باب الإجارة
مقدمة
الإجارة: بكسر الهمزة، مصدر أجره أجرًا، فهو مأجور، هذا هو المشهور، وحكي آجره بالمد، فهو مؤجر، وهي مشتقةٌ من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأنَّ الله تعالى يعوض العبد على طاعته، أو صبره عن معصيته، فهي لغة: المجازاة.
وشرعًا: عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ، تُؤخَذ شيئًا فشيئًا.
وتكون على ضربين:
أحدهما: على مدَّةٍ معلومةٍ، من عينٍ معلومةٍ معيَّنةٍ، أو من عينٍ موصوفةٍ في الذمة.
الثاني: عملٌ معلومٌ بعوضٍ معلومٍ، راجعٌ للفرق بين الضربين.
وهي ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع والقياس.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وفي قصة الهجرة: "استأجر رجلًا من بني الديل".
وقال ابن المنذر: اتَّفق على جواز الإجارة كل من نحفظ قوله من علماء الأمة.
وأما القياس: فإنَّ الحاجة داعيةٌ إلى الحصول على المنافع، كما دعت الحاجة إلى الحصول على الأعيان، فهي من الرُّخص المستقر حكمها على وفق القياس.
стр. 2417
وتنعقد بلفظ "الإجارة"، وبلفظ "الكراء"، وما في معناهما.
قال الشيخ تقي الدين: التحقيق أنَّ المتعاقدين إنْ عرفا انعقدت بأي لفظ كان، من الألفاظ التي عرف بها المتعاقدان أنَّه مقصودهما، وهذا عامٌّ في جميع العقود، فإنَّ الشارع لم يحدّ حدًّا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: العقود ثلاثة أقسام:
أحدها: عقودٌ لازمةٌ، وهي نوعان:
الأول: يثبت بمجرد عقده، فلا خيار فيه، كالوقف، والنكاح، ونحوهما.
الثاني: لازمٌ، لكن جعل الشارع فيه خيار مجلس وخيار شرط، ذلك كالبيع، والإجارة، والصلح، ونحوها.
القسم الثاني: جائزٌ من الطرفين، لكلٍّ منهما فسخه، وذلك كالوكالة والولاية والجعالة والشركات.
القسم الثالث: لازمٌ من أحد الطرفين، جائزٌ في حق الآخر، وضابط هذا أن يكون الحق لواحد على الآخر، كالرَّاهن، والضامن، والكافل، فإنه لازمٌ بحق هؤلاء، جائزٌ بحق المرتهن، ولمضمون عنه، والمكفول له، والله أعلم.
***
стр. 2418
٧٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الَّذي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أعطى الذي حجمه: "أعطى" تنصب مفعولين، الأول: "الذي حجمه"، والثانى: "أجره".
- الحجامة: مأخوذٌ من الحجم: أي المص، والحجَّام: المصاص، والحجامة صنعته، والحجامة في كلام الفقهاء قيدت عند البعض بإخراج الدم من القفا بواسطة المص بعد الشرط، ومنهم من قال: لا تختص بالقفا، بل تكون من سائر البدن.
***
стр. 2419
٧٨٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- كسْب الحجام: كسب يكسب كسبًا: طلب المال فجمعه، فكسب الحجام: ما يكسبه من عمله في الحجامة.
- خبِيث: خبث يخبث خبثًا ضد طاب، الخبيث ضد الطيب من الرزق وغيره، وجمعه خباث وخُبثاء، ويطلق على الحرام، ويطلق على المباح الدنيء وهو المراد.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يدل الحديثان على أصل جواز الإجارة، وأنَّها من العقود المباحة النَّافعة وهي ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
قال ابن المنذر: اتَّفق على جوازها كل من نحفظ عنه من علماء الأمة.
والحاجة داعيةٌ إليها؛ لأنَّ الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان.
٢ - الحديث رقم (٧٨٢) يدل على إباحة كسب الحجام، وأنَّه غير محرَّم، ولو كان محرَّمًا لم يعط ﷺ الحاجم أجرته على الحجامة.
٣ - أما الحديث رقم (٧٨٣) فيدل على أنَّ كسب الحجام خبيث.
٤ - لكن الخبيث يطلق على الرديء من الطعام، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
كما يطلق على الكسب الدنيء، فالخبيث هنا دناءة الكسب، ولذا صحَّ
стр. 2420
أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر الحاجم أن يعلفه ناضحه، أو رقيقه.
٥ - فالخبيث لا يراد به خبيث الحرمة، وإنما يراد به خبث الدناءة.
قال ابن القيم في زاد المعاد ما خلاصته: صحَّ عنه ﷺ أنَّه حكم بخبث كسب الحجام، وأمر الصحابي أن يعلفه ناضحه، أو رقيقه، وصحَّ عنه أنَّه احتجم وأعطى الحجام أجره، فإعطاء النبي ﷺ الحجام أجره لا يعارض قوله: "كسب الحجام خبيث" فإنَّه لم يقل إن إعطاءه خبيث إلى آخذه وآكله، ولا يلزم من ذلك تحريمه، فقد سمى النبي ﷺ الثوم والبصل خبيثَيْن، ولم يحرِّم أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النبي ﷺ الحجام أجره حِل أكله، فقد قال ﷺ : "إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارًا" وقد أعطى المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء، مع غناهم وعدم حاجاتهم؛ ليبذلوا للإسلام والطاعة ما يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض، وهذا أصلٌ معروفٌ من أصول الشرع أنَّ العقد والبذل قد يكون جائزًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا، من أحد الطرفين، مكروهًا أو محرَّمًا من الطرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل، ويحرم على الآخذ أن يأخذ.
وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل، لكن هذا خبيث الرائحة، وهذا خبيث لكسبه.
٦ - قال ابن القيم: اختلف الفقهاء في أطيب المكاسب على ثلاثة أقوال: التجارة، أو الزراعة، أو عمل الرجل بيده.
والراجح أنَّ أحلَّها كسب الغانمين، وما أبيح للغانمين على لسان الشارع.
٧ - وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الحجامة من العلاج النافع لبعض الأمراض.
٨ - وفي الحديث دلالةٌ على إباحة التداوي بالأدوية النافعة المباحة، وأنَّ هذا لا ينافي التوكل على الله تعالى.
стр. 2421
٩ - وفيه تفاوت المكاسب من حيث الطيب والخبث، ومن حيث الرفعة والدناءة، وأنه ينبغي للإنسان أن يتلمس معالي الأمور.
