والفرق بينهما أنَّ المضمونة هي التي تضمن إن تلفت، وأما المؤداة فهي التي لا يجب أداؤها، إلاَّ مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة، وسيأتي خلافها إن شاء الله تعالى.
١٤ - استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية أدرعة وهو كافر، وهذا لا يعارض الحديث الآخر: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
لأنَّ المنهي عنه هو الاستعانة بذواتهم التي يخشى منها الخيانة، لاسيَّما في مأزق الحرب.
أمَّا المعاملات المالية: من بيع، وشراءٍ، وإجارةٍ، واستعارةٍ، فلا تدخل فيها.
١٥ - عدل النَّبي ﷺ وصفْحه وحِلمه، وإلاَّ فصفوان لا يزال حين استعار الأدرع منه على الشرك، وهو ممَّن استولى عليه عنوة، ومع هذا عفَّ عن الاستيلاء على أدراعه، وأخبره أنَّها عارية مضمونة إن تلفت، ولذا فإنَّه لما ضاع بعضها أراد النبي ﷺ أن يضمنها لصفوان، ولكن صفوان قد أسلم فتركها برضاه.
١٦ - فقهاء الحنابلة يجعلون مؤنة الدابة المعارة على المالك، لكن قال شيخ الإسلام: قياس المذهب أنَّها تجب على المستعير، قلتُ: ووجه القياس وجوب أداء العارية، ولا يمكن أداؤها إلاَّ بمؤنتها.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصواب أنَّ مؤنة الدابة المستعارة على من استعارها، وهذا هو العرف الجاري.
١٧ - جواز التوكيل في الاستعارة، وقبضها من المعير.
١٨ - حسن أدب الإسلام، وأنَّه دين السلام والوئام، فإنه يمنع من الخيانة حتى مع من خان، فلم يبح مقابلته بمثل عمله من الخيانة، وإنما يدعو الإسلام إلى الصبر والمسالمة، فالإسلام يبيح للمظلوم أن يقتص بقدر حقه؛ لأنَّه
стр. 2347
عدلٌ، فيقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
ولكنه يدعو المظلوم إلى أفضل من القصاص، فيقول تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى].
١٩ - قال الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب: في مسألة الظفر.
- إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج لبينة، كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف جاز الأخذ بالمعروف، كما أذِن لهند زوجة أبي سفيان.
- وإن كان سبب الحق خفيًّا، وينسب الآخذ إلى خيانة أمانته، لم يكن له الأخذ، لئلا يعرض نفسه للتهمة والخيانة، ولعلَّ هذا القول أرجح الأقوال وبه تجتمع الأدلة.
قال ابن القيم: وهذا القول أصح الأقوال، وأسدها، وأوفقها للشريعة، وبه تجتمع الأحاديث.
أما شارح البلوغ فذكر تعليلاً آخر، فقال: مسألة الظفر الأقوال فيها كما يلي:
أحدها: أنَّ من له حق، فليس له الأخذ من حق من عنده له الحق، إذا ظفر بماله، سواء كان من جنس ما عليه، أو من غير جنسه، وهو مذهب الشافعي، لقوله ﷺ : "ولا تخن من خانك".
الثاني: يجوز له الأخذ، إذا كان من جنسه، لا من غيره؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
الثالث: لا يجوز ذلك إلاَّ بحكم حاكم؛ لظاهر النَّهي.
الرابع: يجب عليه أن يأخذ بقدر حقه، سواء كان من نوع ما هو له، أو من غيره، ويبيعه ويستوفي حقه، فإن فضل ما هو له رده؛ لقوله تعالى:
стр. 2348
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال ﵊ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [رواه البخاري].
وقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" [رواه البخاري]، فهو يريد أن يبرئه، فهو مأجور.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في ضمان العارية إذا تلفت عند المستعير إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ المستعير يضمنها على كل حال، سواء شرط عليه الضمان، أو لم يشترط عليه.
هذا هو المشهور عند أحمد والشافعي.
قال في "الإنصاف": هذا المذهب بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" [رواه أبو داود (٣٥٦١)].
الثاني: أنَّها لا تُضمن بحالٍ كسائر الأمانات، وهو المشهور عند مالك.
الثالث: لا تضمن إلاَّ إذا شرط ضمانها، اختاره جماعةٌ من أصحاب الإمام أحمد، منهم العكبري، وصاحب الفائق، وذُكِر للإمام أحمد ذلك، فقال: "المسلمون على شروطهم" [رواه الترمذي (١٣٥٢)].
الرابع: أنَّها لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي أو التفريط فيها، كسائر الأمانات.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وهو قول الحسن، والنَّخعي، والشَّعبي، وعمر بن عبد العزيز، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس على
стр. 2349
المستعير غير المغِل ضمان".
قال في النهاية: أي: إذا لم يخن في العارية والوديعة، فلا ضمان عليه من الإغلال، وهو الخيانة.
* فائدة:
كثير من العلماء -ومنهم الحنابلة- يرون أنَّ العارية تضمن على كل حال، إلاَّ في أربع حالات، وهي:
١ - إذا كانت العارية وفقاً، لكون المستعير من جملة المستحقين.
٢ - إذا أركب دابته منقطعاً لله تعالى، فتلفت تحته، إذ المالك هو الذي طلب ركوبه تقرباً.
٣ - وكيل مالك العين إذا تلفت لا يضمنها؛ لأنَّه ليس بمستعير، وإنما هو أمين صاحبها.
٤ - إذا تلفت أجزاؤها بمعروف فيما استعيرت له؛ لأنَّ الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف.
لكن تقدم أنَّ الراجح أنَّ العارية لا تضمن إلاَّ بالتَّعدي عليها، وذلك بفعل ما لا يجوز أو بالتفريط فيها، وذلك بترك ما يجب في حفظها.
***
стр. 2350
باب الغصب
مقدمة
الغصب: مصدر غصب يغصب -بكسر الصاد- غصبًا، من باب ضرب، ويقال: اغتصبه يغتصبه اغتصابًا، والشيء مغصوب وغصب.
وتعريفه لغة: أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا.
واصطلاحًا شرعيًّا: الاستيلاء عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق.
والاستيلاء كالقبض يختلف باختلاف المستولى عليه.
وهو محرَّم بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، ويقتضيه العدل والقياس.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوَّقه من سبع أرضين يوم القيامة" [رواه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)].
وقال ﷺ : "إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" [رواه مسلم (١٢١٨)].
والنصوص في تحريم حقوق الناس من الكتاب والسنة كثيرةٌ جدًا.
قال الموفق: أجمع المسلمون على تحريمه، والقياس يقتضي تحريمه.
