٢ - ونظامها عند الرافضة هي نكاح مؤقت بأمدٍ معلومٍ أو مجهول، وغايته إلى خمسة وأربعين يومًا، وينتهي العقد بانقضاء الزمن المؤقت.
٣ - وهو عندهم لا يوجب نفقة، ولا يحصل به توارث، ولا نسب، وليس له عدة، وإنَّما فيه الاستبراء.
٤ - رُخِّص في المتعة زمن يسير للضرورة، ثم حرِّمت تحريمًا مؤبدًا، فهذا الترخيص المؤقت أوجد شبهةً عند نفرٍ قليلٍ، رخَّصوا فيها أيضًا عند الضرورة، ثم رجعوا أيضًا عن هذا الترخيص، ومنهم ابن عباس، فقد رجع وقال بالتحريم، ثم انعقد إجماع المسلمين على تحريمها تحريمًا مؤبدًا مطلقًا.
قال ابن هبيرة: أجمعوا على أنَّ نكاح المتعة باطل، لا خلاف بينهم في ذلك.
قال شيخ الإِسلام: الروايات المتواترة متواطئة على أنَّ الله تعالى حرَّم المتعة بعد إحلالها، والصواب؛ أنَّها بعد أن حرمت لم تحل، وأنَّها لمَّا حُرِّمت عام فتح مكة، لم تحل بعد ذلك.
قال القرطبي: الروايات كلها متَّفقة على أنَّ زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنَّه حرمت بعد ذلك، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلاَّ مَن لا يلتفت إليه من الروافض.
٥ - الحديث رقم (٨٦٠) يدل على تحريم المتعة عام أوطاس، وذلك في شوال من عام ثمانية من الهجرة، وأنَّ الرخصة فيها ثلاثة أيام فقط.
٦ - أما الحديث رقم (٨٦٣) فإنه يفيد أنه حصل في المتعة ترخيص، وأنَّها بعد هذا الترخيص حرمت تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة.
٧ - ويدل حديث رقم (٨٦٣) على وجوب الإقلاع في الحال عن هذه الرخصة، وإخلاء سبيل هؤلاء المستمتع بهنَّ، ليذهبن إلى أهلهن.
стр. 2662
٨ - ولم يذكر في هذا الإخلاء طلاق ولا فسخ، مما يدل على أنَّه ليس بعقد حقيقي، يوجب الطلاق والفسخ، وإنما المرأة أشبه بالأجير تنتهي مدته، فيترك يذهب إلى أهله.
٩ - نهى عن الأخذ ممَّا أُعطيت من أجر؛ لأنَّه عوض عن استمتاعه بها هذه المدة التي أقامت عنده.
١٠ - أما الحديث رقم (٨٦١) والحديث رقم (٨٦٢) فإنَّهما يدلان على أنَّ المتعة أُبيحت قبل خيبر، ثم حرِّمت فيها.
قال الإمام النووي: الصحيح المختار أنَّ تحريم المتعة وإباحتها كانا مرَّتين، وكانت حلالًا قبل خيبر، ثُمَّ حُرِّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت يوم فتح مكَّة، وهو يوم أوطاس، لاتصالهما، ثمَّ حرمت بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، ولا يجوز أن يُقال: إنَّ الإباحة مختصةٌ بما قبل يوم خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأنَّ الذي كان يوم فتح مكة مجرَّد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح؛ لأنَّ الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة يوم الفتح صريحةٌ في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع يمنع من تكرير الإباحة.
١١ - قال الشيخ صديق حسن خان في الروضة الندية: قال في شرح السنة: اتَّفق العلماء على تحريم المتعة، والأحاديث في هذا متواترة، ورواية تحريمها إلى يوم القيامة هي الحجة في هذا الباب، ولا يعارضه ما روي عن بعض الصحابة أنَّهم ثبتوا على المتعة في حياته ﷺ ، وبعد موته إلى آخر أيام عمر، فإنَّ من علم النسخ المؤبد حجة على من لم يعلم، واستمرار من استمرَّ عليها إنَّما كان لعدم علمه بالناسخ.
وأما ما يقول به جماعة من المتأخرين من أنَّ تحليل المتعة قطعي، وحديث تحريمها على التأبيد ظني؛ والظني لا ينسخ القطعي، فالجواب:
стр. 2663
أن كون التحليل قطعيًّا؛ لكونه منصوصًا عليه في الكتاب العزيز، فذلك، وإن كان قطعي المتن، فليس بقطعي الدلالة لأمرين:
أحدهما: أنه يمكن حمله على الاستمتاع بالنكاح الصحيح.
الثاني: أنَّه عموم، وهو ظني الدلالة.
على أنَّه قد روى الترمذي عن ابن عباس أنَّه قال: "إنَّما كانت المتعة حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام، وهذا يدل على أنَّ التحريم بالقرآن، فيكون ما هو قطعي المتن ناسخًا لما هو قطعي المتن.
وإن كان التحليل قطعيًّا لكونه قد وقع الإجماع من الجميع عليه في أول الأمر، فيقال: قد وقع الإجماع أيضًا على التحريم في الجملة من الجميع، وإنَّما الخلاف في التأبيد: هل رُفِعَ أم لا؟
وكون هذا التأبيد ظنيًّا، لا يستلزم ظنية التحريم، الذي رفع النسخ به، فالحاصل أنَّ الناسخ للتحليل المجمَع عليه هو التحريم المجمع عليه، المقيَّد بقيد ظني، وهو التأبيد؛ فالناسخ قطعي، فهذا على التسليم أنَّ ناسخ القطعي لا يكون إلاَّ قطعيًّا، كما قرَّره جمهور أهل الأصول.
***
стр. 2664
٨٦٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالنَّسَائِيُّ, وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١)، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ. (٢)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
وهو من حديث عبد الله بن مسعود، ولحديثه طريقان:
الأولى: أخرجها أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة، والبيهقي.
قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحَّحه ابن القطان، وقال ابن دقيق العيد: على شرط البخاري.
الثانية: عن أبي الواصل عنه به، أخرجها إسحاق ورجال السند ثقات، رجال مسلم، غير أبي واصل، وهو مجهول.
وأما شواهده فمنها:
١ - حديث أبي هريرة أخرجه أحمد، وإسحاق، والترمذي في العلل، وابن الجارود، والبيهقي، وحسَّنه البخاري.
٢ - حديث علي بن أبي طالب أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقيُّ من طرقٍ عن الشعبي عن الحارث عنه، وعند أحمد من طريق أبي إسحاق عنه، وفي السند الحارث الأعور ضعيف، فهو متَّهم
стр. 2665
بالكذب.
٣ - حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه مرفوعًا من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس وزمعة وسلمة كلاهما ضعيف.