١٠ - جاء في رواية أحمد وأصحاب السنن بسند رجاله ثقات من هذا الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للحجام عن كسبه: "أعْلِفْه نَاضِحك" فدلَّ على أنَّ الحجام إذا كان مستغنيًا, فإنَّه يتخلص من هذا الكسب بإنفاقه، بطرقٍ بعيدةٍ عن نفقاته، وحاجاته الخاصة به، وعلى أهله، وإنما يتخلص منه بإنفاقه على دوابه، أو وضعه في مشروع مفيدٍ، غير ديني، لا أنَّه مكروه شرعًا، ولكن التماسًا لمعالي الأمور، وابتعادًا عن وضيعها ودنيئها.
قال شيخ الإسلام: المشتبهات ينبغي صرفها في الأبعد عن المنفعة، فالأبعد فالأقرب ما دخل في البطن، ثم ما ولي الظاهر من اللباس، ثم ما عرض من الركوب، كما أمر النبي ﷺ الحجام أن يطعم كسبه الرقيق والناضح.
***
стр. 2422
٧٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ : ثلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الِقيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُل بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- ثلاثة: أي ثلاثة أنفس، وذِكر الثلاثة ليس للتخصيص؛ لأنَّ الله تعالى خَصْمٌ لجميع الظالمين ولكن لمَّا أراد التشديد على هؤلاء صرَّح بهم.
- خصمهم: خصمه يخصمه خصمًا: غلبه في الخصومة، فالخصم مصدر، والمخاصم جمعه خصوم، وقد يطلق الخصم للاثنين، والجمع، والمؤنث.
- أعطى بي: حذف فيه المفعول، وتقديره: أعطى العهد والأمان باسمي، وحلف بي.
- غدر: يغدر غدرًا: ضد وفى، أي نقض عهده وخان.
قال في المحيط: قيل: الغدر موضوع لمعنى الإخلال بالشيء وتركه، ومعنى نقض العهد مأخوذ منه.
- حُرًّا: الحر خلاف العبد، والحرَّة خلاف الأمة، ولفظ الحر موضوع لغة لمن لم يمسه رق، وهو حقيقة في بني آدم، وقد يستعمل في غيرهم مجازًا.
- فأكل ثمنه: خصَّ الأكل بالذكر؛ لأنَّه أعظم مقصود.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على تحريم فعل هذه الأمور الثلاثة، وبيان أنَّها من أشد ما
стр. 2423
حرَّم الله تعالى؛ ذلك أنَّه تعالى هو الذي سيتولى يوم القيامة مخاصمة هؤلاء الثلاثة، ثم يخصمهم، وما ذاك إلاَّ لشدة جرمهم، وقبح فعلهم، وعظم ما اقترفوه.
الأول: حلف بالله تعالى، وعاهد باسمه، وأعطى الأمان والعهد بالله، ثم خان عهد الله وأمانته، فغدر، وفَجَرَ، ونكث العهد، والميثاق.
وقد أجمع العلماء على تحريم الغدر، وأنَّه من كبائر الذنوب، ولقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
كما نهى عن نكث العهد والميثاق, فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣].
وقد كان ﷺ يقول لبعض قواد الجنود: "وإذا حاصرت أهل الحصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك، فإنَّكم أن تخفروا ذممكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله".
الثاني: من باع حرًّا، فأكل ثمنه، فاسترقاق الأحرار بلا موجبه الشرعي حرام، وفي بيعهم كما تباع السلع وأكل ثمنهم، إثمٌ مضاعف.
وعبَّر بالأكل؛ لأنَّه الغالب، وإلاَّ فغير الأكل مثله.
الثالث: من استأجر أجيرًا فاستوفى منه ما استأجره عليه من عمل، ولم يعطه أجره، وقد قال ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يَجِفَّ عرقه" [رواه ابن ماجه (٢٤٤٣)]، مبالغةً في سرعة إعطائه حقه، وأجر تعبه وعمله.
وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يُغْفر لأمتي لآخر ليلةٍ من رمضان، قيل يا رسول الله: أهِي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنَّما يوفَّى أجره إذا قضى عمله".
٢ - ويدل الحديث على أنَّ تسليم الأجرة يكون عند فراغ الأجير من عمله، فهذا
стр. 2424
هو زمن استقرارها في الذمة.
٣ - في الحديث دليلٌ على أصل جواز الإجارة، وأنَّها من العقود الجائزة المفيدة النافعة.
٤ - وفيه إثبات الجزاء في الآخرة، وإثبات يوم القيامة، وهو ممَّا عُرِف من الدِّين بالضرورة.
٥ - وفيه جواز معاهدة الكفار، وإعطائهم الأمان، لمصلحةٍ تخصُّ الإسلام والمسلمين.
٦ - وفيه أنَّ الأحرار من بني آدم لا تثبت عليهم اليد الغاصبة.
٧ - قوله: "ثلاثة" العدد لا مفهوم له، فيوجد من يتولى الله تعالى خصومتهم، غير هؤلاء من أصحاب الذنوب الكبار.
٨ - قوله: "رجل" لا مفهوم له، وإنما جرى مجرى الغالب في الخطاب، فالوعيد للذكر والأنثى من المكلفين.
٩ - فيه أنَّ الأجير لا يستحق أجرته حتى يتم ما استؤجر عليه من عملٍ أو مدةٍ.
***
стр. 2425
٧٨٥ - وَعَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّ أَحقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كتَابُ اللهِ" أَخْرَجَهُ البُخَاريُّ (١)،
ــ
* مفردات الحديث:
- أجرًا: هو جزاء العامل على عمله، يسمَّى الكراء، ومنه قولهم في التعزية: "آجرك الله": أي أعطاك الله أجره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لاسيَّما إذا كان قصد المعلم الخير، وأخذ الأجرة؛ للتقوي بها على القيام بهذا العمل وأمثاله، ممَّا فيه طاعةٌ لله تعالى، ونشر العلوم النافعة.
٢ - قال شيخ الإسلام: وقد اتَّفق الفقهاء على الفرق بين الاستئجار على القُرب، وبين رزق أهلها، فرزق المقاتلة، والقضاة، والمؤذنين، والأئمة، جائزٌ بلا نزاع، وأما الاستئجار فلا يجوز عند أكثرهم.
٣ - قال في الروض المربع: ويجوز أخذ رزق على ذلك الحج، والإمامة، والأذان، وتعليم القرآن، من بيت المال وجعالة وأخذ بلا شرط.
قال الشيخ: ما يؤخذ من بيت المال ليس عوضًا وأجرة، بل رزقًا للإعانة على الطاعة.
ومثله الموقوف على أعمال البر، والموصى به، والنذور له، ليس كالأجر.
стр. 2426
* خلاف العلماء:
ذهب الإمامان: أبو حنيفة وأحمد وأتباعهما إلى عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وعلى أي عمل يختص أن يكون القائم به مسلمًا كالقضاء وإمامة الصلاة، والأذان.
مستدلين بما أخرجه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت، قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة القرآن، فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "إن سرَّك أن يقلدك قوسًا من نار فاقبلها".
وذهب جمهور العلماء، ومنهم الإمامان مالك والشافعي، إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأخذ الأجرة على إمامة الصلاة، والأذان، ونحو ذلك من أعمال القُرب.
مستدلين بحديث الباب، وبما في البخاري من حديث أبي سعيد في الرُّقية، ولِمَا جاء في الصحيحين من أنَّ النَّبيَّ ﷺ زوَّج رجلًا امرأةً بما معه من القرآن.
وهذا القول روايةٌ عن الإمام أحمد، وبه أفتى متأخرو الحنفية، وجوَّزه الشيخ تقي الدين للحاجة، وتبعه شيخنا عبد الرحمن السعدي.
وأما حديث عبادة فلا يقاوم ما جاء في الصحيحين من هذه الأحاديث الثلاثة وغيرها.
على أنَّ العلماء طعنوا في هذا الحديث، فقالوا في راوية "المغيرة بن زياد" قال في التقريب: له أوهام، واستنكر أحمد حديثه.
***
стр. 2427
٧٨٦ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ-﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ انْ يَجِفَّ عرَقُهُ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١).
وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالبَيْهَقِيِّ (٢) وَجَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ (٣) وَكُلُّهَا ضِعَافٌ.
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده.
قال الطحاوي: وحديث عبد الرحمن عند أهل العلم بالحديث، في النهاية من الضعف، ورواه الطبراني من حديث جابر، وفيه شرقي بن قطامي، وهو ضعيف، ورواه أبو يعلى وابن عدي والبيهقي من حديث أبي هريرة.
قال في البلوغ: وكل طرقه ضعاف.
أما الشيخ الألباني فإنه استعرض طرقه وناقشها، ثم انتهى به القول إلى أن قال: وجملة القول أنَّ الحديث صحيح الإسناد عندي من الطريق الأولى طريق أبي هريرة، فإذا انضم إليه مرسل عطاء بن يسار، وبعض الطرق الأخر الموصولة التي لم يشتد ضعفها، فلا يبقى عند الباحثين العارفين بهذا العلم أي شك في ثبوت الحديث، وهو ما أفصح عنه المنذري في الترغيب بقوله:
стр. 2428
وبالجملة فهذا المتن مع غرابته يكتسب بكثرة طرفه قوَّة، والله أعلم.
ولهذا قال المناوي في فيض القدير: وبالجملة فطرقه كلها لا تخلو من ضعيف أو متروك، بمجموعها يكون حسنًا.
* مفردات الحديث:
- قبل أن يجف عَرَقُه: ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو حثٌّ على المسارعة في إعطائه أجرته، التي هي مقابل عمله وتعبه.
- عرقه: عرِق الرجل يعرق عرقًا، من باب علم، شح جلده فهو عرقان، والعَرَق -بفتحتين-: ما رَشَحَ من مسام الجلد من غدد خاصة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب إعطاء الأجير أجره بعد أن أدَّى العمل الذي استؤجر عليه.
٢ - المبادرة والسرعة بإعطائه أجره؛ لأنَّه لم يعمل إلاَّ من الحاجة إلى الأجرة، ولأنَّ نفسه تائقة إلى استلام عوض عمله وجهده.
فالتأخير في إعطائه حقه من أعظم المَطل، ومن أشنع أنواع الظلم.
٣ - فيه جواز المبالغة في الكلام من أجل الحث، والتهييج على فعل الخير، أو الكف عن فعل الشر، وقد جاء في نصوص كثيرة.
٤ - أما عدم إيفائه أجرته، فهو يسبب غضب الله تعالى، بحيث يتولى مخاصمة من استأجر أجيرًا، فاستوفى منه ولم يعطه أجره، كما جاء في الحديث المتقدم.
٥ - وإذا من الوفاء بالعهود والعقود، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
ومن الأمانة التي يأمر الله تعالى بأدائها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
٦ - الله تعالى أمر بأداء الحقوق، وينهى عن أكل أموال الناس بالباطل، ولكنه
стр. 2429
يشدد في ذلك، ويكثر منه في جانب الضعيف، من امرأة، أو يتيم، أو فقير، فهنا الغالب أنَّ الأجير فقيرٌ ضعيف، وأنَّ صاحب العمل غنيٌّ قوي، فحثَّ الله تعالى على ذلك، كما في الحديث القدسي: "قال الله : ثلاثة أنا خصمهم ... " إلخ، وهنا أمر علما لسان رسوله ﷺ : "أن يعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وهذا كله من عناية الله تعالى بالضعفاء، وإنصافهم من الأقوياء.
***
стр. 2430
٧٨٧ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ اسْتأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ" رَوَاهُ عبدُ الرزَّاقِ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أِبي حَنِيفَةَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص: رواه البيهقي من حديث أبي هريرة، ورواه أيضًا من طريق إبراهيم النَّخعي عن أبي سعيد، وهو منقطع، وهو عند أحمد وأبي داود في المراسيل من وجهٍ آخر، وعند النسائي غير مرفوع. اهـ.
قال أبو زرعة: الموقوف هو الصحيح.
ومع وإذا فالإجماع قائمٌ على اشتراط كون عوض الإجارة معلومًا.
* مفردات الحديث:
- فليُسَم: من التسمية، أي: فليعين له أجرته ويبينها؛ لئلا تكون مجهولة فتفضي إلى النزاع والخصومة، وفي بعض نُسَخِ سبل السلام: "فليتم أجرته" من الإتمام، ومعناه: فليعطها إيَّاه كاملة، من غير نقص.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه دليل على وجوب معرفة قدر الأجرة؛ لأنَّ الجهالة بها بين المؤجر والمستأجر تُفْضي إلى النزاع، والشقاق الذي ينافي الإسلام.
٢ - وكما تجب معرفة الأجرة، تجب أيضًا معرفة المنفعة المعقود عليها. لأنَّها أحد العوضين المعقود عليهما، فاشترطت معرفتها.
стр. 2431
٣ - قال فقهاؤنا: وتصح الإجارة بثلاثة شروط:
أحدها: معرفة المنفعة كسكنى دار، أو خدمة آدمي.
الثاني: معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن؛ لأنَّه عوض في عقد معاوضة، فوجب أن يكون معلومًا.
الثالث: الإباحة في نفع العين، فلا تصح على نفع محرَّم، كالغناء، وجَعل داره كنيسةً أو لبيع الخمر.
