التلخيص".
* مفردات الحديث:
- على اليد: اسم للجارحة، ولكن المراد منها هنا: أن تكون يداً حقيقة، أو يدًا معنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق.
- ما أخذَت: "ما" موصولة مبتدأ، و"على اليد" خبره، والضمير الراجع محذوف، أي ما أخذته اليد ضمان على صاحبها، وأسند إلى اليد؛ لأنَّها هي المتصرفة.
стр. 2340
٧٦٤ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنِ ائْتَمَنكَ، ولاَ تَخُنْ مَن خَانَكَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذيُّ وحَسَّنَهُ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاسْتَنكرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ، وَهُوَ شَامِلٌ للعَارِيَّة (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة، وتفرَّد به طلْق بن غنام عن شريك، واستشهد له الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس، ولكن فيه أيوب بن سويد مختَلف فيه.
قال الشافعي: هذا الحديث ليس ثابتًا، وقال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: هذا حديثٌ باطل، لا أعرفه من وجهٍ يصح.
أما الشيخ ناصر الدين الألباني فقال: الحديث صحيح، فقد روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأنس ورجل سمع النبي ﷺ .
وجملة القول: إنَّ الحديث بمجموع طرقه ثابت، وما نقل عن بعض المتقدمين من أنَّه ليس بثابت فذلك باعتبار ما وقع له من طريق، لا بمجموع ما وصل منها إلينا، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- أدِّ الأمانة: أعط الأمانة.
стр. 2341
الأمانة لغةً: الوفاء.
وشرعًا: كل عين للغير في يد الشخص باختيار صاحبها.
- لا تخُنْ: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم، والخيانة: عدم الوفاء بالأمانة، بأنْ لم يؤدها، أو لم يؤد بعضها، وتقدم معناها قريبًا.
***
стр. 2342
٧٦٥ - وَعنْ يَعْلى بنِ أُميَّةَ ﵁ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلاَثينَ دِرْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعَاريَةٌ مُضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: بلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ" رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح بمجموع طرقه.
قال في التلخيص: رواه أبو داود من حديث صفوان بن أمية.
وأخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم، وأورد له شاهدًا من حديث ابن عباس ولفظه: "بل عارية مؤداة" ورواه البيهقي من حديث جعفر بن محمد، عن أمية بن صفوان مرسلاً، ورواه الحاكم من حديث جابر.
وأعلَّه ابن حزم وابن القطان، زاد ابن حزم: إنَّ أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية، يعني الذي رواه أبو داود.
وفي الباب عن ابن عمر عند البزار، وهو ضعيف، وعن أنس عند الطبراني، وهو ضعيف.
قلتُ: وقد لخَّص الألباني طرق هذا الحديث ورتَّبها فقال: فالحديث مضطرب الإسناد؛ لكن له شاهدان.
الأول: عن جابر بن عبد الله أخرجه الحاكم، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذَّهبي.
الثاني: عن ابن عباس، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي.
стр. 2343
قلتُ: كلا فإن فيه إسحاق بن عبد الواحد القرشي، قال أبو علي الحافظ: متروك الحديث، وقال الذَّهبي: بل واهٍ متروك.
الثالث: رواية جعفر بن محمَّد عن أبيه أخرجه البيهقي.
وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث.
* مفردات الحديث:
- دِرعًا: بكسر الدال وسكون الراء آخره عين، هو قميصٌ من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس للوقاية من السلاح.
- مضمونة: ضمن يضمن ضمنًا وضمانًا كفل، فهو ضامن وضمين، فالضمان الكفالة، أو هو أعم منها، هكذا قال اللغويون!!
أما الفقهاء فقالوا: الضمان: التزام من يصح تبرعه ما وجب على غيره من مال، مع بقائه في ذمَّة الغير.
أما الكفالة: التزام رشيد إحضار من عليه حق مالي لغريمه.
ومعنى مضمونة: تضمن إن تلفت بقيمتها.
- العارية المؤداة: بالهمزة من أدى دينه إذا قضاه، والاسم الأداء، وهو أداء الأمانة منك إذا طلبها صاحبها، فهي التي يجب أداؤها مع بقاء عينها، فهي الأمانة المردودة نفسها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.
- العارية: بتشديد الياء وتخفيفها تجمع على عواري، اختلف في اشتقاقها وأحسنها أنَّها مأخوذةٌ من العري، وهو التجرد؛ لتجردها من العوض.
***
стр. 2344
٧٦٦ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنينٍ، فَقَالَ: أغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١) وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وتقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله، فقد نقلنا كلام الحافظ عنه من التلخيص في أول بحث الحديث الأول، وقد صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، وللحديث شواهد.