قال شيخ الاسلام: للمظلوم الدعاء على ظالمه، بقدر ما يوجبه ظلمه.
стр. 2351
ويجب على الغاصب رد ما غصبه، فهو من رد المظالم إلى أهلها.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الأمور التي تضمن بها النفوس والأموال ثلاثة:
الأول: يد متعدية، وضابطها كل من وضع يده على مال غيره ظلمًا.
الثاني: اليد المباشرة، فمن أتلف نفسًا محترمة، أو مالاً بغير حق، عمداً أو سهواً أو جهلاً، فإنَّه ضامن.
الثالث: اليد المتسببة، فمن فعل ما ليس له فعله في ملك غيره أو في الطريق، أو تسبب للإتلاف بفعل غير مأذون فيه، فتلف بسبب فعله نفسٌ، أو مالٌ ضمنه.
لكن إذا اجتمع مباشر ومتسبب، فالضمان على المباشر، فإن تعذر تضمينه ضمن المتسبب.
***
стр. 2352
٧٦٧ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبع أَرَضِينَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- اقْتَطع: أخذ من أرض غيره جزءاً، ولو يسيرًا.
- شبرًا: بكسر الشين وسكون الباء بعدها راء، هو ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد بينهما، وهو مذكر، جمعه أشبار.
- ظلمًا: حال من فاعل اقتطع، والظلم لغة: الجوْر، ومجاوزة الحد.
وشرعًا: وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، ومنه التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
- طوَّقه الله: بفتح الطاء المهملة بعدها واو مشددة، جعل هذه الطبقات من الأرضين طوقًا يحيط بعُنُقِهِ، كالغِل.
- أرضين: بفتح الراء، وجاز إسكانها، جمع أرض.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إنَّ الله تعالى ورسوله ﷺ عظما حقوق الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال ﷺ "إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام" [رواه مسلم (١٢١٨)]. فلا يحل لأحدٍ أخذ شيءٍ من أحد، إلاَّ بطيبة من نفسه.
٢ - لذا أخبر ﷺ أنَّ من اقتطع شبرًا من الأرض طوَّقه من سبع أرضين، جزءً له
стр. 2353
على ظلمه صاحبَ الأرض، التي استولى عليها ظلمًا.
٣ - أنَّ الظُّلم حرام في القليل والكثير، وهذا فائدة ذكر الشبر.
٤ - أنَّ العقار يكون مغصوبًا مستولى عليه بوضع اليد.
٥ - أنَّ مَنْ مَلك ظاهر الأرض مَلَكَ باطنها إلى تخومها، فلا يجوز أن يضع أحد تحت أرضه نفقًا، أو سربًا، ونحو ذلك إلاَّ بإذنه.
٦ - يكون مالكًا لما فيها من أحجار ومعادن جامدة، وله أن يحفر فيها ما شاء.
٧ - كما أنَّ العلماء جعلوا الهواء تابعًا للقرار، فمن ملك أرضًا ملك ما فوقها من أجواء وفضاء.
٨ - قال العلماء: إنَّ الحديث صريحٌ بأنَّ الأرض سبع طباق، إذ لم يطوق من غصب شبرًا، إلاَّ أنَّه تابع له في الملك، ويعضده ما رواه الإمام أحمد (١٦٩١٣) من حديث يعلى بن مرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض، كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه إلى يوم القيامة حتى يفض بين الناس"، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
* فوائد:
الأولى: قال الشيخ تقي الدين: إذا كان بيد الإنسان أموال مغصوبة، وسرقات، وأمانات للناس، وودائع، ورهون، ونحو ذلك، لا يعرف أصحابها، فله الصدقة بها، وله صرفها في مصالح المسلمين، ويبرأ من عهدتها.
الثانية: قال الشيخ تقي الدين: من كسب مالاً حرامًا ثم تاب، كثمن خمر، ومهر بغي، فإن كان لم يعلم التحريم ثم علم، جاز له أكله.
وإن كان يعلم التحريم أولاً ثم تاب، فإنَّه يتصدق به، كما نصَّ عليه الإمام أحمد.
الثالثة: قال الشيخ تقي الدين: من اختلط في ماله حرام وحلال، ولم يعرف
стр. 2354
أيهما أكثر، فإنه يخرج نصف ماله، والنصف الباقي له حلال، كما فعل عمر بن الخطاب مع العمال، فإنه شاطَرَهم، فأخذ نصف أموال عماله، وإن عرف قدره تصدق به عن أصحابه.
الرابعة: قال الشيخ تقي الدين: المال المغصوب إذا اتَّجر به الغاصب ونمَّاه فربح، فأعدل الأقوال أن يكون الربح مناصفة بينه وبين صاحب المال، وهذا قضاء عمر الذي وافقه عليه الصحابة، وقد اعتمد عليه الفقهاء، وهو العدل؛ لأنَّ النماء حصل بمال هذا، وعمل هذا، فلا يختص أحدهما بالربح.
الخامس: قال الشيخ عبد الله بن محمَّد: كل قوم لهم عادة استمروا عليها تخالف أحكام الشرع في المواريث، والدماء، والديات، وغير ذلك، يفعلون ذلك مستحلين له في جاهليتهم، فإنَّهم إذا علموا واستقاموا لم يطالبوا بما فعلوه في جاهليتهم مما تملكوه من المظالم، ونحوها.
وأما الديون، والأمانات، فإنَّ الإسلام لا يسقطها، بل أداؤها إلى أربابها، والله أعلم.
***
стр. 2355
٧٦٨ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحدى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيْهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّنَهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعامَ وَقَال: كُلُوا، وَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وحَبَسَ المَكْسُورَةَ" رَواهُ البُخَارِيُّ، وَالتِّرمِذِيُّ وسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ فَقَالَ: النَبِيُّ ﷺ "طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ" وصَحَّحَهُ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- بعض نسائه: عند عائشة ﵂.
- إحدى أمهات المؤمنين: المرسلة زينب بنت جحش ﵂.
- خادم: قال في المصباح: الخادم غلامًا كان أو جاريةً، والخادمة في المؤنث قليل، والجمع خدم وخدَّام.
- قصعة: بفتح القاف، وسكون الصاد، وفتح العين، آخره تاء التأنيث، وعاء يؤكل فيه ويشرب، وكان يُتَّخذ من الخشب غالبًا، جمعه قصاع وقصع.
- ضمَّها: أي جمع القصعة المكسورة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من أتلف لغيره شيئًا، أنَّه يضمنه بمثله، سواء كان المتلف مثليًا، كالمكيل والموزون، أو غير مثلي، كالثوب والإناء، وسيأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 2356
٢ - وفيه بيان الغيرة الشديدة بين النساء، حتى ذوات الفضل العظيم، والشرف الكبير زوجات النبي ﷺ ، وشدة الغيرة من الزوجة، دليل زيادة المحبة.
