حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال في المحيط: أي موضع حرث لكم، شبه نساءهم بموضع الحرث، تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان اليهود يضيِّقون في هيئة الجماع، من غير استنادٍ إلى علم، وكان الأوس والخزرج يأخذون عنهم أقوالهم وأحوالهم؛ لأنَّهم أهل كتاب، وكان من جملة افتراء اليهود قولهم: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد المقدر من ذلك الجِماع أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
٢ - فيه دليل على افتراءات اليهود، وأكاذيبهم القديمة والحديثة، وتحريفهم لكتب الله تعالى، وتغييرهم كلماته؛ قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].
٣ - وقال تعالى عن جهلهم وافترائهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة].
٤ - الحديث فيه بيان كذب اليهود، وإبطال فريتهم، وأنَّ الرجل له أن يُجامع زوجته على أي هيئةٍ وشكلٍ كان، مقبلةً أو مدبرةً، قائمةً أو جالسةً، ما دام ذلك في القُبُل، وأنَّ هذا لا دخل له في صورة الولد وشكله ونوعه.
٥ - الطب الحديث المبني على التجارب الصادقة، والحقائق الثابتة، كذَّب اليهود، وأثبت إعجازًا علميًّا للنَّبيِّ ﷺ ، ولسنَّته المطهَّرة.
٦ - الحديث حدد مكان الجماع بمكان الحرث الذي يطلب منه الولد، ويخرج منه؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فلا تجاوزوا مكان الحرث إلى المكان الآخر.
стр. 2732
٧ - فيه الترغيب بالجماع، والتهييج عليه ما دام أنَّه حرث، والحَرْث يثمر الغلَّة النَّافعة، ويحصل منه الثمرة الطيبة، وكذا الجماع: فإنَّه السبب بكثرة النسل، وتكثير سواد المسلمين، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته الأنبياء يوم القيامة.
***
стр. 2733
٨٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا; فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ, لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لو أنَّ: "لو" هذه للتمنِّي، فلا تحتاج إلى الجواب عند محققي النحويين.
- أهله: جمعه أهلون، وأهل الرجل قرابته، قال تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] والمراد هنا من أهله: زوجته.
- جَنِّبنا: من جنَّبَ الشيءَ يجنِّبُهُ تجنيبًا: إذا أبعده منه.
- الشيطان: وزنه فيعال من شطن، فالنون أصلية على الصحيح، والشيطان معروف، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب: شيطان.
- ما رزَقْتَنَا: من الرزق، وجمعه أرزاق، والرِّزق بكسر الراء: الاسم، وبفتح الراء المصدر، والرزق في كلام العرب: الحظ، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة] أي حظكم من هذا الأمر، والرزق عام لكل ما ينتفع به، ولذا يقال: اللَّهمَّ ارزقني زوجةً صالحةً، والمراد هنا: الولد الناشيء من هذا الجماع.
- لم يضره: بفتح الراء، والضرر هنا عام للديني والبدني.
стр. 2734
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يبين النبي ﷺ في هذا الحديث سنة من آداب الجماع، وهو أنَّه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أن يقول: باسم الله، فإنَّ اسم الله تعالى يحل البركة والخير فيما تقدم عليه، وترك اسم الله يجعل الشيء ناقصًا مبتورًا.
٢ - أما الذِّكر الثاني عندَ الجِمَاع فهو أن يقول: "اللهمَّ جنبِّنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا" فهذا الدعاء المبارك، وتلك الاستعاذة، من شأنها إذا قبلها الله تعالى "فإنَّه إن يقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان"، ويبقى محفوظًا مصونًا من الشيطان الرجيم.
قالت المرأة الصالحة امرأة عمران: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران].
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
٣ - أسباب العصمة من الشيطان كثيرة منها الحسي، ومنها المعنوي: فهذا الدعاء من الوقاية المعنوية من الشيطان ونزغاته، فإذا وُجِد معه أيضًا الأسباب الأُخرى، وانتفت الموانع، وجد المسبَّب الذي رتِّب عليه، وهو العصمة من الشيطان، وإنْ لم توجد الأسباب، أو وجد ولكن حصل معها الموانع، لم يقع المسبَّب
٤ - غالب أعمال الإنسان وعاداته لها أذكار؛ من دخول المنزل، والخروج منه، والأكل، والشرب، والفراغ منهما، وعند النوم، والاستيقاظ، وغير ذلك من التصرفات، فينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه الأذكار؛ ليكون من ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾.
٥ - أفضل ما يحصن به الإنسان نفسه من عدوه الشيطان هو ذكر الله تعالى، الذي منه الأوراد الشرعية؛ من كتاب الله ومما صحَّ عن رسول الله ﷺ .
стр. 2735
٦ - الذكر المذكور ليس واجبًا، وإنما هو مستحب عند هذه الحالة، وسياق الحديث يدل على هذا.
٧ - وفيه دليلٌ على أنَّ الشيطان لا يُفارق ابن آدم، بل يُلازمه، ويُتابِع أعماله؛ ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، ولكن الفَطِن هو الذي لا يدع فرصة له؛ وذلك باستحضار ذكر الله.
***
стр. 2736
٨٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ, فَبَاتَ غَضْبَانَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ: "كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا". (١)
ــ
* مفردات الحديث:
- دعا الرجل امرأته: أي طلبها.
- إلى فراشه: بكسر الفاء، وهو هنا كناية عن الجماع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على عِظم حق الزوج على زوجته؛ كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
٢ - ويجب له عليها السمع والطاعة في المعروف؛ فقد جاء في المسند وسنن ابن ماجه عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والذي نفس محمَّد بيده! لا تؤدي المرأة حق ربها، حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها، وهي على قَتَبٍ، لم تَمْنعه".
٣ - أنَّه يحرم على المرأة أن تمنع، أو تماطل، أو تتكرَّه على زوجها إذا دعاها إلى فراشه من أجل الجماع، وأنَّ امتناعها هذا يُعتبر كبيرةً من كبائر الذنوب؛ فإنَّه يترتب عليه أنَّ الملائكة تلعنها حتى تصبح.
стр. 2737
واللعن لا يكون إلاَّ لفعل محرَّمٍ كبير، أو ترك واجبٍ محتم.
٤ - أنَّ العشرة الحسنة والصُحبة الطيبة هي أنْ تسعى المرأة في قضاء حقوق زوجها الواجبة عليها، وتلبية رغباته، وأن تؤديها على أكمل وجه ممكن.
٥ - الشَّارع الحكيم لم يُرتِّب هذا الوعيد على الزوجة العاصية لزوجها، إلاَّ لِمَا يترتَّب على عصيانها من شرور، فإنَّ الرَّجل لاسيَّما الشاب إذا لم يجد حلالًا، أغواه الشيطان بالوقوع في الحرام، فضاع دينه وخلقه، وفسد نسله، وخرب بيته وأسرته.
٦ - الزوجة الصالحة هي التي وصفها الله تعالى بقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ووصفها النبي ﷺ بقوله: "خير النساء امرأة إذا نظرتَ إليها سرَّتْك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غِبْتَ عنها حفظتك في نفسها ومالك".