٤ - الخلاصة: إنَّ الإجارة عقدٌ على المنافع، كما أنَّ البيع عقد على الأعيان والمنافع أيضًا، فاشترط في الإجارة شروط البيع، من رضا العاقدين، وكونهما جائزي التصرف، ومن إباحة العين، وكونها مشتملة على المنفعة المقصودة منها، وكون العين المؤجرة ملكًا للمؤجر، ومن القدرة على تسليمها ومعرفتها، ومعرفة قدر الأجرة، وانتفاء الشروط الفاسدة بنفسها، والشروط المفسدة للعقد، وغير ذلك من الأحكام التي ذكرها الفقهاء أحكامًا للبيع.
٥ - أفتى الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: أنَّ التأجير مدة غير معلومة، وهو ما يسمى في الحجاز بالحكر، ويسمى في نجد بالصُّبرة، يعتبر بيعًا لرقبة الأرض، لا إجارة، فهي ملك لمن اشتراها أرضًا وبناءً، وأنَّ له التصرف فيها.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الإيجار المنتهيى بالتمليك: قرار رقم (١١٠):
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورته الثانية عشرة بالرياض، في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ الموافق "٢٣ - ٢٨ سبتمر ٢٠٠٠".
стр. 2432
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع "الإيجار المنتهي بالتمليك، وصكوك التأجير" وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء. قرَّر ما يلي:
الإيجار المنتهي بالتمليك:
أولًا: ضابط الصور الجائزة، والممنوعة ما يلي:
(أ) ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحد، على عين واحدة في زمن واحد.
(ب) ضابط الجواز:
١ - وجود عقدين منفصلين يستقل كل منهما عن الآخر، زمانًا لحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة والخيار يوازي الوعد في الأحكام.
٢ - أن تكون الإجارة فعلية، وليست ساترة للبيع.
(ج) أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك، لا على المستأجر، وبذلك يتحمل المؤجر ما يلحق العين، من غير ناشيء من تعد المستأجر، أو تفريطه، ولا يلزم المستأجر بشيء إذا فاتت المنفعة.
(د) إذا اشتمل العقد على تأمين العين المؤجرة، فيجب أن يكون التأمين تعاونيًّا إسلاميًّا، لا تجاريًّا، ويتحمله المالك المؤجر، وليس المستأجر.
(هـ) يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة وأحكام البيع عند تملك العين.
(و) تكون نفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر، لا على المستأجر، طوال مدة الإجارة.
стр. 2433
ثانيًا: من صور العقد الممنوعة:
(أ) عقد إجارة ينتهي بتملك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة المحددة، دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعًا تلقائيًّا.
(ب) إجارة عينٍ لشخصٍ بأجرةٍ معلومةٍ، ولمدةٍ معلومةٍ، مع عقد بيعٍ له معلَّق على سداد جميع الأجرة المتَّفق عليها، خلال المدة المعلومة، أو مضاف إلى وقت في المستقبل.
(ج) عقد إجارة حقيقي، واقترن به بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلًا إلى أجلٍ طويلٍ محدَّدٍ، "هو آخر مدة عقد الإيجار".
وهذا ما تضمنته الفتاوى والقرارات الصادرة من هيئاتٍ علميةٍ، ومنها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
ثالثًا: من صور العقد الجائزة:
(أ) عقد إجارة يُمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر، معلقًا على سداد كامل الأجرة، وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة، وذلك وفق ما جاء في قرار المجمع بالنسبة للهبة رقم ١٣/ ١/ ٣ في دورته الثالثة.
(ب) عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإجارية المستحقة خلال المدة في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة، وذلك وفق قرار المجمع رقم (٤٤) ٦/ ٥، في دورته الخامسة.
(ج) عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد
стр. 2434
سداد كامل الأجرة، بثمن يتَّفق عليه الطرفان.
(د) عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة، ويعطي المؤجر للمستأجر حق الخيار في تملك العين المؤجرة في أي وقت يشاء على أن يتم البيع في وقته بعقد جديد بسعر السوق، وذلك وفق قرار المجمع السابق رقم: (٤٤) ٦/ ٥، أو حسب الاتفاق في وقته.
رابعًا: هناك صور من عقود التأجير المنتهي بالتمليك محل خلاف، وتحتاج إلى دراسة، تعرض في دورة قادمة إن شاء الله تعالى.
صكوك التأجير:
يوصي المجمع بتأجيل موضوع صكوك التأجير لمزيد من البحث والدراسة ليطرح في دورة لاحقة.
والله أعلم.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بدل الخلو عند خروج المستأجر: قرار رقم (٣١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام، على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٨ - ٢٣ جمادي الآخرة ١٤٠٨هـ، الموافق ٦ - ١٢ فبراير ١٩٨٨م، بعد اطلاعه علما الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع، بخصوص "بدل الخلو" وبناءً عليه.
стр. 2435
قرَّر ما يلي:
أولًا: تنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور، هي:
١ - أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد.
٢ - أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.
٣ - أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديد، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.
٤ - أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد، وبين كل من المالك والمستأجر الأول، قبل انتهاء المدة، أو بعد انتهائها.
ثانيًا: إذا اتَّفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغًا مقطوعًا، زائدًا عن الأجرة الدورية "وهو يسمى في بعض البلاد خلوًّا"، فلا مانع شرعًا من دفع هذا المبلغ المقطوع، على أن يعد جزءًا من أجرة المدة المتَّفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.
ثالثًا: إذا تمَّ الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة، على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخليه عن حقِّه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإنَّ هذا بدل خلو جائز شرعًا؟ لأنَّه تعويضٌ عن تنازل المستأجر برضاه، عن حقه في المنفعة، التي باعها للمالك.
أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة، أو ضمنًا عن طريق التجديد التلقائي، حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو؛ لأنَّ المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.
رابعًا: إذا تمَّ الاتفاق بين المستأجر الأول، وبين المستأجر الجديد، أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد، لقاء مبلغٍ زائدٍ عن الأُجرة الدورية، فإنَّ بدل الخلو وإذا جائزٌ شرعًا، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة
стр. 2436
المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.
على أنَّه في الإجارات الطويلة المدة، خلافًا لنص عقد الإجارة، طبقًا لما تصوغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها، إلاَّ بموافقة المالك.
أما إذا تمَّ الاتفاف بين المستأجر الأوَّل، وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو, لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين. والله أعلم.
***
стр. 2437
باب إحياء المَوَات
مقدمة
الموات: بفتح الميم والواو المخففة، فهي على وزن سَحَاب، وهو ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها، شبهت عمارتها بالحياة، وتعطيلها بالموت، لعدم الانتفاع بالأرض الميتة بزرع وغيره، وإحياؤها عمارتها.