وهذه أحاديثُ تواردت على معنًى واحد، بعضها جيدٌ وبعضها ضعيف، ولكنَّه ضعفٌ خفيف، ولذا فهي شاهدةٌ بطرقها على صحة ما جاء في هذا الباب. أهـ ملخصًا من إرواء الغليل للألباني.
ولصحته فقد احتجَّ به ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم.
* مفردات الحديث:
- المحلِّل: بكسر اللام، اسم فاعل، سمي محلِّلًا لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل.
- المحلَّل له: بفتح اللام، اسم مفعول، هو الذي يُراد إجراء التحليل من أجله، ونكاح التحليل أن يتزوج المحلِّل -بكسر اللام المطلقة- البائنة بينونةً كبرى، بشرط أنَّه متى أحلَّها للزوج الأول طلَّقها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - نكاح التحليل هو أن يتزوج المطلقة ثلاثًا، بشرط أنَّه متى أحلَّها الثاني للأول طلَّقها.
٢ - قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وهو قول فقهاء التابعين، لما روى الحاكم وابن ماجه من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل، والمحلَّل له".
٣ - الحديث يدل على تحريم التحليل، والنَّهي يقتضي البطلان.
قال الشيخ تقي الدين: أجمعوا على تحريم نكاح المحلل.
стр. 2666
واتَّفق أهل الفتوى على أنَّه إذا اشتُرط التحليل في العقد كان باطلًا.
قال في شرح الإقناع: نكاح المحلِّل هو أن يتزوجها بشرط أنَّه متى أحلَّها للأول طلَّقها، أو نوى المحلِّل أنَّه متى أحلَّها للأول طلَّقها، ولم يرجع عن نيته عند العقد، والنكاح في الصورة المذكورة حرامٌ غير صحيح.
٤ - ولا يحصل بنكاح المحلل الإباحة للزوج الأول؛ لبطلانه.
٥ - قال الموفق؛ فلو شُرِط عليه قبل العقد أنْ يحلِّلها لمطلقها ثلاثًا، ثم نوى عند العقد غير ما اشترط عليه، وأنَّ نكاحه نكاح رغبة، صحَّ نكاحه.
٦ - قال شيخ الإِسلام: التحليل الذي يتواطئون عليه مع الزوج لفظيٌّ أو عرفيٌّ، على أن يطلِّق المرأة أو ينوي الزوج ذلك، فقد لعن رسول الله ﷺ فاعله في أحاديث متعددة، ولا تحل لمطلقها الأول بمثل هذا العقد، ولا يحل للمحلِّل إمساكها بل يجب عليه فراقها، وهذا ما اتَّفق عليه الصحابة والتابعون واتَّفق عليه أئمة الفتوى كلهم، على أنَّه إذا اشترط التحليل في العقد، صار باطلًا بلا فرقٍ عندهم، بين هذا العرف أو اللفظ.
٧ - قال ابن القيم في إعلام الموقعين: نكاح المحلِّل لم يُبح في ملة من الملل فقط، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم.
٨ - قال الشيخ صديق حسن: حديث لعْن المحلل مرويٌّ من طرقٍ عن جماعةٍ من الصحابة، بأسانيد بعضها صحيحٌ، وبعضها حسن، واللعن لا يكون إلاَّ على ذنبٍ هو أشد الذنوب.
***
стр. 2667
٨٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال ابن حجر: رجاله ثقات، وقال ابن عبد الهادي في المحرر: إسناده صحيح إلى عمرو، وهو ثقة محتج به عند الجمهور. اهـ، وصحَّحه الحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.
* مفردات الحديث:
- الزاني المجلود: الزاني: هو من اقترف فاحشة الزنا، وأما المجلود: فهو الذي أُقيم عليه حد الزنا، وهو وصفٌ أغلبي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النكاح لغة: الوطء والعقد، وسمي هنا ما يفعله المجلود نكاحًا مجازًا، لا حقيقة؛ لأنَّه جُعِل طريقًا إلى الوطء.
٢ - فالراجح أنَّ المراد بالحديث هو تشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع من رجل عفيفٍ على امرأةٍ عفيفة، وإنما يقع من رجلٍ عادته الزنا، على امرأةٍ مثله مسافحةٍ زانيةٍ.
٣ - وهذا المعنى في الحديث هو الراجح في معنى الآية الكريمة: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور]
стр. 2668
قال ابن كثير: هذا خبرٌ من الله تعالى بأنَّ الزاني لا يطأ إلاَّ زانيةً، أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلاَّ زانيةٌ عاصية، أو مشركةٌ لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] أي عاصٍ بزناه، أو مشركٌ لا يعتقد تحريمه.
قال النووي: عن حبيب بن أبي عمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ليس هذا بالنكاح، وإنَّما هو الجماع، لا يزني إلاَّ زانٍ أو مشركٌ.
وهذا إسنادٌ صحيح، وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إلاَّ مثله".
وقال ابن جزي: معنى الآية ذم الزناة، وتشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع فيه إلاَّ زانٍ أو مشركٌ، ولا يوافقه عليه من النساء إلاَّ زانيةٌ أو مشركةٌ.
و"ينكح" على هذا بمعنى يجامع.
قال شيخ الإِسلام: مَنْ أوَّل هذه الآية إلى العقد، فبطلان قوله ظاهر.
٤ - وحمل الحديث أكثر العلماء على معنى: أنَّ الزاني المجلود لا يرغب عقد زواجه إلاَّ على مثله، وكذلك الزانية، لا ترغب في الزواج إلاَّ من عاصٍ مثلها.
٥ - الذي يدل عليه الحديث هو النَّهي عن ذلك -لا الإخبار عن مجرَّد الرغبة- وأنَّه يحرم أنْ ينكح زانٍ عفيفةً، كما أنَّه يحرم أن تنكح عفيفةٌ زانيًا، وصرَّح بالتحريم بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور]، أي كاملي الإيمان الذي هم ليسوا بزناة، فإنَّه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الزاني لا يُقْدِم على نكاحه من النساء إلاَّ أنثى زانيةٌ، يُناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلاَّ زانٍ أو مشركٌ.
وهذا دليلٌ صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح
стр. 2669
الزاني حتى يتوب.
٦ - وقال في نيل المآرب: وتحرم الزانية على زانٍ وغيره حتى تتوب وتنقضي عدَّتها.
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: لا يجوز زواجه بامرأةٍ حاملٍ منه بالزنا، حتى تقضي عدَّتها بوضع حملها.
قال شيخ الإِسلام: نكاح الزانية حرامٌ حتى تتوب، سواء كان زنى بها هو أو غيره، هذا هو الصواب بلا ريب، وهو مذهب طائفةٍ من السلف والخلف، منهم أحمد بن حنبل، وغيره، ويدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
وإذا كانت المرأة تزني، لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها، وإلاَّ كان ديوثًا؛ لاختلاف المادتين، نجاسةً وطهارة، وطيبًا وخُبْثًا، ولاختلاف الوطء، حلالًا وحرامًا.