٧ - وفي الحديث دليل على جواز لعن العصاة ولو كانوا مسلمين، وفي الإخبار عن لعن الملائكة: زجر لها في الاستمرار في العصيان، وردع لغيرها عن الوقوع في مثله.
٨ - الحديث فيه وجوب طاعة الزوجة زوجها عند طلبها لفراشه من غير تحديد بوقت ولا عدد، وإنما يقيَّد بما يضرُّها، أو يشغلها عن واجب.
فأما الوقت فقد روى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها، وهي على قتب، لم تمنعه".
قال في الروض وغيره: ويلزمه الوطء إن قدر عليه ثُلث سنة مرَّة بطلب الزوجة؛ لأنَّ الله قدَّر ذلك في أربعة أشهر في حق المُولِي، فكذلك في حق غيره، واختار الشيخ أنَّ الوطء الواجب يكون بقدر حاجتها، وقُدرته، كما يطعمها بقدر حاجتها، وقدرته، وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتضٍ
стр. 2738
للفسخ بكل حال.
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: وله الإكثار من ذلك، لا يتحدَّد بحد، ولا يقيَّد، ما لم يضر بها، فإن أضرَّ بها فلا؛ لحديث: "لا ضرر، ولا ضرار" [أخرجه أحمد وابن ماجه]، ولحديث: "من ضارَّ، ضاره الله" [رواه الأربعة].
***
стр. 2739
٨٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَةَ, وَالوَاشِمَةَ، وَالمُسْتَوْشِمَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لعنه: أي طرده وأبعده عن الخير والرحمة.
- الوَاصِلَة: هي المرأة التي تصل شعرها أو شعر غيرها، بشعرٍ غيره.
- المستوصلة: هي المرأة التي تطلب أن يوصل شعرها بشعر غيره.
- الواشمة: الوشم يكون من غرز الإبرة في البدن، وذر النيلج عليه، حتى يزرق أثره، أو يخضر، والواشمة هي المرأة التي تعمل هذا العمل.
- المستوشمة: هي المرأة التي تطلب أن يُعمل في بدنها الوشم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة هي التي تطلب أن يوصل شعرها بشعر غيرها.
٢ - الحديث دلَّ على تحريم وصل الشعر بشعرٍ آخر، وأنَّ هذا من كبائر الذنوب؛ لأنَّ الشَّارع لعن الواصلة، والمستوصلة، والَّلعن هو الطَّرد عن رحمة الله، ولا يكون إلاَّ في حق صاحب كبيرة.
٣ - قال الشيخ عبد العزيز ابن باز: وأما لبس الباروكة، فقد بدا في بلاد المسلمين، واشتهر النساء بلبسه والتزين به، حتى صار في زينتهن، فلُبس المرأة إيَّاها، وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبهٌ بالكافرات، وقد نهى ﷺ عن ذلك بقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم".
стр. 2740
٤ - وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز -أيضًا-: يجوز للرجل إزالة شعر جسده من الظهر والصدر والساقين والفخذ إذا لم يضر بدنه، ولم يقصد التشبه بالنساء؛ لأنَّ الأصل الإباحة، ولا يجوز للمسلم أن يحرم شيئًا إلاَّ بالدَّليل، ولا دليل على تحريم هذا، وسكوت الله ورسوله يدل على الإباحة.
٥ - أما الواشمة: فهي التي تغرز إبرة في موضع من بدنها أو بدن غيرها، حتى يسيل الدم، ثم تحشو الموضع بالكحل والنورة، فيخضر، وأما المستوشمة: فهي التي تطلب أن يُفعل بها ذلك.
٦ - الحديث يدل على تحريم الوشم، وأنَّ فاعله والمفعول به ملعونان، واللَّعن لا يرتب إلاَّ على من فعل كبيرة من كبائر الذنوب.
٧ - قال الشيخ أحمد بن محمد بن عساف في كتابه "الحلال والحرام": ومِن الزينة وشم الأبدان، ووشر الأسنان، وقد "لعن رسول الله ﷺ الواشمة، والمستوشمة، والواشرة" [رواه مسلم].
أما الوشم ففيه تشويهٌ للوجه واليدين.
هذا ومن النَّاس من يتَّخذون منه صورًا لمعبوداتهم وشعائرهم، كما نرى في أيَّامنا بعض النَّصارى يرسمون الصليب على أيديهم وصدورهم.
٨ - وقال الألوسي في كتابه "بلوغ الأرب": إنَّ الوشم مذهب باطل، وعادة مستقبحة جدًّا؛ فلذلك أبطلته الشريعة الإِسلامية، وجعلته محرَّمًا؛ لِما فيه من تغيير خلق الله.
***
стр. 2741
٨٨٨ - وَعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵂ قَالَتْ: "حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ, وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ, فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ, فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ? فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الوَأْدُ الْخَفِيُّ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- هَمَمْتُ: قال أهل اللغة: همَّ بالأمر همًّا: عزم على القيام به ولم يفعله؛ فقد همَّ ﷺ أن ينهى عن الغِيلة، ولكنه لم ينه.
- الغِيلة: بكسر الغين المعجمة فمثناة تحتية، وهي مجامعة الرجل امرأته وهي ترضع، أو حامل.
- الروم: جيلٌ عظيمٌ من الناس، بلغوا في زمانهم الغاية في الكثرة والقوَّة.
قال ابن حزم: إنَّ الرُّوم نسبوا إلى "روملس" باني روما، ولما زحفت الفتوحات الإِسلامية، استولت على غالب بلادهم.
- فارس: أمةٌ عظيمةٌ كثيرةٌ وشديدة فيما وراء النَّهر من بلاد العرب، قال ابن حزم: من بني ساسان بن بهمن.
وقال في الموسوعة الميسرة: المرجح أنَّ الفرس كانوا رُحَّلًا في القرن السابع قبل المسيح، واستقروا بإقليم فارس الخالي بعد الآشوريين.
- العَزْل: هو أن ينزع الرجل ذكره من فرج المرأة، حتى لا يُنزل فيه؛ دفعًا لحصول الحمل.
стр. 2742
- الوأد الخفي: بفتح الواو، ثمَّ همزة ساكِنة، يُقال: وأد الرجل ابنته يئدها وأْدًا: دفنها حيَّة فهي موءودة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير].
فلمّا كان العزل إتلافًا للحيوانات المنوية بالإنزال خارج الفرج، شبِّه بالوأد الخفي الذي لا يرى أثر قتله؛ فهو إتلاف نفسٍ ولو بعيدة عن الوجود.
***
стр. 2743
٨٨٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ اليَهُودَ تَحَدَّثُ أنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: كَذَبَتِ اليَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فرجاله ثقات كما قال المصنف، رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والطحاوي، والترمذي، بسندٍ صحيح، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو يعلى، والبيهقي بسندٍ حسنٍ أيضًا؛ فالحديث صحيح.
* مفردات الحديث:
- الجارية: هي الشَّابَّة من الإماء، سميت به؛ لخفة جريانها.
