← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

٨٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ, فَجَاءَ زَوْجُهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ, وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي, فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ, وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ, وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، من طريق سِماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال الترمذي: حديث صحيح، ورواه ثلاثة عن سماك بن حرب وهم: ١ - عبيد الله بن موسى، أخرجه ابن الجارود، والبيهقي، من طريق الحاكم، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي. ٢ - سليمان بن معاذ العنبري عن سماك به مثل حديث وكيع، أخرجه الطيالسي، وعنه البيهقي. ٣ - عبد الرزاق في المُصنف. وإسناده ضعيف؛ لأنَّ مداره على سِماك عن عكرمة. قال الحافظ: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصةً مضطربة.

стр. 2697

* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - زينب بنت رسول الله ﷺ هي أكبر بناته ﵅ وكانت زوجة لأبي العاص بن الربيع، فأسلمت، وهاجرت قبل إسلام زوجها وهجرته، فلما أسلم، وهاجر، ردَّها رسول الله ﷺ إليه. ٢ - حديث ابن عباس وهو رقم (٨٧٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بعد ست سنين من فراقهما بالنكاح الأول، وأنه لم يُحدِث نكاحًا جديدًا بينهما. أما حديث عمرو بن شعيب: وهو رقم (٨٧٤) ففيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد. ٣ - كلام العلماء عن الحديثين: قال الترمذي: حديث ابن عباس حسن، وليس بإسناده بأس، وإسناده أجود من حديث عمرو بن شعيب. أما حديث عمرو بن شعيب فقال الإمام أحمد: ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، وهكذا قال البخاري، والترمذي، والبيهقي، وحكاه عن حفَّاظ الحديث. وقال ابن عبد البر: حديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول. ٤ - إذا أسلم الزوجان معًا بأنَّ تلفَّظا بالإِسلام دفعةً واحدةً، بقي نكاحهما بإجماع أهل العلم؛ لأنَّه لم يوجد منهما اختلاف دين. وإن أسلم زَوْج كتابية بقي أيضًا على نكاحه؛ لأنَّ للمسلم ابتداء نكاح الكتابية، فاستدامته واستمراره أقوى وأولى. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّه إن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول، بَطَلَ النكاح، وأنَّ الكتابية إذا أسلمت، وهي تحت كافر غير كتابي،

стр. 2698

انفسخ النكاح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ من أهل العلم. وأما إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الأول، وكان بعد الدخول، وُقِف الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الثاني قبل انقضائها، فهما على نكاحهما. والأظهر لنا: أنَّ الفرقة بينهما وقعت حين أسلم الأول، وإذن: فلا نكاح بينهما، وهذا قول جمهور العلماء، والمشهور عند أحمد. وذلك لحديث عمرو بن شعيب أنَّ النَّبيَّ ﷺ : "ردَّ ابنته على أبي العاص بنكاح جديد" فهذا عمدة الجمهور. والرواية الآخرى عن الإمام أحمد: أنَّها ترد إليه، بدون عقد جديد، وإن طالت المدة، وانقضت العدة، ما لم تتزوج، لما روى ابن عباس "أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنته علي أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يُحدِث نكاحًا"، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، وصحَّحه أحمد. والحديث رقم (٨٧٥) من أدلة هذه الرواية عن أحمد، فإنَّ هذه المرأة تزوجت بعد أن أسلم زوجها، وإسلامه قبل زواجها يعتبر بقاء لنكاحهما الأول، ويكون زواجها الثاني باطلًا، ولذَا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ انتزعها من الثاني، ولم يأمره بطلاقها، وردَّها إلى زوجها الأول بدون تجديد عقد بينهما، وحديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. واختار الشيخ تقي الدين بقاء النكاح بين الزوجين إذا أسلمت قبله، سواء كان الإِسلام قبل الدخول، أو بعده، ما لم تنكح زوجًا غيره. وقال ابن القيم: إنَّ أحد الزوجين إذا أسلم قبل الآخر، لم ينفسخ النكاح بإسلامه، فرَّقت الهجرة بينهما أو لم تفرق، فإنَّه لا يعرف أنَّ رسول الله ﷺ جدَّد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر بإسلامه قط، ولم تزل الصحابة يُسلم الرجل قبل امرأته، أو تسلم قبله، ولم يعلم عن أحد منهم البتة أنَّه تلفظ بإسلامه هو

стр. 2699

وامرأته حرفًا بحرف، هذا مما لم يقع البتة، وقد ردَّ النَّبي ﷺ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وهو قد أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة، فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة. وأما قوله: "كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين" فوَهَم، إنَّما أراد بين هجرتها وإسلامه. وتحريم المسلمات على المشركين بقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنَّما نزل بعد الحديبية، ولما نزل التحريم أسلم أبو العاص فردت إليه. وأما اعتبار زمن العدة فلا دليل عليه من نصٍّ ولا إجماعٍ، ولا ريب أنَّ الإِسلام لو كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة، فلا يكون أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، وأما تنجيز الفرقة، أو مراعاة العدة، فلا نعلم أنَّ رسول الله ﷺ قضى بواحدةٍ فيهما، مع كثرة من أسلم في حياته من الرِّجال. وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخلَّال، وأبي بكر عبد العزيز، وابن المنذر، وابن حزم، وبه قال حماد، وسعيد بن جبير، وعمر ابن عبد العزيز، والشَّعبي، وغيرهم، وتقدَّم أنَّه اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵏ جميعًا-. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الذي حقَّقه الدليل، أنَّه إذا أسلم أحد الزوجين، وتأخَّر إسلام الآخر، فإن أسلم المتخلف في العدة، فهما على نكاحهما، وإن انقضت العدة جاز للزوجة أن تتزوج، فإنْ لم تتزوج وأسلم الزوج بعد ذلك وأرادها واختارته، ردَّت إليه بغير نكاح. وقال الشيخ تقي الدين: إذا ارتد الزوج ولم يعُد إلى الإِسلام حتى انقضت عدَّة امرأته، فإنَّها تبين منه عند الأئمة الأربعة، وإن طلَّقها بعد ذلك لم

стр. 2700

يقع طلاقه، فإن عاد إلى الإِسلام فله أن يتزوجها. وقال شيح تقي الدين أيضًا: الكافر إذا أسلمت امرأته فالمسألة فيها أقوال: أحدها: أنَّها إذا خرجت من العدة فلها أن تتزوج، فإن أسلم قبل أن تتزوج ردت إليه، فالأحاديث تدل على هذا القول، ومنها: حديث زينب بنت رسول الله ﷺ ، فإنَّ الثابت في الحديث أنَّه ردَّها بالنكاح الأول بعد ست سنين. ومنها: ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: كانت إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهَّرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجُها قبل أن تنكح رُدَّت إليه. * قرار المجمع الفقهي الإِسلامي بشأن حكم تزيج الكافر بالمسلمة، وتزوج المسلم بالكافرة: إنَّ مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي بعد أن اطَّلع على اعتراض الجمعيات الإِسلامية في سنغافورة وهي: (أ) جمعية البعثات الإِسلامية في سنغافورة. (ب) بيراينز. (ج) المحمَّدية. (د) بيرتاس. (هـ) بيرتابيس. على ما جاء في ميثاق حقوق المرأة من السماح للمسلم والمسلمة بالتزوج ممن ليس على الدين الإِسلامي، وما دار في ذلك، فإنَّ المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: أولًا: إنَّ تزوج الكافر للمسلمة حرام، لا يجوز باتفاق أهل العلم، ولا شكَّ فى ذلك لما تقتضيه نصوص الشريعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، والتكرير في قوله تعالى:

стр. 2701

﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] للتأكيد والمبالغة بالحرمة، وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك، وقوله تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أمر أن يعطى الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت، فلا نجمع عليه خسران الزوجية والمالية، فإذا كانت المرأة المشركة تحت الزوج الكافر، تحرم عليه بإسلامها، ولا تحل له بعد ذلك، فكيف يقال بإباحة ابتداء عقد نكاح الكافر على المسلمة، بل أباح الله نكاح المرأة المشركة بعدما تسلم، وهي تحت رجل كافر لعدم إباحتها له بإسلامها، فحينئذ يجوز للمسلم تزوجها بعد انقضاء عدتها، كما نص عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ثانيًا: وكذلك المسلم لا يحل له نكاح مشركة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقد طلَّق عمر ﵁ امرأتين له كانتا مشركتين، لما نزلت هذه الآية. وحكى ابن قدامة الحنبلي أنَّه لا خلاف في تحريم نساء الكفار غير أهل الكتاب على المسلم. أما النساء المحصنات من أهل الكتاب، فيجوز للمسلم أن ينكحهن لم يختلف العلماء في ذلك، إلاَّ أنَّ الإمامية قالوا بالتحريم، والأولى للمسلم عدم تزوجه من الكتابية، مع وجود الحرَّة المسلمة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: يكره تزوجهن مع وجود الحرائر المسلمات، قال في الاختيارات: وقاله القاضي، وأكثر العلماء؛ لقول عمر ﵁ للذين تزوَّجوا من نساء أهل الكتاب "طلِّقوهن"، فطلقوهن إلاَّ حذيفة امتنع عن طلاقها، ثم طلَّقها بعد؛ لأنَّ المسلم متى تزَّوج كتابيةً، ربَّما مال إليها قلبه ففتنته، وربما كان بينهما ولد فيميل إليها، والله أعلم.

стр. 2702

باب العيوب في النكاح مقدمة العيوب: جمع عيب، والقصد: بيان العيب الذي يثبُت به الخيار، والعيب الذي لا يثبت به خيار. والعيوب من حيث هي تنقسم إلى قسمين: أحدهما: عيوب جنسية تمنع الاستمتاع، كالجب، والعُنَّة، والخِصَاء في الرَّجل، والرَّتَق، والقَرَن، والعَفَل في المرأة. الثاني: عيوب لا تمنع الاستمتاع، ولكنها أمراضٌ منفِّرةٌ من كمال العِشرة، بحيث لا يمكن معها بقاء الزوجية إلاَّ بضرورة، ذلك كالجنون، والبَرص، والزُّهري، والأمراض المُعْدِيَة. أمَّا من حيث انقسام العيوب بين الزوجين، فهي تنقسم إلا ثلاثة أقسام: أحدها: خاص بالرجل، الجب: وهو قطع الذكر، حتى لا يبقى منه ما يكفي للجِماع، والعُنَّة، والخِصاء، وهو قطع الخصيتين. الثاني: خاص بالمرأة، وهو الرَّتق: أن يكون فرجها مسدودًا بأصل الخلقة، والقرَن، والعفل: ورم في اللحمة التي بين مسلكي المرأة ممَّا يسبب ضيق فرجها، فلا يسلك فيه الذكر. الثالث: مشتركٌ بين الجنسين، وهذا هو الجنون، والجذام، والبرص، وسيلان بول، أو غائط، وباسور، وناسور. وقال ابن القيم: الصحيح أنَّ النكاح يُفْسخ بجميع العيوب، كسائر

стр. 2703

العقود؛ لأنَّ الأصل السلامة، فكانت هذه الشروط في العقد نقص شيء من الأشياء، كالأطراف، أو العمى، أو الخرس، أو الطرش، وكل عيبٍ ينفِّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، فإنَّه يوجب الخيار. قال في الإنصاف: وما هو ببعيد. قال الشيخ تقي الدين: ولو بان الزوج عقيمًا، فقياس قولنا: ثبوت الخيار للمرأة؛ لأنَّ لها حقًّا في الولد، فالصحيح: أنَّ كل عيبٍ نَفَر منه أحد الزوجين، فلمن لم يرض به الخيار في الفرقة. ***

стр. 2704

٨٧٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ, فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا, رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْبَسِي ثِيَابَكِ, وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ" رَوَاهُ الْحَاكِمُ, وَفِي إِسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ, وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه أحمد بسنده إلى كعب بن زيد، أو زيد بن كعب، فذكر الحديث. قال الألباني: وجملة القول أنَّ الحديث ضعيف جدًّا؛ لأنَّ فيه جميل بن زيد، وقد تفرَّد به، وقد أكثر العلماء من الطعن في جميل بن زيد، فقال البخاري: لا يصح حديثه، وقال ابن عدي: ليس بثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البغوي: ضعيف الحديث؛ ولأجل اضطرابه فقد قال الحافظ: اضطرب كثير على جميل بن زيد، وقد صحَّ الحديث بلفظٍ آخر، وهو ما جاء في صحيح البخاري: "أنَّ ابنة الجون لما دخلت على النبي ﷺ ، ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عُذْت بعظيم، الحَقِي بِأَهلِكِ". * مفردات الحديث: - عُجْرَة: بضم العين، وسكون الجيم المعجمة، وكعب بن عجرة صحابيٌّ،

стр. 2705

أصله من قبيلة بلى، فحالف الأنصار، فعُدَّ منهم بالحلف، وقال الواقدي: إنَّه من الأنصار. - غِفَار: بكسر الغين المعجمة، غفار: قبيلة من قبائل عدنان، هم بنو غفار بن مليل بن صخرة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومنازلهم قرب مكة. - كَشْحهَا: بفتح الكاف، وسكون الشين المعجمة، فحاء مهملة، هو بين الخاصرة والضلوع. - بياضًا: المراد به البرص، وهو مرض يحدث في الجسد بياضًا. - الحَقِي بِأهلِك: هذه الصيغة من كنايات الطلاق الظاهرة، يقع بها الطلاق مع نيته، أو قرينة تدل على إرادة الطلاق. ***