٣ - فيه حسن خلقه ﷺ من العفو، والصَّفح، والسماح، حيث لم يعاقب كاسرة القصعة اعتداء.
وهذا راجعٌ إلى صفحه، وكرم خلقه، وإلى تقديره لحال النساء، وما جُبِلن عليه.
٤ - قال شيخ الإسلام: عوض المثل كثير الدوران في كلام العلماء، وهو أمرٌ لابد منه، فهو من أركان الشريعة.
فقيمة المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل، ونحو ذلك، وقد جاء في قوله ﷺ : "من أعتق شِرْكًا له من عبد، قوِّم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط" وقال ﷺ في بِرْوَع بنت واشق: "لها مهر مثلها، لا وكس، ولا شطط".
فهو محتاج إليه فيما يضمن بإتلاف النفوس والأموال والأبضاع، والمنافع. وما يضمن بالعقود الفاسدة والصحيحة، فهو نفس العدل، ونفس الوفاء، وهو متَّفق عليه بين المسلمين، بل وبين أهل الأرض، وهو معنى القسط الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل فيه الكتب، وهو مقابل الحسنة بمثلها، والسيئة بمثلها، فعوض المثل هو مثل المسمى في العرف والعادة.
٥ - فيه أنَّ الإناء المكسور، والثوب المشقوق، ونحوهما، يكون للمعتدي بعد أن أُخِذ منه الصالح، بدل الذي كسر.
هذا هو الظاهر من قوله: "ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحَبَس المكسورة" يعني في بيت الكاسرة التي أُخِذ إناؤها وأرسله إلا مُرسلة الطعام.
٦ - فيه أنَّ بعث الطعام أو الشراب من زوجة لبيت زوجة أخرى، فيه الزوج تلك الليلة وذلك اليوم أنَّه جائز، ولا يعتبر من الميل لزوجة على أخرى، فإنَّ
стр. 2357
النَّبيَّ ﷺ أقرَّ الإرسال، وأمر بأكل الطعام بعد أن جمعه.
٧ - فيه جواز اتخاذ الخدم في البيوت؛ للقيام بما يناسبهم من الأعمال المنزلية.
٨ - فيه فضيلة احترام نعم الله تعالى وأكلها، ولو سقطت في الأرض ما دام أنَّها لم تتلوث، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس من إلقاء نعم الله تعالى النظيفة الكثيرة في الأماكن القذرة، فهذا من المحرَّمات، ومن كفران نِعَم الله تعالى.
٩ - فيه مؤاخذة الإنسان على إتلافه مال غيره وغُرمه إيَّاه، ولو صدر منه ذلك في حالة غضب وانفعال.
١٠ - فيه استحباب عدم الترفع عن الأكل، واستعمال الإناء المكسور.
١١ - هذا الحديث لا علاقة له بباب الغصب حسب ما اصطلح على تعريفه الفقهاء، وإنما كان هذا من باب الإتلاف، لأنَّه ليس استيلاء؛ لذا فحقه أن يورد في باب ضمان المتلفات، ويحتمل أن تكون مناسبته لباب الغصب هو أنَّ عين المغصوب إذا تلفت تضمن بمثلها، والله أعلم.
* خلاف العلماء:
جمهور العلماء أنَّ المِثلي إذا أُتْلِفَ يُضْمن بمثله، والمثلي عند الحنابلة هو "المكيل والموزون".
وبعضهم يزيد في المثلي أيضًا "المعدود والمذروع".
وأما المتقوم فيضمن بقيمته.
ويستدلون لضمان المثلي بمثله بقوله تعالي: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمماثلة لا تتحقق إلاَّ في المكيلات والموزونات.
ودليل ضمان المتقوم بقيمته قوله ﷺ : "من أعتق شِركاً له في عبدٍ، قُوِّم عليه قيمة عدل" [مُتَّفقٌ عَليْهِ].
стр. 2358
فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنَّها متلفة بالعتق، ولم يأمره بالمثل.
وذهب طائفة من العلماء ومنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، إلى أنَّ المغصوب يضمن بمثله مكيلاً كان، أو موزوناً، أو غيرهما حيث أمكن، وأنَّه لا يعدل إلى القيمة إلاَّ إذا أعوز المثل أو تعذر، واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١].
ولحديث الباب الذي معنا في ضمان القصعة بمثلها، وقوله ﷺ : "إناءٌ بإناءٍ" قال الشيخ تقي الدين: إنَّ القصاص مشروع في الأنفس والأطراف، وهي أعظم قدرًا من الأموال.
وقال الشيخ أيضا: إنَّ ضمان المال بجنسه أقرب إلى العدل، من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير.
وشيخنا عبد الرحمن السعدي يرجح هذا القول، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، رَحمَه الله تعالى.
قال ابن موسى: إنَّ هذه الرواية هي المذهب.
***
стр. 2359
٧٦٩ - وَعنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِن الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَيُقالُ: إِنَّ البُخَارِيَّ ضعَّفَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: أخرجه أبو داود والترمذي من حديث رافع بن خديج مرفوعًا، وحسَّنه الترمذي لشواهده، وإلاَّ فإسناده ضعيف؛ لضعف بعض رجال سنده، كما أعلَّ بالانقطاع، بين عطاء بن أبي رباح، ورافع بن خديج.
قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب.
ولكن له طرق تقوي بها هي:
عن أبي جعفر الخطمي عن سعيد بن المسيب قال: كان ابن عمر لا يرى فيها شيئًا ثابتًا، حتى بلغه عن رافع بن خديج أنَّ رسول الله ﷺ رأى زرعاً في أرض ظهير بن رافع فأعجبه، فقال: "ما أحسن هذا الزَّرع! فقالوا: إنَّه ليس لظهير، ولكنه لفلان، قال: فخذوا زرعكم وردوا عليه النفقة".
فهذا الإسناد صحيح، لا علة فيه، وهو شاهدٌ قوىٌ لحديث شريك، وقد حسَّنه الترمذي، ونقل تحسينه عن البخاري، والله أعلم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم من غصب أرضًا وزرعها.
стр. 2360
فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الزرع للغاصب، وأنَّ لصاحب الأرض قلعه قبل الحصاد، وأما بعد الحصاد فليس له إلاَّ أجرة الأرض.
وذلك لما في سنن أبي داود وغيره أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ليس لعِرق ظالمٍ حقٌّ" وذهب الإمام أحمد وإسحاق إلى أنَّ صاحب الأرض تملك الزرع بمثل بذره وقيمة لواحقه من حرث، وسقي، ونحوهما، وله إبقاء الزرع للغاصب، بأجرة مثله إلى الحصاد.