- أعزل: العزل: هو نزع الذكر من الفرج؛ ليُنزِلَ خارجه.
- الموءودة: في الأصل هي البنت التي تُدفن حية تحت التراب، شبَّه عزل الحيوان المنوي حينما يتلف قبل أن ينمو نموًّا بشريًّا بالبنت الموءودة، إلاَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كذَّب اليهود في ذلك.
стр. 2744
٨٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالقُرآنُ يَنْزِلُ، ولَوْ كَانَ شَيءٌ يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ القُرآنُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: "فَبلَغَ ذلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ" (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- والقرآن ينزل: جملة حالية.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - قال في النهاية: الغيلة: الاسم من الغيل، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، والعرب تكره ذلك، والأطباء يقولون: إنَّ ذلك داءٌ يضر بالطفل الرضيع.
٢ - همَّ النَّبيُّ ﷺ أن ينهى عن الغيلة، بناءً على خبر أطباء زمنه، وكونه مستكرهًا عند العرب، لكنه لم يفعل.
٣ - لما نظر رسول الله ﷺ إلى شعب فارس وشعب الروم، وإذا بهم يغيلون أولادهم، يسقونهم لبن الحوامل ولا يضرهم شيئًا مع تطبيق التجربة، والتجربة هي سُلَّم العلوم الطبيعية، فظهر أنَّ الغيلة لم تضر أبناء فارس والروم، فأقصر عن النَّهي عنها.
٤ - جاء في سنن أبي داود من حديث أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا؛ فإنَّ الغيل يدرك الفارس فيُدَعْثِره عن فرسه"، ومعنى يدعثر أي يصرعه ويهلكه.
стр. 2745
والغيل أصله أن يجامع الرجل المرأة وهي مرضع؛ فيقول ﷺ : إنَّ المرضع إذا جومعت، فحملت، فسد لبنها، ونهك الولد إذا اغتذى بذلك اللبن، فيبقى ضاويًا، فإذا صار رجلاً فركب الخيل فركضها، أدركه ضعف الغيل، فزال وسقط عن متونها؛ فكان ذلك كالقتل له، إلاَّ أنَّه سِرٌّ لا يُرى ولا يُشعر به؛ كما قال الخطابي في معالم السنن.
٥ - قال ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة": الغيل: هو وطء المرأة إذا كانت ترضع، وأنه يشبه قتل الولد سواء، وأنَّه يدرك الفارس، وقوله ﷺ في حديث: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، ثم رأيتُ فارس والروم يفعلون، ولا يضر ذلك أولادهم شيئًا"؛ فإن الغيل يفعل في الوليد مثل ما يفعل من يصرع الفارس عن فرسه، وذلك يوجد نوع أذى، ولكنَّه ليس بقتلٍ للولد , وإن كان يترتب عليه نوع أذى للطفل، فأرشدهم ﷺ إلى تركه، ولم ينه عنه، ثم عزم على النَّهي؛ سدًّا لذريعة أذى ينال الرضيع، فرأى أنَّ سدَّ هذا الذريعة لا يقاوم المفسدة التي تترتَّب على الإمساك عن وطء النساء مدَّة الرضاع، فرأى أنَّ هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة، فنظر فإذا الأُمَّتان اللتان هما من أكثر الأمم وأشدها بأسًا يفعلون ذلك فأمسك عن النَّهي عنه، فلا تعارض بين الحديثين، والله أعلم.
٦ - قال الدكتور محمَّد علي البار: الجنين يستمد غذاءه كله من أمه، فتمده بجميع عناصر الغذاء، ولو أدَّى إلى الإضرار بها، فمثلاً تعطيه الكالسيوم ولو أدَّى إلى سحبه من عظامها، كما تعطيه الحديد ولو أصابها بفقر الدم، وتمنعه من وصول المواد الضارة مثل: البولينا، وغاز أكسيد الكربون، وتمنعه المواد السامة، مع أنَّها تعيش في جسمها.
ومن المعلوم أنَّ الرضيع -وخاصة في الأشهر الأولى- يعتمد اعتمادًا كاملأ في غذائه على لبن الأم، وهو يسحب الموادَّ الهامة لبناء جسمه، كما
стр. 2746
يفعل الجنين أثناء الحمل من الضرر الذي يقع أولاً على الأم، ثم يقع بعد ذلك على الجنين؛ لأنَّ دم الأم أصبح فقيرًا بالمواد الغذائية، فإذا استنفذت مصادر الكالسيوم والحديد .. إلخ، المدخرة لدى الأمّ، أدى لك إلى نقص هذا المواد لدى الجنين، ولدى الرضيع.
٧ - وقال الدكتور محمَّد علي البار -أيضا- في كتابه: "خلق الإنسان": إنَّ الرضاع هو أحد العوامل القديمة والهامة في تحديد النسل؛ فالمرضع عادة تتوقف عادتها الشهرية، ويمتنع المبيض نتيجة الإرضاع عن إفراز البيضة المعهودة في كل شهر، وقد قرَّر الإسلام حق المولود في الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.
ومع هذا، فإنَّ القاعدة قد تنخرق، كما تنخرق بقية القواعد أمام الإرادة الإلهية، وقد رأى رسول الله ﷺ أنَّ ذلك قد يضر بالجنين الذي حملت به أمه أثناء إرضاعه لأخيه أو أخته.
٨ - العزل هو نزع الذكر من فرج المرأة أثناء الجِماع، وإراقة المني خارج الفرج؛ خشية الحمل.
والحديث رقم (٨٨٨) جعله الوأد الخفي، والوأد هو دفن البنت حيَّة، وإهالة التراب عليها حتى تموت، وكانت عادة جاهلية، والوأد حرام، والعزل يشبه الوأد من حيث إتلاف نطفة خفية عندها استعداد للنمو لتكون إنسانًا، لا من حيث الحكم الذي هو قتل النفس المعصومة البريئة بهذه الطريقة الوحشية.
٩ - يدل الحديث علما أنَّ العلوم الطبيعية من طب ونحوه تُدْرَكُ بالتجارب وتُحصَّل بالنتائج.
١٠ - ويدل الحديث على أنَّ أخذ العلوم غير الشرعية من الأمم الكافرة لا يعد ذلك تقليدًا لهم، وركونًا إليهم، وتشبهًا بهم؛ فإنَّ هذا العلم من سنن الله
стр. 2747
الكونية من أخذ بأسبابها حصلها من مسلم وكافر، فليست ملكًا لأحد، وإنما يدركها من بحث فيها.
١١ - ويدل الحديث على أنَّ حصول الأشياء من خيرٍ وشرٍّ، منوطةٌ بأسبابها التي رتَّبها الله تعالى عليها.
١٢ - يدل الحديث على مثل هذه العلوم الدنيوية؛ كالغيلة، وتأبير النخل، وأمثال ذلك، أنَّها أمورٌ يأتي بها النَّبي ﷺ بإدراكه البشري، وقد لا يصيب فيها؛ لانَّها ليست من الأمور المتعلِّقة بالرِّسالة، وإنَّما هي من الأمور التي يرجع فيها إلى التجربة والبحث.