واصطلاحًا: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فالاختصاصات كالطرق، والأفنية، والساحات، ومسايل المياه، وكل ما يتعلق بمصلحة المملوك.
والإنسان المعصوم هو المسلم، أو الكافر المالك للأرض بسببٍ شرعي، من شراء أو غيره.
فالأرض المختصة، أو المملوكة لا تملك بالإحياء.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: قد حد الفقهاء ضابطًا لما يملك بالإحياء، فقالوا: الذي يُحْيَا هيَ الأرض الخالية من الاختصاصات، ومن ملك المعصومين.
فدخل في هذا كله أرض لا مالك لها، وليس لها اختصاص بالأملاك، ولا للناس فيها اشتراك، وخرج من هذا ما لا يُملك، فالأرض المملوكة، أو التي جرى عليها ملكٌ لمعصومٍ معلومٍ لا تُملك بالإحياء، حتى ولو كانت دراسة عائدة مواتًا، وكذلك ما تعلق بمصالح الأملاك، كالمتعلق بمصالح الدور والبلدان، مما يحتاجون إليه في مسيل مياههم، ودفن أمواتهم، ومحتطباتهم ونحو ذلك، وكذلك ما الناس فيه شركاء، كالمعادن الجارية أو الظاهرة،
стр. 2438
فوجود الإحياء في هذه الأشياء بخلاف الأول، فإنَّ من أحياه ملَكه.
قال في الإقناع: ولا يملك بإحياء ما قَرُب من عامر، وتعلَّق بمصالحه، كطرقه، وفِنائه، ومجتمع ناديه، ومسيل مائه، ومطرح قيامته، وملقى ترابه، ومرعاه، ومحتطبه، ومرتاض الخيل، ومدافن الأموات، ومناخ الإبل، والمنازل المعدة للمسافرين حول المياه والبقاع المرصدة لصلاة العيد ونحو ذلك، فكلُّ مملوكٍ لا يجوز إحياء ما تعلَّق بمصالحه.
والأصل في إحياء الموات السنة، والإجماع.
فالسنة: ما في الباب من أحاديث وغيرها.
وأما الإجماع: فقد حكى الوزير ابن هبيرة الاتفاق على جواز إحياء الأرض الميتة العادية، كما قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ ما عرف بملك مالك أنَّه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه.
قال في شرح الإقناع: وإحياء الأرض الموات هو أن يحوزها بحائطٍ منيعٍ، وبناء ما جرت عادة أهل البلد البناء به من لِبنٍ، أو قصبٍ، أو خشبٍ، ونحوه، سواءٌ أرادها لبناءٍ، أو لزرعٍ، أو أرادها حظيرة غنم، أو حظيرة خشبٍ، ونحوهما، ولا يعتبر التسقيف، ولا نصب الباب ... إلخ.
وعن أحمد: إحياء الأرض ما عدَّه الناس إحياء؛ لقوله: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" [رواه أبو داود (٣٠٧٤)].
واختاره ابن عقيل والموفق وغيرهما؛ لأنَّ الشرع ورد بتعليق الملك عليه، ولم يبيِّنه، فوجب الرجوع إلى ما كان إحياءً في العرف، والله أعلم.
***
стр. 2439
٧٨٨ - عَنْ عُروَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، قَالَ عُروَةُ ﵁: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلاَفَتِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَنْ عمر أرضًا: بتشديد الميم وتخفيفها، والمراد بتعميرها: إحياؤها بما جرت به العادة، من أنواع إحياء الأراضي الميتة "البور".
- فهو أحق بها: أي فهو صاحب الحق فيها، والملك عليها.
***
стр. 2440
٧٨٩ - وعَنْ سَعِيدِ بْن زَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ" رَوَاهُ الثَّلاَثَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلاً، وَهُوَ كَمَا قَالَ، واخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، وَقِيلَ: عبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَالرَّاجِحُ الأوَّلُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحْيَا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حَقٌّ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب، وفي الباب عن عائشة، وسمرة بن جندب، وعبادة بن الصامت، قال الحافظ في الفتح: وفي أسانيدها مقال، لكن يتقوَّى بعضها ببعض.
وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير.
* مفردات الحديث:
- من: شرطية و"أحيا" فعل الشرط، وجوابه "فهي له"، وإحياء الأرض الموات يكون بزرعها، أو غرسها، أو بنائها، ونحو ذلك، شبَّه تعطيلها بالإماتة.
- ميِّتَة: أصله "ميوتة" اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، فهي "ميِّتة" بتشديد الياء، ولا تخفف؛ لأنَّه لو خففت لحذف تاء التأنيث.
- والأرض الميِّتة: هي الأرض التي لم تُعمَر، وإحياؤها عمارتها، شبهت
стр. 2441
العمارة بالإحياء.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على جواز إحياء الأرض الموات، وأنَّ الإحياء من أسباب الملك الشرعي.
٢ - أنَّ من أتمَّ إحياء الأرض الإحياء الشرعي ملكها؛ لقوله ﷺ : "فهي له".
٣ - يدل عموم الحديث على أنَّ المُحيِي يملك ما أحياه، سواءٌ كان المُحْيِي مكلفًا، أو غير مكلفٍ، مسلمًا كان أو كافرًا، إذا كان ذميًّا.
٤ - يدل على أنَّ الإحياء يحصل ولو بغير إذن الإمام، قال في كشاف القناع: ولا يُشترط إذن الإمام، وهو مذهب جمهور العلماء.
٥ - لابد أن تكون الأرض المحياة مواتًا، بأن لم يجر عليها ملك معصوم، ومنفكة عن الاختصاصات، أما المملوكة فلا يصح إحياؤها، وكذلك الأرض المختصة لصاحبها بتحجيرها، وشروعه في إحيائها، فإنَّها لا تملك، وكذلك مصالح ومرافق المكان العامر، الذي يتعلق بمصالحه ومرافقه، فلا يجوز إحياؤها، وكذا ما تعلق بمصالح البلدان من طرقٍ، وشوارعَ، وميادين، وحدائق، ومقابر، ومغالي، ومسايل مياه، وغير ذلك فلا يصح إحياؤه.
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: ولا شكَّ أنَّ منع ولي الأمر إحياء بعض الأراضي معناه اختصاصه بها، لما يعود على المسلمين بالمصلحة العامة، وعليه فالإحياء على هذه الصورة غير صحيح.