قال البيهقي: وإن كان بعضها مرسلاً فإنَّه يقوى بشواهده.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - هذه الأحاديث من الأصول التي جاءت في بيان أصل حكم العارية، وأنَّها إباحة منافع العين مع بقائها، بلا عوض.
٢ - أنَّ العارية مشروعة، فهي إما مستحبة كما هو قول الجمهور، أو واجبة كما هو قول بعضهم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يوجبها على الغني.
قال تعالى عن مانعي الماعون: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون].
وهو يشمل كل ما جرت العادة بإعارته من الأواني ونحوها.
٣ - وجوب أداء جميع الأمانات على أصحابها، ومنها العارية؛ لقوله تعالى:
стр. 2345
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]
ولقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" [رَواهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٥٦١)].
٤ - الأمانة هي كل عين بيدك برضا صاحبها، فهي أمانة سواء كانت عارية، أو عينا مؤجرة، أو وديعة، أو عينًا، في يد وكيل عليها، أو غير ذلك.
ولها أحكام مفصَّلة ستأتي إن شاء الله تعالى في باب الوديعة.
٥ - وجوب ضمان العارية إذا تلفت بتعدٍّ أو تفريط، بإجماع العلماء.
٦ - إذا تلف بعض أجزائها فيما استعيرت له، فلا ضمان بالإجماع.
٧ - التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب من الحفظ.
٨ - أما إذا تلف بدون تعدٍّ ولا تفريط، وبغير ما استعيرت له، ففيها خلاف، سنذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
٩ - وجوب حفظ الأمانة، ومنها العارية، وعدم التعدي والتفريط فيها.
وهذا مأخوذ من الحديث رقم (٧٦٤)، كما أنَّه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
والدليل من الآية: أنَّ الأداء لا يمكن إلاَّ بحفظها، فهو من لازمه.
١٠ - تحريم الخيانة فيها، وإن كان صاحبها قد خان مَن عنده الأمانة، ومنهم المستعير، لقوله: "ولا تخن من خانك" وهناك مسألة تسمى "مسألة الظفر" سيأتي الخلاف فيها إن شاء الله.
١١ - جواز عارية السلاح ما لم يكن إعارته لكفارٍ يتقوون به على المسلمين، أو بغاة، وقطاع طريق، يستعينون به على إخافة المسلمين وترويعهم، وكذلك لا يجوز بيعه، أو إعارته زمن فتنة بين المسلمين.
١٢ - العارية مضمونة مطلقًا عند بعض العلماء، وغير مضمونة إلاَّ بالتعدي والتفريط عند آخرين، وسيأتي تحقيق الخلاف إن شاء الله تعالى.
١٣ - الحديث رقم (٧٦٥) ذكر العارية المضمونة، والعارية المؤداة.
стр. 2346
والفرق بينهما أنَّ المضمونة هي التي تضمن إن تلفت، وأما المؤداة فهي التي لا يجب أداؤها، إلاَّ مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة، وسيأتي خلافها إن شاء الله تعالى.
١٤ - استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية أدرعة وهو كافر، وهذا لا يعارض الحديث الآخر: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
لأنَّ المنهي عنه هو الاستعانة بذواتهم التي يخشى منها الخيانة، لاسيَّما في مأزق الحرب.
أمَّا المعاملات المالية: من بيع، وشراءٍ، وإجارةٍ، واستعارةٍ، فلا تدخل فيها.
١٥ - عدل النَّبي ﷺ وصفْحه وحِلمه، وإلاَّ فصفوان لا يزال حين استعار الأدرع منه على الشرك، وهو ممَّن استولى عليه عنوة، ومع هذا عفَّ عن الاستيلاء على أدراعه، وأخبره أنَّها عارية مضمونة إن تلفت، ولذا فإنَّه لما ضاع بعضها أراد النبي ﷺ أن يضمنها لصفوان، ولكن صفوان قد أسلم فتركها برضاه.
١٦ - فقهاء الحنابلة يجعلون مؤنة الدابة المعارة على المالك، لكن قال شيخ الإسلام: قياس المذهب أنَّها تجب على المستعير، قلتُ: ووجه القياس وجوب أداء العارية، ولا يمكن أداؤها إلاَّ بمؤنتها.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصواب أنَّ مؤنة الدابة المستعارة على من استعارها، وهذا هو العرف الجاري.
١٧ - جواز التوكيل في الاستعارة، وقبضها من المعير.
١٨ - حسن أدب الإسلام، وأنَّه دين السلام والوئام، فإنه يمنع من الخيانة حتى مع من خان، فلم يبح مقابلته بمثل عمله من الخيانة، وإنما يدعو الإسلام إلى الصبر والمسالمة، فالإسلام يبيح للمظلوم أن يقتص بقدر حقه؛ لأنَّه
стр. 2347
عدلٌ، فيقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
ولكنه يدعو المظلوم إلى أفضل من القصاص، فيقول تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى].
