← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يُثْبت حق الشُّفعة للجار، لأنَّ الجار له حق كبير على جاره، ومن تلك الحقوق تقديمه وإيثاره ببيعه ما يليه من عقار جاره، ليزول عنه أذى الجوار ومزاحمته. ٢ - ومثل هذا الحكم الرشيد يعلم به ما في الإسلام من رعاية كريمة للحقوق، ورغبة في إطفاء الشر والفتنة التي قد تقع بين الجارين، وذلك بحسم مادة الخلاف بينهما، حينما يكون العقاران المتلاصقان لشخصٍ واحد. ٣ - كما أنَّ في الإسلام وفاءً وآدابًا سامية وحقوقًا فيما بينهم قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. فهذه حقوقٌ عشرة ابتدأت بأهمها وهو حق الله تعالي. ٤ - مشروعية انتظار بيع العقار حتى يحضر جاره الغائب؛ لأنَّ في بيعه على غيره تفويتَ كثيرٍ من مصالحه، وإلحاق ضرر به، قد لا يتمكن من تلافيه، فاستحب للجار الذي يريد البيع انتظاره، فإنْ بِيع العقار في غيبة الشريك فهو على شفعته إذا حضر. ٥ - إذا كان بين الجارين مرفق مشترك، كأن يكون طريقهما واحدًا، أو يكون مسيلهما واحدًا، أو بينهما فناء مشترك، أو نحو ذلك من المنافع والمرافق التي هم فيها شركاء، فهذه تؤكد حق الانتظار، وتوجب حق الشفعة للجار، سواء كان حاضرًا، أو إذا قدم وعلم. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. ٦ - قوله: "وإن كان غائبًا" قال الطيبي في شرح المشكاة: الواو أثبتها الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، وصاحب جامع الأصول، وسقطت في

стр. 2382

نسخ مصابيح السنة، والأوَّل أوجه. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في ثبوت الشفعة إذا كان بين الجارين مرفق أو مرافق مشتركة من طريق واحد أو مسيل أو فِناء أو غير ذلك. فذهب الأئمة الثلاثة إلى أنَّه لا شفعة للجار بشيء من هذه المرافق، فإنَّه مما وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة، ولو وجد شراكة في الانتفاع بشيء منها. ودليلهم على هذا القول ما في الصحيحين: "فإذا وقعت الحدود، وصُرفت الطرق فلا شفعة". قال الإمام: إنَّه أصح ما روي في الشفعة. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى ثبوت الشفعة بوجود شيء من هذه المرافق، واختار هذا القول شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، -رحمهم الله تعالى-. وهذا القول يجمع الأدلة كلها: فحديث: "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق" منطوقه انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حده، وإنَّ منطوق حديث: "الجار أحق بشفعة جاره يُنْتَظر بها، وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحدًا" إثبات للشفعة بالجوار عند اشتراك في الطريق، وانتفاؤها عند تصريف الطريق، فتوافق منطوقا الحديثين. قال شيخ الإسلام: أعدل الأقوال أنَّه إذا كان شريكًا في حقوق الملك ثبت له الشفعة، وإلاَّ فلا. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن الشفعة للجار: وقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا برقم (٤٤) في ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ جاء فيه ما نصه:

стр. 2383

"وبعد الاطلاع على البحث المعد لذلك من قِبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وبعد تداول الرأي والمناقشة من الأعضاء، وبتبادل وجهات النظر قرَّر المجلس بالأكثرية: أنَّ الشفعة تثبت فيما لا يمكن قسمته من العقار كالبيت والحانوت الصغيرين، ونحوهما، لعموم الأدلة في ذلك، ولدخول ذلك تحت مناط الأخذ بالشفعة، وهو دفع الضرر عن الشريك في المبيع، ولأنَّ النصوص الشرعية في مشروعية الشفعة تتناول ذلك". ***

стр. 2384

٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ، وَزَادَ: "وَلاَ شُفْعَةَ لِغَائِبٍ" وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال في التلخيص: رواه ابن ماجه والبزار من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف جدًّا، وقال البزار: رواه محمَّد بن عبد الرحمن بن السليماني ومناكيره كثيرة، وحكى ابن عدي تضعيفه، وتضعيف شيخه. وقال ابن حبان: لا أصل له، وقال أبو زرعة: منكر، وقال البيهقي: ليس بثابت. * مفردات الحديث: - كحَلِّ العِقَال: الحل بالفتح والتشديد، هو ضد الشدّ. - العِقَال: العقال بكسر العين وفتح القاف، وهو الحبل الذي يعقل به البعير، وغالباً يكون أنشوطة، وحل عقال البعير إطلاقه، والمراد أنَّ الشفعة على الفور. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - ظاهر الحديث يدل على أنَّ الشفعة تكون على الفور، فإذا علم بها من يستحقها، ولم يبادر بطلبها فاتته، وبطل حقه فيها. قال فقهاؤنا: الشفعة على الفور وقت علمه بها، فإن لم يطلبها إذا علم

стр. 2385

بلا عذر بطلت. ٢ - أما حديث: "لا شفعة لغائب" فهو ضعيف، ولا يعارض الحديث الصحيح المتقدم "يُنْتَظر بها، وإن كان غائباً" [رواه الأربعة ورجاله ثقات]. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا كان الشفيع غائبًا؛ فله إذا قدم المطالبة بالشفعة، ولأنَّها حق مالي وُجِدَ سببه، فتعين له كالإرث. ٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ حق الشفعة كغيره من الحقوق لا يسقط إلاَّ بما يدل على الرضا بإسقاطه؛ لأنَّ الشارع أثبته لدفع الضرر عن الشريك في العقار، فلا يسقط ما أثبته الشارع إلاَّ بما يدل على إسقاطه من قولٍ أو فعلٍ دال على الرضا بالإسقاط، فمن له حق الشفعة بحاجة إلى أن ينتظر في أمره ويتروى، وأما الحديثان: "الشفعة كحل العقال" و"الشفعة لمن واثبها" فلا يثبت بهما حكم، ولا يبقى الاحتجاج بهما على هدم حكم أثبته الشارع. ٤ - قال شيخ الإسلام: وما وُجِد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة فهو باطل؛ لأنَّ الشفعة شرعت لدفع الضرر، فلو شُرع التحيل لإبطالها، لكان عوْداً على إبطال مقصود الشريعة. وقال ابن القيم: من له معرفة بالآثار، وأصول الفقه ومسائله، لا يشك أنَّ تقرير الإجماع من الصحابة على تحريم الحِيَل وإبطالها، ومنافاتها للدين، أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس. وقال ابن القيم أيضا: ومن الحيل الباطلة أن يهب الشقص للمشتري، ثم يهبه ما يرضيه، وهذا لا يسقط الشفعة، فهو بيع وإن لم يتلفظا به، وأنواع الحيل كثيرة والعبرة بالمقاصد. ٥ - ذهب الأئمة الأربعة إلى أنَّ الشفيع لو أسقط شفعته قبل البيع لم تسقط، لأنَّه إسقاط حق قبل وجوبه، فلم يصح.