هذا إذا أدرك الزرع قائمًا لم يحصد، وأمَّا بعد حصد الزرع، فليس له إلاَّ الأجرة.
وحديث الباب من أدلة القول الذي ذهب إليه الإمام أحمد وأتباعه.
وقال الشيخ تقي الدين: من زرع أرضًا بلا إذن شريكه، والعادة جارية بأنَّ من زرع فيها له نصيبٌ معلوم، ولربها نصيب قسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك.
ثم قال: لو طلب أحد الشريكين من الآخر أن يزرع معه أو يهايئه فيها فأبى، فللأول الزرع في قدر حقه بلا أجرة.
وكذلك دارٌ بينهما فيها بيتان، سكَن أحدهما بيتًا منهما، فلا يلزمه شيء.
وصوَّبه في الإنصاف، وقال: إنَّه لا يسع الناس غيره.
* فوائد:
الأولى: قال الشيخ تقي الدين: المال المغصوب إذا عمل فيه الغاصب حتى حصل منه نماء، ففيه أقوال للعلماء، هل النماء للمالك وحده أو يتصدق به، أو يكون بينهما كما يكون إذا عمل فيه بطريق المضاربة؟ كما فعل عمر لما أقرض أبو موسى ابنيه من مال الفيء فتوقف عمر، فقال له بعض الصحابة: تجعله مضاربة بينهما وبين المسلمين، لهما نصف الربح، وللمسلمين نصف الربح، فعمل عمر بذلك.
وهذا ما اعتمده الفقهاء في المضاربة، فإنَّ النماء حصل بمال هذا
стр. 2361
وبعمل الآخر، فلا يختص أحدهما بالربح.
الثانية: قال الشيخ: وإن بقيت بيده غصوب لا يعرف أربابها، صرفها في مصالح المسلمين، وكذا حكم رهون، وودائع، وسائر الأمانات.
قال في حاشية المقنع: ولا يجوز لمن هي بيده هذه الأشياء أن يأخذ منها شيئًا لنفسه، وخرَّج بعضهم جواز الأكل إذا كان فقيرًا.
الثالثة: قال الشيخ: من كسب مالاً حراماً ثم تاب، فإن لم يعلم بالتحريم، ثم علم جاز له أكله، وإن علم بالتحريم أولاً، ثم تاب تصدق به، وإن كان فقيرًا أخذ كفايته منه.
الرابعة: قال الشيخ: من اختلط ماله من حلالٍ وحرامٍ، ولم يعرف أيهما أكثر، فإنه يخرج نصف ماله، والنصف الباقي حلال، كما فعل عمر مع العمال، وإن عرف قدر الحرام، فإن عرف مالكه رده إليه، وإلاَّ تصدق به عن صاحبه.
الخامسة: قال الشيخ: إذا كان جميع ما بيد الإنسان مأخوذًا بغير حق فيرده إلى أهله، وإن كان كسبٌ فأعدل الأقوال أنَّ الربح بينه وبين أصحاب الأموال كالمضاربة.
السادسة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الأيدي التي تضمن النفوس والأموال ثلاث:
الأول: يد متعدية، وضابطها كل من وضع يده على مال غيره ظلمًا.
الثانية: اليد المباشرة، فمن أتلف نفسًا، أو مالاً بغير حق، عمدًا أو سهوًا أو جهلاً، فإنَّه ضامن.
الثالثة: اليد المتسببة، فمن فعل ما ليس له فعله في ملك غير، أو في الطرق، أو تسبب لإتلافه بفعل غير مأذون فيه، فتلف بسبب فعله شيء ضَمِنَهُ.
стр. 2362
٧٧٠ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ ﷺ : "إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أرْضٍ، غَرَسَ أحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلاً، وَالأرْضُ لِلآخرِ، فَقَضَى رسُولُ اللهِ ﷺ بِالأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أنْ يُخرِجَ نَخْلَهُ، وَقَال: لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَآخِرُهُ عنْدَ أصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِيْنِ صَحَابِيِّهِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: رواه النسائي والترمذي، وأعلَّه الترمذي بالإرسال، ورجَّح الدارقطني إرساله، ورواه أبو داود الطيالسي، من حديث عائشة، وفي إسناده زمعة وهو ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة من حديث كُثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وعلَّقه البخاري بقوله: ويروى عن عمرو بن عوف، وللحديث طرق قوي بها، تُروى عن سعيد بن زيد، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعبادة بن الصامت، ورجل من الصحابة وغيرهم:
١ - حديث سعيد: أخرجه أبو داود وعنه البيهقي، والترمذي، وقال الترمذي: حديثٌ حسن غريب، وهذه الطريق موصولة عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ .
стр. 2363
والطريق الثاني: عن هشام عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً، والطريق الأولى الموصولة رجالها كلهم ثقات رجال الشيخين، فهي صحيحةٌ، وقد قواها الحافظ في الفتح.
٢ - أما حديث عائشة: فيرويه عروة عنها، فقد أخرجه الطيالسي والبيهقي والدارقطني، وفيها زمعة بن صالح ضعيف، لكن رواه القضاعي من طرقٍ أخرى، ورواته ثقات، وهذا يؤيد القول بصحته.
٣ - أما حديث الرجل من الصحابة: فيرويه محمد بن إسحاف عن يحيي بن عروة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، أخرجه أبو داود وأبو عبيد، ورجال سنده ثقات، لولا أنَّ محمَّد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، ومع ذلك فقال الحافظ: إسناده حسن.
٤ - أما حديث سمرة، فيرويه الحسن عنه مرفوعاً، فقد أخرجه البيهقي وأبو داود وعلته عنعنة الحسن البصري.
٥ - أما حديث عبادة، فيرويه إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت، أخرجه أحمد والطبراني، قال الهيثمي: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة وهو مجهول الحال، قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق الطرق المذكور كلها: وفي أسانيدها مقالٌ، ولكن يقوي بعضها بعضًا، وهذا بالنظر إلى قوله: "ليس لعرق ظالم حقٌّ"، وأما الشطر الأول من الحديث فصحيح قطعًا، فقد أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة.
* مفردات الحديث:
- لعِرْق ظالم: بكسر العين وسكون الراء آخره قاف.
يروى بتنوين "عرق" فيكون "ظالم" نعت لـ"عرق"، وأسند إليه الظلم؛ لأنَّ الظلم حصل به، ويروى بغير تنوين، فيكون مضافا إلى ظالم، فمن نوَّن جعله ظالماً بنفسه تشبيهاً، ومن لم ينون فهو على حذف مضاف، أي لذي عرق ظالم.
стр. 2364
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريم الاعتداء والاستيلاء على حقوق الناس، وإن اعتدى على أرض غيره، أو حقه فهو ظالمٌ آثمٌ، وحقوق العباد لا مفر من تبعتها إلاَّ بالبراءة منها.
٢ - أنَّ غرس المعتدي، وبناءه لا حرمة لهما, لأنَّهما وضعا بغير حق، وليس لعرق ظالم حق إبقاء الغرس، أو البناء.
٣ - أنه يجب في الحال رد الأرض المغصوبة إلى صاحبها، وإن كان فيه غرس، أو بناء تجب إزالته، وتسليم الأرض خالية مما يشغلها.
٤ - إذا حصل ضرر من وضع الغرس كحفر، أو أكوام ترابية ونحو ذلك، فعلى المعتدي إزالة الضرر الحاصل من فعله العدواني؛ لأنَّ هذا أثر اعتدائه، فيجب عليه إزالته، ويلزمه أيضًا أرش نقص الأرض إن نقصت.
٥ - قال ربيعة بن عبد الرحمن: العِرق الظالم يكون ظاهرًا، ويكون باطنًا، فأما الباطن فما حفر من الآبار، واستخرج من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه.
٦ - قال فقهاؤنا: وإن بنى في الأرض المغصوبة، أو غرس بلا إذن ربها، لزمه قلع الغرس، وإزالة البناء إذا طالبه المالك بذلك.
قال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا، وقال ابن رشد: أجمع العلماء على أنَّ من غرس نخلاً أو كرمًا في غير أرضه، أنه يؤمر بالقلع، لقوله ﷺ : "ليس لعِرق ظالم حقٌّ" هذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وعليه الأصحاب.
وعنه رواية أخرى: لا يقلع بل يملكه صاحب الأرض بالقيمة.
***
стр. 2365
٧٧١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَموَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بلَدِكُمْ هَذَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- إنَّ دماءكم: فيه حذفٌ، تقديره: سفك دماءكم، وكذا التقدير: أخذ أموالكم، وسلب أعراضكم.
- كحرمة: يُقال: حرمه الشيء يحرمه حرمانًا: منعه إياه، والحرمة لها معانٍ عدة، والمراد هنا: هو ما لا يحل انتهاكه من المحرمات شرعًا.
- يومكم هذا: عيد الأضحى، الذي هو اليوم العاشر من ذي الحجة.
- في شهركم هذا: شهر ذي الحجة.
- في بلدكم هذا: في منى، التي هي من حرم وضواحي مكة المكرمة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النبي ﷺ لما كان في حجة الوداع حجَّ معه جمع كبير من المسلمين؛ ليكونوا في بركة صحبته، وليأخذوا عنه أحكام المناسك.
٢ - أخذ يعظ الناس ويذكرهم في هذه المجامع الكبيرة، ليبلغ شاهدُهُم غائبهم، فصار يلقي عليهم في عرفات، وفي منى خطبًا، فيها جوامع الكلم، وفيها أصول الأحكام، وقواعد الدين، فكان ممَّا قال:
٣ - أنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا،
стр. 2366
في بلدكم هذا.
٤ - فأعظم المحرَّمات بعد الشرك بالله تعالى الدماء المعصومة، التي جاء في الحديث الصحيح: "أنَّه لا يحل دم امريء مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
٥ - فالدماء المعصومة هي أحد الضرورات الخمس، التي جاء الدين بحمايتها وصيانتها، وشرع القصاص، والديات، والحدود؛ للمحافظة عليها، وهي: الدين، والنفس، والعِرض، والعقل والمال.
٦ - وفي الحديث تعظيم يوم النحر وأيام التشريق.
قال شيخ الإسلام: عيد النَّحر أفضل من عيد الفطر، فإنَّه يجتمع فيه عيد المكان، وعيد الزمان.
٧ - وفي الحديث تعظيم حرمة شهر ذي الحجة؛ لأنَّه أحد الأشهر الحرم، قال تعالى عنها: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
ويزيد ذو الحجة بأنَّ فيه هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وهو الحج.
٨ - وفي الحديث تعظيم حرمة البلدة المقدسة، التي قال الله تعالى عنها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن عدي أنَّه سمع النبي ﷺ يقول في سوق مكة: "والله إنَّك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خَرجتُ".
٩ - الحسنات تضاعف بحسب الزمان، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، والأشهر الحرم، وحسب المكان، وهي المساجد الثلاثة، والمشاعر المقدسة، كما أنَّ المعاصي والآثام يعظم جرمها وإثمها حسب مكانها
стр. 2367
وزمانها.
١٠ - وفيه تعظيم حقوق المعصومين في الدماء والأعراض والأموال، وأنَّ أمرها كبير.
١١ - وفيه أنَّ ما هو داخل في حدود الحرم حكمه، حكم مكة في مضاعفة الثواب، وعظم العقاب، ومن حيث التعظيم والاحترام فإنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب في منى فقال: "أليست البلدة".
* قرار مجلس هيئة كبار العلماء بشأن ضمان البهائم: قرار رقم (١١١) في ٢/ ١١/ ١٤٠٢ هـ:
قرر ما يلي:
عدم ضمان البهائم التي تعترض الطرق العامة المعبدة بالإسفلت، إذا تلفت نتيجة اعتراضها الطرق المذكور، فصُدمت، فهي هدر، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها، لما يترتب على ذلك من أخطار جسيمة، تتمثل في إتلاف الأنفس والأموال، وتكرر الحوادث المفجعة، ولما يترتب على حفظها وإبعادها عن الطرق العامة من أسباب السلامة وأمن الطرق، والأخذ بالحيطة في حفظ الأموال والأنفس، تحقيقًا للمقتضى الشرعي، وتحرِّيًا للمصالح العامة، وامتثالاً لأمر ولي الأمر.
...
انتهى الجزء الرابع
ويليه الجزء الخامس
وأوله
(باب الشفعة)
стр. 2368
توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام
تَأليف
رَاجي عَفو رَبّه
عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة
الجزء الخامس
مكتَبة الأسدي
مكّة المكرّمة
باب الشفعة
مقدمة
الشفعة: بضم الشين، وسكون الفاء.
والشفع لغة: الزوج، قسيم الفرد، فإذا ضممت فردًا إلى فرد فقد شفعته، ومن هنا اشتقت الشفعة، لأنَّ الشافع يضم حصة شريكه إلى حصته.
والشفعة تطلق على التملك، وعلى الحصة المملوكة.
فتعريفها شرعًا على المعنى الأول، -وهي المرادة في هذا الباب- هي: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي.
وعلى المعنى الثاني هي: اسم للجزء المملوك المشفوع بملك الشريك الشافع.
والشفعة ثابتة بالسنة، وإجماع العلماء، ويقتضيها القياس.
أما السنة:
فأحاديث الباب وغيرها.
قال الموفق: ما كان عوضه المال، ففيه الشفعة بالإجماع.
* حكمتها:
لما كانت الشركة بالعقار يحصل منها أضرار عظيمة، ومشاكل جسيمة، وتطول مدة الشراكة فيها صارت الشفعة على وفق القياس الصحيح.
стр. 2371
فإن انتزاع حصة الشريك بثمنه من المشتري، منفعةٌ عظيمةٌ للشريك الشافع، ودفع ضرر كبير عنه بلا ضرر يلحق البائع ولا المشتري، فكل منهما أخذ حقه كاملاً غير منقوص، وبهذا يعلم أنَّ الشفعة جاءت على الأصل، ووفق القياس.
قال ابن القيم: هي من محاسن الشريعة وعدلها، وقيامها بمصالح العباد، ومنها يعلم أنَّ التحايل لإسقاطها مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له.
والشرع كله خير وبركة، فلا يأمر إلاَّ بما تكمل مصلحته، أو تزيد مصلحته على مفسدته.
ولا ينهى إلاَّ عمَّا فيه مضرة كاملة، أو مضرته ومفسدته تزيد على مصلحته، فتبارك الله أحسن الحاكمين.
***
стр. 2372
٧٧٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَم، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لاَ يَصْلُحُ -وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَحلُّ- أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلى شَرِيكِهِ".
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيءٍ" وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
رواية الطحاوي. قال عنها الحافظ وابن عبد الهادي: رجال سندها ثقات، وقال الحافظ أيضًا: لا بأس بها، ولها شواهد من حديث ابن عباس عند الترمذي وقد أعلت بالإرسال.
* مفردات الحديث:
- قضى: القضاء له معنيان:
أحدهما لغوي: وهو الإلزام والإجبار والفراغ والتقدير.
الثاني: شرعي اصطلاحي: وهو فصل الخصومات، وقطع المنازعات على وجه خاص، صادر من ولاية عامة.
- بالشُّفْعة: بضم الشين وسكون الفاء، قال بعض أهل اللغة: وغلط من حرَّكها،
стр. 2373
واختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال.
وهي هنا: من الشفع وهو الزوج؛ لأنَّ الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا، فهى خلاف الفرد.
قال ابن حزم: هي لفظة شرعية لم تَعرِف العرب معناها قبل رسول الله ﷺ .
- وقعت: وقع الحق يقع وقوعًا ثبت.
ومعنى وقعت الحدود أي: عُيِّنَتْ وصُرِّفت.
- الحدود: جمع حد يقال: حد الشَّيء عن الشيء ميزه عنه، وهو هنا: ما تميز الأملاك بعضها عن بعض.
- صُرِّفت الطرق: بضم الصاد وكسر الراء مشددة ومخففة، فعل ماضٍ، مبني للمجهول، بمعنى بينت المصارف والطرق والشوارع فيما بين العقارات.
- رَبعْ: بفتح الراء وسكون الباء آخره عين مهملة، يقال: ربع المكان أي أقام واطمأنَّ، والربع: الدار بعينها حيث كانت، جمعها رباع وربوع.
- حائط: حاطه يحوطه حوطًا وحيطة: حفظه وصانه، والحائط الجدار؛ لأنَّه يحوط ما فيه، ويطلق الحائط هنا على البستان من النخيل المحاط بجدار منيع، وجمعه حوائط.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذه الشريعة الحكيمة الرشيدة جاءت لإحقاق الحق ووضع العدل، ولدفع الشر والضرر، ولتحقيق هذا المعنى السامي الكريم نُظُم مستقيمة، وأحكام عادلة.
٢ - الشركة في العقار تسبب أضرارًا كثيرة، وتولد مشكلات كبيرة بين الشريكين أو الشركاء، والقسمة شاقة، وربما سببت ضررًا إذا توزع العقار إلى قطع صغار لا يستفاد منها، وتنقص القسمة قيمتها.
لذا شرعت الشفعة للتخلص من الشركة وأضرارها، بأسهل طريق،
стр. 2374
وأعدل منهج.
٣ - هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة ومشروعيتها، وهو مستند الإجماع عليها.
٤ - صدْر الحديث يشعر بثبوت الشفعة في كل شيء حتى المنقولات، وأما آخره فيحدد مدلولها بالعقار، وما يتبعها من الشجر والبناء، إذا كانا في الأرض التي جرت بها الشفعة.
٥ - تكون الشفعة في العقار المشترك الذي لم تميز حدوده، ولم تعرف طرقه، لإزالة ضرر الشراكة التي تلحق الشريك الشفيع.
٦ - إذا ميزت الحدود، وصُرفت الطرق فلا شفعة؛ لزوال الضرر بالقسمة، وعدم الاختلاف، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
٧ - بهذا يعلم أنَّ الشفعة لا تثبت لجارٍ ما لم يكن هناك مرافق مشتركة، فإنَّها تثبت، وسيأتي بيان الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
٨ - استدل بالحديث على أنَّ الشُّفعة لا تكون إلاَّ فى العقار الذي تمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته، وذلك أخذًا من قوله: "في كل ما لم يقسم"؛ لأنَّ الذي لا يقبل القسمة لا يحتاج إلى نفيه، وسيأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
٩ - أما رواية الطحاوي: "أنَّ الشفعة في كل شيء" فهي مقيَّدة بالروايات الأخر التي خصَّت الشفعة في العقار الذي تطول مدة شركته، ويطول ضررها ويكثر.
١٠ - تثبت الشفعة لإزالة ضرر الشراكة، ولذا اختصت بالعقارات؛ لطول مدة الشراكة فيها، وأما غير العقار فضرر الشراكة فيه يسير، ويمكن التخلص منه بوسائل كثيرة من القسمة التي هي فيه، التي لا تحتاج إلى كلفة، أو بالبيع وغير ذلك.
стр. 2375
١١ - الشفعة حق واجب للشفيع، والحقوق لا يجوز التحيل لإسقاطها، فمن أسقطها بطرق كاذبة، وتمويهات باطلة، فقد ظلم نفسه بارتكاب المعصية، وظلم الشفيع لحرمانه من حقه الذي أوجبه الله تعالى له، وتعدى على حدود الله تعالي التي شرعها لعباده، فأسقطها بأدنى الحيل.
قال الإمام أحمد: يحرم التحيل لإسقاط الشفعة، ولإبطال حق مسلم.
وقال شيخ الإسلام: الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز باتفاق العلماء.
وإنما اختلف الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها، وهو ما إذا أراد المالك بيع الشقص المشفوع، والراجح أنَّه لا يجوز الاحتيال على إسقاط حق مسلم، وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال المحرَّم فهي باطلة.
١٢ - فيه حسن أدب المشاركة، وهو أنَّ الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه، فيحسن أن يعرضه على شريكه، فإن رغب شراءه فهو أحق به من غيره؛ لحق الشراكة والجوار والصحبة بين الشريكين، ويزيل عن أخيه وشريكه عناء الشفعة.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقارات التي تقسم "قسمة إجبار"، وهو العقار الواسع الذي لا تمييز بين أجزائه فلا ضرر في قسمته، ولا رد عوض من أحد الشريكين أو الشركاء على الآخر، فهذا تثبت فيه الشفعة بالإجماع.
واختلفوا في الدار الصغيرة، والحمام، والحانوت، ممَّا مساحته قليلة، ولا تجب قسمته قسمة إجبار.
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد عدم جواز الشفعة فيها، لما روى أبو عبيد في الغريب أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا شُفعة في فِناء، ولا طريق، ولا منقبة".
стр. 2376
وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه إلى ثبوت الشفعة في هذه الأمكنة الضيقة، ولو لم تجب قسمتها "قسمة إجبار".
واختار هذا القول ابن عقيل، وابن الجوزي، وتقي الدين ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن السعدي؛ لعموم الأخبار في ثبوت الشفعة، ولِما روى الترمذي والنسائي موصولاً ومرسلاً عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الشريك شفيع في كل شيء"؛ ولأنَّ الشُّفعة ثبتت لإزالة ضرر الشراكة، وهي في هذا النوع من العقار أكثر ضررًا.
* قرار مجلس هيئة كبار العلماء: رقم (٤٤) في ٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ ما نصه:
"كما تثبت الشفعة فيما لا تمكن قسمته من العقار، كالبيت والحانوت الصغيرين ونحوهما لعموم الأدلة في ذلك، ولدخول ذلك تحت مناط الأخذ بالشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك في المبيع، ولأنَّ النصوص الشرعية في مشروعية الشفعة تتناول ذلك".
أما الأماكن المذكورة في الحديث الذي رواه أبو عبيد فعلى فرض صحة الحديث، فإنَّ الفِناء هو الساحة العامة بين البيوت، والمنقبة هي الطريق الضيق بين الدارين، والطريق هو الدرب العام، وهذه الأشياء الثلاثة ليست مملوكة لتصح فيها الشفعة، وإنما هي مرافق مشتركة بين البيوت ينتفع فيها حسبما جرت به عادة السكان.
***
стр. 2377
٧٧٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بالدَّارِ" روَاهُ النَّسَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَهُ عِلَّةٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث معلول، والصواب فيه أنَّه عن سمرة بن جندب.
قال الألباني ما خلاصته: الحديث روي من طريقين:
١ - الحسن البصري عن سمرة بن جندب، أخرجه أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، والبيهقي وأحمد، وغيرهم، وهو صحيح.
٢ - عيسى بن يونس عن سعيد عن قتادة عن أنس مرفوعًا، أخرجه ابن حبان والضياء، وعلقه الترمذي وقال: الصحيح عند أهل العلم، حديث الحسن عن سمرة، لا نعرف حديث قتادة عن أنس إلاَّ من حديث عيسى بن يونس.
وقال الدارقطني: عن الحسن عن سمرة، وهو الصواب.
...
стр. 2378
٧٧٤ - عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- صقَبه: بفتح الصاد والقاف. قال في النهاية: الصَّقَب: القُرب والملاصقة، فهو ما قرب من الدار، فالصاقب: القريب.
ويقال سقب بالسين، قال ابن دريد: اللغتان فصيحتان.
أي تقاربت أبياتهم، وأبياتهم متساقبة: أي متدانية.
قال في جامع الأصول: وهو بالصاد أكثر، وهما مصدر أسقبت الدار وصقبتها.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - حق الجار على جاره كبير، فقد جاء في الحديث الصحيح أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
٢ - من تلك الحقوق أنَّ الجار إذا أراد بيع عقاره، فيحسن أن يعرضه على جاره، إن أراد شراءه فهو أحق به من غيره؛ لأنَّه قد يحصل عليه من المجاورة ضرر وأذى، لا يزول إلاَّ بالشراء، وربما يشتريه من لا يرغب جواره ولا قربه، وكما قيل: "الجار قبل الدار"، فبشرائه يندفع عنه كثير من الأذى والضرر.
* خلاف العلماء:
ذهب أبو حنيفة إلى ثبوت الشفعة للجار مطلقًا، سواءٌ كان له مع شريكه مرافق مشتركة أو لا، لظاهر هذين الحديثين.
стр. 2379
وذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أنَّه لا شفعة للجار، ولا للشريك المقاسم إذا صرفت طريقه، لما في الصحيحين: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة، ولأنَّ الشُّفعة إنما أثبتها الشارع لإزالة الضرر، والجار ليس عنده من الضرر ما يحتم إثبات الشفعة له.
وأما الحديثان فلا يقاومان الأحاديث المعارضة لها كثرة وقوة، ويمكن أن يراد بهذين الحديثين الجار الذي له مع جاره مرافق مشتركة من طريق واحد، أو مسيل، أو بئر مشتركة، أو نحو ذلك، فهذا فيه خلاف بين العلماء، والراجح ثبوت الشفعة له، كما سيأتي تحقيقه قريبًا إن شاء الله تعالي.
***
стр. 2380
٧٧٥ - وَعَن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِباً، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا" رَوَاهُ أَحمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدارمي من طرق عن عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ فذكر الحديث، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك عن عطاء عن جابر، وعبد الملك ثقة، رُوِي عن ابن المُبَارك عن الثوري، قَال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان في العلم.
قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر، قال الشافعي: يخاف ألا يكون محفوظًا، ومال البخاري إلى أنَّه منكر، لمعارضته حديث جابر في قوله: "إذا كان طريقهما واحدًا".
قُلتُ: واعتبار هذا الحديث منكرًا من الأئمة المتقدم ذكرهم هو لهذه الزيادة، وهي لا توجب نكارته، فهي زيادةُ قيد ثابتة مقبولة، وجاءت مقيِّدة لطرفين من أحاديث الشفعة متباعدين:
أحدهما: يثبت الشفعة للجار مطلقًا، والآخر: يمنع الشفعة عن الجار مطلقًا، فجاء هذا القيد يجمع بين الأحاديث، وبهذا فلا نكارة فيه، والله أعلم.
стр. 2381
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يُثْبت حق الشُّفعة للجار، لأنَّ الجار له حق كبير على جاره، ومن تلك الحقوق تقديمه وإيثاره ببيعه ما يليه من عقار جاره، ليزول عنه أذى الجوار ومزاحمته.