١٣ - تحريم الوأد، وهو عادةٌ جاهلية، ومعناه: دفن بناتهم وهنَّ أحياء؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير]، وتحريم ذلك ممَّا عُلِم من الدِّين بالضرورة.
١٤ - قوله: "كنَّا نعزل، والقرآن ينزل" يدل على مسألة أصولية، وهي أنَّ ما عمله الصحابة في زمن النبي ﷺ ، فإنَّه سنَّة، سواءٌ علمنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ علم به أو لم يعلم؛ لأنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يقر المسلمين على عملٍ يريد -جلَّ وعلا- شرعه، إلاَّ بيَّنه لهم.
١٥ - وتدل هذا الجملة على قاعدةٍ أُخرى، وهي أنَّ ما عُمِل زمن النَّبي ﷺ ، وأقرَّ عليه، فلم ينه عنه، فهو من الأمور المعفو عنها.
١٦ - ويدل الحديث على أنَّ إرادة الله الكونية نافذة، فلا يردها عمل وقاية منها، ولا حذر، ومع هذا: فالإنسان مأمور بعمل الأسباب المفيدة النافعة، فإنَّ الله تعالى إذا أراد وقاية أحد من شيءٍ، جعل له سببًا واقيًا منه.
قال ابن القيم: الذي كذَّب فيه رسول الله ﷺ اليهودَ هو زعمهم أنَّ العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنَّه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه، لم تكن وأدًا
стр. 2748
حقيقة، وإنما سمَّاه وأدًا خفيًّا؛ لأنَّ الرَّجل إنَّما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، ولكن الفرق بينهما: أنَّ الوأد ظاهر بالمباشرة، فاجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلَّق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيًّا؛ وبهذا حصل الجمع بين الحديثين.
١٧ - يدل الحديث رقم (٨٨٩) على إلحاق النسب مع العزل.
١٨ - أما الحديثان رقم (٨٨٩)، ورقم (٩٨٠) فيدلان على جواز العزل.
١٩ - واختلف العلماء في جواز العزل تبعًا لاختلاف الأحاديث:
فذهب الأئمة الثلاثة: إلى جواز العزل؛ عملاً بالأحاديث التي تبيحه.
وذهب الإمام أحمد: إلى تحريمه إلا إذا أذِنَت الزوجة المشاركة للزوج في اللَّذة والولد؛ عملاً بحديث جدامة بنت وهب الذي في مسلم.
* تحديد النسل:
ظهر في هذه العصور المتأخرة نظرية تحديد النسل، وجعْله مبدأً اقتصاديًّا، نظرًا عندهم إلى تزايد عدد السكان تزايدًا سريعًا، بينما تزايُد المواد الغذائية يسير بنسبة حسابية متوالية.
دُرست هذه النظرية على ضوء الشريعة الإسلامية من ظاهر الحديثين؛ حديث جدامة بنت وهب رقم (٨٨٨)، وحديث أبي سعيد (٨٨٩)، فالأول يدل على تحريم العزل، وأنَّه جنايةٌ على النطفة، وقتلٌ لها، والحديث الثاني يدل على إباحة العزل، وأنَّه لا أثر له في إتلاف النفس التي ستخلق من تلك النطفة.
ووجه الجمع بينهما: أنَّ العزل ليس وأدًا حقيقة، وإنما سمَّاه وأدًا لقصده من العازل منع الحمل، فأجري مجرى الوأد، بخلاف الوأد: فإنَّه اجتمع فيه القصد، ومباشرة القتل؛ وبهذا يعرف أنَّ حديث رقم (٨٨٨)، لم يقصد به التحريم، فلا يعارض الحديث رقم (٨٨٩)، وبهذا فمنع الحمل ليس حرامًا لذاته فيكون محرَّمًا مطلقًا، وإنَّما حرم لمقاصده؛ فصار فيه التفصيل المبين
стр. 2749
في قرارات المجامع الفقهية.
وإنما كرهه من كره العزل لعدة محاذير، من حرمان الزوجة من كمال اللذة، ومشاركتها الزوج في التمتع بالحالة الجنسية، ولأنَّ فيه شبه معارضة للقدر، وسعيًا إلى ردِّه بالتدبير حسب ظن العازل.
وأما ما يفعله الأطباء في هذا الزمان من قطع بعض العروق لإبطال قوَّة التوليد، مع بقاء قوَّة الجِماع؛ لتحديد النسل، فلا شكَّ في تحريمه، فلا يقاس على العزل قطعًا، فإنَّ بينهما فرقًا كبيرًا؛ فالعزل سبب ظنِّيٌّ، وأما قطع العرق فسببٌ قطعيٌّ لمنع الحمل، ولا يبقى للجاني خيار بعد ذلك في وجود الولد.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد النسل رقم (٤٢) بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر، عام (١٣٩٦ هـ)، بحث المجلس موضوع منع الحمل وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان (١٣٩٥ هـ)، من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطَّلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قِبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرَّر المجلس ما يلي:
- نظرًا: إلى أنَّ الشريعة الإسلامية ترِّغب في انتشار النسل وتكثيره، وتعتبر النسل نعمة كبرى، ومنَّة عظيمة، منَّ الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة، والمقدم لها، ونظرًا
стр. 2750
إلى أنَّ القول بتحديد النَّسل، أو منع الحمل مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئةٌ تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفةٍ عامَّة، وللأمة العربية المسلمة بصفةٍ خاصَّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعباد أهلها، وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللَّبِنات البشرية، وترابطها.
لذلك كلِّه: فإنَّ المجلس يقرر بأنَّه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرَّازَّقُ ذوالقوَّة المتين؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقَّقة، ككون المرأة لا تلد ولادةً عاديَّةً، وتضطر معها إلى إجراء عمليةٍ جراحيةٍ لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترةٍ ما لمصلحةٍ يراها الزوجان، فإنَّه لا مانع حينئذٍ من منع الحمل أو تأخيره؛ عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة -رضوان الله عليهم- من جواز العزل، وتمشِّيًا مع ما صرَّح به الفقهاء من جواز شرب الدواء؛ لإلقاءِ النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقَّقة.
وقد توقف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلَّى الله على محمَّد.
هيئة كبار العلماء
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن تنظيم النسل:
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادي الأولى ١٤٠٩ هـ، ١٠ إلى ١٥ كانون الأول
стр. 2751
(ديسمبر) ١٩٨٨م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع: "تنظيم النسل"، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
وبناءً على أنَّ من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنساني، وأنَّه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأنَّ إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النَّسل، والحفاظ عليه، والعِناية به، باعتبار حفظ النَّسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها.
قرَّر ما يلي:
أولاً: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حريَّة الزوجين في الإنجاب.