***
стр. 2670
٨٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا, فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ, ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا, فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا, فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ, فَقَالَ: لَا. حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- رجل: هو رِفَاعَة بن شمول القرظي، ورِفَاعة: بكسر الراء، وتخفيف الفاء.
- الرجل الثاني: عبد الرحمن بن الزَّبِير بن باطيا القرظي أيضًا، والزَّبِير بفتح الزاي، وكسر الباء الموحدة.
- يَدْخُل بهَا: المراد بالدخول هنا ليس مجرَّد الخلوة، وإنَّما هو الوطء.
- يذوق: يُقال: ذاق يذوق ذوقًا: اختبر الطعم، والذوق هو الحاسة التي يتميز بها خواص الأجسام الطعمية، بواسطة الجهاز الحسِّي في الفم، ومركزه اللسان.
قال في المحيط: الأصل في الذوق تعرُّف الطعم، ثمَّ كثر حتى جعل عبارة عن كل تجربة، ومنه معنى الحديث.
- عُسيلتها: بضم العين، وفتح السين بعدها ياء مثناة، تصغير عسلة، والعسل فيه لغتان: التأنيث والتذكير، فأتت العُسيلة لذلك؛ لأنَّ المؤنث يُرَدُّ إليه الهاء إذا صغر.
قال في النهاية: شبَّه لذَّة الجِماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وقد
стр. 2671
روت عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "العسيلة الجِماع".
- طلَّق رجلٌ ... فسأل: جاء في البخاري أنَّ التي سألت هي امرأة رِفاعة، وجاء في فتح الباري أنَّ اسم المرأة السائلة المطلَّقة هي تميمة بنت وهب القرظية ولا مانع من أن يكون كلٌّ من المطلِّق والمطلَّقة جاءا إلى رسول الله ﷺ فسألاه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الطَّلاق بلفظ الثلاث، سواءٌ أكانت مجموعة بلفظٍ واحدٍ، أو مفرقةً بكلمات مكررات، لم يتخللهن رجعة ولا نكاح: هو طلاق بدعي محرَّم، وسيأتي بحثه إن شاء الله في كتاب الطلاق.
٢ - المطلقة ثلاثًا لا يحل لمطلِّقها الرجوع بها حتى تنكح زوجًا غيره، ويجامِعها الزوج الثاني، ثم يطلقها، وتعتد منه، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة: ٢٣٠].
٣ - لابُدَّ أنْ يكون زواج الثاني زواج رغبةٍ، لم يقصد به التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغبًا بها، ثمَّ طلَّقها، واعتدت، حلَّت للزوج الأول، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
٤ - أما إنْ قصد الثاني بزواجه التحليل للأوَّل، فإنَّ العقد غير صحيح، بل هو باطلٌ، ونكاحه ووطؤه محرَّم، ولم تحل للزوج الأول؛ فقد جاء عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له".
٥ - ولابُدَّ لصحة حِلِّها للزوج الأول، وطء الزوج الثاني، كما قال ﷺ : "لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول" وهو كنايةٌ عن الجماع.
٦ - اتَّفق العلماء على أنَّ النِّكاح الذي يحلها هو الإصابة، وذلك بإيلاج الحشفة -أو قدرها من مجبوبٍ-في فرج المرأة المطلَّقة، مع انتشار، وإن لم ينزل، فلا يكفي مجرَّد العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج، ولا كون العقد الثاني باطلًا أو فاسدًا، بل لابُدَّ أنْ يكون بعقدٍ صحيح.
стр. 2672
ولا يُشترَط بلوغ الزوج الثاني، ما دام إنَّه يجامع مثله، وهو ابن عشر سنين.
٧ - قال ابن القيم: شريعتنا أجمل الشرائع، وأقوم بمصالح العباد، فله أن يعاف زوجته، فإن تاقت نفسه إليها وجد السبيل إلى ردها، فإذا طلَّقها الثالثة لم يبق له عليها سبيل، إلاَّ بعد نكاح زوجٍ ثانٍ، نكاح رغبة، فإباحتها بعد الزوج الآخر من أعظم النعم.
٨ - قال الرازي: الحكمة في إثبات حق الرجعة أنَّ الإنسان ما دام يكون مع صاحبه، لا يدري أنَّه هل يشق عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعَظُمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة.
ثمَّ لما كان كمال التجربة لا يحل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرَّتين، وبعد ذلك فقد جرَّب الإنسان نفسه في تلك المفارقة، وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرَّحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده.
٩ - وقال سيد قطب: إنَّ الطلقة الأولى محكٌّ وتجربة، فأما الثانية فهي تجربةٌ أخرى، فإن صَلُحت الحياة بعدهما فذاك، وإلاَّ فالطلقة الثالثة دليلٌ على فسادٍ أصيلٍ في حياة الزوجية، لا تصلح معه حياة، فيحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريكٍ جديد.
فإن طلَّقها الزوج الآخر فلا جناح عليهما أن يتراجعا، ولكن بشرط: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
فليسا متروكين لشهواتهما ونزواتهما، في تجمعٍ أو تفرق، وإنما هي حدود الله تقام بينهما.
стр. 2673
باب الكفاءة
مقدمة
الكفاءة: بفتح الكاف، هي لغةً المساواة، ومنه الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" أي تتساوى، فالكُفءُ والكُفُوء، بوزن قُفْل، وقفول، هو المثل والنظير، ومنه الكفاءة في النكاح.
قال في كشاف القناع ما خلاصته:
وشرعًا: الكفاءة معتبرةٌ في خمسة أشياء:
١ - الدِّين؛ فليس الفاجر والفاسق كفوءًا لعفيفة.
٢ - الحرية: فلا يكون العبد كفوءًا للحرَّة.
٣ - الصناعة: فلا يكون صاحب صناعةٍ دنيئةٍ -كحجَّامٍ، وحائكٍ- كفوءًا لبنت تاجر.
٤ - اليسار بمال: حسب ما يجب لها من النفقة والمهر، فلا يكون المعسر كفوءًا لموسرة.
٥ - النسب: فلا يكون الأعجمي كفوءًا لعربية.
والعرب من قرشيٍ وغيره، بعضهم لبعضٍ أكْفَاء، وسائر الناس بعضهم لبعض أكفَاء.
قال شيخ الإِسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وأنَّ قريشًا أفضل
стр. 2674
العرب، وأنَّ بني هاشم أفضل قريش، وأنَّ رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم.
وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرَّد كون النبي ﷺ منهم، بل هم في أنفسهم أفضل.