стр. 2706

٨٧٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً, فَدَخَلَ بِهَا, فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ, أَوْ مَجْنُونَةً, أَوْ مَجْذُومَةً, فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا, وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا" أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَمَالِكٌ, وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ, وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ نَحْوَهُ, وَزَادَ: "وَبِهَا قَرَنٌ, فَزَوْجُهَا بِالخِيَارِ, فَإِنْ مَسَّهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا" (٢). وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا قَالَ: "قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي العِنِّينِ, أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً"، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٣). ــ * درجة الحديث: قال الحافظ: رجاله ثقات، وهو موقوف على عمر ﵁. وأخرجه مالك، والدارقطني، وابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: فذكره، ورجاله ثقات، فهم رجال الشيخين، لكنَّه منقطع بين سعيد بن المسيب ﵀، وعمر بن الخطاب ﵁ ورواية علي رجالها ثقات، إلاَّ أنَّ الشعبي لم يسمع

стр. 2707

من علي ﵁ ولكن صحَّ عن ابن مسعود بلفظ: "يؤجل العنين سنة، فإن جامع وإلاَّ فُرِّقَ بينهما" رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤) بسند صحيح. * مفردات الحديث: - بَرْصَاء: بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، ممدود، هو بياضٌ في الجسد يكون من أثر علَّة. - مجنونة: الجنون: زوال العقل، أو فساده. - مجذومة: الجُذَام بضم الجيم، علَّة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط، وهو من الأمراض المُعدية. - مَسِيسِه: كنايةٌ عن الجماع واستمتاعه بها، كما جاء في الرواية الآخرى: "فإن مسَّها، فلها المهر بما استحلَّ من فرجها". - مَن غرَّه بها: من خدعه وغشَّه بها. - قَرَن: بفتح القاف، وسكون الراء وفتحها، آخره نون، هو ورمٌ مدور، يخرج من رحم المرأة، فيكون بين مسلكيها يمنع الجِمَاع أو كماله. - العِنِّين: العُنَّة عجزٌ يصيب الرَّجل، فلا يقدر على الجماع؛ لعدم انتشار ذكره، وهو مأخوذٌ من عنَّ الشيء إذا اعترض؛ لأنَّ ذكره يعن إذا أراد إيلاجه. - يؤجَّل: بالبناء للمفعول من التأجيل، أي يُمهل، ويؤخَّر سنة؛ ليبين أمره بمرور الفصول الأربعة. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديثان يفيدان صحة عقد النكاح، مع وجود العيب في أحد الزوجين، ولو لم يعلم عنه الزوج الآخر، ذلك أنَّ العيب لا يعود على أصل العقد، ولا على شرط من شروط صحته. ٢ - ويفيد أنَّ إثبات خيار العيب للزوج الذي لم يعلم بعيب صاحبه إلاَّ بعد العقد، ولم يرض به العقد، فيثبت له حق فسخ النكاح.

стр. 2708

٣ - الفسخ إن كان قبل الدخول فلا مهر للزوجة المعيبة، ولا متعة لها، سواء أكان الفسخ منه أو منها؛ لأنَّ الفسخ إن كان منها، فقد وُجِدت الفرقة من قِبلها، وإن كان منه، فإنَّما فسخ لعيبها الذي دلَّسته عليه، وإن كان الفسخ بعد الدخول أو الخلوة، فلها المهر؛ لأنَّه استقرَّ بالدخول، ولكنه يرجع به الزوج على من غرَّه من زوجةٍ عاقلةٍ، أو ولي، أو وكيلٍ. ٤ - الحديثان فيهما أنواعٌ من العيوب هي: البرص، والجذام، والجنون. ٥ - جمهور العلماء يحصرون العيوب في النكاح في نوعين: أحدهما: عيوبٌ تمنع الوطء، ففي الرَّجل جب ذكره، وقطع خصيته، وعُنَّته، وفي المرأة الرَّتَق والقَرَن والعَفَل. الثاني: عيوبٌ منفِّرة، أو مُعدية، وهي الجُذام، والبَرص، والجنون، والباسور، والناسور، والقروح السيالة في الفرج، فجمهور العلماء يقصرون عيوب النكاح على هذين النوعين، والاختلاف بينهم يسيرٌ في اقتصار بعضهم على بعضها، أو اعتبارها كلها عيوبًا. ٦ - قوله: "أيما رجل" ليس له مفهوم، فالرجل إذا وجد الزوجة معيبة فله الفسخ، والزوجة إذا وجدت الرجل معيبًا فلها الفسخ أيضًا. ٧ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الصحيح أنَّ العُقم عيب؛ فإنَّ أهم مقاصد المرأة من النكاح تحصيل الولد، والمتبادر أن لا تكون الزوجة كالرجل لفروق؛ لأنَّ له التزوج بأخرى، ويبقيها معه. ٨ - أما ابن القيم فيرى أنَّ كل عيب ينفر منه الزوج الآخر، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة والألفة، فإنه يوجب الخيار، وأنه أولى من البيع الذي يجيز للمشتري الفسخ بكل عيب ينقص قيمة البيع، فمن تدبر مقاصد الشرع، وعدله، وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح، لم يَخْفَ عليه رجحان هذا القول، وقربه في قواعد الشريعة.

стр. 2709

أما الاقتصار على عيبين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو ستة، أو سبعة، أو ثمانية، دون ما هو أولى منها، أو مساويها، فلا وجه له، فالعمى، والخرس، والطرش، وكونها مقطوعة اليدين والرجلين، أو إحداهما من أعظم المنفرات، والسكوت عن بيانه من أقبح التدليس والغبن، وهو مخالف للدين، وهذا القول قال به الثوري، وشريح، وأبو ثور، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. ٩ - أنَّ العيب إذا لم يعلم به إلاَّ بعد الدخول أو الخلوة، فإنَّ لها الصداق كما هو صريح الحديثين؛ لأنَّه استقرَّ بالدخول؛ لقوله: "بمسيسه إيَّاها"، وبقوله: "فإن مسَّها، فلها المهر بما استحلَّ من فرجها"، ولكنه يرجع به على من غرَّه بالعيب. ١٠ - لابدَّ للتفريق بالعيب من أمور: أولًا: طلب صاحب المصلحة ودعواه؛ فإنَّ الحق له وحده، فلا يفسخ إلاَّ بطلبه. ثانيًا: الفسخ بالعيب مختلَف فيه بين العلماء، فلا ينظر فيه ولا يفسخه إلاَّ حاكم. ثالثًا: ثبوت العيب بأحد وسائل الإثبات. رابعًا: إذا ثبتت عُنَّة عند الزوج، أُجِّل سنة هلالية؛ لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن مرَّت عليه، ولم تزُلْ عُنَّتُهُ، عُلِم أنَّ ذلك خِلقة، فيفسخ النكاح. ***

стр. 2710

باب عِشرة النساء مقدمة العِشرة: بكسر العين وسكون الشين المعجمة، هي المخالطة والمصاحبة من العشيرة، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء]. وشرعًا: هي ما يكون بين الزوجين من الألفة، والوِئام، والمحبَّة، وحُسن الصُّحبة والعِشرة، وقد جاء الحث عليها، والأمر بها، والترغيب فيها، بنصوص الكتاب العزيز، والسنة المطهَّرة: قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". أما حقه عليها فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال ﷺ : "لو أَمَرْت أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها". فيلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، فلا يمطله حقه، ولا يتكره لبذله، ولا يُتْعبه أذًى ومِنة، فيحرم المطل بما يلزم والتكره، ويجب بذل الواجب والحق المشروع. قال الشيخ تقي الدين: حقوق الزوج على زوجته أن تجله وتوقره، وأن تعاشره بالحسنى، وأن تطيعه في غير معصية الله، وأن تُجيب مطالبه العادلة، ورغباته الممكنة، وأن تشاركه في أفراحه وأتراحه، وأن تحفظه في نفسها

стр. 2711

وماله، وأن تصون بيته، فلا تُدْخله أجنبيًّا، ولا تخرج منه إلاَّ بإذنه، وأن لا تتزيَّن لسواه، وتتجنَّب ما يغضبه، وأن لا تلح عليه في طلب مرهق. وأن تحافظ على كرامة أهله، وأن تقوم بخدمة أولادهما، وأن تعينه على ما أمكن عند مرضه أو عجزه، وأن لا تُنكر خيره وبره. وأما حقوق الزوجة على الزوج فأن يعاشرها بالمعروف، ويعاملها بالإحسان، ويحفظ حرمتها، ويراعي راحتها وفطرتها، ويعينها في خدمة بيتها، ويشاركها في سرورها وحزنها، ويقابلها بطلاقةٍ وبشاشةٍ، ويخاطبها برفقٍ ولينٍ، ويوسِّع في الإنفاق عليها، ويصون شعورها، ويرعى أهلها، ويحفظ كرامتها، ولا يمنعها عنهم، ولا يكلِّفها من الأمور ما لا تطيق، ولا يحرمها ما تطلب من الممكنات المباحة، ويشركها في المصالح المشتركة، ويعلِّمها إن جهلت طاعة الله، أو أهملت، ويحلم إن غضبت، ولا يحرمها حقًّا مشروعًا لها، ويرعى حريَّتها ضمن نطاق الشرع والدين، ويتحمَّل الأذى عنها، ويُعنَى بمداواتها إن مرضت. ***

стр. 2712

٨٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ, وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ, وَلَكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه الشافعي، وقوَّاه، وأخذه عنه البيهقي، والطحاوي، والخطابي، وسنده صحيح، وله طريق أخرج جيِّدة، كما قال المنذري، وهذه الطرق عند النسائي، والطحاوي، والبيهقي، وابن عساكر، وصحَّحه ابن حبان، وابن حزم، ووافقهما الحافظ في فتح الباري. ...

стр. 2713

٨٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ, وَالنَّسَائِيُّ, وَابْنُ حِبَّانَ, وَأُعِلَّ بِالوَقْفِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. هذا الحديث بلفظه جاء من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، والبراء، وأنس وأبو ذر، وعقبة بن عامر، وعلي بن طلق، وطلق بن علي. وهذه الطرق كلها فيها كلام، ولكن مع كثرة الطرق، واختلاف الرواة، يشدُّ بعض طرقها بعضًا، فهو حسن أو صحيح، وقد احتجَّ به ابن حزم. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل الحديثان على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وإلى هذا ذهبت الأمة، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولهذين الحديثين اللَّذين استفاضت طرقهما، ولأنَّ الأصل في الفروج الحرمة إلاَّ ما أمر الله به، وأذن فيه. ٢ - أما الاستمتاع من الزوجة بما دون دبرها من جسدها فهو جائز، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض". وأمره ﷺ عائشة بالاتزار للمباشرة وقت الحيض اتقاءٌ للفرج.

стр. 2714

٣ - فالحديثان يدلان على أنَّ إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب؛ لأنَّ اللَّعن لا يكون إلاَّ على كبيرة. ٤ - قال ابن القيم في الطب النبوي ما خلاصته: دلَّت الآية الكريمة على تحريم الوطء في دبرها من وجوه: أحدها: أنَّه أباح إتيانها في موضع الولد؛ فقال تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لا في الحشِّ الذي هو موضع الأذى. الثاني: للمرأة حق على الزوج في الوطء، والوطء في دبرها يفوتها حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصِّل مقصودها. الثالث: الوطء بالدبر مضرٌّ بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء. الرابع: يوجب النفرة والتباغض بين الفاعل والمفعول به. واستطرد ﵀ في ذكر المضار والمفاسد التي تجلبها هذه الفعلة الشنيعة. ***

стр. 2715

٨٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ, وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا, فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ, وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ مِن الضِّلَعِ أَعْلَاهُ, فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمَهُ، كَسَرْتَهُ, وَإِنْ تَرَكْتَهُ، لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ, فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ: "فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا، اسْتَمْتَعْتَ وَبِهَا عِوَجٌ, وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا, وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا" (١). ــ * مفردات الحديث: - استَوْصوا: يعني: ليُوصِ بعضكم بعضًا خيرًا وإحسانًا في نسائكم. أو معناه: اقبلوا وصيَّتي إيَّاكم فيهن، فإني أوصيكم بهنَّ خيرًا وإحسانًا. - ضِلَع: بكسر الضاد المعجمة، وفتح اللام، آخره عين مهملة، هو عظم قفص الصدر، وهو منحن، والمراد أنَّ حواء أصلها خلقت من ضلع آدم، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. - أعلاه: هو ما يكون عند الترقوة، فإنَّه مدور كنصف الدائرة، فهو عظم شديد الاعوجاج. - تقيمه: تعدله وترده إلى الاستقامة. - عِوَج: بكسر أوله على الأرجح، وقال أهل اللغة: العوج بالفتح في كل منتصب كالعود، وبالكسر ما كان في بساطٍ، أو أرضٍ، أو دِينٍ، فيُقال: في