стр. 2386

أما ابن القيم فقال؛ إسقاط الشفعة قبل البيع إسقاط لحقٍّ رَضِيَ صاحبه بإسقاطه، فالحق له وقد أسقطه، فإن أذن في البيع، أو قال: لا غرض لي فيه، لم يكن له بعد البيع حق الشفعة، وهذا مقتضى حكم الشرع، ولا معارض له بوجه، وهو الصواب المقطوع به. وقال في حاشية المقنع: وهو الحق الذي لا ريب فيه. ***

стр. 2387

باب القِرَاض أو المضاربة مقدمة القِرَاض: بكسر القاف وتخفيف الراء المفتوحة، مأخذوة من القرض، هو القطع، فيقال: قارضه يقارضه قِراضًا ومقارضة: قطع له وأعطاه جزءًا من ماله ليعمل فيه بالتجارة. أما المضاربة: فهي مفاعلة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السير فيها من أجل الكسب. فهذا مأخذهما اللغوي. أما تعريفهما الشرعي أو الاصطلاحي: فمعناهما واحد. فالقراض: هو أن يعطي شخص شخصًا آخر ماله، أو جزءاً منه؛ ليعمل فيه بالتجارة، ويكون نسبة الربح بينهما على ما شرطاه. أما المضاربة: فهي عقد شركة بين اثنين من أحدهما المال ومن الآخر العمل؛ ليتجر فيه العامل، وما حصل من ربح فهو بينهما على ما شرطاه. وإن خسرت التجارة فصاحب المال خسر ماله أو بعضه، وخسر العامل جهده، وبهذا عرفنا أنَّ القِراض والمضاربة بمعنًى واحدٍ. والمضاربة أو القِراض جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، واستصحاب أصل الإباحة. فأما الكتاب؛ فقوله تعالي: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. وأما السنة: فمنها: ما رواه الإمام أحمد (١٦٣٨٠) وأبو داود من حديث

стр. 2388

رويفع بن ثابت الأنصاري، ﵁ قال: "كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضْو أخيه، على أنَّ له النصف مما يغنم، ولنا النصف" وما رواه الدارقطني (٣/ ٦٣) وقوَّى سنده الحافظ ابن حجر "أنَّ حكيم بن حزام كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة: أن لا تجعل مالي في كبد رطْبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلتَ شيئًا من ذلك فأنت ضامن مالي" وغير ذلك من الأحاديث. قال في التلخيص: وفي المضاربة آثار عن كثير من الصحابة منهم: علي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحكيم بن حزام ﵃. والإجماع: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. وقال الصنعاني: القِراض مما كان في الجاهلية فأقرَّه الإسلام. والمضاربة مما تدعو إليها الحاجة، وليس فيها محذور فالقياس الصحيح يقتضيها، لاسيما في هذا الزمن الذي توفرت فيه السيولة النقدية عند كثير ممن ليس لديهم الوقت لاستثمارها والاتجار بها. فالمضاربة شكل من أشكال الشركة يقدم فيها أحد الطرفين المتعاقدين قدرًا معلومًا من ماله، ويسمى "صاحب المال". ويتصرف الطرف الثاني بهذا المال بجهده، وعمله، وفكره، ويسمى "المضارب" أو يسمى "العامل". والعامل في هذه الشركة أمين في تصرفاته، ومقبولة أقواله فيما باع واشترى وتصرف، إلاَّ في إعادة المال إلى ربه أو وارثه، فلا يقبل قوله إلاَّ ببينة؛ لأنَّ له حظ نفس في بقاء المال عنده. وما تلف أو نقص من رأس المال أو الربح من غير تعدٍّ منه ولا تفريط فهو غير ضامن له، ومع التعدي أو التفريط فهو ضامن.

стр. 2389

والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات، والتفريط ترك ما يجب فعله في أعمال الشركة. أما المصاريف والنفقات التي تنفق على أعمال الشركة، فهذه يحكمها العرف والعادة، إن لم يكن نص على مَنْ تجب عليه من أحد الطرفين في الاتفاقية. والربح دائمًا وقاية لرأس المال في حال التلف، أو الخسارة، ما لم تنته الشركة وتنقضَّ، فحينئذٍ يبقى الربح سالمًا من تلك الوقاية، والعامل من حين عقد "شركة المضاربة" هو أمين ووكيل، فإن ظهر ربح، فهو مع هذين شريك. والمضاربة عقد جائز، ليس بلازم، فأي وقت أراد أحد الطرفين فسخها فسخت، ووجب على العامل تصفيتها نقودًا. والمضاربة من العقود المباركة، قال الله تعالى فيها في الحديث القدسي: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه" فيجب فيها الصدق والنصح والإخلاص؛ لتحل فيها بركة الله، والله الموفق. ***

стр. 2390

٧٧٧ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "ثَلاَثٌ فِيهِنَّ البَرَكَةُ: البَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ البُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لاَ لِلْبَيْعِ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلف: رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف؛ ذلك أنَّ في إسناده كلاًّ من صالح بن صُهيب، وعبد الرحيم بن داود، ونضر بن قاسم، قال عنهم كل من البُوصيري والعقيلي والسندي: إنَّهم مجهولون. وقال ابن حزم: كل أبواب الفقه لها أصل من الكتاب والسنة، حاشا القراض، فما وجدنا له أصلاً فيهما. اهـ. والذي يقطع به أنَّ القراض كان في عصر النبي ﷺ ، فأقرَّه، وهو مستند إجماع علماء المسلمين في ذلك على جوازه. * مفردات الحديث: - المقارضة: قرضت الشيء قرضًا، من باب ضرب، وقارض الرجل من ماله: قطع منه ما دفعه إلى الغير؛ ليعمل فيه، والربح بينهما على ما شرطاه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على وجود البركة في ثلاثة أشياء؛ الأولى: البيع إلى أجل إما عن طريق السَّلم، وإما عن طريق تقسيط قيمة المبيع على المشتري، وفيه بركة، وهذه البركة هي تسهيل المعاملة، وإعانة المشتري على تسليم ثمن