قال الكرماني: هذا مذهب أئمة أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، فمن خالف هذا المذهب، أو عابه، فهو مبتدعٌ، خارجٌ عن الجماعة، زائلٌ عن منهج السنة وسبيل الحق، الذي عليه أحمد، وإسحاق، والحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم، فتعرف للعرب مقامها، وفضلها، وسابقتها، وحسْبهم حديث: "حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق" وهو حديثٌ ضعيف؛ لكنه في الفضائل.
وسبب هذا الفضل -والله أعلم- هو ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أنَّ الفضل إما بالعلم النافع، وإمَّا بالعمل الصالح، والعرب أفهم من غيرهم، وأحفظ، وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم لسانٍ، بيانًا وتمييزًا للمعاني.
وأمَّا العمل: فإنَّهم جُبِلوا على الأخلاق الكريمة، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب إلى السخاء، والحلم والشجاعة، والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإِسلام قابلين للخير، معطَّلين عن فعله، ليس عندهم علمٌ منزَّل من السماء، ولا شريعةٌ موروثةٌ عن نبي، ولا هم أيضًا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة، فلما بعث الله محمَّدًا ﷺ بالهدى، وتلقَّوه عنه، زال ذلك الرَّين عن قلوبهم، واستنارت بهداية الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجديدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل الله إليهم، فصار السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم مَن تبعهم
стр. 2675
بإحسان إلى يوم القيامه، ومن تشبه بهم.
والله تعالى خص العرب بأحكامٍ تميَّزوا بها، ثم خصَّ قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النُّبوَّة، وغير ذلك من الخصائص، ثم خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى كلاًّ درجة من الفضل بحسبه، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال ﷺ : "اختار الله من بني آدم العرب، واختار من العرب مضرًا، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيارٌ من خيار، فمن أحبَّ العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم"، وقال ﷺ : "أحبُّوا العرب لثلاث: لأنِّي عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي" حديث حسن، أي حسن: متنه على الاصطلاح العام، لا حسن إسناده على طريقة المحدثين؛ فإنَّ في الحديث ضعفًا.
قال سلمان: "نفضلكم يا معشر العرب؛ لتفضيل رسول الله ﷺ إيَّاكم، لا ننكِحُ نساءكم، ولا نؤمكم في الصَّلاة".
ولما وضع عمر ديوان العطاء، كتب النَّاس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبًا من رسول الله ﷺ ، فلمَّا انقضت العرب ذكر العجم.
هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء إلى أن تغير الأمر. اهـ من كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
وقد جاء في الحدث الصحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فَقُهُوا"
والتفاوت بين مخلوقات الله تعالى جَوْدَةً ورداءةً موجود، فهذا هو سنته في خلقه في كل شيءٍ من جمادٍ ونباتٍ وحيوانٍ وإنسانٍ، بحسب ما أودع فيه
стр. 2676
من خصائص، فالله جلَّ وعلا يفضل بعض الأشياء على بعض.
أما من حيث الواجبات، فالمسلمون أمامها سواء، لا فضل لأحد على أحد.
وكذلك هم أمام الحقوق سواء، فلا تفضيل لبعضهم على بعض، وهم أمام الله تعالى على حسب تقواهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وإِذنْ فليس هنا تفاوت بين النصوص، وإنما كل منها في ناحية. والله أعلم.
***
стр. 2677
٨٦٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ, وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ, إِلَّا حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا". رَوَاهُ الْحَاكِمُ, وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ, وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. (٢)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف جدًا.
وقد روي من حديث ابن عمر، وعائشة، ومعاذ.
قال الشيخ الألباني؛ إنَّ طُرَق الحديث أكثرها شديدة الضعف، فلا يطمئن القلب لتقويته بها، لاسيَّما وقد حكم عليه بعض الحفَّاظ بالوضع، ومنهم ابن عبد البر.
* مفردات الحديث:
- العرب: قال في الوسيط: العرب أمَّةٌ من النَّاس، سامية الأصل، كان منشؤها جزيرة العرب، جمعه أعراب، والنسب إليه عربي.
- أكفاء: بفتح الهمزة، وسكون القاف: جمع كُفء، مثلَّث الكاف، والكُفْء: هو المثيل والنظير، قال في الميحط: الكفاءة حال يكون بها الزوج نظيرًا للزوجة. اهـ.
فالمراد بالكفاءة في النكاح: المساواة بين الزوجين في أمورٍ مخصوصةٍ، منها النسب.
стр. 2678
- الموالي: جمع مولى، وهو من انحدر من أصلٍ أعجمي.
- حائكًا: حال الثوب يحوكه حوكًا وحياكة: نسجه، فالحياكة هي نسج الثياب، والحائك هو الذي ينسج الثياب، جمعه حاكة.
- أو حجامًا: الحِجامة: امتصاص الدم بالمِحجم، والحجَّام محترِف الحجامة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على اعتبار الكفاءة في النكاح بالنسب، وأنَّ العرب بعضهم أكفاء بعض، بلا فرق بين قريش وبين غيرهم من بقية العرب.
قال في شرح الإقناع: فلا يكون من ليس من العرب كفوءًا لعربية؛ لأنَّ العرب يعتبرون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، ويؤيده حديث: "إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
٢ - قال علماء الدرعية: وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائزٌ إجماعًا، فقد زوَّج علي بن أبي طالب ابنته لعمر بن الخطاب، وكفى بهما أسوة.
٣ - ويدل على أنَّ الموالي بعضهم أكفاء بعض، وأنَّهم غير أكفاء للعرب، وتقدَّم في المقدمة، النصوص وكلام العلماء في ذلك.
٤ - ويدل الحديث على اعتبار الكفاءة في المهنة، فإنَّ الحائك والحجام والزبَّال ليسوا أكفاء لأصحاب الأعمال الرفيعة، والمناصب الكبيرة.
٥ - هذا الحديث متكلَّمٌ فيه، فقد استنكره أبو حاتم، وقال الدارقطني: لا يصح، وقال ابن عبد البر: منكرٌ، موضوعٌ، وله طرقٌ كلُّها واهية.
والحديث مع ضعفه، فإنَّه معارض بأحاديث أصح منه ستأتي إن شاء الله.
٦ - الكفاءة معتبرة في حق الرجل دون المرأة، ففقد صفات الكفاءة في المرأة غير معتبر، والكفاءة هي الدين، والمنصب، والحرية، والصناعة غير المزرية، واليسار، ولا تعتبر في الأم؛ لأنَّ الولد إنما يشرُف بشرف أبيه، لا
стр. 2679
بشرف أمه، فليست الكفاءة معتبرة في حق المرأة للرجل.