٦ - لم يقيَّد الإحياء بمساحة معيَّنة، فما أحياه إحياء شرعيًّا ملكه، ولو كثر.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: إنَّ مساحة الإحياء لا تحديد فيها، بخلاف الإقطاع فيقدر بحسب حاجة المقطع، وسيأتي إن شاء الله.
٧ - ضابط الإحياء ما قاله الإمام أحمد: إحياء الأرض ما عُدَّ إحياء عرفًا، لقوله
стр. 2442
- ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له".
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: الإحياء كالحرز، يرجع فيه إلى العرف، وأما أنواعه فكثيرة، منها:
- من أحاط أرضًا مواتًا بحائطٍ منيع، بأنَّ أداره حوله بما جرت به العادة، من لَبِنٍ، أو طوبٍ، أو حجرٍ، أو قصبٍ، أو خشبٍ، ونحوه فقد أحياه وملكه، وقدر ارتفاع الجدار الذي يحصل به الإحياء بارتفاع متر ونصف متر، وما دونه يكون متحجرًا لا محييًا.
قال في الشرح الكبير: تحجر الموات مثل أن يدير حول الأرض ترابًا، أو أحجارًا، أو يحيطها بجدارٍ صغيرٍ، فلا يملكها بذلك، لكن يصير أحق الناس به.
- إذا حفر بئرًا فوصل ماؤها فقد أحياها، وله حماها، ومرافقها المعتادة، إذا كان ما حولها مواتًا، فإن كانت في حيٍّ عامر فيتصرف كل واحد منهم في المرافق بما جرت به العادة.
- من أجرى الماء إلى الأرض الموات من نحو عينٍ، أو موارد فقد أحيا تلك الأرض.
- من حبس الماء عن أرض موات قد غمرتها المياه، إذا كانت لا تزرع معه، فحبسه ليزرعها فقد أحياها.
- إذا عمد إلى أرضٍ موات ذات حجارةٍ، أو أشجارٍ، فأزال حجارتها، وقطع أشجارها، وسوَّاها وعدَّلها؛ ليعلوها السيل؛ لتكون بعلاً فقد أحياه.
والخلاصة أنَّ ما عده الناس إحياءً اعتبر إحياءً، وهو يختلف باختلاف المقاصد من الانتفاع، وباختلاف أعراف البلدان.
٨ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما الأرض البيضاء التي لا يوجد فيها أثر إحياءٍ أصلًا، فإنَّها لا تملك بمجرد دعوى عليها، ولو كان بيد مدَّعيها
стр. 2443
صكوك استحكام، بل هي باقية مواتًا على الأصل.
٩ - وإذا أحيا الأرض بنوعٍ من الإحياءات الشرعية، استحق مرافقها، ومنافعها، من الطرق، والميادين، والساحات، والمسابل، ونحو ذلك.
١٠ - وإذا كانت الأرض المحياة لزراعةٍ، أو سكنٍ، محفوفةً بملك الغير من كل جانب، فلا حريم لها، ولا مرافق خاصة، وإنما ينتفع ويستفيد كل واحد من المجاورين في ملكه، بحسب ما جرت به العادة.
١١ - قال في الإقناع: ولا يُملك بإحياء ما قَرُب من عامر، وتعلق بمصالحه، كطرقه، وفنائه، ومجتمع ناديه، ومسيل مائه، ومطرح قمامته، وملقى ترابه، ومرعاه، ومحتطبه، وحريم البئر، ومرتكض الخيل ومدفن الموتى، والمنازل المعدة للمسافرين، والبقاع المرصودة لصلاة العيد، ونحو ذلك، فكلُّ مملوك لايجوز إحياء ما تعلَّق بمصالحه.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: الأرض التي ينحدر سيلها إلى أرضٍ مملوكة، يكون مسيل سيلها تبعًا لها على وجه الاختصاص، فلا يسوغ إحياؤها، ولا إقطاعها لغير أهل الأرض المملوكة إلاَّ بإذنهم.
١٢ - أما التحجر فلا يفيد الملك، وإنما يفيد صاحبه الاختصاص به، فلا يصح لأحد إحياؤها، ومن أنواع التحجر ما يأتي:
- أن يحيط الأرض بجدار ليس بمنيع أو يبني الجدار ببعض الجوانب دون بعض.
- أن يحيط الأرض بشبكٍ، أو خندقٍ، أو حاجزٍ ترابي، ونحو ذلك.
- أن يحفر بئرًا، فلا يصل إلى الماء.
١٣ - فكل هذه وأمثالها تحجرات، لا تفيد التملك، وإنما تفيد من تحجرها الاختصاص بها، والأحقية من غيره، فلا يتعدى عليها غيره ممن يريد الإحياء وهي تحت يده، وإذا وُجِد متشوف لإحيائها ضرب ولي الأمر له
стр. 2444
مدة لإحيائها، فإن أحياها وإلاَّ نُزِعَت من يده لمن يريد إحياءها.
١٤ - أفتى زعيم الدعوة السلفية بعد أبيه الشيخ عبد الله بن محمد، ومفتي البلاد السعودية عن المسايل بما يأتي: المسايل قسمان:
أحدهما: فيه عمل لأرباب الأملاك، وهو ما يحفرونه لتجري معه السيول، فهذا القسم يملك بالإحياء، فحفره وتوجيه السيل معه تغييرٌ فيه، وإحياءٌ له.
الثاني: ليس لأرباب الأملاك فيه عمل بالحفر ونحوه، وإنما وجده صاحب الملك ينحدر سيله من الجبل بطبعه إلى جهة ملكه، فهذا إذا استغنت الأرض المملوكة عن مسيل سيلها، ولم يبق لها حاجة إلى مائة، كأن جعلت هذه الأرض المملوكة بيوتًا، ونحو ذلك، فالذي يظهر أنَّ حق اختصاص أصحابها بهذا السيل يزول، ويكون حكمه حكم الأرض الموات، ما لم يكن لهم فيه سبب اختصاص آخر، من تحجرٍ، أو حفر بئرٍ، لم يصل إلى الماء. وتأيدت هذه الفتوى من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي البلاد السعودية السابق.
***
стр. 2445
٧٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثَّامَةَ اللّيْثِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لاَ حِمَى إِلاَّ للهِ وَلرَسُولِهِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لا حِمَى: الحِمَى بكسر الحاء، وفتح الميم، بلا تنوين مقصورٌ، تقول: حميته حماية: أي دافعت عنه ومنعته، فهو محمي: أي محظور، فيكون اسمًا غير مصدر، وإنما هو على وزن "فعل" بكسر الفاء بمعنى مفعول.
هذا تعريفه اللغوي.
أما معناه الاصطلاحي: فهو ما يحميه الإمام من الموات لمواشٍ بعينها، ويمنع عنه سائر الناس من الرعي فيه.
- إلاَّ لله ولرسوله: أي لا حمى لأحد يخص نفسه فيه، فيرعى فيه ماشيته دون سائر الناس، إنَّما هو لله ولرسوله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحمى هو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع الإمام الرعيَ في أرضٍ مخصوصة، لتخص برعيها إبل الصدقة، وإبل بيت مال المسلمين.
٢ - الحديث يدل على أنَّ ما حماه النبي ﷺ فهو يبقى ولا يغير، ولا يجوز إبطاله، ولا نقضه، ولا تغييره، لا مع الحاجة إليه، ولا مع عدمها؛ لأنه حمى بنص، والاجتهاد لا يبطل النص، ولا ينقضه.
٣ - أما مَن بعده من الخلفاء والأئِمة والملوك، فلهم أن يحموا الأرض
стр. 2446
الموات؛ لرعي دواب المسلمين، ما لم يضيق على المسلمين، لما روى أبو عبيد أنَّ عمر ﵁ قال: "لولا ما أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت من الأرض شبرًا في شبر" وقد اشتهر حمى عثمان ﵁ ولم يُنْكر، فكان كالإجماع.
٤ - كان رؤساء القبائل في الجاهلية، يحمون المكان الخصيب لخيلهم، وإبلهم، وسائر مواشيهم، وكانوا يختصون به عن أفراد قبائلهم، فأبطله النبي ﷺ بقوله: "لا حمى إلاَّ لله ولرسوله"، ثم قال ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار" وما كان حماه لله ولرسوله ﷺ ، أو حماه لإمام المسلمين، فهو للصالح العام، لا يختص به الإمام لمصالحه الخاصة.
٥ - ليس لغير إمام المسلمين أن يحمي شيئًا، فإنَّ إمام المسلمين قائم مقامهم فيما هو من مصالحهم، دون غيره، لقوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار".
٦ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: الحكم الشرعي يقضي بأنَّ جميع الأحمية باطلة، إلاَّ حمى النبي ﷺ ؛ لقوله: "لا حمى إلاَّ حمى الله ورسوله" [رواه البخاري]، ولا نزاع بين أهل العلم في ذلك.
٧ - هذه نبذة عن حمى "النقيع" الذي حماه النبي ﷺ ، نلخصها من قرار من هيئة التمييز، ومن بحث للأستاذ "علي بن ثابت العمري" أحد أبناء ضواحي المدينة المنورة.
النَّقِيع: بالنون المفتوحة، والقاف المكسورة، والياء التحتية الساكنة، والعين المهملة، اسم جنس لكل موضع يستنقع به الماء، فسمي به هذا "الحمى" لذلك.
يحده من الغرب: جبل قدس "أوقيس"، وعرض هذا الحد (١٥) كيلو.
стр. 2447
من الشرق: حَرة بني عمرو من قبائل حرب، وكانت في السابق لقبيلة سليم، وعرض هذا الحد (١٢) كيلو.
من الشمال: مضيق النقيع، وعرض هذا الحد (٦) كيلو.
من الجنوب: جبلان أسودان، يقال لأحدهما: عبود، والثاني: برام، وعرض هذا الحد (٨) كيلو.
ويبعد حمى النقيع عن المدينة غربًا بمسافة (٧٥) كيلو، وهو تابعٌ لمقاطعة تسمى وادي الفرع.
النصوص فيه:
- ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "حمى لخيل المسلمين".
- جاء في صحيح البخاري قال ابن شهاب الزهري: "بلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمى النقيع".
- وروى الزبير بن بكار عن المرواع المزني: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نزل بالنقيع وقال: نِعْمَ مرتع الأفراس، يحمى لهن ويجاهد بهن في سبيل الله، حماه النبي ﷺ واستعملني عليه".
- وجاء في تاريخ المدينة لابن شبَّة بسنده إلى ابن عمر: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمى النقيع للخيل ترعى فيه" والآثار فيه كثيرة.
٨ - قال في الشرح الكبير: وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه؛ لأنَّ ما حكم به النبي ﷺ نص، لا يجوز نقضه بالاجتهاد.
وقال في شرح الإقناع: وكان للنبي ﷺ فقط دون غيره أن يحمي لنفسه؛ لقوله: "لا حمى إلاَّ لله ولرسوله" [رواه أبو داود]، وروى أبو عبيد: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين".
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
стр. 2448
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك بأنَّه إذا حكم الله ورسوله بشيءٍ، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيارٌ، ولا رأىٌ، ولا قولٌ.
٩ - صار مرافعة شرعية بخصوص "وادي النقيع" عند قاضي وادي الفرع الشيخ "محمد بن أحمد الراضي"، ودرس الموضوع من جميع جوانبه، ورجع إلى المصادر، واستعان بأهل الخبرة من أهل المنطقة، ثم حكم ببقاء حمى النبي ﷺ للمصلحة العامة، التي كانت تجري زمن النبي ﷺ ، وتأيد حكمه من محكمه التمييز للمنطقة الغربية، والصك الذي أصدره الشيخ الراضي برقم (٧) وتاريخ ٢٩/ ١/ ١٤٠٦ هـ، وصلَّى الله على نبينا محمَّد.
***
стр. 2449
٧٩١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه (١).
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي المُوَطَّأ مُرْسَلٌ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
حديث ابن عباس رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والطبراني، والدارقطني، ومداره على عكرمة عن ابن عباس.
ورواه أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ مرسلاً، وأخرجه أحمد، وابن ماجة والبيهقي من حديث: عبادة بن الصامت، وفيه انقطاع.
وله شواهدُ عن أبي هريرة، وجابر، وعائشة، وثعلبة القرظي، وأبي لبابة.
فالحديث متعدد الطرق، ولم يطعن بشيء منها إلاَّ من حيث الوصل أو الإرسال، فهو قوي بمجموع هذه الطرق.
وقد حسَّن الحديث الإمام النووي في الأربعين، وكذلك السيوطي.
وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي بمجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
стр. 2450
* مفردات الحديث:
- لا ضرر: ضره يضره ضرًّا ضد نفعه، أو جلب إليه الضرر، والضَّر -بالفتح- مصدرٌ، وبالضم اسمٌ للفعل، ومعناه: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئًا من حقه.
- ولا ضرار: فعال من الضر، أي لا يجازيه على ضرره أكثر مما ضرَّه، فالأول ابتداء، والثاني جزاءٌ عليه متجاوزًا حقه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث أحد القواعد الكبرى، التي يندرج تحتها الكثير من الصور والمسائل.
٢ - معنى "لا ضرر": أي منع إلحاق أيّ مفسدة بالغير مطلقًا، سواء كان ضررًا خاصًّا، أو ضررًا عامًّا، ودفع الضرر قبل وقوعه بطريقة الوقاية الممكنة، كما يشمل رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدبير.
٣ - وبهذا فإنَّ إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة، وإن ترتَّب عليها ضرر بهم؛ لأنَّ فيها عدلاً، ودفعًا ووقايةً، من ضرر أعمَّ وأعظم.
٤ - معنى "ولا ضرار" هو نفس الضرر بقصد الثأر الذي يزيد في الضرر، ويوسع دائرته، فالإضرار -ولو كان على سبيل المقابلة- لا يجوز أن يكون مقصودًا، وإنما يُلجأ إليه عند الضرورة، فإنَّ المشروع هو دفع الضرر بدون ضرر أصلًا، فإن لم يمكن فيدفع بالقدر الممكن منه.
فمن أتلف مال غيره -مثلًا- لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأنَّ في ذلك توسعة للضرر بلا منفعةٍ، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة ما أتلف، وذلك
стр. 2451
بخلاف الجناية على النفس أو الطرف، ممَّا شُرع فيه القصاص؛ لأنَّ الجنايات لا يقمعها إلاَّ عقوبةٌ من جنسها.
٥ - فالحديث يفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل، والإمكانيات الممكنة، وفقًا للسياسة الشرعية، ويكون دفعه بدون ضرر أصلًا، وإلاَّ فيدفع بالقدر الممكن.
٦ - الشرع إنَّما جاء ليحافظ على الضروريات الخمس، فيحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم، وأعراضهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة، يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأييد مقاصده، يدفع الضرر الأعم، بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شُرعَ القصاص وقتل المرتد، صيانةً للأنفس والأديان، وشُرعَ حد الزنا والقذف، صيانةً للأعراض، وشُرع حد شرب الخمر، حفظًا للعقول، وشُرع القطع في السرقة، حمايةً للأموال.
***
стр. 2452
٧٩٢ - وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال في التلخيص: حديث سمرة رواه أحمد، وأبو داود عنه، والطبراني، والبيهقي من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه منه خلافٌ.
ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر، وسكت عنه الحافظ في التلخيص، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أحد أنواع الإحياء، وهو إحاطة الأرض الموات بحائط يمنع الحيوانات من القفز من أعلاه، فمن أحاط أرضًا بجدار منيع فقد أحيا تلك الأرض.
٢ - وإذا أحيا الأرض فقد ملكها ملكًا شرعيًّا؛ لقوله ﷺ : "فهى له".
٣ - قال الفقهاء: من أحاط مواتًا بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت به عادة أهل البلد بالبناء، من لبنٍ، أو طوبٍ، أو حجرٍ، أو قصبٍ، أو خشبٍ ونحوه، فقد أحياه سواء أرادها للبناء أو غيره.
والمقدار المعتبر ما يسمى حائطًا في اللغة.
قال الطيبي في شرح المشكاة: قوله: "أحاط" يدل على أنَّه بنى حائطًا
стр. 2453
مانعًا محيطًا بما يتوسطه من الأشياء.
والعمل في المحاكم في المملكة أنَّه إذا كان ارتفاع الجدار مترًا ونصف المتر فهو إحياءٌ؛ لأنَّه منيع، وما كان دون ذلك فهو تحجرٌ، وليس إحياءً.
٤ - وإحاطة الأرض الموات بالجدار المنيع يعتبر إحياءً، ولو لم يُرِدها للبناء، فمجرَّد الإحاطة كافٍ في الإحياء، والملك.
***
стр. 2454
٧٩٣ - وَعَنْ عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفَرَ بئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، عَطَنًا لِمَاشِيتَهِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال في التلخيص: رواه ابن ماجه، وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من طريق أشعت عن الحسن، وقد ضعفه ابن الجوزي، وابن عبد الهادي.
وقواه الزيلعي، وقال البوصيري في الزوائد: مدار هذا الحديث على إسماعيل بن مسلم الحكمي، وقد اختلفوا في توثيقه. اهـ.
وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٤٩٤).
* مفردات الحديث:
- ذراعًا: بكسر الذال، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وأشهر أنواعه الذراع الهاشمية وهي (٣٢) إصبعًا أو (٦٤) سنتيمترًا.
- عطنًا: يُقال: عطنت النَّاقة عطونًا: روت ثمَّ بركت، فهي عاطنة، فالعطن بفتحتين: جمع معاطن، وهو مبارك الإبل، ومربض الغنم حول الماء؛ لتشرب عَلَلاً بعد نَهَلٍ.
- ماشيته: هي الإبل والبقر، والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم جمعها مواش.
стр. 2455
* ما يؤخذ من الحديث:
يتعلق بحفر الآبار ثلاثة أحكام:
أحدها: متى تُحْيا، وتكون ملكًا بالحفر؟
الثاني: تقسيمها حسب إرادة من حفرها.
الثالث: حريم الآبار يختلف باختلاف المراد منها.
الحكم الأول: إذا حفر إنسان بئرًا، فوصل في حفره إلى الماء فقد أحياها، فإن حفرها، ولم يصل إلى الماء فليس حفره إحياءً، وإنما يعتبر تحجرًا، فهو أحق بها من غيره، فإن وُجد متشوف لإحيائها والانتفاع بها، ضَرَبَ ولي الأمر مدَّة للتحجر، فإِن أتمَّ إحياءها في تلك المدة المضروبة، وإلاَّ نزعها منه وأعطاها المتشوفَ لإحيائها.
الحكم الثاني: إذا حفرها ووصل إلى الماء لا يخلو قصده من ثلاثة أمور:
- إما أن يريد تملكها لزراعةٍ، أو سقايةٍ خاصَّةٍ به، فهذه محياة مملوكة.
- وإما أن يكون حفرها لنفع المجتازين، فهذه يشترك الناس في مائها، لا فضل لأحد على أحد، والحافر لها كأحدهم في السقي والشرب؛ لأنَّ الحافر لم يخص بها نفسه ولا غيره.
- وإما أن يحفرها لا ليملكها، بل ليرتفق بمائها، ما دام مقيمًا عليها، فإذا رحل عنها انتفع بها غيره، فهذه لا يملكها، وإنما هو أحق بمائها ما دام باقيًا عندها، فإذا رحل صارت سابلة لعموم الناس، فإذا عاد عاد إليه حقه بالاختصاص بالارتفاق بمائها.
وهذه طريقة البادية الرحّل الذين يقيمون إقامة مؤقتة، ويظعنون تجاه المراعي، وحسب فصول السنة.
الحكم الثالث: ما قدر حريمها؟