стр. 2716

دِينه عِوج، بالكسر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث بيان حق الجار، وأنَّ حقَّه على جاره كبير، فقد جاء في الحديث الصحيح: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنَّه سيورثه". ٢ - ويدل على أنَّ من آذى جاره بأذى قولي أو فعلي، فليس بكامل الإيمان بالله تعالى، ولا باليوم الآخر؛ فإنَّ الإيمان بالله يحمل صاحبه على اتِّقاء محارمه، والإيمان باليوم الآخر يوجب الخوف من أهوال ذلك اليوم، فلا يؤذي جاره، أما من آذى جاره، فلو كان حين آذاه يتَّصف بالإيمان ما صدر منه أذى لجاره؛ فإنَّ الإيمان يحمل صاحبه على القيام بالواجبات، وترك المحرَّمات. ٣ - ويدل الحديث على الوصية بالنساء خيرًا، فقد جاء في خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع قوله: "فاتَّقوا الله في النساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله". فالله تعالى من رحمته ولطفه بخلقه، يوصي ويحث على العناية والرعاية بالجنس الصغير والضعيف من خلقه، فاليتامى أمر بحفظ أموالهم، ونهى عن إضاعتها، وتوعدَّ على أكلها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء] وهذه المرأة الضعيفة الأسيرة في بيت زوجها يوصي بها تعالى فيقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". ٤ - ولما وصَّى ﷺ بالنساء ذكر "أنَّهنَّ خُلِقن من ضِلع، وأنَّ أعوج شيء في الضِّلَعِ أعلاه" وهذا بيان لطبيعة النساء وخلقهن، وهو تمهيد للأمر

стр. 2717

باحتمالهن، والصبر عليهنَّ ولذا قال: "فإن ذهبتَ تقيمُهَا، كسرتها، وكسرها طلاقها، وإن استمتعت؛ بها استمعت بها على عِوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا". فهذا الوصف الرائع، والتصوير البارع، والوصية الكريمة منه ﷺ ، يحدِّد موقف الرجل من زوجته، فيسلك معها سبيل الحكمة، والرحمة، والبر، والإحسان. والمراد بخلقها من الضِلع، يعني: خلق أُمنا حواء من ضِلع آدم، ﵉. ٥ - إذا تدبرنا أحكام الإِسلام الرشيدة، وآدابه السامية، ووصاياه الكريمة، وجدنا من صفاته الكريمة الإيثار، فهو يشعر النفس بحبِّ الخير للإنسانية كلها، لاسيَّما أصحاب الحقوق من مسلمٍ، وقريبٍ، وجارٍ، وغيرهم ممَّن تربطهم بالإنسان علاقةٌ وصلةٌ، وهذا الإيثار له أكبر الأثر في توثيق المحبة بين أفراد المجتمع، وجعلهم متعاطفين متعاونين، بِعَكس الأثرة، وحب النفس، والأنانية، فإنَّها تجعل صاحبها مكروهًا، منبوذًا من المجتمع؛ لأنَّه لا يرغب أن يؤدي حق غيره. فمن أهم مكتشفات علم النفس الحديث: ما ثبت من أنَّ سعادة الإنسان لن تأتي بغير تضحية في سبيل الغير، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر]. وما أجمل الإيثار وأحسنه إذا كان فيمن لا تطمع منه في مكافأة، ولا ترجو منه جزاء ولا شكورًا، من امرأة ضعيفة أو يتيم فاقد لراعيه وواليه، فالإِسلام دائمًا يوصينا بهؤلاء وأمثالهم ممن ليس لهم حول ولا طَوْل، فالموفَّق البار بنفسه وبإخوانه لا تفوته هذه المواقف الكريمة من الإحسان، والمفرِّط المهمل هو من فاتته الفرص، وضاعت منه الغنائم.

стр. 2718

٦ - الحديث قرن بين حق الجار، وبين حق الزوجة، كما قرنت بينهما الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] فقد ذكر المفسرون أنَّ الجار الجنب هو الجار في الدار، والصاحب بالجَنب هو الزوجة. ٧ - تشبيه الطلاق بكسر العظم تشبيه بليغ جدًّا، ففيهما شبَهٌ كبيرٌ من حيث الإيلام، وصعوبة جبره وعلاجه، ومن أجل أنَّه قد يعود على غير خِلقته الأولى. ٨ - وفيه بيان أنَّ الناس ليست حقوقهم عليك سواء، بل بعضهم آكد حقًّا من بعض، كما في الحديث: "إنَّ الجار له حق، فإذا كان الجار مسلمًا فله حقان، فإذا كان جارًا مسلمًا قريبًا فله ثلاثة حقوق". ٩ - وفيه دليل على نقص عقول النساء وكمال عقول الرجال، فإنَّه لم يوص بهن إلاَّ لضعفهنَّ، وعدم احتمالهنَّ، وأنَّهنَّ بحاجة إلى ملاطفة ومداراة، وإلاَّ فلا يمكن البقاء معها. ١٠ - وفيه دليل على أنَّ الرجال هم القوامون على النساء، فإنَّه لم يوص الرجل بالمرأة إلاَّ لِما له عليها من الرئاسة. ١١ - وفي الحديث دليل على أنَّ أحوال الدنيا ناقصة، وأمورها لا تأتي على المطلوب والمراد، وأنَّ الواجب على الإنسان التحمل والصبر، والقناعة بما يحصل من خيرها. ١٢ - الزوجان ما داما في انسجام ووئام، فهذه هي العِشرة الطيبة التي حثَّ عليها الشرع المطهر. أما إذا دبَّ الخلاف والشقاق بينهما، فسبيلهما الإصلاح، ببعث حكمين بينهما؛ أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة، فيعملان ما يريانه الأصلح من جمع أو تفريق، وفي هذه الحال يجوز

стр. 2719

الإلزام بالفراق، إما بالخلع والفسخ، أو الطلاق إذا لم يمكن الإصلاح بينهما. وممَّن اختار إلزام الزوج شيخ الإِسلام، وابن القيم، وابن مفلح، وذكر أنَّه ألزم به بعض حكام الشام من المقادسة الفضلاء. واختار الشيخ محمَّد ابن إبراهيم المشهور من المذهب، وهو عدم إجبار الزوج على الخلع؛ ولكن نصوص الشريعة تدل على القول بالإلزام لإزالة الضرر والشقاق، قال ﷺ لثابت بن قيس: "خُذْ الحديقة، وطلِّقها تطليقة"، وقال ﷺ : "لا ضرر، ولا ضرار". ***

стр. 2720

٨٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ, فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ, ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ ﷺ : أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -يَعْنِي عِشَاءً- لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ, وَتَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "فَإِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ, فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا" (١). ــ * مفردات الحديث: - أمْهِلُوا: انتظروا، ولا تستعجلوا. - عِشاءً: بكسر العين، الظلام، أو من صلاة المغرب إلى العتمة. - تَمْتَشِط: مَشَّطت المرأة شعرها بالمشط: سرَّحته، والمِشط بالكسر: آلةٌ يُمشط بها، جمعها أمشاط. - الشَّعِثَة: بفتح الشين، وكسر العين، معناه: التي انتشر شعرها وتفرَّق. - تسْتحِد: بسين وحاء مهملتين، أي تزيل المرأة الشعر المرغوب في إزالته بالحديدة، أو بأي وسيلةٍ أخرى. - المُغِيبَة: بضم الميم، وكسر المعجمة، ثم مثناة تحتية ساكنة، فموحدة مفتوحة، هي التي غاب عنها زوجها. - فلا يطرق أهله ليلًا: قال أهل اللغة: الطروق المجيء بالليل من سفر وغيره على غفلة، فذكر الليل من باب التبيين والتأكيد.

стр. 2721

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث فيه توجيهٌ نبويٌّ كريمٌ، في كيفية مقابلة الزوجة لزوجها، والحال التي يحسن أن يراها عليها. ذلك أنَّ الزوجة إذا غاب عنها زوجها قد تهمل نفسها، فتكون شَعِثة الرأس، قليلة العناية بنظافة بدنها، فتكره أن يفاجئها زوجها على هذا الحال، وتود أن تستعد لمقدمه عليها على أحسن هيئة، فأمر ﷺ الغزاة معه إذا قربوا من المدينة المنورة، وعُلِم بقُربهم أن لا يدخلوا بيوتهم حتى تستعد لهم نساؤهم، لاستقبالهم بالحالة اللائقة بمقابلة الزوجة لزوجها الغائب. ٢ - وهذا التوجيه الكريم، والتعظيم الحكيم، مع ما في أثره من متعةٍ حسيةٍ بين الزوجين، فإنَّ فيه بقاء للعِشرة الكريمة، وتمام انسجام ووئام، فإنَّ كلًّا من الزوجين إذا رأى من الآخر ما يسره، ويمتع نفسه، تزداد رغبته، وتنمو محبته؛ فتطول الحياة الزوجية بسعادةٍ وهناءةٍ، وقد أباح لها الشارع من اللِّباس ما هو محرَّمٌ على الرِّجال، وهو لبس الحرير، والتَّحلي بمصاغ الذَّهب والفضة. ٣ - الأفضل للرجل الغائب أنْ يُعلم أهله بقدومه عليهم، بوعدٍ محدَّدٍ من ليلٍ أو نهارٍ، والآن -والحمد لله- سُهِّلت الاتصالات، فبإمكانه تحديد السَّاعة التي سيقدَم فيها، بواسطة الهواتف، وغيرها من وسائل الاتصالات. ٤ - إنَّ هذه الآداب النبوية هي من حسن العشرة، ومراعاة الأحوال، والإشعار بمدى الاهتمام، ممَّا يزيد في المحبّه والمودَّة. ٥ - ظاهر الرِّوايتين التَّعارض، وجمع بينهما الحافظ في فتح الباري فقال: الجمع بينهما: أنَّ الأمر بالدخول ليلًا لمن أعلم أهله بقدومه فاستعدوا له، والنَّهي لمن لم يفعل ذلك.

стр. 2722

٨٨٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَشَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ, ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - يُفْضي إلى امْرَأته، وَتُفْضي إليه: قال القرطبي: أصل الإفضاء في اللغة: المخالطة. قال الهروي والكلبي وغيرهما: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وإنْ لمْ يجامِعْها، وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: الإفضاء: الجِمَاع. اهـ. قال محرره: ومِن لازِمِ الجِمَاع الخلوة، فهذا أحسن. - سِرَّها: السِّرّ، بكسر السين، ما يسره الإنسان في نفسه، ويكتمه من الأمور، جمعه أسرار، ويطلق السر على الجِماع؛ لأنَّه يفعل سرًّا، وعلى ما يجري بين الزوجين عند فعله. - أشرَّ: قال القاضي عياض: هكذا وقعت هذه الرواية، والنحويون لا يجوزون "أشَرّ"، و"أَخْيرَ"، ولكن قد جاءت الأحاديث الصحيحة باللفظين جميعًا، وهي حجة في جوازهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الزوج مع زوجته لديهما أسرارٌ جنسية، هذه الأسرار هي في الغالب مداعباتٌ تحصل بين الزوجين أثناء العملية الجنسية، أو أنَّها أمورٌ من عيوب الأعضاء التناسلية.

стр. 2723

هذه أشياءٌ هي في غاية السرِّية بينهما، فيكرهان أن يطلع عليها أحد. ٢ - لذا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ وصف الذي يخون أمانته من أحد الزوجين، فيُطلع الناس على ما دار بينه وبين زوجه في تلك الحال، أو ما رآه من زوجه من عيب، أنَّه شر النَّاس عند الله تعالى وأحطهم منزلة. ٣ - فالحديث يدل على تحريم إفشاء أسرار الزوجين الخاصَّة عند إفضاء أحدهما إلى الآخر؛ لأنَّ المفضي بهذا السر شرُّ النَّاس عند الله تعالى. ٤ - يعتبر الإِسلام العلاقات الجنسية بين الزوجين أمرًا محترمًا له اعتباره، فيجب أن يحافظ عليه، وأن لا يفرط فيه أحدهما، بحيث يأتمن أحدهما الآخر، ثم يفشي سرَّه. ٥ - من ناحيةٍ أخرى فإنَّ هذه المداعبات بين الزوجين أثناء الجماع هي شيءٌ مطلق الحرية في هذه الحال؛ لأنَّها ترغِّب أحد الزوجين بالَآخر وتنشِّطه، ولهذا سُمِحَ فيها بالكذب، لكن إذا علِمَ أحَدهما أنَّ هذه الأسرار ستُفشى، وتظهر أمام الناس، وتصير موضع سخريةٍ وانتقادٍ، أقْصر عنها وكتمها، ثم يكون التلاقي الجنسي فاترًا باردًا، قد ينتهي إلى فشل الزواج، أو الاتصال الجنسي. ٦ - قال العلماء: ذكر مجرَّد الجِماع يُكره لغير حاجة، ويباح للحاجة كذكره إعراضها عنه، أو هي تدَّعي عليه العجز عن الجِماع، ونحو ذلك. * قرار مجمع الفقه الإِسلامي بشأن السر في المِهن الطبية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. إنَّ مجلس مجمع الفقه الإِسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر

стр. 2724

سيري باجوان، بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرَّم ١٤١٤ هـ، الموافق ٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "السر في المهن الطبية". وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرَّر ما يلي: ١ - (أ) السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتمًا إيَّاه من قبل أو من بعد، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان، إذا كان العرف يقضي بكتمانه، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطَّلع عليها الناس. (ب) السر أمانةٌ لدى من استودع حفظه؛ التزامًا بما جاءت به الشريعة الإِسلامية، وهو ما تقضي به المروءة، وآداب التعامل. (ج) الأصل حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مُقْتَضٍ معتبرٍ موجبٌ للمؤاخذة شرعًا. (د) يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المِهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح، وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه. ٢ - تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه الحالات على ضربين: (أ) حالات يجب فيها إفشاء السر بناءً على قاعدة ارتكاب أهون الضررين

стр. 2725

لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعيَّن ذلك لدرئه. وهذه الحالات نوعان: - ما فيه درء مفسدة عن المجتمع. - وما فيه درء مفسدة عن الفرد. (ب) حالات يجوز فيها إفشاء السر لِما فيه: - جلب مصلحة للمجتمع. - أو درء مفسدة عامة. وهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها، من حيث حفظ الدين، والنَّفس، والعقل، والمال، والنسل. (ج) الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء، أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية، وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصًا عليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولِمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن. ٣ - يوصي المجمع نقابات المهن الطبية، ووزارات الصحة، وكليات العلوم الصحية، بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات، والاهتمام به، وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع، ووضع المقررات المتعلقة به، مع الاستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع. والله أعلم ***

стр. 2726

٨٨٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ? قَالَ: تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ, وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ, وَلَا تَضْرِبِ الوَجْهَ, وَلَا تُقَبِّحْ, وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ, وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان، وصححاه، وعلَّق البخاري طرفًا منه، وصححه الدارقطني، وقد ساقه أبو داود في سننه من ثلاث طرق، في كل واحدٍ منها بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وقد اختلف الأئمة في نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، فمنهم من احتج بها، ومنهم من أبى ذلك، وخرَّج الترمذي منها شيئًا وصحَّحه. * مفردات الحديث: - ما حق: "ما" لها عدة معانٍ، والمراد هنا الاستفهام، ومحلها الرفع على الابتداء، و"حق" خبرها. - لا تُقَبِّح: بضم التاء، وفتح القاف، وتشديد الباء، وآخره حاء: قبحه الله عن

стр. 2727

الخير، أي: أبعده، والمعنى: لا تشتم وتسب، كأن تقول: قبَّح الله وجهك. - ولا تهجر: "لا" ناهية، و"تهجر": فعلٌ مجزومٌ بلا، الهجر: الترك والإعراض، وسيأتي تفصيله في معنى الحديث إن شاء الله. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الحديث فيه بعض حقوق أحد الزوجين على الآخر، أمَّا الزوج فعليه لزوجته النفقة، والسكنى، وكذلك عليه كسوتها. ٢ - وعليه أن يكف عنها أذاه، فلا يضربها، وإذا جاء ما يوجب تأديبها بالضرب، فعليه اجتناب الوجه؛ لكرامته، ولحساسيته، ولئلا يقع فيه من ضربها ما ينفره منها من أثر شين وتشويه. ٣ - وعليه أن يقابلها بالبشاشة والطلاقة، فإذا وجد ما يوجب توبيخها، فليكن بالكلام والتوجيه، فلا يكون بالألفاظ القبيحة، والسباب المكروه. ٤ - وعليه إيناسها بالكلام الطيب، والمباسطة من الأحاديث، لاسيَّما الأحاديث الودية، وإذا احتاج الأمر إلى تأديبها بهجرها وبترك كلامها، فليكن هذا في البيت فقط ليس أمام الناس؛ لئلا يجرح شعورها، ويخجلها أمام الناس، وأمام الشامِتِين بها، فتظهر بمظهر المَقْلِيَّة المتروكة. هذه بعض الأمور المتعلِّقة بسلوك الزوج مع زوجته. ٥ - يدل الحديث عليها وجوب نفقة المرأة على زوجها، وكسوتها، وسُكناها. ٦ - ويدل على جواز تأديب الزوج زوجته عند الحاجة إلى ذلك، ولكنه تأديبٌ تراعى فيه الآداب العامة والرحمة: فإن هجرها: فليكن هجرًا سريًّا بينهما، لا يكون أمام الناس، وإذا ضربها، فلا يكون في الوجه، ولا يكون في مواضع مؤلمة أو مواضع شريفة، وإذا عاتب ووبَّخ، فلا يستعمل الألفاظ البذيئة، والكلمات الجارحة، والشتم، والسب.

стр. 2728

٧ - سيأتي الكلام على نفقة الزوجة وقدرها في "باب النفقات"، إن شاء الله تعالى. ٨ - قال في الإنصاف: ليس على الزوجة عجنٌ ولا طبخٌ، ونحو ذلك على الصحيح من المذهب، نُصَّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب. أما الشيخ تقي الدين فقال: يجب عليها المعروف من مثلها لمثله. قال في الإنصاف: والصواب أن يُرجع في ذلك إلى عرف البلد. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّه تجب معاشرة كل من الآخر بالمعروف، وأنَّ الطبخ والخبز وخدمة الدار ونحو ذلك واجبٌ عليها مع جريان العادة بذلك. قال الشيخ عبد الله بن محمد: كلام الشيخ تقي الدين "أنَّه يجب عليها المعروف من مثلها لمثله" من أحسن الكلام. ٩ - عالج الحديث مشكلة النشوز؛ لأن الزواج في الشريعة الإِسلامية ميثاقٌ غليظ، وعهدٌ متين، ربَطَ الله به بين رجلٍ وامرأةٍ، وأصبح كل منهما يسمى زوجًا، بعد أن كان فردًا، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء] والميثاق الغليظ هو العقد، فهو أمتن عقد. ثم هناك علاقةٌ بين الزوجين، حيث جعل الله كلَّ واحدٍ منهما موافِقًا للآخر، مُلبيًا لحاجته الفطرية: نفسية، وعقلية، وجسدية، بحيث يجد عنده الرَّاحة، والطمأنينة، والاستقرار، ويجد أنَّ في اجتماعهما السَّكن، والاكتفاء، والمودة، والرحمة؛ لأنَّ تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي، مرادٌ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما، وامتزاجهما في النهاية؛ لإنشاء حياةٍ جديدةٍ، تتمثَّل في جيلٍ جديد. ويصوِّر هذهِ المعاني قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ

стр. 2729

أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم] هذه الرابطة الكريمة بين الزوجين عُنِيَ بها الإِسلام عنايةً فائقةً، من المعاشرة بالمعروف، ومن الأمر بالصبر والاحتمال. فإذا طرأ عليها ما غير جوَّها، فإنَّ الإِسلام أرشد إلى تصفية الجو، باتخاذ أمورٍ يتدرج فيها المصلح، حتى ينتهي إلى النتيجة: أولًا: الوعظ والإرشاد، فبعض النساء يُؤثِّر فيهنَّ هذا اللون من التأديب؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. ثانيًا: الإعراض عنها في الفراش، وهَجرها، وقد يُنتج هذا النوع من العلاج نتائج طيبة، فالهَجر في المضجع علاجٌ نفسيٌّ بالغ، يفوِّت عليها السرور والمتعة التي هي عندها من أصعب الأمور، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. ثالثًا: الضرب غير المُبرِّح؛ قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] والضرب دواءٌ لا يلجأ إليه إلاَّ عند الضرورة، والحالات الصعبة. رابعًا: إذا تعذَّر نجاح هذه الوسائل، وأصرَّت على نشوزها وترفعها وسوء عشرتها، فإنَّ الحاجة تدعو إلى دَرْءِ الصدع بحَكَمٍ من أهله وحَكَمٍ من أهلها ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. خامسًا: إذا لم يحصل الجمع بين الزوجين، وتعذَّر التوفيق بينهما، فالمذهب: أنَّ الزوج لا يُجبر على الفراق. والقول الثاني: أنَّه يُجبر على خلعها، أو فسخها، أو طلاقها، بعوضٍ أو بدونه، وممَّن اختار هذا القول شيخ الإِسلام، وابن القيم، وابن مفلح، ونقله عن بعض قضاة الحنابلة، والشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ يوجِّه قضاة المملكة العربية السعودية إلى الأخذ به عند الحاجة، لقصة ثابت بن قيس، ولحديث: "لا ضرر، ولا ضرار".

стр. 2730

٨٨٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوْا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ــ * مفردات الحديث: - أتى الرَّجل امرأته: يعني جامعها. - من دُبُرهَا: من جهة عجَيْزَتِها. - في قُبُلهَا: القُبُل مَن كل شيء: مقدمته، وهنا المراد به: العورة الإمامية من المرأة. - أحول: حَوِلَتْ عينه حولًا: كان بها حول، فهو أحول. قال في الموسوعة الميسرة: الحول -بفتح الواو- تعبيرٌ عامٌّ يُطلق على جميع الحالات التي يتَّخذ فيها محور الأبصار بالنسبة لكليهما أوضاعًا تختلف عن الحالة السوية. وقال في المغرب: الحول أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأنف، والأخرى إلى الصدغ. قال الأطباء: سببه إما خللٌ في أعصاب العضلات المحرِّكة للعين، أو ضعفٌ فيها، أو أغلاطٌ في انكسار الأشعة الضوئية الداخلة في العين، أو غير ذلك. - حرث: يقال: حرث الأرض حرثًا: أثارها للزراعة، فقوله سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ

стр. 2731

حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال في المحيط: أي موضع حرث لكم، شبه نساءهم بموضع الحرث، تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان اليهود يضيِّقون في هيئة الجماع، من غير استنادٍ إلى علم، وكان الأوس والخزرج يأخذون عنهم أقوالهم وأحوالهم؛ لأنَّهم أهل كتاب، وكان من جملة افتراء اليهود قولهم: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد المقدر من ذلك الجِماع أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ٢ - فيه دليل على افتراءات اليهود، وأكاذيبهم القديمة والحديثة، وتحريفهم لكتب الله تعالى، وتغييرهم كلماته؛ قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]. ٣ - وقال تعالى عن جهلهم وافترائهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]. ٤ - الحديث فيه بيان كذب اليهود، وإبطال فريتهم، وأنَّ الرجل له أن يُجامع زوجته على أي هيئةٍ وشكلٍ كان، مقبلةً أو مدبرةً، قائمةً أو جالسةً، ما دام ذلك في القُبُل، وأنَّ هذا لا دخل له في صورة الولد وشكله ونوعه. ٥ - الطب الحديث المبني على التجارب الصادقة، والحقائق الثابتة، كذَّب اليهود، وأثبت إعجازًا علميًّا للنَّبيِّ ﷺ ، ولسنَّته المطهَّرة. ٦ - الحديث حدد مكان الجماع بمكان الحرث الذي يطلب منه الولد، ويخرج منه؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فلا تجاوزوا مكان الحرث إلى المكان الآخر.

стр. 2732

٧ - فيه الترغيب بالجماع، والتهييج عليه ما دام أنَّه حرث، والحَرْث يثمر الغلَّة النَّافعة، ويحصل منه الثمرة الطيبة، وكذا الجماع: فإنَّه السبب بكثرة النسل، وتكثير سواد المسلمين، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته الأنبياء يوم القيامة. ***

стр. 2733

٨٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا; فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ, لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - لو أنَّ: "لو" هذه للتمنِّي، فلا تحتاج إلى الجواب عند محققي النحويين. - أهله: جمعه أهلون، وأهل الرجل قرابته، قال تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] والمراد هنا من أهله: زوجته. - جَنِّبنا: من جنَّبَ الشيءَ يجنِّبُهُ تجنيبًا: إذا أبعده منه. - الشيطان: وزنه فيعال من شطن، فالنون أصلية على الصحيح، والشيطان معروف، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب: شيطان. - ما رزَقْتَنَا: من الرزق، وجمعه أرزاق، والرِّزق بكسر الراء: الاسم، وبفتح الراء المصدر، والرزق في كلام العرب: الحظ، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة] أي حظكم من هذا الأمر، والرزق عام لكل ما ينتفع به، ولذا يقال: اللَّهمَّ ارزقني زوجةً صالحةً، والمراد هنا: الولد الناشيء من هذا الجماع. - لم يضره: بفتح الراء، والضرر هنا عام للديني والبدني.

стр. 2734

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - يبين النبي ﷺ في هذا الحديث سنة من آداب الجماع، وهو أنَّه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أن يقول: باسم الله، فإنَّ اسم الله تعالى يحل البركة والخير فيما تقدم عليه، وترك اسم الله يجعل الشيء ناقصًا مبتورًا. ٢ - أما الذِّكر الثاني عندَ الجِمَاع فهو أن يقول: "اللهمَّ جنبِّنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا" فهذا الدعاء المبارك، وتلك الاستعاذة، من شأنها إذا قبلها الله تعالى "فإنَّه إن يقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان"، ويبقى محفوظًا مصونًا من الشيطان الرجيم. قالت المرأة الصالحة امرأة عمران: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران]. قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ٣ - أسباب العصمة من الشيطان كثيرة منها الحسي، ومنها المعنوي: فهذا الدعاء من الوقاية المعنوية من الشيطان ونزغاته، فإذا وُجِد معه أيضًا الأسباب الأُخرى، وانتفت الموانع، وجد المسبَّب الذي رتِّب عليه، وهو العصمة من الشيطان، وإنْ لم توجد الأسباب، أو وجد ولكن حصل معها الموانع، لم يقع المسبَّب ٤ - غالب أعمال الإنسان وعاداته لها أذكار؛ من دخول المنزل، والخروج منه، والأكل، والشرب، والفراغ منهما، وعند النوم، والاستيقاظ، وغير ذلك من التصرفات، فينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه الأذكار؛ ليكون من ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ٥ - أفضل ما يحصن به الإنسان نفسه من عدوه الشيطان هو ذكر الله تعالى، الذي منه الأوراد الشرعية؛ من كتاب الله ومما صحَّ عن رسول الله ﷺ .

стр. 2735

٦ - الذكر المذكور ليس واجبًا، وإنما هو مستحب عند هذه الحالة، وسياق الحديث يدل على هذا. ٧ - وفيه دليلٌ على أنَّ الشيطان لا يُفارق ابن آدم، بل يُلازمه، ويُتابِع أعماله؛ ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، ولكن الفَطِن هو الذي لا يدع فرصة له؛ وذلك باستحضار ذكر الله. ***
следующие страницы →