стр. 2391

المبيع بدون إرهاق له، وإنما يستلم الثمن منه شيئًا فشيئًا، وربما زاد الثمن قليلاً عن ثمن المبيع بالنقد الحاضر مقابل الأجل، فتحصل البركة أيضاً للبائع. الثانية: المقارضة؛ وهي شركة المضاربة، ووجه البركة فيها، وجود عمل للعاطل الفقير بمال غيره، حينما يشتركان، فيكون من أحدهما المال، ومن الآخر العمل، وما حصل من ربح اقتسماه على حسب ما اشترطاه، فكلٌّ منهما استفاد، والغالب أنهما لم يقدما على هذه الشركة إلاَّ في حالة يكون صاحب رأس المال غير قادر على العمل بماله، ويكون العامل قديرًا على العمل ويحسنه، وهو أيضاً عاطل بلا عمل، فتحصل البركة والخير للطرفين. الثالثة: خلط البر بالشعير قوتًا وطعاماً للبيت، ووجه البركة في هذا هو التوفير في النفقة، فإنَّ الشعير رخيص، فإذا خلط بالبر حصل اقتصاد في إنفاق البر الغالي، وفيه مع هذا تواضع في المأكل، يضادّ السرف، ويضادّ التمادي في التنعم، وفيه مشاركة الطبقة الفقيرة في نوع طعامهم، والله من وراء القصد. ٢ - عند كثير من الأصوليين أنَّ مفهوم العدد غير مراد، فإنَّ البركة تحصل في كثير من الأشياء، زيادةً على هذه الأشياء الثلاثة المذكورة في هذا الحديث.

стр. 2392

٧٧٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ "أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ علَى الرَّجُلِ إِذَا اعْطَاهُ مَالاً مُقَارَضَةً، أَنْ لاَ تَجْعَلْ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلاَ تَحْمِلْهُ فِي بَحْرٍ، وَلاَ تَنْزِلْ بِهِ فِي بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِنْ ذلِكَ، فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). وقال مالكٌ فِي المُوَطَّأ عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: "أنَّه عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَان عَلى أنَّ الرِّبح بيْنهُمَا" وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المؤلف: رواه الدارقطني، ورجاله ثقات. قال في التلخيص: رواه البيهقي بسند قوي على شرط الشيخين، وهو موقوف صحيح. أما حديث عثمان فرجاله ثقات هم رجال مسلم، إلاَّ يعقوب المدني، فقال عنه الحافظ: مقبول. * مفردات الحديث: - كبِد: بفتح الكاف وكسر الباء الموحدة، الكبد: عضو في الجانب الأيمن من البطن تحت الحجاب الحاجز.

стр. 2393

- رطبة: الرطبة هي الناعمة الغضة الطرية، جمعه رطاب، أي لا تشتر الحيوانات؛ لأنَّ ما كان له روح عُرضةٌ للهلاك. - بطْن مسيل: بفتح الباء وسكون الطاء، المراد بذلك بطون الأودية، ومجرى سيل الأمطار، لما في ذلك من تعريض المال لأن يحمله السيل، أو يفسده. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه إثبات أصل شركة المضاربة، وأنَّها من العقود الجائزة، لسيرها على أصول المعاملات الشرعية. ٢ - وفيه دليل على جواز اشتراط كل واحد من المتضاربين على صاحبه ماله فيه منفعة، أو ما للعقد والشركة فيه منفعة. ٣ - وفيه دليل على نفوذ هذه الشروط واعتبارها، ولولا اعتبارها ونفوذها ما شرطت، إذ لا فائدة من شرطٍ غير لازم. ٤ - لكن أي شرط بين متعاقدين يجب أن لا يخالف كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، فإن كان مخالفًا لهما فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرط. ٥ - وفيه أنَّ الأصل عدم وجود الشروط في العقد؛ لأنَّه لا يوجد في العقد إلاَّ بذكره واشتراطه، فمن ادَّعاها فعليه البينة. ٦ - من الشروط الجائزة النافذة المعتبرة أن يشترط صاحب المال، أن لا يضع العاملُ ماله في تجارة يخشى تلفها، أو تحتاج إلى زيادة كلفة ومؤنة، كأن يشتري بها حيوانات، أو يحملها في أمكنة مخيفة وخطرة كالبحار، أو في طرق يخشى فيها من قطاع الطريق، وأن يشترط عليه زيادة العناية بها، ومزيد الحفاظ عليها، فلا ينزل بها في بطن وادٍ مسيل، فقد جاء النَّهي عن النزول في بطون الأودية خشية الغرق المفاجيء. ٧ - من الشروط المعتبرة النافذة أنَّه إذا شرط عليه تجنب المخاوف في عمله بالمال، أن يقول له: إن تعديت فيه، أو فرطت فيه بمخالفة تلك الشروط

стр. 2394

الوقائية، فإنَّك ضامن للمال. فالمفرط والمتعدي ضامن مطلقًا شرطت عليه المحافظة أو لا، ولكن هذا فيه زيادة توثقة، وتأكيدٌ على العامل؛ لئلا يفرط، أو يعتدي فيه. ٨ - القصد أي شرط من المالك، أو من العامل هو جائز نافذ، ما لم يخالف حكم الله بما يعود على الشركة بالظلم والغرر، والجهالة والمخاطرة، ونحو ذلك، فهاذه شروط باطلةٌ لاغيةٌ، والله أعلم. * فوائد: الأولى: سميت هذه الشركة شركة مضاربة من الضرب في الأرض، وهو السفر كما قال تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ﴾ [المزمل] أي يطلبون رزق الله تعالى في المكاسب والمتاجر، والغالب على هذه الشركة أنَّ العامل يسافر بالمال للكسب وجلب السلع. الثانية: أنَّها من العقود التي أجازتها الشريعة في السنة، وإجماع العلماء، والحكمة تقتضي إباحتها؛ لأنَّ الناس بحاجة إليها فلابد من التجارة بالمال وتقليبه في التصرفات. الثالثة: أنَّ الربح بينهما على ما شرطاه، وزيادة أحد الشريكين، أو نقصه خاضع وراجع للوقت، وصفة العمل، وغير ذلك من الأمور. فإن قالا: الربح بيننا، فهو نصفان بينهما. الرابعة: إذا اختلف المالك والعامل لمن الجزء المشروط، فالمشهور من مذهب الإمامين، الشافعي وأحمد أنَّه للعامل قليلاً كان أو كثيرًا؛ لأنَّه مستحق بالعمل، وهو يقل ويكثر، ويختلف باختلاف حالة العامل من الحذق وعدمه. الخامسة: إذا خسرت الشركة، فالخسارة من رأس المال على المالك، وأما العامل فخسارته ضياع عمله وجهده.