٢ - ومثل هذا الحكم الرشيد يعلم به ما في الإسلام من رعاية كريمة للحقوق، ورغبة في إطفاء الشر والفتنة التي قد تقع بين الجارين، وذلك بحسم مادة الخلاف بينهما، حينما يكون العقاران المتلاصقان لشخصٍ واحد.
٣ - كما أنَّ في الإسلام وفاءً وآدابًا سامية وحقوقًا فيما بينهم قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦].
فهذه حقوقٌ عشرة ابتدأت بأهمها وهو حق الله تعالي.
٤ - مشروعية انتظار بيع العقار حتى يحضر جاره الغائب؛ لأنَّ في بيعه على غيره تفويتَ كثيرٍ من مصالحه، وإلحاق ضرر به، قد لا يتمكن من تلافيه، فاستحب للجار الذي يريد البيع انتظاره، فإنْ بِيع العقار في غيبة الشريك فهو على شفعته إذا حضر.
٥ - إذا كان بين الجارين مرفق مشترك، كأن يكون طريقهما واحدًا، أو يكون مسيلهما واحدًا، أو بينهما فناء مشترك، أو نحو ذلك من المنافع والمرافق التي هم فيها شركاء، فهذه تؤكد حق الانتظار، وتوجب حق الشفعة للجار، سواء كان حاضرًا، أو إذا قدم وعلم.
وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
٦ - قوله: "وإن كان غائبًا" قال الطيبي في شرح المشكاة: الواو أثبتها الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، وصاحب جامع الأصول، وسقطت في
стр. 2382
نسخ مصابيح السنة، والأوَّل أوجه.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في ثبوت الشفعة إذا كان بين الجارين مرفق أو مرافق مشتركة من طريق واحد أو مسيل أو فِناء أو غير ذلك.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه لا شفعة للجار بشيء من هذه المرافق، فإنَّه مما وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة، ولو وجد شراكة في الانتفاع بشيء منها.
ودليلهم على هذا القول ما في الصحيحين: "فإذا وقعت الحدود، وصُرفت الطرق فلا شفعة".
قال الإمام: إنَّه أصح ما روي في الشفعة.
وذهب الإمام أبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى ثبوت الشفعة بوجود شيء من هذه المرافق، واختار هذا القول شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، -رحمهم الله تعالى-.
وهذا القول يجمع الأدلة كلها: فحديث: "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق" منطوقه انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حده، وإنَّ منطوق حديث: "الجار أحق بشفعة جاره يُنْتَظر بها، وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحدًا" إثبات للشفعة بالجوار عند اشتراك في الطريق، وانتفاؤها عند تصريف الطريق، فتوافق منطوقا الحديثين.
قال شيخ الإسلام: أعدل الأقوال أنَّه إذا كان شريكًا في حقوق الملك ثبت له الشفعة، وإلاَّ فلا.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن الشفعة للجار:
وقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا برقم (٤٤) في ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ جاء فيه ما نصه:
стр. 2383
"وبعد الاطلاع على البحث المعد لذلك من قِبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وبعد تداول الرأي والمناقشة من الأعضاء، وبتبادل وجهات النظر قرَّر المجلس بالأكثرية: أنَّ الشفعة تثبت فيما لا يمكن قسمته من العقار كالبيت والحانوت الصغيرين، ونحوهما، لعموم الأدلة في ذلك، ولدخول ذلك تحت مناط الأخذ بالشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك في المبيع، ولأنَّ النصوص الشرعية في مشروعية الشفعة تتناول ذلك".
***
стр. 2384
٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ، وَزَادَ: "وَلاَ شُفْعَةَ لِغَائِبٍ" وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص: رواه ابن ماجه والبزار من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف جدًّا، وقال البزار: رواه محمَّد بن عبد الرحمن بن السليماني ومناكيره كثيرة، وحكى ابن عدي تضعيفه، وتضعيف شيخه.
وقال ابن حبان: لا أصل له، وقال أبو زرعة: منكر، وقال البيهقي: ليس بثابت.
* مفردات الحديث:
- كحَلِّ العِقَال: الحل بالفتح والتشديد، هو ضد الشدّ.
- العِقَال: العقال بكسر العين وفتح القاف، وهو الحبل الذي يعقل به البعير، وغالباً يكون أنشوطة، وحل عقال البعير إطلاقه، والمراد أنَّ الشفعة على الفور.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهر الحديث يدل على أنَّ الشفعة تكون على الفور، فإذا علم بها من يستحقها، ولم يبادر بطلبها فاتته، وبطل حقه فيها.
قال فقهاؤنا: الشفعة على الفور وقت علمه بها، فإن لم يطلبها إذا علم
стр. 2385
بلا عذر بطلت.
٢ - أما حديث: "لا شفعة لغائب" فهو ضعيف، ولا يعارض الحديث الصحيح المتقدم "يُنْتَظر بها، وإن كان غائباً" [رواه الأربعة ورجاله ثقات].
قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا كان الشفيع غائبًا؛ فله إذا قدم المطالبة بالشفعة، ولأنَّها حق مالي وُجِدَ سببه، فتعين له كالإرث.
٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ حق الشفعة كغيره من الحقوق لا يسقط إلاَّ بما يدل على الرضا بإسقاطه؛ لأنَّ الشارع أثبته لدفع الضرر عن الشريك في العقار، فلا يسقط ما أثبته الشارع إلاَّ بما يدل على إسقاطه من قولٍ أو فعلٍ دال على الرضا بالإسقاط، فمن له حق الشفعة بحاجة إلى أن ينتظر في أمره ويتروى، وأما الحديثان: "الشفعة كحل العقال" و"الشفعة لمن واثبها" فلا يثبت بهما حكم، ولا يبقى الاحتجاج بهما على هدم حكم أثبته الشارع.
٤ - قال شيخ الإسلام: وما وُجِد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة فهو باطل؛ لأنَّ الشفعة شرعت لدفع الضرر، فلو شُرع التحيل لإبطالها، لكان عوْداً على إبطال مقصود الشريعة.
وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار، وأصول الفقه ومسائله، لا يشك أنَّ تقرير الإجماع من الصحابة على تحريم الحِيَل وإبطالها، ومنافاتها للدين، أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس.
وقال ابن القيم أيضا: ومن الحيل الباطلة أن يهب الشقص للمشتري، ثم يهبه ما يرضيه، وهذا لا يسقط الشفعة، فهو بيع وإن لم يتلفظا به، وأنواع الحيل كثيرة والعبرة بالمقاصد.
٥ - ذهب الأئمة الأربعة إلى أنَّ الشفيع لو أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط، لأنَّه إسقاط حق قبل وجوبه، فلم يصح.