٧ - الكفاءة معتبرة للزوم عقد النكاح، لا لصحته، وهي معتبرةٌ في خمسة أشياء:
(أ) في الدين: بأداء الفرائض، واجتناب النواهي، فلا يكون الفاسق كفوءًا للعفيفة.
(ب) النسب: فليس العجمي كفوءًا للعربية.
(ج) الحريَّة: فليس العبد كفوءًا للحرَّة.
(د) الصناعة: فليس الحجَّام والحائك والزبَّال أكفاءً لذوي الأعْمال الرَّفيعة.
(هـ) اليسار: فليس الفقير المُعدم كفوءًا لذوي اليسار والغنى.
فالكفاءة في هذه الأشياء شرط للزوم النكاح، فإن لم يرض أولياء المرأة بالزوج لعدم كفاءته انفسخ النكاح؛ لأنَّ العار عليهم، فقد أخرج أحمد، والنسائي، وابن ماجه، بسند رجاله رجال الصحيح، من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: "إنَّ أبي زوَّجني ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها".
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لأمنعنَّ تزويج ذوات الأحساب إلاَّ من الأكْفَاء" [رواه الدارقطني].
وليست الكفاءة شرطًا لصحة النكاح لأمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس القرشية أن تنكح أسامة بن زيد، وهو مولى، وقد زوَّج أبو حذيفة -وهو من بني عبد مناف- ابنة أخيه لسالم وهو مولى لامرأة من الأنصار. [رواه البخاري].
وقال ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقه فأنكحوه، إلاَّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض، وفسادٌ كبير"، وغير ذلك من الأدلة.
واشتراط الكفاءة في لزوم النكاح دون صحته، هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، قال الموفق: وهو قول أكثر أهل العلم.
стр. 2680
٨٦٨ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "انْكِحِي أُسَامَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٨٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَا بَنِي بَيَاضَةَ, أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ, وَانْكِحُوا إِلَيْهِ" وَكَانَ حَجَّامًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. (٢)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المصنف ﵀: رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد.
كما حسَّنه المصنف في التلخيص الحبير، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي.
* مفردات الحديث:
- بني بياضة: بنو بياضة بن عامر بطن من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار، أصلهم من الأزد من قحطان.
- أبا هند: أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي، واسمه عبد الله، وكان حجَّامًا حَجَم النبيَّ ﷺ .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - هذان الحديثان: الأوَّل صحيح، والثاني جيد الإسناد، وهما يعارضان
стр. 2681
الحديث الذي قبلهما، من حيث اعتبار الكفاءة في النسب، ومن حيث الكفاءة في المهنة:
فأسامة بن زيد الذي كان أصله عربيًّا، إلاَّ أنَّ الرق قد مس أباه، وهو يسري عليه؛ لأنَّه لُحمة كلُحمة النسب، قد أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس القرشية إحدى المهاجرات -مع فضلها، وجمالها، وشبابها، وكمال دينها، وعقلها- أن تنكح أسامة بن زيد المولى، مما يدل على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، ولا فيما أصله الحريَّة، وأصله الرق.
٢ - والحديث رقم (٨٦٩) يدل على عدم اعتبار الكفاءة لا في النسب، ولا في المهنة.
ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر إحدى قبائل الأنصار، وهم القبيلة القحطانية الأزدية العربية أن يُنكِحُوا أبا هند، وهو من أحد موالي بني بياضة المذكورين، وكان مع ما مسَّه من الرق حجَّامًا، والحجامة عند العرب صناعة دنيئة.
٣ - فهذان الحديثان يدلان على عدم اعتبار الكفاءة في النسب أو المهنة، وتدل النصوص الأخر على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨].
وقال ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، كلهم لآدم، وآدم من تراب".
والأحاديث في هذه المسألة كثيرة.
٤ - وهذا لا ينافي ما تقدَّم في المقدمة من بيان فضل العرب، وميزاتهم، وخصائصهم، وما جَبَلَهم الله تعالى وهيَّأهم له.
فتلك أمور خُصُّوا بها، وامتازوا بها، وفَضَلُوا غيرهم بها، ولكنَّها لا
стр. 2682
تجعل منهم طبقة مترفِّعةً على غيرها، ومتميزةً ترى لها من الحقوق أكثر من غيرها، وتتخلَّى عن التزاماتها الشرعية والعرفية، إنَّما هم وغيرهم في هذا سواء، كما أنَّهم أمام الله تعالى سواء: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
٥ - قال شيخ الإِسلام: ولا يصح لأحد أن يُنكح موليته رافضيًّا، ولا من يترك الصلاة، ومتى زوَّجوه على أنَّه سني يصلي، ثم بان بخلافه فإنهم يفسخون نكاحه.
وليس للعمِّ ولا غيره من الأولياء أن يزوج موليته بغير كفء إذا لم تكن راضية بذلك باتفاق الأئمة، وإذا فعل ذلك، استحق العقوبة الشرعية، التي تردعه وأمثاله عن ذلك.
***
стр. 2683
باب الخيار
مقدمة
الخيار: اسم مصدر، واسم المصدر هو ما خَلا مِن بعض حروف فعله، وساوى المصدر في الدلالة على الحدث.
والخيار هو طلب خير الأمرين من إبقاء النكاح أو فسخه، وعقد النكاح من العقود اللازمة، التي لا خيار فيها ولا رجعة، وذلك لما روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ثلاث جدهنَّ جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" فإذا تم عقد النكاح بالإيجاب والقبول، بعد أنْ توفرت أركانه وشروطه، لزم، ولم يبق لأحد من العاقدين خيار مجلس، ولا خيار شرط، ولا غيرهما من الخيارات، وإنما لكل من الزوجين خيار العيب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ولكن هناك أفراد مسائل، يطلب فيها اختيار أحد الزوجين، كما ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
والسبب -والله أعلم- في لزوم النِّكاح من حين العقد، وعدم الخيار فيه يرجع إلى أمرين:
الأوَّل: أنَّهُ لا يتم العقد إلاَّ بعد مشاورةٍ وتروٍّ في الأمور، وسؤال كل واحدٍ من الزوجين عن الآخر، فلا حاجة إلى الخيار، كما يُحتاج إليه في البيع الذي يتكرر، وكثيرًا ما يقع فجأةً، بلا سابق فكرٍ وتأمُّل، فيحصل فيه غبن، ونحو ذلك، فجُعِل له الخيار.
стр. 2684
الثاني: أنَّ الرجوع فيه بعد إتمامه، واختيار الفسخ بعد العقد، يُحدث سمعة عند الناس للطرفين سيئة، وتشعُّب الظنون، والتخرصات، كما يحصل بين الزوجين والأسرتين من النفرة والعداوة الشيء الكثير، والله أعلم.
***
стр. 2685
٨٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂ "أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا".
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: "كَانَ حُرًّا".
وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ (١).
وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: "أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- خُيِّرَتْ: مبني للمجهول، جعل لها الخيار بين بقائها مع زوجها، أو فسخ نكاحها حينما عتقت تحته، وهو عبد.
- بَريرة: بفتح الباء، وكسر الرَّاء، كانت مولاة لبعض بيوت الأنصار، فاشترتها عائشة ﵂ منهم، وأعتقتها لها؛ فهي مولاة لها.
- كان عبدًا: اسمه مُغِيث -بضم الميم وكسر الغين المعجمة- وكان عبدًا مشتَرَكًا بين جماعةٍ من قريش.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الرقيق ناقص المعنوية، مملوك التصرف، هو وما ملك لسيده، فإذا عتَقَ وَجَد كماله من جديد، فأصبح حرًّا مالكًا لأعماله، مستفيدًا من جهده، لا
стр. 2686
يسيطر عليه أحد.
فإذا عتقت الرقيقة، وهي زوجةٌ لرقيق، صارت أفضل منه، وأكمل منه، وفُقِدت الكفاءة الزوجية بينهما، حيث أصبحت حرَّةً وهو رقيق، فحينئذٍ صار لها الخيار بأن تبقى عند زوجها، وإن كان رقيقًا؛ لأنَّ الاستدامة أقوى من الابتداء، أو تفسخ نكاحها منه.
٢ - وهذه قصة بريرة مولاة عائشة، كانت عند زوجها مُغيث، فأعتقتها عائشة ﵂ فأعلمها النبي ﷺ بالحكم؛ وخيَّرها بأن تبقى مع زوجها، أو تفسخ نكاحها، فاختارت الفسخ على بقائها معه.
٣ - مذهب الإمام أحمد فيه روايتان في الكفاءة:
إحداهما: أنَّ الكفاءة شرطٌ للزوم النكاح، لا لصحة النكاح مع فقدها؛ لأنَّها حقٌّ للأولياء، وهذه الرواية هي المشهور من المذهب عند المتأخرين.
والرواية الأخرى: أنَّها شرطٌ لصحة النِّكاح، فلا يصح النِّكاح مع فقدها، وهدذه الرواية هي المذهب عند المتقدمين من أصحاب أحمد، والحديث دليل للرواية الأولى، التي هي المشهور من المذهب؛ لأنَّه لو كان لا يصح مع فقدها، ما خيَّرها بالفسخ أو البقاء، ولفَسخَها بالحال.
٤ - قال ابن القيم: إنَّ مأخذ تخييرها أنَّ السيد عقد عليها بحكم الملك، حيث كان مالكًا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي ملك الرقبة والمنافع للمعتَق، وهذا مقصود العتق وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بُضْعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البُضْع، فلا يُملك عليها إلاَّ باختيارها أحد الأمرين: البقاء تحت الزوج، أو الفسخ منه.
٥ - وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة: "ملكْتِ نفسك فاختاري".
٦ - جواز بيع أحد الزوجين الرقيقين دون الآخر.
стр. 2687
٧ - أنَّ بيع الأمة المزوجة لا يكون طلاقًا لها.
٨ - أنَّ عتقها لا يكون طلاقًا، ولا فسخًا.
٩ - أنَّ الكفاءة معتبرة في الحريَّة، ولكنها شرطٌ للزوم النكاح لا لصحته.
١٠ - فضيلة الحرية على الرق، وفضل الحر على الرقيق.
١١ - أنَّ المتعيِّن على القاضي والمفتي، تبيين الحكم الذي يجهله الخصم أو المستفتي، إذا كان يترتب على إخباره حكمٌ شرعيٌّ يستفيد من معرفته.
١٢ - أنَّ التخيير في الأمور إذا كان لَحظِّ المختار وحده، راجعًا إليه، فيختار ما يشاء، بخلاف ما إذا كان الخيار لمصلحة غيره، فيجب عليه اختيار الأصلح.
***
стр. 2688
٨٧١ - وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ, عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ, وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه الشافعي، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبَّان، وصحَّحه من حديث فيروز الديلمي، وقد أعلَّه العقيلي وابن القيم، لكن صحَّحه البيهقي والدارقطني.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وله طرق كثيرة تعضده، والآية الكريمة خير عاضد في ذلك.
قال تعالى عند ذكر المحرَّمات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيروز الديلمي اليماني أسلم وعنده زوجتان، هما أختان، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهما واحدة، لتبقى له زوجة، ويطلق الأخرى؛ لأنَّه لا يجوز الجمع بين الأختين.
قال ابن رشد: اتَّفق المسلمون على أن لا يُجمع بين الأختين بعقد نكاح،
стр. 2689
سواء كانت الأخوَّة بنسب أو رضاع، حُرَّتَيْنِ أو أمَتَيْن، أوْ إحداهما أَمَة، قبل الدخول أو بعده، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] يعني إلاَّ ما كان من أمر الجاهلية.
قال السيوطي: ويلحق بالأختين ما جاء في السنة من النَّهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
قال الوزير: أجمعوا على أنَّه لا يجوز أن يتزوَّج بكل واحدة، ممَّن يحرم عليه الجمع بينها، وبين المعتدة منه، إذا كنَّ معتدات من طلاق رجعي، أو بائن.
كما أجمعوا على أنَّ عمَّة العمَّة تنزل في التحريم منزلة العمة، إذا كانت العمة الأولى أخت الأب لأبيه.
وأجمعوا على أنَّ خالة الخالة تنزل في التحريم منزلة الخالة، إذا كانت الأولى أخت الأم لأمها.
٢ - قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أنَّ الرجل إذا طلَّق زوجته طلاقًا يملك به رجعتها، أنَّه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدَّة المطلقة.
واختلفوا إذا طلَّقها طلاقًا لا يملك به رجعتها:
فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدَّة التي طلق؛ وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وجماعة من السلف.
وقالت طائفة: له أنْ ينكح أختها، وهو مذهب الشَّافعي ومالك، وجماعةٍ من السلف.
وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان الطلاق رجعيًّا، لم يكن له تزوج الأخرى عند عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
وإنما تنازعوا إذا كان الطلاق بائنًا، فالجواز عند مالك والشافعي، والتحريم عند أبي حنيفة وأحمد.
***
стр. 2690
قال الشيخ عبد الله أبابطين: نكاح المرأة في عدَّة أختها ونحوها، ونكاح خامسة في عدة رابعة إن كان الطلاق رجعيًّا: باطل عند جميع العلماء، وإن كانت العدة من طلاق بائن، ففيه خلاف، والمذهب التحريم.
٣ - الحديث يدل على اعتبار أنكحة الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وأنَّها صحيحة، ولو أسلموا عليها، وأنَّها كأنكحة المسلمين، فيما يجب فيها من صداقٍ، ونفقةٍ، وقَسْمٍ، وإحصانٍ، ووقوع طلاقٍ، وظهارٍ، وإيلاءٍ، ولحوق النسب، وثبوت الفراش، والإرث، وغير ذلك، وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأبعة.