стр. 2395

وإن ربحت فرأس المال للمالك. وأما الربح فيقسم بينهما حسب شرطهما. السادسة: قال ابن القيم: المضارب أمين ووكيل وشريك، فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وشريك إذا ظهر ربح. * قرار المجمع الفقهي بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار: قرار رقم (٣٠): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وآله وصحبه وسلم. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦ - ١١ فبراير ١٩٨٨م. بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع: "سندات المقارضة وسندات الاستثمار" والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع، بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، بتاريخ ٦ - ٩ محرَّم ١٤٠٨ هـ الموافق ٣٠/ ٨ - ٢/ ٩/ ١٩٧٨م، تنفيذًا لقرار رقم (١٠) المتخذ في الدورة الثالثة للمجمع، وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه، وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية، وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه، للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل. وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها.

стр. 2396

قرَّر ما يلي: أولًا: من حيث الصيغة المقبولة شرعًا لصكوك المقارضة: ١ - سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض "المضاربة" بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة، على أساس وحدات متساوية القيمة، ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصًا شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه، بنسبة ملكية كل منهم فيه. ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية "صكوك المقارضة". ٢ - الصورة المقبولة شرعًا لسندات المقارضة بوجه عام لابد أن تتوافر فيها العناصر التالية: العنصر الأول: أن يمثل الصك ملكية حصةٍ شائعةٍ في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله، وتستمر هاذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته. وترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعًا للمالك في ملكه، من بيعٍ، وهبةٍ، ورهنٍ، وإرثٍ وغيرها، مع ملاحظة أنَّ الصكوك تمثل رأس مال المضاربة. العنصر الثاني: يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أنَّ شروط التعاقد تحددها "نشرة الإصدار"، وأنَّ "الإيجاب" يعبر عنه "الاكتتاب" في هذه الصكوك، وأنَّ "القبول" تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة. ولابد أن تشمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعًا في عقد القراض "المضاربة" من حيث بيان معلومية رأس مال، وتوزيع الربح،

стр. 2397

مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار، على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية. العنصر الثالث: أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونًا من المضارب عند نشوء السندات، مع مراعاة الضوابط التالية: (أ) إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب، وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا، فإنَّ تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد، وتطبق عليه أحكام الصرف. (ب) إذا أصبح مال القراض ديونًا تطبق على تداول المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون. (ج) إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود، والديون، والأعيان، والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقًا للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانًا ومنافع، أما إذا كان الغالب نقودًا أو ديونًا، فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة. وفي جميع الأحوال يتعيَّن تسجيل التداول أصوليًّا في سجلات الجهة المصدرة. العنصر الرابع: أنَّ من يتلقى حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها، وإقامة المشروع بها هو المضارب، أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلاَّ بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك، فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أنَّ المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة

стр. 2398

الإصدار، وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس. وأنَّ يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانةٍ، لا يضمن إلاَّ بسببٍ من أسباب الضمان الشرعية. ٣ - مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول، يجوز تداول المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية، وذلك وفقًا لظروف العرض والطلب، ويخضع لإرادة العاقدين، كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معيَّنة بإعلان، أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعرٍ معيَّن، ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة، وفقًا لظروف السوق والمركز المالي للمشروع، كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص، على النحو المشار إليه. ٤ - لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال، أو ضمان ربح مقطوع، أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة، أو ضمنًا بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل. ٥ - لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار، ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع، ولو كان معلقًا، أو مضافًا للمستقبل، وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعدًا بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلاَّ بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء، وبرضاء الطرفين. ٦ - لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصًّا يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلاً. ويترتب على ذلك: (أ) عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك، أو صاحب

стр. 2399

المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها. (ب) أنَّ محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي، وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة، ويعرف مقدار الربح إما بالتنضيض، أو بالتقويم للمشروع بالنقد، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة، وفقًا لشروط العقد. (ج) أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلنًا وتحت تصرف حملة الصكوك. ٧ - يستحق الربح بالظهور، ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلاَّ بالقسمة. وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيرادًا أو غلة فإنَّه يجوز أن توزع غلته، وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض "التصفية"، يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب. ٨ - ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معيَّنة في نهاية كل دورة، إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد، أو الغلة الموزعة تحت الحساب، ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال. ٩ - ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معيَّن، على أن يكون التزامًا مستقلاًّ عن عقد المضاربة، بمعنى أنَّ قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن

стр. 2400

الوفاء بالتزاماتهم بها، بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أنَّ هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد. ثانيًا: استعراض مجلس المجمع أربع صيغ أخرى، اشتملت عليها توصيات الندوة التي أقامها المجمع، وهي مقترحة للاستفادة منها في إطار تعمير الوقف واستثماره دون الإخلال بالشروط التي يحافظ فيها على تأبيد الوقف هي: (أ) إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه، وبين أرباب المال بما يوظفونه لتعمير الوقف. (ب) تقديم أعيان الوقف "كأصل ثابت" إلى من يعمل فيها، بتعميرها من ماله بنسبة من الريع. (ج) تعمير الوقف بعد الاستصناع مع المصارف الإسلامية، لقاء بدل من الريع. (د) إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليها وحده، أو مع أجرة يسيرة. وقد اتَّفق رأي مجلس المجمع مع توصية الندوة بشأن هذه الصيغ من حيث حاجتها إلى مزيد من البحث والنظر، وعهد إلى الأمانة العامة الاستكتاب فيها، مع البحث عن صيغ شرعية أخرى للاستثمار، وعقد ندوة لهذه الصيغ لعرض نتائجها على المجمع في دورته القادمة. والله أعلم. * قرار المجمع الفقهيى الإسلامي بشأن موضوع: هل يجوز تحديد ربح رب المال في شركة المضاربة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في

стр. 2401

دروته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت ٢٠ من شعبان ١٤١٥ هـ، الموافق ٢١/ ١/ ١٩٩٥ م، قد نظر في هذا الموضوع، وقرَّر أنَّه لا يجوز في المضاربة أن يحدد المضارب لرب المال مقدارًا معيَّنًا من المال؛ لأنَّ هذا يتنافى مع حقيقة المضاربة، ويجعلها قرضًا بفائدة، ولأنَّ الربح قد لا يزيد على ما جعل لرب المال فيستأئر به كله، وقد تخسر المضاربة، أو يكون الربح أقل مما جعل لرب المال، فيغرم المضارب. والفرق الجوهري الذي يفصل بين المضاربة، والقرض بفائدة الذي تمارسه البنوك الربوية، هو أنَّ المال يزيد المضارب أمانة، لا يضمنه إلاَّ إذا تعدَّى أو قصر، والربح يقسم بنسبة شائعة متَّفق عليها بين المضارب ورب المال، وقد أجمع الأئمة الأعلام على أنَّ من شروط صحة المضاربة أن يكون الربح مشاعًا بين رب المال والمضارب دون تحديد قدر معيَّن لأحد منهما، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين. * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن مدى مسؤولية المضارب ومجالس الإدارة عما يحدث من الخسارة: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، والتي بدأت يوم السبت ٢٠ شعبان ١٤١٥هـ، الموافق ٢١/ ١/ ١٩٩٥ م، قد نظر في هذا الموضوع، وأصدر القرار التالي:

стр. 2402

الخسارة في مال المضاربة على رب المال في ماله، ولا يسأل عنها المضارب إلاَّ إذا تعدى على المال، أو قصر في حفظه؛ لأنَّ مال المضاربة مملوك لصاحبه، والمضارب أمين عليه ما دام يزيده، ووكيل في التصرف فيه، والوكيل والأمين لا يضمنان إلاَّ في حالة التعدي، أو التقصير. والمسؤول عما يحدث في البنوك والمؤسسات المالية ذات الشخصية الاعتبارية هو مجلس الإدارة؛ لأنَّه هو الوكيل عن المساهمين في إدارة الشركة، والممثل للشخصية الاعتبارية، والحالات التي يسأل فيها مجلس الإدارة عن الخسارة التي تحدث في مال المضاربة، هي نفس الحالات التي يسأل فيها المضارب "الشخص الطبيعي"، فيكون مجلس الإدارة مسؤولاً أمام أرباب المال عن كل ما يحدث في مال المضاربة، من خسارة بتعدٍّ، أو تقصيرٍ منه، أو موظفي المؤسسة، وضمان مجلس الإدارة يكون من أموال المساهمين، ثم إذا كان التعدي أو التقصير من أحد الموظفين، فعلى مجلس الإدارة محاسبته، أما إذا كان التعدي، أو التقصير من مجلس الإدارة نفسه فمن حق المساهمين أن يحاسبوه. وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. ***

стр. 2403

باب المُساقاة مقدمة المساقاة: من السقي فهي مأخوذة من أهم أعمالها، فحاجة الشجر إلى السقي أكثر من غيره، ذلك أنَّ الماء في جزيرة العرب شحيح، فما كانوا سابقًا يسقون إلاَّ بالنضح، فسميت بأهم وأشق عمل فيها. وتعريفها شرعًا: أنَّها دفع شجر إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء مشاع معلوم من ثمره. والأصل في جوازها السنة، والقياس الصحيح. أما السنة: فمساقاته ﷺ ، وخلفائه الراشدين من بعده أهلَ خيبر، بشطر ما يخرج منها من ثمر. وأما القياس: فإنَّ المساقاة أقرب إلى العدل والحل، فإنَّهما يشتركان في المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإنَّ صاحب الشجر تسلم له الأجرة، وأما المستأجر فقد يحصل له الثمر، وقد لا يحصل. والمساقاة من المشاركات التي مبناها العدل بين الشريكين، فإنَّ صاحب الشجر والأرض كصاحب النقود التي دفعها للمضارب في التجارة، والعامل الساقي كالعامل المضارب الذي يتجر بالمال، فهما داخلتان في أبواب المشاركات، فالغنم بينهما، والغُرم عليهما. وبهذا عُلِمَ أنَّها أحلُّ من الإجارة، وأقرب إلى القياس والعدل، ولذا فإنَّها جاءت على الأصل، لا كما زعم بعضهم أنَّها على خلاف القياس، لظنهم أنَّها من باب الإجارات التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة، فهذا وهم

стр. 2404

منهم. والمساقاة ومثلها المزارعة من أحل المكاسب وأفضلها، لمن ابتغى فضل الله تعالى ولم تشغله عن الأمور المطلوبة منه لربه ولأهله، والسنة مليئة بفضلها، ومن ذلك ما جاء في البخاري (٦٠١٢) ومسلم (١٥٥٣)، من حديث أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسانٌ، أو طيرٌ، أو دابةٌ إلاَّ كان له صدقة". ***

стр. 2405

٧٧٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلى أَنْ يَكْفُوا عمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمْرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذلِكَ مَا شِئْنَا، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ ﵁". وَلِمُسْلِمٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلى أنْ يعْتَمِلُوهَا مِنْ أمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا" (١). ــ * مفردات الحديث: - عامَل: عمل يعمل عملًا: فعل ومَهَنَ. قال في الكليات: العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. قال في المحيط: المعاملة المساقاة في لغة الحجازيين وهي المراد هنا. - بشطْر: بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء آخره راء، يطلق على معان، والمراد به هنا النصف، ويستعمل في الجزء منه، فإنَّه يطلق ويراد به البعض، جمعه أشطر وشطور. - من ثمر: بالثاء المثلثة، والمراد هنا ثمر النخيل؛ لأنَّها شجر خيبر. - فقرُّوا: يقال: قرَّ في المكان يقرُّ قرارًا: إذا ثبت وسكن. قال في المحيط: قرَّر العامل على عمله تركه قارًّا فيه. - أجلاهم: جلا عن البلد جلاء بالفتح والمد: خرج منها، وجلا القوم عن

стр. 2406

الوطن: خرجوا من الخوف أو الجدب، وجلوته وأجليته أتى لازمًا ومتعديًّا. - يعتملوها: يقال: اعتمل الرجل أي عمل عملًا متعلقًا بنفسه والمعنى أن يسعوا فيها بما فيه عمارة أرضها، وإصلاحها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز المساقاة والمزارعة بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الزرع والثمر، قال الطيبي: لم أر أحدًا من أهل العلم منع من المساقاة مطلقًا غير أبي حنيفة. والدليل على جوازها ما تواتر، أو كاد أن يتواتر، من أنَّه ﷺ ساقى أهل خيبر بنخيلها على الشرط. وأما المزارعة فهي عندنا جائزة تبعًا للمساقاة؛ لحديث خيبر، ولا يجوز إفراده؛ لحديث رافع بن خديج أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنها، ومنع منها الإمام مالك وأبو حنيفة مطلقًا، وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى جوازها مطلقًا؛ لظاهر الحديمث، وعليه جمهور المحدثين. ٢ - ظاهر الحديث أنَّه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض في المزارعة وسيأتي كلام ابن القيم قريبًا، وهو الصحيح خلافًا للمشهور من مذهبنا باشتراطه. ٣ - أنَّه إذا علم نصيب العامل، أغنى عن ذكر نصيب صاحب الأرض والشجر، لأنَّ الغلة لا تخرج عنهما. ٤ - جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستانٍ واحدٍ، بأن يساقيه على الشجر بجزء معلوم من الثمر، وبزرعه الأرض بجزء معلوم من الزرع. ٥ - جواز معاملة الكفار بالفلاحة والتجارة والمقاولات على البناء والصنائع ونحو ذلك من أنواع المعاملات. ٦ - ظاهر الحديث عدم اشتراط العلم بقدر مدة المساقاة أو المزارعة.

стр. 2407

وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة والمزارعة إلاَّ في مدة معلومة وتأولوا قوله "ما شئنا" على مدة العهد، وأنَّ المراد: نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا، ثم نخرجكم إذا شئنا. ٧ - وأما المساقاة فإنَّ مدتها معلومة، وقد اتَّفقوا على أنَّها لا تجوز إلاَّ بأجلٍ معلوم. ٨ - قال ابن القيم: في قصة خيبر دليل على جواز المزارعة بجزء من غلة الزرع، فإنَّه ﷺ عامل أهل خيبر على ذلك, واستمر على ذلك إلى حين وفاته ولم ينسخ ألبتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرَّق بين متماثلين، فإنَّه ﷺ دفع إليهم الأرض على أن يعتملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، فدلَّ على أنَّ هديه عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، كما أنَّه وفق القياس، فإنَّ الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء؛ ولهذا يموت في الأرض، ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة؛ لاشتراط عوده إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أنَّ القياس الصحيح هو الموافق لهدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين. ٩ - ذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنَّ المزارعة والمساقاة فاسدتان مطلقًا. وذهب أكثر أهل العلم إلى جوازهما مجتمعتين، ومنفردتين. قال النووي: هذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر ولا تقبل دعوى كون المزارعة في خيبر، إنما جاءت تبعًا للمساقاة، بل إنَّها مستقلة، ولأنَّ المعنى الموجود في المساقاة موجود في المزارعة، وقياسًا على القراض "المضاربة" فإنَّ القراض جائز بالإجماع وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأنَّ

стр. 2408

المسلمين في جميع الأعصار والأمصار مستمرون على العمل بالمزارعة. وأما الأحاديث الناهية عن المخابرة فأجيب عنها: بأنَّها محمولة على ما إذا اشترط لكل واحد قطعة معيَّنة من الأرض. ١٠ - وفيه دليل على جواز بقاء الكفار في بلاد المسلمين مدة الحاجة إليهم، فإذا استغني عنهم وعن أعمالهم أُبعِدوا عن بلاد المسلمين، لأنَّ لهم تأثيرًا على العقائد، والأخلاق. ***

стр. 2409

٧٨٠ - وَعَن حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: "سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ عَن كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلاَّ هَذَا، فَلِذلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إِطْلاَقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ (١). ــ * مفردات الحديث: - خديج: قال في المغني للفتَّني: خديج بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة. - كراء الأرض: بكسر الكاف، وفتح الراء، ثم ألف، بعدها همزة. قال في المصباح: الكِرَاء بالمد: الأجرة، وهو مصدر في الأصل، من كريته، من باب قتل. - إنَّما كان إلخ: تعليل لجواز كراء الأرض، وعدم جواز إجارتها بجزء معيَّن منها، كما مثَّل. - المَاذِيَانَات: بذال معجمة مكسورة، وحكى عياض فتحها، ثم مثناة تحتية ثم ألف ونون ثم ألف ثم مثناة فوقية، جمع ماذية، وهي ما ينبت على حافة النهر ومسايل المياه، وليست الكلمة عربية ولكنها سوادية.

стр. 2410

- أقبال الجداول: بفتح الهمزة، فقاف، فباء موحدة، الأقبال: أوائل المسايل ورؤوسها، ومجاري المياه الصغار تُشَق في الأرض. - زجر عنه: زَجَره عن كذا يزجره زجرًا: منعه، ونهاه عنه نهيًا مؤكدًا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث بيان جواز الإجارة الصحيحة للأرض، وبيان الإجارة الفاسدة، فأما الفاسدة فهي الكراء الجاهلي الذي يجعلون لصاحب الأرض ما على الجداول والسواقي، أو يجعلون له جانبًا معيَّنًا من الزرع، فهذه إجارة فاسدة؛ لأنَّ فيها غررًا وخطرًا وجهالة، فقد يصلح هذا، ويهلك هذا. ٢ - هذا النوع من الإجارة الفاسدة التي تحفُّها الجهالة، والغرر، والمخاطرة محرَّمة لا تصح، فهي التي نهى عنها النبي ﷺ ، وأما الأولى فهي بأجرٍ معلومٍ فهي صحيحة. ٣ - عموم الحديث يجيز الأجر بالنقدين أو ما قام مقامهما من عملة نقدية، ويجيزه أيضًا ولو كانت الأجرة من جنس ما أخرجته الأرض أو مما أخرجته بعينه. ٤ - النَّهي عن إدخال شروط فاسدة في الإجارة، كاشتراط جانب معيَّن من الزرع، وتخصيص ما على الأنهار ونحوها لصاحب الأرض أو لصاحب الزرع، فهي مزارعة، فاسدة لجهالتها وخطرها. ٥ - كل الغرر والجهالات والمخاطرات محرَّمة باطلةٌ؛ لأنَّها نوعٌ من القمار والميسر، ففيها ظلم أحد الطرفين وتسبب العداوة والشحناء، والشرع الشريف جاء بالعدل والمساواة بين الناس، كما جاء بما يجلب المحبة والمودة والصفاء. ٦ - ذهب عامة العلماء إلى جواز إجارة الأرض الزراعية بالذَّهب والفضة والعروض والطعام، إذا كان غير خارج منها، ومنهم الأئمة الثلاثة. وذهب الإمام مالك إلى المنع بالطعام مطلقًا، سواء كان من الخارج منها، أو من غيره؛ لحديث: "فلا يكريها بطعام".

стр. 2411

٧٨١ - وَعَنْ ثَابِتِ بْن الضَّحَّاكِ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالمُؤَاجَرَةِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ أيْضًا (١). ــ * مفردات الحديث: - بالمؤاجرة: أي يستأجر الأرض فيحرثها ويستغلها، ويدفع لصاحبها أجرةً وكراءً من النقود لا جزءًا مما يخرج منها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - المزارعة هي إعطاء الأرض الزراعية لمن يزرعها، بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ ممَّا يخرج منها، يُشْتَرط لصاحب الأرض أو للعامل. ٢ - الحديث نهى عن المزارعة، والنَّهي يقتضي التحريم، كما يقتضي فساد العقد. ٣ - ويدل الحديث على جواز إعطاء الأرض للزراعة بأجرةٍ معلومةٍ، وعمومه يفيد الجواز بأي أجرة كانت، ولو مما يخرج منها، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة وأحمد والشافعي. ٤ - يحمل هذا النَّهي على المزراعة الفاسدة التي يدخلها كثير من الجهالة، والغرر، والظلم لأحد الطرفين، كما جاء في حديث رافع بن خَدِيج، من أنَّهم كانوا في الجاهلية وصدر الإسلام "يؤاجرون على الماذِيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ولم يكن للناس كراء إلاَّ هذا، فلذلك زجر عنه". ٥ - أما المزارعة المعلومة فلم ينه عنها، ولذا جاء في حديث رافع أنَّها جائزةٌ؛

стр. 2412

وذلك بقوله: "فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به". هذا هو التوجيه الحسن المستقيم لبيان المزارعة الجائزة من المزارعة الممنوعة، وهذا هو الجمع الصحيح بين الأحاديث المتعارضة في ظاهرها بين جوازها ومنعها، والله أعلم. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم المزارعة: فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم جوازها. ودليلهم على ذلك أحاديث رافع بن خديج منها: ١ - "كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية رسول الله ﷺ أنفع". ٢ - حديث حنظلة بن قيس، وهو حديث الباب السابق. ٣ - ما في البخاري (٢٣٤٣) ومسلم (١٥٤٧) عن ابن عمر: "ما كنَّا نرى بالمزارعة بأسًا، حتما سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله ﷺ عنها". ٤ - ما جاء في صحيح البخاري (٢٣٤٠) ومسلم (١٥٦٦) عن جابر أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "من كانت له أرض فليزرعها إن لم يزرعها أخاه". فهذه الأحاديث حجة الذين يذهبون إلى عدم جواز المزارعة، ويرون أنَّها محرَّمة باطلة، وللأئمة على التحريم دليلٌ آخر، هو أنَّهم يعتبرون المزارعة إجارة، والإجارة لابد أن تكون الأجرة فيها معلومة، وهنا العوض مجهول معدوم، فتحرم ولا تصح. وذهب الإمام أحمد وأتباعه إلى جوازها، وأنَّها عقدٌ صحيحٌ ثابتٌ، كما ذهب إلى جوازها طوائفٌ من الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، المتقدمين والمتأخرين، وكثير من الفقهاء.

стр. 2413

فممَّن يرى جوازها علي بن أبي طالب، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وطاووس، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن سيرين، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة، والثوري، والبخاري، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن سريج، والخطابي، والظاهرية. قال النووي: هو الراجح المختار، والمسلمون في جميع الأمصار والأعصار جارون على العمل بالمزراعة. أدلة المجوِّزين: ١ - الأصل في العقود الجواز والصحة، فلا يمنع منها إلاَّ ما وجد فيه محذورٌ شرعيٌّ من جهالةٍ، أو غررٍ، أومخاطرةٍ، أو ظلمٍ لأحد الجانبين، أما العقود الواضحة السالمة من تلك المحاذير، فإنَّ الشرع يجيزها، ولا يمنع منها شيئًا. ٢ - معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر منذ أن استولى عليها حتى توفي، ثم مِن بعده أقرَّهم أبو بكر، وصدرًا من خلافة عمر، حتى أجلاهم منها، بمشهد من عموم الصحابة، وهذا دليلٌ على جوازها، وأنَّها لم تنسخ. ومن تلك الأحاديث ما في الصحيحين عن ابن عمر: "أنَّ النَّبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمرٍ أو زرعٍ، وقال نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر". ٢ - أجابوا عن أحاديث رافع بن خديج بأنَّها مضطربة السند، فإنَّه تارةً يروي عن عمومته، وتارةً أخرى روى عن رافع بن ظهير، وثالثةً يحدث عن سماعه هو، وهي أيضًا مضطربة المتن، فإنَّه تارةً يروي النَّهي عن "كراء الأرض"، وتارةً "ينهي عن الجعل" وثالثةً "من الثلث والربع والطعام المسمى".

стр. 2414

وبهذا حصل الاضطراب في المتن والسند، وحصل فيها الشك، حتى قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان وضروب، وقد أنكره الصحابة، ولم يعلم به عبد الله بن عمر إلاَّ في خلافة معاوية، فكيف مثل هذا الحكم يخفى عليهم، وهم يتعاطونها، وسيأتي قريبًا معنا آخر لهذا الاضطراب. وعلى فرض صحة أحاديث رافع، فقد أجاب العلماء عنها، وعن حديث جابر بأجوبةٍ مقنعةٍ. وأحسن تلك الأجوبة الجمع بين أحاديث رافع، وأحاديث خيبر، وذلك بحمل النَّهي عن المزارعة في أحاديث رافع على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيءٌ من الغرر والجهالة، وصار فيها شبه من الميسر والقمار والمغالبات المحرَّمة. وهو حملٌ وجيهٌ، بل قد صرَّح رافع بذلك في بعض طرق أحاديثه. قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، أمرٌ إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال، والحرام علم أنَّه لا يجوز؛ لما فيه من المخاطرة. وقال ابن المنذر: قد جاءت أخبار رافع بعللٍ تدل على أنَّ النَّهي لتلك العلل. وقال الخطابي: قد أعلمك رافع أنَّ المنهي عنه هو المجهول، دون المعلوم، وأنَّه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطًا فاسدة، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول، فيكون خاصًّا لربِّ المال، وقد يسلم ما على السواقي، ويهلك سائر الزرع، فيبقى المُزارع لا شيء له، وهذا غررٌ وخطرٌ. والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المقصود أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام، إذا اشترط لرب الأرض منها زرعُ مكانٍ بعينه، والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد، فقد بيَّن أنَّ الذي نهى عنه النبي

стр. 2415

- ﷺ إذا نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علِمَ أنَّه حرام. وقال ابن القيم: إنَّ من تأمل حديث رافع بن خذيج وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مُجمَلها على مفسّرها، ومُطْلَقها ومقيّدها، علِمَ أنَّ الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنَّه قال: "كنا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه". وفي لفظ له: "كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ بما على الماذِيَانَات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلاَّ هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلومٌ مضمونٌ فلا بأس به". وهذا من أبين ما في حديث رافع وأوضحه، وما فيها من مجملٍ أو مطلقٍ أو مختصر فيُحمل على هذا المفسَّر المبيَّن المتَّفق عليه لفظًا وحكمًا. اهـ كلامه ﵀. قال الطيبي في شرح المشكاة: أحاديث النَّهي عن المزارعة في ظاهرها تباينٌ واختلاف، وجملة القول في الجمع بينها أنَّ رافع بن خديج سمع أحاديث في النَّهي عن المزارعة متنوعة، فنظمها في سلك واحدٍ، ولهذا تارةً يقول: سمعت رسول الله ﷺ وتارةً يقول: حدَّثني عمومتي، وتارةً يقول: أخبرني عماي، والعلة في بعض الأحاديث أنَّهم يشترطون شروطًا فاسدة، وفي بعضها أنَّهم كانوا يتنازعون في الكراء، وفي بعضها أنَّه كره لهم الافتتان بالحراثة، فيقعدوا عن الجهاد. وعلى هذا المعنى يجب أن يحمل الاضطراب المروي عن الإمام أحمد، لا على الاضطراب المصطلح عليه عند أهل الحديث، فإنَّه نوعٌ من أنواع الضعف، وحاشا لصاحبي الصحيح البخاري ومسلم أن يوردا شيئًا من هذا النوع.