ثانيًا: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يعرف بـ"الإعقام" أو "التعقيم"، ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثالثًا: يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب، بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدةٍ معيَّنةٍ من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعًا، بحسب تقدير الزوجين، عن تشاورٍ بينهما وتراض، بشرط أنْ لا يترتَّب على ذلك ضرر، وأنْ تكون الوسيلة مشروعة، وأنْ لا يكون فيها عدوانٌ على حملٍ قائم، والله أعلم.
* قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامى بمكة المكرمة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد نظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في موضوع تحديد النسل، أو
стр. 2752
مايسمى تضليلاً بـ"تنظيم النسل".
وبعد المناقشة وتبادل الآراء في ذلك قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:
نظرًا إلى أنَّ الشريعة الإسلامية تحض على تكثير نسل المسلمين وانتشاره، وتعتبر النسل نعمةً، ومنةً عظيمة، منَّ الله بها على عباده، وقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، ودلَّت على أنَّ القول بتحديد النَّسل أو منع الحمل، مصادمٌ للفطرة الإنسانية، التي فطر الله الناس عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الله تعالى لعباده، ونظرًا إلى أنَّ دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل، فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين؛ لتقليل عددهم بصفةٍ عامَّة، وللأمَّة العربية المسلمة والشعوب المستضعفة بصفةٍ خاصَّة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد، واستعباد أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية.
وحيث إنَّ في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية، وسوء ظنٍّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.
لذلك كله فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، قرَّر بالإجماع أنَّه لا يجوز تحديد النَّسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأنَّ الله تعالى هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين؛ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
أو كان ذلك لأسباب أخرى غير معتبرةٍ شرعًا.
أمَّا تعاطي أسباب منع الحمل، أو تأخيره في حالات فردية لضررٍ محققٍ؛ ككون المرأة لا تلد ولادة عاديَّة، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الجنين، فإنَّه لا مانع من ذلك شرعًا، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخر شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعيَّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه، إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير ممن
стр. 2753
يوثق به من الأطباء المسلمين.
أما الدعوة إلى تحديد النسل، أو منع الحمل بصفةٍ عامَّةٍ، فلا تجوز شرعًا للأسباب المتقدم ذكرها، وأشدُّ من ذلك في الإثم إلزام الشعوب بذلك، وفرضه عليها، في الوقت الذي تُنفق فيه الأموال الضخمة على سباق التسلُّح العالمي للسيطرة والتدمير، بدلاً من إنفاقه في التنمية الاقتصادية والتعمير وحاجات الشعوب.
* قرار المجمع الفقهي بشأن تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس:
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، سيدنا ونبينا محمَّد ﷺ . أما بعد:
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي فى دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م، إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩م، قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى وبالعكس، وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه، قرَّر ما يأتي:
أولاً: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها لا يحل تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنَّه تغييرٌ لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير بقوله تعالى مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].
وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنَّه قال: "لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنَّامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله "، ثم قال ابن مسعود ﵁: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
стр. 2754
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ثانيًا: أمَّا من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة، جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان العلاج بالجراحة أو بالهرمونات؛ لأنَّ هذا المرض والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق الله .
وصلى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 2755
٨٩١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ علَى نِسَائِه بِغُسْلٍ وَاحِدٍ" أَخْرَجَاهُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديت:
- يطوف على نسائه: طاف بنسائه يطوف طوفًا: ألمَّ بهنَّ، والإلمام هو الزيارة القصيرة، والمراد هنا: كنايةٌ عن وقاعه بهنَّ بغسلٍ واحدٍ، وفي هذا دليل كمال رجولته ﷺ .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغسل من الجنابة من الطهارة المشروعة، ومن النظافة المرغَّب فيها؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ لما في الاغتسال من فوائد صحية، فإنَّ المجامع حينما تخرج منه النطفة، التي هي سلالة بدنه، وجوهر قوَّته، يحصل له بعد خروجها شيءٌ من الإجهاد والتعب، ويحصل من ذلك فتورٌ وركودٌ في حركة الدم ودورته.
٢ - من رحمة العليم الخبير: أن شرع الغُسل من الجنابة الذي يعيد إلى الجسم قوته وحيويته ونشاطه، وكم لله في شرعه من حِكمٍ وأسرار!!.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى بما رواه مسلم، من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءًا"، زاد الحاكم: "فإنَّه أنشط للعود".
٣ - القَسْم بين الزوجين أو الزوجات واجب، والميل إلى إحداهن محرَّمٌ، وقد جاء في السنن الأربع عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من
стр. 2756
كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر أحد شدقيه ساقطًا، أو مائلاً".
٤ - أخذ العلماء من هذا الحديث وجوبَ القسم بين الزوجات؛ فقال في الإقناع وشرحه: ويحرم على من تحته أكثر من زوجة دخوله في ليلتها إلى غيرها إلاَّ لضرورة، فإن لبث عندها، أو جامع، لزمه أن يقضي لها مثل ذلك في حق الأخرى؛ لأنَّ التسوية واجبة ولا تحصل إلاَّ بذلك".
٥ - تقدم أنَّ من حكمة الغسل من الجنابة إعادة النشاط إلى البدن المختل، وتنشيط الأعضاء الخاملة، نتيجة التعب والإجهاد، هذا هو المعهود، والمعروف عند الناس.
أما النَّبيُّ ﷺ : فكان يغتسل من الجنابة؛ لأنَّها إحدى الطهارتين، ويحب أن يكون على كل أحواله طاهرًا، ولكن لديه ﷺ من القوَّة البدنية والرجولة ما هو أكمل من غيره وأوفى، وهذه بعض النصوص الواصفة لتلك الحال:
- حديث الباب في الصحيحين عن أنس وهو خادمه، قال: "كان النبي ﷺ يطوف على نسائه بغُسلٍ واحد".
- حديث أنس عَند البخاري أنَّ النَّبيَّ ﷺ "كان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة".
- وجاء في صحيح البخاري: "أنَّه ﷺ كان له قوهَّ ثلاثين رجلاً"، وفي روايةٍ لأسماء: "على قوَّة أربعين".
٦ - فله هذا الخاصية من القوَّة والرجولة التي يكتفي بها عن تنشيط جسمه بالماء والاغتسال، إذا كانت الحال والوقت غير متهيِّء للاغتسال من كل مرَّة، على أنَّه ﷺ بعد فراغه يسكب الماء على جسمه، وكان يغتسل بالصاع من الماء.
٧ - أما أنَّه ﷺ يدور عليهن في ليلةٍ واحدةٍ، ويجامعهن، فقد أجاب العلماء عن ذلك بعدَّة أجوبة، ولكن أفضلها، وأولاها، وأقربها من الصواب: أنَّ
стр. 2757
القَسْم بين زوجاته ليس واجبًا عليه، قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١].
فقد أخرج ابن سعد، عن محمَّد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله ﷺ موسَّعًا عليه في قَسْم أزواجه، يقسم بينهن كيف يشاء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] إذا علمن أنَّ ذلك عليه ﷺ .
قال ابن الجوزي: القسم غير واجب عليه ﷺ .
وقال الشيخ تقي الدين: أبيح له ترك القَسم.
وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ١٥] أي: من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القَسم لهن، فتُقدِّم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وعبد الرحمن بن زيد، وغيرهم.
ومع هذا كان ﷺ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من فقهاء الشافعية وغيرهم: إلى أنَّه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، واختار ابن جرير: أنَّ هذا الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللائي عنده أنَّه مخيَّر، إن شاء قَسَم، وإن شاء لم يقسم؛ وهذا الذي اختاره حسنٌ جيِّدٌ قويٌّ يجمع بين الأحاديث.
وقال السيوطي: اختصَّ ﷺ بإباحة عدم القَسم لأزواجه في أحد الوجهين، وهو المختار، وصحَّحه الغزالي.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أباح الله له ترك القسم بين زوجاته على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك فهو تبرُّع منه، ومع ذلك كان ﷺ يجتهد في القسم بينهنَّ في كل شيء، ويقول: "اللَّهمَّ هَذا قَسْمِي فيما أملكُ، فلا تلُمْنِي فيما لا أملك".
стр. 2758
باب الصداق
مقدمة
الصداق: يقال أصدقتُ المرأة ومهرتُها، مأخوذ من الصِّدْق؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، وهو العوض الذي في النكاح أو بعده للمرأة بمقابل استباحة الزوج بضعها، وله عدَّة أسماء، وفيه عدة لغات، وهو مشروع في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وغيرها من الآيات.
وأما السنة: ففعله ﷺ ، وتقريره، وأمره؛ كقوله ﷺ : "التمس، ولو خاتمًا من حديد".
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيَّتهِ؛ لتكاثر النصوص فيه، وهو مقتضي القياس؛ فإنَّه لابد من الاستباحة بالنكاح، ولابد لذلك من العوض.
ولم يجعل الشرع حدًّا لأكثره ولأقله، إلاَّ أنَّه يستحب تخفيفه؛ لقوله ﷺ : "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة"، ولما رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب قال: "ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية".
والصالح العام يقتضي تخفيفه؛ فإنَّ في ذلك مصلحة كبيرة للزوجين وللمجتمع، فكم من نساء جَلَسْن بلا أزواج! وكم من شبان قعدوا من غير
стр. 2759
زوجات، بسبب غلاء المهور، والنفقات التي خرجت إلى حد السرف والتبذير، وجلوسُ الجنسين بلا زواج يحملهم على ارتكاب الفواحش والمنكرات!!.
وكم من مفاسد وأضرار تولدت عن هذا السرف!! فمنها الاجتماعية، والأخلاقية، والمالية، وغيرها، وإذا بلغت إلى هذا الحال، فالَّذي نراه أنه لابد من تدخل الحكومة لحل هذا المسألة، وإصلاح الوضع، بإلزام الناس بالطرق العادلة، والله ولي التوفيق.
***
стр. 2760
٨٩٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أعتق صفية: سُبيتْ في غزوة خيبر سنة ست، فاصطفاها النبي ﷺ من السبي.
- صفِيَّة: بنت حُيي بن أخطب، أبوها سيد بني النضير، ينتهي نسبها إلى هارون ابن عمران ﵇، كانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق، فقُتل عنها بخيبر.
قال العيني: الصحيح أنَّ هذا اسمها قبل السبي.
- عتقها: العتق: هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق، والنساء في الحرب بعد الاستيلاء عليهن يكنَّ سبايا، وجعل ﷺ عتقها صداقها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كانت صفية نجت حُيي أبوها أحد زعماء بني النضير، وكانت زوجة كنانة بن أبي الحقيق، فقتل عنها يوم خيبر.
وقد فتح النبي ﷺ "خيبر" عنوة، فصار النساء والصبيان أرقاء للمسلمين بمجرد السبي.
ووقعت صفية في قسم دحْيةَ بن خليفة الكلبي، فعوَّضه ﷺ عنها غيرها، واصطفاها لنفسه ﷺ ؛ جبرًا لخاطرها، ورحمةً بها.
ومن كرمه أنَّه لم يكتف بالتمتع بها أمَةً ذليلةً، بل رفع شأنها بإنقاذها من ذلك الرق، وجعلها إحدى أمهات المؤمنين، وذلك أنَّه أعتقها، وتزوَّجها، وجعل عتقها صداقها.
стр. 2761
٢ - جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقًا لها، وتكون زوجته.
٣ - أنَّه لا يشترط لذلك إذنها، ولا شهود، ولا ولي؛ كما لا يشترط التقيد بلفظ الإنكاح، ولا التزويج.
٤ - وفيه دليل على جواز كون الصداق منفعة دينية، أو دنيوية.
٥ - وفي مثل هذا القصة في زواج النبي ﷺ : ما يدل على كمال رأفته وشفقته؛ فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وفقدت زوجها في معركة خيبر، وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر والذل، وبقاؤها تحت أحد أتباعه زوجةً أو أمةً ذُلٌّ لها، وكسر لعزِّها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلاَّ أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها صلوات الله وسلامه عليه.
وبهذا تعلم أنَّ هذا التعدد الذي وقع له ﷺ في الزوجات ليس إرضاءً لرغبةٍ جنسيةٍ، كما يقول أعداء هذا الدِّين، والكائدون له، وإلاَّ لقصَد إلى الأبكار والصغار، ولم يكن زواجه من إلاَّ من ثيباتٍ انقطعن لفقد أزواجهنَّ، أو سبابا وقعن في أسره.
ولو استعرضنا قصص زواجه بهنَّ، واحدةً واحدةً، لوجدناها لا تخرج عن هذه المقاصد الرحيمة النبيلة؛ فما أبعده عما يقول المعتدون الظالمون!! وقد صنَّف في هذا الموضوع عددٌ من الكتَّاب المُحْدَثين.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز جعل العتق صداقًا.
فذهب الإمام أحمد، وإسحاق: إلى جوازه؛ عملاً بقصَّة زواج صفية، وبأنَّه القياس الصحيح؛ لأنَّ السيد مالكٌ لرقبة أمته ومنفعتها ومنفعة وطئها، فإذا أعتقها، واستبقا شيئًا من منافعها، التي هي تحت تصرفه، فما المانع من ذلك، وما هو المحذور؟.
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى عدم جواز ذلك، وتأوَّلوا الحديث بما يخالف
стр. 2762
ظاهره، أو حملوه على الخصوصية للنَّبِيِّ ﷺ .
وحمل الحديث على خلاف ظاهره، أو جعله خاصًّا، يحتاج إلى بيانٍ ودليلٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاء الحديث على الظاهرة؛ كما أنَّ الأصل في الأحكام العموم، ولو كان خاصًّا لنُقِل.
***
стр. 2763
٨٩٣ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائشَةَ ﵂ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأِزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَةً، وَنشًّا، قَالَتْ: أَتَدْري مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَتْ: نِصْفُ أُوْقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَزوَاجِهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أوقية: الأوقية أربعون درهمًا، وهو نقدٌ من الفضة، وقدره (١٤٧) غرامًا.
- نشًا: بفتح النون، ثم شين معجمة مشدَّدة، والنش: نصف الأوقية، أي: عشرون درهمًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه استحباب تخفيف الصداق، وأنَّ ذلك هو المشروع؛ فخير الصداق أيسره، وخير النِّساء أيسرهن مؤنة.
٢ - أنَّ صداق النبي ﷺ لزوجاته غالبًا اثنتا عشرة أوقية ونصف الأوقية، وهو ﷺ القدوة الكاملة في العادات والعبادات، والأوقية أربعون درهمًا، فيكون خمسمائة درهم.
٣ - خمسمائة درهم هي بالريال العربي السعودي مائة وأربعون ريالاً.
٤ - أين هذا مع ما يفعله الناس اليوم من المغالاة في المهور، والتفاخر بما يدفعون إلى المرأة وأوليائها، سواء أكان الزوج غنيًا أم فقيرًا، فهو يريد أن لا ينقص عن غيره في هذا المجال؛ إنَّ هذا السرف، وذلك التبذير، وتلك
стр. 2764
المفاخرة والمباهاة، هي التي جعلت الشباب عاطلاً بلا زواج، فمن عصمه الله فهو مكبوت، ومن اتَّبع شهواته وملذاته اندفع في الرذيلة، وهذا الفعل الشنيع هو الذي ملأ البيوت من الشابات العوانس، اللاتي يشتكين الوحدة، ويَخَفْنَ من المستقبل المظلم، حينما لا يخلفن أولادًا يكونون لهنَّ في مستقبلهن وكبر سنهنَّ، إنَّ هذا الأمر لا تكفي فيه المواعظ والنصائح والتوجيه، فلابد من حدٍّ يحده، وعملٍ جاد يردُّه إلى الصواب، وإلاَّ ضاع الأمر، وحلَّت المشكلات والصعاب.
٥ - الحديث فيه أصل مشروعية الصداق في النكاح، وأنه لابد منه، سواء سمِّي في العقد أو لم يسم، فإن سمي فهو على ما اتَّفق عليه الزوجان، وإن لم يسم فللزوجة مهر المثل.
٦ - الصداق لم يُقصد علما أنَّه عوض فقط، وإنما قصد على أنه نِحلة وهدية، يُكرِمُ بها الرجل زوجته عند دخوله عليها، ومقابلته لها، جبرًا لخاطرها، وإشعارًا بقدْرها، ولو كان القصد به مجرَّد العوض لما قنع بتخفيفه؛ لأنَّه مسوق لأغلى ما تملكه المرأة، ولابد من العدالة في المعاوضات.
٧ - أنَّ الأثمان هي قِيَم الأشياء من صداق، وثمن مبيع، وأجرة منفعة، وقيمة متلف، وغير ذلك، فهي الأصل، وغيرها عروض.
* قرار مجلس هيئة كبار العلماء في مسألة غلاء المهور، رقم: (٩٤) وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٠٢ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمَّد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من الخامس والعشرين من شهر شوال، وحتى السادس من شهر ذي القعدة عام: ١٤٠٢هـ، نظر في ظاهرة غلاء المهور، وما ينبغي أن يُتَّخذ
стр. 2765
بشأنها؛ بناءً على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، الموجَّه لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، برقم (١٦٩٤٧) وتاريخ ١٦/ ٧/ ١٤٠٢ هـ، المتضمن رغبة سموه في إحالة الموضوع إلى مجلس هيئة كبار العلماء لدراسته، وإصدار توصية بشأنه، فاستعرض المقترحات والحلول التي جاءت فيه، وبعد الدراسة وتداول الآراء في الموضوع رأي المجلس ما يلي:
أولاً: يؤكد المجلس ما أصدره بقراره رقم (٥٢) في الأمور التالية:
١ - منع الغناء الذي أُحدث في حفلات الزواج، بما يصحبه من آلات اللَّهو، وما يُستأجر له من مغنيين، ومغنيات بآلات عالية الصوت؛ لأنَّ ذلك منكر محرَّم يجب منعه، ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك، من زوجٍ وأولياء لزوجة، معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر.
٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج، وتحذير الناس من ذلك؛ بواسطة مأذوني عقود الأنكحة، وفي وسائل الإعلام، وأن يرغِّب الناس في تخفيف المهور، ويُذم لهم الإسراف فيها على منابر المساجد، وفي مجالس العلم، وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور، والترغيب في ذلك على منابر المساجد، وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوةً حسنةً في تسهيل الزواج؛ إذْ وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر، أو اقتصر على حق متواضع لما في القدوة الحسنة من التأثير.
٥ - يرى المجلس أنَّ من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف، أن يبدأ بذلك قادة النَّاس من الأمراء، والعلماء، وغيرهم من وجهاء الناس،
стр. 2766
وأعيانهم، وذوي الثراء فيهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير، فإنَّ عامة الناس لا يمتنعون؛ لأنَّهم تبعٌ لرؤسائهم، وأعيان مجتمعهم.
ثانيًا: يرى المجلس بالإضافة إلى ما سبق أن تمنع الدولة -وفَّقها الله- إقامة حفلات الزواج في الفنادق ودور الأفراح لما يحصل في كثيرٍ منها من منكرات، ولما في إقامتها فيها من السَّرف، وإنفاق الأموال الطائلة، التي تزيد على المهور نفسها في بعض الأحيان، ولما لها من الأثر الكبير في ارتفاع تكاليف الزواج.
ويؤكِّد المجلس مرَّةً أخرى دعوته للقادة، والعلماء، والوجهاء، أن يُسهم كلٌّ منهم بنصيبه في حل هذا المشكلة، ويكون قدوة حسنة في أمور الزواج، وليعلموا أنَّ لهم من الله أجرًا عظيمًا إذا هم صدقوا في ذلك، وسنوا سنة حسنة في عباده، كما أنَّ عليهم الإثم والعقاب، إذا خالفوا هدي رسول الله ﷺ ، وكانوا قدوة سيئة؛ فقد قال ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة".
ثالثأ: أما ما يتعلَّق باتفاق بعض القبائل على مهور محدَّدة، وطرق معيَّنة، فإن المجلس -ما عدا واحدًا من أعضائه- رأى ما يلي:
(أ) الموافقة على ما تترضى عليه كل قبيلة في تحديد المهور، على أن يكون ما اتَّفق عليه مناسبًا لحال تلك القبيلة، بأن لا يكون فيه مغالاة، وأن يكون ما تمَّ الإنفاق عليه ساريًا على أفراد تلك القبيلة.
(ب) يعتبر ما تراضى عليه كل قبيلة حدًّا أعلى للمهر بالنسبة لتلك القبيلة، فمن أراد ممن تراضوا أن يزوج موليته باقل من هذا برضاها، فله ذلك، بل يشكر عليه.
(ج) من زاد عن الحدِّ الذي تراضت عليه تلك القبيلة، نَظر فضيلة
стр. 2767
القاضي في جهته في الدواعي التي حملته على ذلك: فإن رأى إمضاء الزيادة أمضاها، وإن رأى ردها ألزمه بردها على ما يقتضيه نظره في ذلك، هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
"هيئة كبار العلماء"
...
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي حول تفشي عادة الدوطة في الهند:
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإسلامي قد اطَّلع على ترجمة خطاب الأخ عبد القادر الهندي، الذي جاء فيه قيامه في محاربة "الدوطة"، وهو المبلغ الذي تدفعه العروس في مجتمع الهند الإسلامي، مقابل الزواج، وأن يكتفي المسلمون الهنود فقط بتدوين المهر في سجل الزواج دون أن يدفعوه إلى الزوجة فعلاً، ولقد كتب الكثير في هذا الصدد في كثير من صحف "التاميل" الإسلامية، ثم يستطرد الأخ عبد القادر في خطابه فيقول: "ومن ثم فإنَّ هذا الزواج حرامٌ، كما أنَّ المواليد الناشئين عن هذا الزواج غير شرعيين، طبقًا للكتاب والسنة.
كما اطَّلع المجلس على خطاب فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي الموجَّه إلى معالي الأمين العام للرابطة بتاريخ ١٦/ ٣/ ١٤٠٤ هـ، والذي جاء فيه: "إنَّ قضية الدوطة، قضيةٌ متفشيةٌ في سكان الهند، وهي قضية الهندوس بالدرجة الأولى، دخلت على المسلمين، بسبب احتكاك بناتهم ببنات الهنود، ويحارب قادة المسلمين هذه العادة، وبدأت الحكومة الهندية كذلك تستبعد هذه العادة أخيرًا. . . وأرى أن يكفي لمجلسنا الفقهي إصدار فتوى وبيان، حول هذه القضية، ينهى المسلمين عن اتباع عادةٍ جاهليةٍ ظالمةٍ، مثل الدوطة، تسربت
стр. 2768
إليهم من غيرهم، وأرجو أنَّ قادة المسلمين في الهند جميعًا إذا بذلوا جهودهم في ذلك، كان نجاحًا كبيرًا، في إزالة هذا العادة، والله ولي التوفيق. اهـ كلامه.
وبعد أن اطَّلع المجلس على ما ذكره قرَّر ما يلي:
أولاً: شكر فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، وشكر الأخ عبد القادر، على ما أبدياه نحو عرض الموضوع، وعلى غيرتهما الدينية، وقيامهما بمحاربة هذا البدعة والعادة السيئة، والمجلس يرجو منهما مواصلة العمل في محاربة هذا العادة، وغيرها من العادات السيئة، ويسأل الله لهما وللمسلمين التوفيق والتسديد، وأن يثيبهما على جدهما واجتهادهما.
ثانيًا: ينبه المجلس الأخ عبد القادر وغيره بأنَّ هذا الزواج وإن كان مخالفًا للزواج الشرعي من هذا الوجه، إلاَّ أنَّه زواجٌ صحيحٌ معتبرٌ شرعًا عند جمهور علماء المسلمين، ولم يخالف في صحته إلاَّ بعض العلماء، في حالة اشتراط عدم المهر، أما الأولاد الناشئون عن هذا الزواج، فهم أولادٌ شرعيون منسوبون لآبائهم وأمهاتهم نسبة شرعية صحيحة، وهذا بإجماع العلماء، حتى عند الذين لا يرون صحة هذا النكاح المشروط فيه عدم المهر، فقد صرَّحوا في كتبهم بإلحاق الأولاد بآبائهم وأمهاتهم بهذا الزواج المذكور.
ثالثًا: يقرر المجلس أنَّ هذه العادة سيئةٌ منكرةٌ، وبدعةٌ قبيحةٌ، مخالفةٌ لكتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله ﷺ ، وإجماع العلماء، ومخالفة لعمل المسلمين في جميع أزمانهم:
أما الكتاب: فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وغير ذلك من الآيات.
стр. 2769
وأما السُّنَّة: فقد جاءت مشروعية المهر في قوله ﷺ ، وفعله، وتقريره فقد جاء في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، عن جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لو أنَّ رجلاً أعطى امرأة صداقًا، ملءَ يديه طعامًا، كانت له حلالاً"؛ فهذا من أقواله.
وأما فعله: فقد جاء في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن عن عائشة قالت: "كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصف أوقية"؛ فهذا فعله.
وأما تقريره: فقد جاء في الصحيحين وغيرهما: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواةٍ من ذهب، قال: بارك الله لك" فهذا من تقريره.
وهو إجماع المسلمين، وعملهم في كل زمانٍ ومكانٍ، ولله الحمد.
وبناء عليه: فإنَّ المجلس يُقرِّر بأنَّه يجب أنْ يدفع الزوج لزوجته صداقًا، سواء كان الصداق معجلاً، أو مؤجلاً، أو بعضه معجل، بعضه مؤجل، على أن يكون تأجيلاً حقيقيًّا يراد دفعه عند تيسره، وأنَّه يحرم أن يجري الزواج بدون صداق من الزوج لزوجته.
ويوصي المجلس: بأنَّ السنَّة هو تخفيف الصداق، وتسهيله، وتيسير أمر النكاح، وذلك بترك التكاليف والنفقات الزائدة، ويحذِّر من الإسراف والتبذير؛ لما في ذلك من الفوائد الكبيرة.
رابعًا: يناشد المجلس العلماء والأعيان والمسؤولين فيها وغيرهم، محاربة هذه العادة السيئة "الدوطة"، وأن يجدوا ويجتهدوا في إبطالها، وإزالتها من بلادهم، وعن ديارهم؛ فإنَّها مخالفةٌ للشرائع السماوية، ومخالفةٌ للعقول السليمة، والنظر المستقيم.
خامسًا: إنَّ هذا العادة السيئة -علاوةً على مخالفتها للشرع الإسلامي- هي مضرَّةٌ بالنِّساء ضررًا حيويًّا؛ فالشباب لا يتزوَّجون عندئذٍ إلاَّ الفتاة التي يقدم
стр. 2770
أهلها لهم مبلغًا من المال يرغبهم ويغريهم، فتحظى بنات الأغنياء بالزواج، وتقعد بنات الفقراء دون زواج، ولا يخفى ما فى ذلك من محاذير ومفاسد؛ كما أنَّ الزواج عندئذٍ يصبح مبنيًّا على الأغراض والمطامع المالية، لا على أساس اختيار الفتاة الأفضل، والشاب الأفضل، والمشاهد اليوم في العالم الغربي: أنَّ الفتاة غير الغنية تحتاج أن تقضي ربيع شبابها في العمل والاكتساب، حتى تجمع المبلغ الذي يمكن به ترغيب الرِّجال في الزواج منها؛ فالإسلام قد كرَّم المرأة تكريمًا، حين أوجب على الرَّجل الرَّاغب في زواجها أن يقدِّم هو إليها مهرًا، تصلح به شأنها، وتهيء نفسها، وبذلك فتح بابًا لزواج الفقيرات؛ لأنَّهنَّ يكفيهنَّ المهر القليل، فيسهِّل على الرجال غير الأغنياء، الزواج بهنَّ، والله ولي التوفيق.
***