١٩ - قال الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب: في مسألة الظفر.
- إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج لبينة، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف جاز الأخذ بالمعروف، كما أذِن لهند زوجة أبي سفيان.
- وإن كان سبب الحق خفيًّا، وينسب الآخذ إلى خيانة أمانته، لم يكن له الأخذ، لئلا يعرض نفسه للتهمة والخيانة، ولعلَّ هذا القول أرجح الأقوال وبه تجتمع الأدلة.
قال ابن القيم: وهذا القول أصح الأقوال، وأسدها، وأوفقها للشريعة، وبه تجتمع الأحاديث.
أما شارح البلوغ فذكر تعليلاً آخر، فقال: مسألة الظفر الأقوال فيها كما يلي:
أحدها: أنَّ من له حق، فليس له الأخذ من حق من عنده له الحق، إذا ظفر بماله، سواء كان من جنس ما عليه، أو من غير جنسه، وهو مذهب الشافعي، لقوله ﷺ : "ولا تخن من خانك".
الثاني: يجوز له الأخذ، إذا كان من جنسه، لا من غيره؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
الثالث: لا يجوز ذلك إلاَّ بحكم حاكم؛ لظاهر النَّهي.
الرابع: يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه، سواء كان من نوع ما هو له، أو من غيره، ويبيعه ويستوفي حقه، فإن فضل ما هو له رده؛ لقوله تعالى:
стр. 2348
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال ﵊ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [رواه البخاري].
وقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" [رواه البخاري]، فهو يريد أن يبرئه، فهو مأجور.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في ضمان العارية إذا تلفت عند المستعير إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ المستعير يضمنها على كل حال، سواء شرط عليه الضمان، أو لم يشترط عليه.
هذا هو المشهور عند أحمد والشافعي.
قال في "الإنصاف": هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" [رواه أبو داود (٣٥٦١)].
الثاني: أنَّها لا تُضمن بحالٍ كسائر الأمانات، وهو المشهور عند مالك.
الثالث: لا تضمن إلاَّ إذا شرط ضمانها، اختاره جماعةٌ من أصحاب الإمام أحمد، منهم العكبري، وصاحب الفائق، وذُكِر للإمام أحمد ذلك، فقال: "المسلمون على شروطهم" [رواه الترمذي (١٣٥٢)].
الرابع: أنَّها لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي أو التفريط فيها، كسائر الأمانات.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وهو قول الحسن، والنَّخعي، والشَّعبي، وعمر بن عبد العزيز، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس على
стр. 2349
المستعير غير المغِل ضمان".
قال في النهاية: أي: إذا لم يخن في العارية والوديعة، فلا ضمان عليه من الإغلال، وهو الخيانة.
* فائدة:
كثير من العلماء -ومنهم الحنابلة- يرون أنَّ العارية تضمن على كل حال، إلاَّ في أربع حالات، وهي:
١ - إذا كانت العارية وفقاً، لكون المستعير من جملة المستحقين.
٢ - إذا أركب دابته منقطعاً لله تعالى، فتلفت تحته، إذ المالك هو الذي طلب ركوبه تقرباً.
٣ - وكيل مالك العين إذا تلفت لا يضمنها؛ لأنَّه ليس بمستعير، وإنما هو أمين صاحبها.
٤ - إذا تلفت أجزاؤها بمعروف فيما استعيرت له؛ لأنَّ الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف.
لكن تقدم أنَّ الراجح أنَّ العارية لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي عليها، وذلك بفعل ما لا يجوز أو بالتفريط فيها، وذلك بترك ما يجب في حفظها.
***
стр. 2350
باب الغصب
مقدمة
الغصب: مصدر غصب يغصب -بكسر الصاد- غصبًا، من باب ضرب، ويقال: اغتصبه يغتصبه اغتصابًا، والشيء مغصوب وغصب.
وتعريفه لغة: أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا.
واصطلاحًا شرعيًّا: الاستيلاء عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق.
والاستيلاء كالقبض يختلف باختلاف المستولى عليه.
وهو محرَّم بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، ويقتضيه العدل والقياس.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوَّقه من سبع أرضين يوم القيامة" [رواه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)].
وقال ﷺ : "إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" [رواه مسلم (١٢١٨)].
والنصوص في تحريم حقوق الناس من الكتاب والسنة كثيرةٌ جدًا.
قال الموفق: أجمع المسلمون على تحريمه، والقياس يقتضي تحريمه.
قال شيخ الاسلام: للمظلوم الدعاء على ظالمه، بقدر ما يوجبه ظلمه.