قال تعالى: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، وقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المسد].
وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
قال شيخ الإِسلام: معنى صحة نكاحهم حل الانتفاع إذا أسلموا، وإن لم يسلموا عوقبوا عليها، فيكون الإِسلام هو المصحح لها، كما أنَّه المسقط لقضاء ما وجب عليهم من العبادات، أمَّا إذا كانوا مقيمين على الكفر، فمعنى الصحة إقرارهم على ما فعلوا، فمعنى الصحة في أحكامهم غير معناها في عقود المسلمين.
فإذا تقرَّر صحة نكاحهم، فإنَّها إن حلَّت الزوجة وقت الإِسلام، أو الترافع إلينا، كعَقْدهِ في عدة فرغت، أو على أخت زوجة ماتت، أو كان العقد قد وقع بلا صيغة، أو ولي، أو شهود -فالزوجان على نكاحهما.
وأما إن كانت الزوجة ممَّن لا يجوز ابتداء نكاحها حال الإِسلام، أو الترافع، كذات محرم أو معتدة لم تَنْقَض عدَّتها، أو مطلقته ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره -فُرِّق بينهما؛ لأنَّ ما منع ابتداء العقد منع استدامته من باب أولى.
стр. 2691
٤ - أنَّ المرأة لا تخرج عن عصمة الزوج بعد الإِسلام إلاَّ بطلاق ونحوه، فالنكاح يبقى بعد الإِسلام بلا تجديد عقد.
وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد.
أما الحنفية، فلا يقر عندهم من النكاح، إلاَّ ما وافق الإِسلام، وظاهر الحديث يشهد لقول الجمهور.
***
стр. 2692
٨٧٢ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ "أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ, فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ, فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَالتِّرْمِذِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَالحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ, وَأَبُو زُرْعَةَ, وَأَبُو حَاتِمٍ. (١)
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح لغيره.
أخرجه الشافعي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من طرق عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر.
قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: هذا حديث غير محفوظ.
وقال في التلخيص: وحكم الإمام مسلم على معمر بالوهم فيه، وحكى الحاكم عن مسلم أنَّ هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة.
قال أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، وأعلَّه بتفرد معمر بوصله، وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة.
قال الحافظ بعد أن ذكر الحديث من طريق النسائي بإسناده: ورجال إسناده ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني.
قلتُ: فهو شاهد جيد، ودليل قوي على أنَّ الحديث موصول عن سالم عن ابن عمر، ثم قال الحافظ: واستدل به ابن القطان على صحة حديث معمر.
قال ابن كثير: روى الحديث الشافعي وأحمد، وهذا الإسناد رجاله
стр. 2693
رجال الشيخين، وقد جمع الإمام في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند.
وقال الأثرم عن أحمد: هذا الحديث غير صحيح، والعمل عليه.
قال الألباني: وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع طرقه عن سالم عن ابن عمر، وقد صحَّحه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وابن القطان، وفي معناه أحاديث أُخَر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ نهاية ما يباح للحر جمعه من الزوجات هو أربع زوجات، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
قال الشوكاني في تفسيره: استدلَّ بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وهو خطاب لجميع الأمة، وأنَّ كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد.
٢ - يدل الحديث على أنه لو أسلم رجل ممَّن يبيحون الزيادة على أربع زوجات، فإنَّه يؤمر أن يختار منهن أربعًا، ويطلق الباقيات؛ لأنَّ الأربع نهاية عدد الحر المسلم.
٣ - يدل الحديث على اعتبار أنكحة الكفار، وأنَّها تبقى على حالها بلا تفتيش عن صفة ما عقدت عليه في كفرهم.
هذا إذا كانت أنكحتهم حال إسلامهم، أو حال ترافعهم إلينا حلالًا، أما إذا كانت حال الترافع، أو إسلامهم لا يجوز ابتداؤها كذات مَحرم، أو معتدة لم تَنْقض عدَّتها، فُرِّق بينهما؛ لأنَّ ما منع ابتداء العقد منع استدامته، وقد تقدم.
٤ - والدليل على اعتبار أنكحتهم عند الإِسلام أو الترافع بشرطه، هو أنَّه لم يؤمر بتجديد العقد لمن اختار الدخول في الإِسلام، وأنَّه أمر أن يطلق التي لم يختر منهنَّ، فهذا دليل على اعتبار العقد.
стр. 2694
٨٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ, بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ, وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ, وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المؤلف: صحَّحه الإمام أحمد، والحاكم، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي، والحاكم، والبيهقي، من طرق عن محمَّد ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبَلِ داود بن حصين من قبل حفظه.
قال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير، ومع ذلك صحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي، ومِن قبله الإمام أحمد.
وروى ابن سعد عن عامر قال: قدم أبو العاص وقد أسلمتِ امرأته زينب، ثم أسلم بعد ذلك، وما فرَّق بينهما، وإسناده مرسل صحيح، ثم روى نحوه عن قتادة، والإسناد صحيح مرسل.
فالحديث بهذين الإسنادين المرسلين صحيح، كما قال الإمام أحمد.
стр. 2695
٨٧٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا, وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو ضعيف، وعلته الحَجَّاج، فإنَّه كان مدلسًا.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا حديثٌ ضعيف، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنَّما سمعه من محمَّد بن عبيد الله العرزمي، ولا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّهما على النكاح الأول.
وقال البيهقي والدارقطني: هذا حديث لا يثبت، وحجَّاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عباس.
قال البخاري: إنَّ حديث ابن عباس أجود منه وأصح.
وضعَّف حديث عمرو بن شعيب كل من الترمذي، والخطابي، والبيهقي، والمجد ابن تيمية.
стр. 2696
٨٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ, فَجَاءَ زَوْجُهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ, وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي, فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ, وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ, وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَالحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، من طريق سِماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال الترمذي: حديث صحيح، ورواه ثلاثة عن سماك بن حرب وهم:
١ - عبيد الله بن موسى، أخرجه ابن الجارود، والبيهقي، من طريق الحاكم، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي.
٢ - سليمان بن معاذ العنبري عن سماك به مثل حديث وكيع، أخرجه الطيالسي، وعنه البيهقي.
٣ - عبد الرزاق في المُصنف.
وإسناده ضعيف؛ لأنَّ مداره على سِماك عن عكرمة.
قال الحافظ: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصةً مضطربة.
стр. 2697
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - زينب بنت رسول الله ﷺ هي أكبر بناته ﵅ وكانت زوجة لأبي العاص بن الربيع، فأسلمت، وهاجرت قبل إسلام زوجها وهجرته، فلما أسلم، وهاجر، ردَّها رسول الله ﷺ إليه.