стр. 2416

باب الإجارة مقدمة الإجارة: بكسر الهمزة، مصدر أجره أجرًا، فهو مأجور، هذا هو المشهور، وحكي آجره بالمد، فهو مؤجر، وهي مشتقةٌ من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأنَّ الله تعالى يعوض العبد على طاعته، أو صبره عن معصيته، فهي لغة: المجازاة. وشرعًا: عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ، تُؤخَذ شيئًا فشيئًا. وتكون على ضربين: أحدهما: على مدَّةٍ معلومةٍ، من عينٍ معلومةٍ معيَّنةٍ، أو من عينٍ موصوفةٍ في الذمة. الثاني: عملٌ معلومٌ بعوضٍ معلومٍ، راجعٌ للفرق بين الضربين. وهي ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع والقياس. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وفي قصة الهجرة: "استأجر رجلًا من بني الديل". وقال ابن المنذر: اتَّفق على جواز الإجارة كل من نحفظ قوله من علماء الأمة. وأما القياس: فإنَّ الحاجة داعيةٌ إلى الحصول على المنافع، كما دعت الحاجة إلى الحصول على الأعيان، فهي من الرُّخص المستقر حكمها على وفق القياس.

стр. 2417

وتنعقد بلفظ "الإجارة"، وبلفظ "الكراء"، وما في معناهما. قال الشيخ تقي الدين: التحقيق أنَّ المتعاقدين إنْ عرفا انعقدت بأي لفظ كان، من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان أنَّه مقصودهما، وهذا عامٌّ في جميع العقود، فإنَّ الشارع لم يحدّ حدًّا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: العقود ثلاثة أقسام: أحدها: عقودٌ لازمةٌ، وهي نوعان: الأول: يثبت بمجرد عقده، فلا خيار فيه، كالوقف، والنكاح، ونحوهما. الثاني: لازمٌ، لكن جعل الشارع فيه خيار مجلس وخيار شرط، ذلك كالبيع، والإجارة، والصلح، ونحوها. القسم الثاني: جائزٌ من الطرفين، لكلٍّ منهما فسخه، وذلك كالوكالة والولاية والجعالة والشركات. القسم الثالث: لازمٌ من أحد الطرفين، جائزٌ في حق الآخر، وضابط هذا أن يكون الحق لواحد على الآخر، كالرَّاهن، والضامن، والكافل، فإنه لازمٌ بحق هؤلاء، جائزٌ بحق المرتهن، ولمضمون عنه، والمكفول له، والله أعلم. ***

стр. 2418

٧٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - أعطى الذي حجمه: "أعطى" تنصب مفعولين، الأول: "الذي حجمه"، والثانى: "أجره". - الحجامة: مأخوذٌ من الحجم: أي المص، والحجَّام: المصاص، والحجامة صنعته، والحجامة في كلام الفقهاء قيدت عند البعض بإخراج الدم من القفا بواسطة المص بعد الشرط، ومنهم من قال: لا تختص بالقفا، بل تكون من سائر البدن. ***

стр. 2419

٧٨٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - كسْب الحجام: كسب يكسب كسبًا: طلب المال فجمعه، فكسب الحجام: ما يكسبه من عمله في الحجامة. - خبِيث: خبث يخبث خبثًا ضد طاب، الخبيث ضد الطيب من الرزق وغيره، وجمعه خباث وخُبثاء، ويطلق على الحرام، ويطلق على المباح الدنيء وهو المراد. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل الحديثان على أصل جواز الإجارة، وأنَّها من العقود المباحة النَّافعة وهي ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. قال ابن المنذر: اتَّفق على جوازها كل من نحفظ عنه من علماء الأمة. والحاجة داعيةٌ إليها؛ لأنَّ الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان. ٢ - الحديث رقم (٧٨٢) يدل على إباحة كسب الحجام، وأنَّه غير محرَّم، ولو كان محرَّمًا لم يعط ﷺ الحاجم أجرته على الحجامة. ٣ - أما الحديث رقم (٧٨٣) فيدل على أنَّ كسب الحجام خبيث. ٤ - لكن الخبيث يطلق على الرديء من الطعام، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. كما يطلق على الكسب الدنيء، فالخبيث هنا دناءة الكسب، ولذا صحَّ

стр. 2420

أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر الحاجم أن يعلفه ناضحه، أو رقيقه. ٥ - فالخبيث لا يراد به خبيث الحرمة، وإنما يراد به خبث الدناءة. قال ابن القيم في زاد المعاد ما خلاصته: صحَّ عنه ﷺ أنَّه حكم بخبث كسب الحجام، وأمر الصحابي أن يعلفه ناضحه، أو رقيقه، وصحَّ عنه أنَّه احتجم وأعطى الحجام أجره، فإعطاء النبي ﷺ الحجام أجره لا يعارض قوله: "كسب الحجام خبيث" فإنَّه لم يقل إن إعطاءه خبيث إلى آخذه وآكله، ولا يلزم من ذلك تحريمه، فقد سمى النبي ﷺ الثوم والبصل خبيثَيْن، ولم يحرِّم أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النبي ﷺ الحجام أجره حِل أكله، فقد قال ﷺ : "إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارًا" وقد أعطى المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء، مع غناهم وعدم حاجاتهم؛ ليبذلوا للإسلام والطاعة ما يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض، وهذا أصلٌ معروفٌ من أصول الشرع أنَّ العقد والبذل قد يكون جائزًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا، من أحد الطرفين، مكروهًا أو محرَّمًا من الطرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل، ويحرم على الآخذ أن يأخذ. وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل، لكن هذا خبيث الرائحة، وهذا خبيث لكسبه. ٦ - قال ابن القيم: اختلف الفقهاء في أطيب المكاسب على ثلاثة أقوال: التجارة، أو الزراعة، أو عمل الرجل بيده. والراجح أنَّ أحلَّها كسب الغانمين، وما أبيح للغانمين على لسان الشارع. ٧ - وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الحجامة من العلاج النافع لبعض الأمراض. ٨ - وفي الحديث دلالةٌ على إباحة التداوي بالأدوية النافعة المباحة، وأنَّ هذا لا ينافي التوكل على الله تعالى.
следующие страницы →