٢ - حديث ابن عباس وهو رقم (٨٧٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بعد ست سنين من فراقهما بالنكاح الأول، وأنه لم يُحدِث نكاحًا جديدًا بينهما.
أما حديث عمرو بن شعيب: وهو رقم (٨٧٤) ففيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد.
٣ - كلام العلماء عن الحديثين:
قال الترمذي: حديث ابن عباس حسن، وليس بإسناده بأس، وإسناده أجود من حديث عمرو بن شعيب.
أما حديث عمرو بن شعيب فقال الإمام أحمد: ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، وهكذا قال البخاري، والترمذي، والبيهقي، وحكاه عن حفَّاظ الحديث.
وقال ابن عبد البر: حديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول.
٤ - إذا أسلم الزوجان معًا بأنَّ تلفَّظا بالإِسلام دفعةً واحدةً، بقي نكاحهما بإجماع أهل العلم؛ لأنَّه لم يوجد منهما اختلاف دين.
وإن أسلم زَوْج كتابية بقي أيضًا على نكاحه؛ لأنَّ للمسلم ابتداء نكاح الكتابية، فاستدامته واستمراره أقوى وأولى.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه إن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول، بَطَلَ النكاح، وأنَّ الكتابية إذا أسلمت، وهي تحت كافر غير كتابي،
стр. 2698
انفسخ النكاح.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ من أهل العلم.
وأما إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الأول، وكان بعد الدخول، وُقِف الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الثاني قبل انقضائها، فهما على نكاحهما.
والأظهر لنا: أنَّ الفرقة بينهما وقعت حين أسلم الأول، وإذن: فلا نكاح بينهما، وهذا قول جمهور العلماء، والمشهور عند أحمد.
وذلك لحديث عمرو بن شعيب أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "ردَّ ابنته على أبي العاص بنكاح جديد" فهذا عمدة الجمهور.
والرواية الآخرى عن الإمام أحمد: أنَّها ترد إليه، بدون عقد جديد، وإن طالت المدة، وانقضت العدة، ما لم تتزوج، لما روى ابن عباس "أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته علي أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يُحدِث نكاحًا"، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، وصحَّحه أحمد.
والحديث رقم (٨٧٥) من أدلة هذه الرواية عن أحمد، فإنَّ هذه المرأة تزوجت بعد أن أسلم زوجها، وإسلامه قبل زواجها يعتبر بقاء لنكاحهما الأول، ويكون زواجها الثاني باطلًا، ولذَا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ انتزعها من الثاني، ولم يأمره بطلاقها، وردَّها إلى زوجها الأول بدون تجديد عقد بينهما، وحديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.
واختار الشيخ تقي الدين بقاء النكاح بين الزوجين إذا أسلمت قبله، سواء كان الإِسلام قبل الدخول، أو بعده، ما لم تنكح زوجًا غيره.
وقال ابن القيم: إنَّ أحد الزوجين إذا أسلم قبل الآخر، لم ينفسخ النكاح بإسلامه، فرَّقت الهجرة بينهما أو لم تفرق، فإنَّه لا يعرف أنَّ رسول الله ﷺ جدَّد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر بإسلامه قط، ولم تزل الصحابة يُسلم الرجل قبل امرأته، أو تسلم قبله، ولم يعلم عن أحد منهم البتة أنَّه تلفظ بإسلامه هو
стр. 2699
وامرأته حرفًا بحرف، هذا مما لم يقع البتة، وقد ردَّ النَّبي ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وهو قد أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة، فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة.
وأما قوله: "كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين" فوَهَم، إنَّما أراد بين هجرتها وإسلامه.
وتحريم المسلمات على المشركين بقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنَّما نزل بعد الحديبية، ولما نزل التحريم أسلم أبو العاص فردت إليه.
وأما اعتبار زمن العدة فلا دليل عليه من نصٍّ ولا إجماعٍ، ولا ريب أنَّ الإِسلام لو كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة، فلا يكون أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، وأما تنجيز الفرقة، أو مراعاة العدة، فلا نعلم أنَّ رسول الله ﷺ قضى بواحدةٍ فيهما، مع كثرة من أسلم في حياته من الرِّجال.
وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخلَّال، وأبي بكر عبد العزيز، وابن المنذر، وابن حزم، وبه قال حماد، وسعيد بن جبير، وعمر ابن عبد العزيز، والشَّعبي، وغيرهم، وتقدَّم أنَّه اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵏ جميعًا-.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الذي حقَّقه الدليل، أنَّه إذا أسلم أحد الزوجين، وتأخَّر إسلام الآخر، فإن أسلم المتخلف في العدة، فهما على نكاحهما، وإن انقضت العدة جاز للزوجة أن تتزوج، فإنْ لم تتزوج وأسلم الزوج بعد ذلك وأرادها واختارته، ردَّت إليه بغير نكاح.
وقال الشيخ تقي الدين: إذا ارتد الزوج ولم يعُد إلى الإِسلام حتى انقضت عدَّة امرأته، فإنَّها تبين منه عند الأئمة الأربعة، وإن طلَّقها بعد ذلك لم
стр. 2700
يقع طلاقه، فإن عاد إلى الإِسلام فله أن يتزوجها.
وقال شيح تقي الدين أيضًا: الكافر إذا أسلمت امرأته فالمسألة فيها أقوال: أحدها: أنَّها إذا خرجت من العدة فلها أن تتزوج، فإن أسلم قبل أن تتزوج ردت إليه، فالأحاديث تدل على هذا القول، ومنها: حديث زينب بنت رسول الله ﷺ ، فإنَّ الثابت في الحديث أنَّه ردَّها بالنكاح الأول بعد ست سنين.
ومنها: ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: كانت إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهَّرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجُها قبل أن تنكح رُدَّت إليه.
* قرار المجمع الفقهي الإِسلامي بشأن حكم تزيج الكافر بالمسلمة، وتزوج المسلم بالكافرة:
إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بعد أن اطَّلع على اعتراض الجمعيات الإِسلامية في سنغافورة وهي:
(أ) جمعية البعثات الإِسلامية في سنغافورة.
(ب) بيراينز.
(ج) المحمَّدية.
(د) بيرتاس.
(هـ) بيرتابيس.
على ما جاء في ميثاق حقوق المرأة من السماح للمسلم والمسلمة بالتزوج ممن ليس على الدين الإِسلامي، وما دار في ذلك، فإنَّ المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولًا: إنَّ تزوج الكافر للمسلمة حرام، لا يجوز باتفاق أهل العلم، ولا شكَّ فى ذلك لما تقتضيه نصوص الشريعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، والتكرير في قوله تعالى: