وأعيانهم، وذوي الثراء فيهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير، فإنَّ عامة الناس لا يمتنعون؛ لأنَّهم تبعٌ لرؤسائهم، وأعيان مجتمعهم.
ثانيًا: يرى المجلس بالإضافة إلى ما سبق أن تمنع الدولة -وفَّقها الله- إقامة حفلات الزواج في الفنادق ودور الأفراح لما يحصل في كثيرٍ منها من منكرات، ولما في إقامتها فيها من السَّرف، وإنفاق الأموال الطائلة، التي تزيد على المهور نفسها في بعض الأحيان، ولما لها من الأثر الكبير في ارتفاع تكاليف الزواج.
ويؤكِّد المجلس مرَّةً أخرى دعوته للقادة، والعلماء، والوجهاء، أن يُسهم كلٌّ منهم بنصيبه في حل هذا المشكلة، ويكون قدوة حسنة في أمور الزواج، وليعلموا أنَّ لهم من الله أجرًا عظيمًا إذا هم صدقوا في ذلك، وسنوا سنة حسنة في عباده، كما أنَّ عليهم الإثم والعقاب، إذا خالفوا هدي رسول الله ﷺ ، وكانوا قدوة سيئة؛ فقد قال ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة".
ثالثأ: أما ما يتعلَّق باتفاق بعض القبائل على مهور محدَّدة، وطرق معيَّنة، فإن المجلس -ما عدا واحدًا من أعضائه- رأى ما يلي:
(أ) الموافقة على ما تترضى عليه كل قبيلة في تحديد المهور، على أن يكون ما اتَّفق عليه مناسبًا لحال تلك القبيلة، بأن لا يكون فيه مغالاة، وأن يكون ما تمَّ الإنفاق عليه ساريًا على أفراد تلك القبيلة.
(ب) يعتبر ما تراضى عليه كل قبيلة حدًّا أعلى للمهر بالنسبة لتلك القبيلة، فمن أراد ممن تراضوا أن يزوج موليته باقل من هذا برضاها، فله ذلك، بل يشكر عليه.
(ج) من زاد عن الحدِّ الذي تراضت عليه تلك القبيلة، نَظر فضيلة
стр. 2767
القاضي في جهته في الدواعي التي حملته على ذلك: فإن رأى إمضاء الزيادة أمضاها، وإن رأى ردها ألزمه بردها على ما يقتضيه نظره في ذلك، هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
"هيئة كبار العلماء"
...
* قرار المجمع الفقهي الإسلامي حول تفشي عادة الدوطة في الهند:
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإسلامي قد اطَّلع على ترجمة خطاب الأخ عبد القادر الهندي، الذي جاء فيه قيامه في محاربة "الدوطة"، وهو المبلغ الذي تدفعه العروس في مجتمع الهند الإسلامي، مقابل الزواج، وأن يكتفي المسلمون الهنود فقط بتدوين المهر في سجل الزواج دون أن يدفعوه إلى الزوجة فعلاً، ولقد كتب الكثير في هذا الصدد في كثير من صحف "التاميل" الإسلامية، ثم يستطرد الأخ عبد القادر في خطابه فيقول: "ومن ثم فإنَّ هذا الزواج حرامٌ، كما أنَّ المواليد الناشئين عن هذا الزواج غير شرعيين، طبقًا للكتاب والسنة.
كما اطَّلع المجلس على خطاب فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي الموجَّه إلى معالي الأمين العام للرابطة بتاريخ ١٦/ ٣/ ١٤٠٤ هـ، والذي جاء فيه: "إنَّ قضية الدوطة، قضيةٌ متفشيةٌ في سكان الهند، وهي قضية الهندوس بالدرجة الأولى، دخلت على المسلمين، بسبب احتكاك بناتهم ببنات الهنود، ويحارب قادة المسلمين هذه العادة، وبدأت الحكومة الهندية كذلك تستبعد هذه العادة أخيرًا. . . وأرى أن يكفي لمجلسنا الفقهي إصدار فتوى وبيان، حول هذه القضية، ينهى المسلمين عن اتباع عادةٍ جاهليةٍ ظالمةٍ، مثل الدوطة، تسربت
стр. 2768
إليهم من غيرهم، وأرجو أنَّ قادة المسلمين في الهند جميعًا إذا بذلوا جهودهم في ذلك، كان نجاحًا كبيرًا، في إزالة هذا العادة، والله ولي التوفيق. اهـ كلامه.
وبعد أن اطَّلع المجلس على ما ذكره قرَّر ما يلي:
أولاً: شكر فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، وشكر الأخ عبد القادر، على ما أبدياه نحو عرض الموضوع، وعلى غيرتهما الدينية، وقيامهما بمحاربة هذا البدعة والعادة السيئة، والمجلس يرجو منهما مواصلة العمل في محاربة هذا العادة، وغيرها من العادات السيئة، ويسأل الله لهما وللمسلمين التوفيق والتسديد، وأن يثيبهما على جدهما واجتهادهما.
ثانيًا: ينبه المجلس الأخ عبد القادر وغيره بأنَّ هذا الزواج وإن كان مخالفًا للزواج الشرعي من هذا الوجه، إلاَّ أنَّه زواجٌ صحيحٌ معتبرٌ شرعًا عند جمهور علماء المسلمين، ولم يخالف في صحته إلاَّ بعض العلماء، في حالة اشتراط عدم المهر، أما الأولاد الناشئون عن هذا الزواج، فهم أولادٌ شرعيون منسوبون لآبائهم وأمهاتهم نسبة شرعية صحيحة، وهذا بإجماع العلماء، حتى عند الذين لا يرون صحة هذا النكاح المشروط فيه عدم المهر، فقد صرَّحوا في كتبهم بإلحاق الأولاد بآبائهم وأمهاتهم بهذا الزواج المذكور.
ثالثًا: يقرر المجلس أنَّ هذه العادة سيئةٌ منكرةٌ، وبدعةٌ قبيحةٌ، مخالفةٌ لكتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله ﷺ ، وإجماع العلماء، ومخالفة لعمل المسلمين في جميع أزمانهم:
أما الكتاب: فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وغير ذلك من الآيات.
стр. 2769
وأما السُّنَّة: فقد جاءت مشروعية المهر في قوله ﷺ ، وفعله، وتقريره فقد جاء في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، عن جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لو أنَّ رجلاً أعطى امرأة صداقًا، ملءَ يديه طعامًا، كانت له حلالاً"؛ فهذا من أقواله.
وأما فعله: فقد جاء في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن عن عائشة قالت: "كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصف أوقية"؛ فهذا فعله.
وأما تقريره: فقد جاء في الصحيحين وغيرهما: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواةٍ من ذهب، قال: بارك الله لك" فهذا من تقريره.
وهو إجماع المسلمين، وعملهم في كل زمانٍ ومكانٍ، ولله الحمد.
وبناء عليه: فإنَّ المجلس يُقرِّر بأنَّه يجب أنْ يدفع الزوج لزوجته صداقًا، سواء كان الصداق معجلاً، أو مؤجلاً، أو بعضه معجل، بعضه مؤجل، على أن يكون تأجيلاً حقيقيًّا يراد دفعه عند تيسره، وأنَّه يحرم أن يجري الزواج بدون صداق من الزوج لزوجته.
ويوصي المجلس: بأنَّ السنَّة هو تخفيف الصداق، وتسهيله، وتيسير أمر النكاح، وذلك بترك التكاليف والنفقات الزائدة، ويحذِّر من الإسراف والتبذير؛ لما في ذلك من الفوائد الكبيرة.
رابعًا: يناشد المجلس العلماء والأعيان والمسؤولين فيها وغيرهم، محاربة هذه العادة السيئة "الدوطة"، وأن يجدوا ويجتهدوا في إبطالها، وإزالتها من بلادهم، وعن ديارهم؛ فإنَّها مخالفةٌ للشرائع السماوية، ومخالفةٌ للعقول السليمة، والنظر المستقيم.
خامسًا: إنَّ هذا العادة السيئة -علاوةً على مخالفتها للشرع الإسلامي- هي مضرَّةٌ بالنِّساء ضررًا حيويًّا؛ فالشباب لا يتزوَّجون عندئذٍ إلاَّ الفتاة التي يقدم
стр. 2770
أهلها لهم مبلغًا من المال يرغبهم ويغريهم، فتحظى بنات الأغنياء بالزواج، وتقعد بنات الفقراء دون زواج، ولا يخفى ما فى ذلك من محاذير ومفاسد؛ كما أنَّ الزواج عندئذٍ يصبح مبنيًّا على الأغراض والمطامع المالية، لا على أساس اختيار الفتاة الأفضل، والشاب الأفضل، والمشاهد اليوم في العالم الغربي: أنَّ الفتاة غير الغنية تحتاج أن تقضي ربيع شبابها في العمل والاكتساب، حتى تجمع المبلغ الذي يمكن به ترغيب الرِّجال في الزواج منها؛ فالإسلام قد كرَّم المرأة تكريمًا، حين أوجب على الرَّجل الرَّاغب في زواجها أن يقدِّم هو إليها مهرًا، تصلح به شأنها، وتهيء نفسها، وبذلك فتح بابًا لزواج الفقيرات؛ لأنَّهنَّ يكفيهنَّ المهر القليل، فيسهِّل على الرجال غير الأغنياء، الزواج بهنَّ، والله ولي التوفيق.
***
стр. 2771
٨٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵂ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَعْطِهَا شَيْئًا، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْء، قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِتَّةُ؟ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحَّحه الحاكم، وأخرجه النسائي، وأبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وقد جاءت عدَّة روايات في صداق علي بفاطمة، ولكن قال الصنعاني: الروايات في تعيين صداق فاطمة غير مسندة.
قال ابن حزم: إنَّ الأحاديث التي فيها أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عليًّا أن يدخل بفاطمة حتى يعطيها شيئًا، إنَّما جاءت من طرق مرسلة، أو فيها مجهول، ولا يصح شيء منها.
* مفردات الحديث:
- الدِّرع: قميصٌ من حِلَقِ الحديد، يُلبَس في الحرب؛ للوقاية من السلاح.
- الحُطميَّة: منسوبٌ إلى قبيلة حُطمة بن محارب، بطنٌ من عبد القيس، كانوا يصنعون الدروع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - علي بن أبي طالب ﵁ هو ابن عم النبي ﷺ ، زوَّجه ابنتَه فاطمة الزهراء، أصغر بناته ﷺ ، وزواجه بها في السنة الثانية من الهجرة، فولدت له الحسن، والحسين، ومحسنًا، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وماتت فاطمة
стр. 2772
-﵂ بالمدينة، بعد وفاة أبيها النبي ﷺ بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل.
٢ - أنَّه لابُدَّ في النِّكاح من الصداق؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر عليًّا أنْ يُعطي زوجه صداقًا، ولمَّا لم يجد شيئًا، سأله عن درعه؛ ليُصْدقها إيَّاها، مع أنَّ الدِّرع من مال قُنيته التي يحتاجها.
٣ - وفيه استحباب تخفيف الصداق؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ سأل عليًّا أي شيء يقدمه مهرًا؛ فإذا كانت بنت رسول الله ﷺ تُصدَق بمثل هذا المتاع الرخيص، فكيف يكون التغالي في غيرها؟!
٤ - الصداق ليس عوضًا أصليًّا في عقد النكاح؛ ولذا فإنَّه لا يضر جهله في العقد، ويحسن تخفيفه، ويصح النكاح بدونه، وإن وجب فيه.
وإئَما الصداق هديةٌ طيبةٌ لزوجةٍ جديدةٍ؛ جبرًا لخاطرها، وإشعارًا لها بالرغبة والقَدْر، ولذا أسماه الله تعالى نِحْلة، والنحلة هي العطاء تبرعًا.
٥ - وفيه أنَّ الصداق كما يكون بالنقود والأثمان، يكون أيضًا بالعروض والمتاع.
٦ - وفيه دليلٌ على أنَّ إعداد آلة الجهاد، من دروعٍ، وسلاحٍ، وفرسٍ، لا يُعتبر توقيفًا لا يجوز معه التصرف فيه، ببيعٍ ونحوه.
***
стр. 2773
٨٩٥ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلى صَدَاقٍ، أوْ حِبَاءٍ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاح، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ" رَوَاهُ أحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، إِلاَّ التِّرْمِذِيَّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
رواته ثقات.
قال الشوكاني في النيل: الحديث سكت عنه أبو داود، وأشار المنذري إلى أنَّه من رواية عمرو بن شعيب، وفيه مقال معروف، أما مَن دُون عمرو بن شعيب، فهم ثقات، لكن قال كثير من أئمة الحديث: إذا روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه كهذا الحديث، فإنَّه يروي عن صحيفةٍ، لا عن سماع.
* مفردات الحديث:
- أيُّما؛ اسمٌ مبهمٌ، متضمنٌ معنى الشرط، معربةٌ بالحركات الثلاث؛ لملازمتها الإضافة إلى المفرد، نحو: "أي امرأة"، وقد يُحذف المضاف إليه، فيلحقها التنوين عوضًا منه؛ نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الاسراء: ١١٠]، وقد تلحق "ما" زائدة، كما في هذا الحديث، فتكون للتوكيد، وفعل الشرط: نكحت، وجوابه: فهو لمن أُعطيه.
- حِبَاء: بكسر الحاء، وفتح الباء ممدودًا، هو ما تعطاه المرأة زيادةً على مهرها.
- عدة: بكسر العين المهملة، ما وعد به الزوجُ زوجته، وإن لم يُحْضِرُهُ.
стр. 2774
- عِصمة النكاح: بكسر العين، وسكون الصاد المهملة، يُقال: عصم الشيء يعصمه عصمًا: منعه، والاسم العصمة، قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، العصم: جمع عصمة، والعصمة: ما يعتصم به، والمراد به عقد النكاح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ أي امرأةٍ تزوَّجت على صداق، وهو المهرُ، أو حِبَاءٍ، وهي العطية المعطاة لقريب الزوجة، أو عِدَةٍ، وهو ما يعِد به الزوج، وإن لم يحضره، إن كانت هذه الأشياء الثلاثة ونحوها من الهدايا والعطايا قد قدمت قبل عقد النكاح، فهو للزوجة لا لغيرها، ولو سمي باسم غيرها من أقاربها، ذلك أنَّه لم يُعط، ولم يقدَّم إلاَّ لأجل النكاح المنتظر.
٢ - أما ما يقدم بعد عقد النكاح لغير الزوجة من أقاربها من أبٍ، أو أخٍ، أو عمٍّ، أو غيرهم، فهو لمن أعطيه؛ ذلك أنَّ عقد النكاح قد تمَّ، ولم يبق شيءٌ يُحابى من أجله، وإكرام أصهار الرجل أمرٌ مألوفٌ، ومحبوبٌ، ومرغبٌ فيه؛ فقد أصبحوا أقارب، والصلة بين الأقارب مشروعة.
٣ - أمَّا ما يفعله بعض القبائل من أنَّ ولي أمر الزوجة يختص بمهرها، ويحرمها منه، فهذا حرام لا يجوز؛ فلا يحل للزوج أن يعطيه إيَّاه، ولا يحل للولي، إن لم يكن أبًا أن يأخذه ويتموله، وهذه عادةٌ محرَّمةٌ، وقبيحةٌ جدًّا.
ويجب على ولاة الأمور الأخذ بالتوعية عنها، ثم الإجبار على تركها.
٤ - أجاز العلماء للوالد أن يشترط لنفسه شيئًا من الصداق؛ قال في شرح الإقناع: ولأبي المرأة أن يشترط شيئًا من صداقها لنفسه، ولو اشترط كل الصداق؛ لقوله ﷺ : "أنتَ ومالك لأبيك"، وقال ﷺ : "إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنَّ أولادكم من كسبكم" [رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه].
стр. 2775
٨٩٦ - وَعَنْ عَلْقمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ "أَنَّه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بهَا حَتَّى مَاتَ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا؛ لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيراثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امرَأَةَ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بهَا ابْنُ مَسْعُودٍ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، وصحَّحه ابن مهدي، والترمذي، والبيهقي، وقد اختُلف في اسم راويه الصحابي، ولكن لا يضر؛ لأنَّه كلهم عدول، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهبي.
وقال ابن حزم: لا مغمز فيه، لصحة إسناده.
وله شاهدٌ أخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من حديث عقبة بن عامر.
стр. 2776
* مفردات الحديث:
- لم يَفْرِض لها: بفتح الياء، وكسر الراء، أي: لم يقدّر.
- لا وكس؛ بفتح الواو، فسكون الكاف، ثم سين مهملة، يقال: وكس الشيءُ يكس وكسًا: نقص، فقوله: ولا وكس، أي: لا نقصان، والمعنى: لا ينقص عن مهر نسائها.
- شطط: بفتِح الشين المعجمة، ثم طاء مهملة، والشطط: الجَور؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: لا يجار على الزوج بزيادة مهرها على نسائها.
- بِرْوع: بكسر الباء، وسكون الراء، هي بروع بنت واشق، من أشجع بن ريث ابن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وهي زوج هلال بن أمية.
- واشِق: بفتح الواو، بعده ألف، ثم شين معجمة مكسورة، وآخره قاف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ما جاء في هذا الحديث يسمى عند الفقهاء، تفويض البضع، وذلك بأن تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، إن كان لها إذن معتبر، أو يزوجها وليها إن لم يكن لها إذن بلا مهر مسمًّى؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
ولما جاء في حديث الباب.
٢ - وبما أنَّه قد حصل عقد النكاح، فإذا توفي زوجها، فعليها عدة الوفاة والإحداد، ولو لم يحصل دخول، ولا خلوة.
٣ - ولها الميراث؛ لأنَّها زوجة بعصمة زوجها.
قال في الروض المربع: ومن مات من الزوجين قبل الإصابة، والخلوة، وفرض مهر المثل، ورثه الآخر، لأنَّ ترك تسمية الصداق لا يقدح في صحة النكاح.
٤ - ولها مهر مثلها من قراباتها؛ فيعتبره الحاكم بمن تساويها منهنَّ في مال،
стр. 2777
وجمال، وعقل، وأدب، وسن، وبكارة أو ثيوبة، وهذا معنى كلام ابن مسعود ﵁ الذي في حكم المرفوع لقوله: "لها مثل صداق نسائها؛ لا وَكس ولا شطط".
٥ - قال شيخ الإسلام: اتَّفق العلماء على أنَّ من تزوَّج امرأةً، ولم يقدِّر لها مهرًا، أنَّه يصح النكاح، ويجب لها مهر مثلها إذا دخل بها، وإن طلَّقها قبل الدخول فليس لها مهر، بل لها المتعة بنص القرآن.
٦ - يدل الحديث على أنَّ عدم ذكر المهر في العقد أو قبله، لا يُخِلُّ بصحة النكاح؛ فإنَّه يصح ولو لم يسم.
٧ - ويدل على أنَّه لابد من وجود الصداق في النكاح، وأنَّ عدم ذكره لا يجعل عقد النكاح عقد تبرع لا عوض فيه.
٨ - ويدل على أنَّ المهر ليس عوضًا مقصودًا في النكاح، وإلاَّ لَما صحَّ النكاح بلا ذكره وتسميته.
***
стр. 2778
٨٩٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا، فَقَدِ اسْتَحَلَّ" أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، وَأشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ (١).
ــ
* درجة الجديث:
الحديث موقوف.
قال المؤلف: أخرجه أبو داود، وأشار إلى ترجيح وقفه.
وقال في التلخيص: أخرجه أبو داود، وفي إسناده مسلم بن رومان، وهو ضعيف، وروي موقوفًا، وهو أقوى، ورجَّح وقفه أبو داود وعبد الحق.
* مفردات الحديث:
- سويقا: بفتح السين، وكسر الواو، ثم ياء ساكنة، ثم قاف، هو التمر والدقيق المخلوط بالأقِط والسمن، يعجن بعضه ببعض كالعصيدة.
- استحل: يقال: استحلَّ يستحل استحلالاً: اتَّخذه حلالاً، والحلال ضد الحرام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أنَّ الصداق ليس ركنًا أساسيًّا في عقد النكاح، وليس عِوضًا مقصودًا لذاته، وإنما هو تكرمة رمزية، يقدمها الزوج لزوجته كهدية أو نِحلة؛ قدرًا لها، وجبرًا لخاطرها.
٢ - لذا جاز أن تكون هذه الأشياء اليسيرة صداقًا، وتُقَدَّم مهرًا، إذا لم يوجد ما هو أغلى منها.
стр. 2779
٣ - ويدل على أنَّ الشارع يرغِّب في الزواج والإقدام عليه، وأن لا يمنع منه الفقر؛ لئلا يكون المهر حَجر عثرة في سبيل طريق هذا العقد الخيري الذي يحصل به إعفاف الجنسين، وحصول الذرية، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ بتكثير سواد أمته في الدنيا؛ ليكونوا قوَّة في وجه عدوهم، وفي القيامة حينما يباهي بكثرتهم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.
٤ - أنَّه لابد من الصداق، ولو يسيرًا، إذا لم يوجد الصداق الكافي؛ فإنَّ استحلال بضع المرأة لا يكون إلاَّ بمهر.
قال في نيل المآرب: ولا يتقدر الصداق، بل كل ما صحَّ أن يكون ثمنًا، صحَّ أن يكون مهرًا وإن قلَّ.
٥ - أنَّ الصداف يكون بغير النقدين؛ خلافًا لبعض المذاهب التي تقيده بأحد النقدين.
***
стр. 2780
٨٩٨ - وَعنْ عَبْدِ اللهِ بِنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيه ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلى نَعْلَيْنِ" أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وخُولفَ فِي ذلِكَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
قال الحافظ في "بلوغ المرام" بعد أن حكى تصحيح الترمذي له: إنَّه خولف فى ذلك.
قال في الفتح الرباني: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.
وقال الترمذي: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح.
وممَّن خالف في الحكم على صحته البخاري، أما ابن معين، فقال: فيه عاصم بن عبيد الله ضعيف، وقال ابن حبان: فاحش الخطأ فترك، ونقل ابن التركماني عن أبي حاتم الرازي: أنَّه حديث منكر.
...
стр. 2781
٨٩٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ" أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَهُو طَرَفٌ مِنَ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
أصل الحديث في الصحيحين.
قال المؤلف: إنَّ هذا الحديث طرفٌ من الحديث الطويل المتقدم في أوائل النكاح، فالحديث في الصحيحين، ولكن لم يتم تزويجه ﷺ ذلك الرجل بخاتم من حديد، وإنما أذن في جعل الصداق خاتمًا من حديد، وهو كاف لثبوت الحكم.
...
стр. 2782
٩٠٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "لاَ يَكُونُ المَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدهِ مَقَالٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف، ومنهم من حسَّنه.
قال المؤلف: أخرجه الدارقطني موقوفًا على علي بن أبي طالب ﵁ وفي سند الموقوف مقال؛ ذلك أنَّ في إسناده مبشر بن عبيد، قال أحمد: وكان يضع الحديث. ولا يعول على مثل هذا بجانب الأحاديث الصحيحة، وقد روي من حديث جابر مرفوعًا، ولا يصح.
قال الكمال بن الهمام في فتح القدير: وهو حجة بالتضافر والشواهد، ثم نقل عن شيخه الحافظ ابن حجر بإسناد آخر أنَّه حسن الإسناد.
...
стр. 2783
٩٠١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه النسائي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذَّهبي، والحديث له متابعات.
وله إسناد خير من هذا عند أحمد وغيره بلفظ: "إنَّ مِن يُمْن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها" أخرجه أحمد، وابن حبان، والبيهقي.
وقد أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - أنَّه لابد في النكاح من صداقٍ وإن قلَّ؛ ليكون هديَّةً للزوجة، وتحفةً تُقدَّم لها عند الدخول عليها.
٢ - أنَّ الصداق ليس مقصودًا لذاته في النكاح، فليس هو عوضًا مرادًا، وإنما هو نِحلة في هذا العقد المبارك.
٣ - أنَّ الشارع الحكيم يتشوَّف إلى عقد النكاح، ويحثُّ عليه، ويسهِّل طريقه؛ لتحصل المقاصد الطيبة، والثمار الحميدة من الزواج.
٤ - أنَّه ينبغي أن لا يكون الفقر عائقًا، ومانعًا من الزواج؛ فعلى الزوج أن يقدِّم ما تيسَّر، وعلى الزوجة وأوليائها أن يقبلوا ما يُقدم إليهم، فليس القصد من
стр. 2784
الزواج التجارة والمساومة، وإنما القصد الاتصال وتحقيق نتاجه.
فهذه الأحاديث التي قدم فيها المتزوِّجون لزوجاتهم سَويقًا، وتمرًا، ونعلين، وخاتمًا من حديد، وعشرة دراهم، كلُّ هذه تدلُّ على أنَّ الصداق وسيلة، لا غاية.
٥ - أما الحديث رقم (٩٠١) فيستفاد منه أنَّ خير الصداق أيسره، وأسهله، وأقلَّه مؤنة على الزوج.
٦ - جاء في سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم وصحَّحه، عن أبي العجفاء السهمي قال: خطب بنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "لا تغالوا بصداق النِّساء؛ فإنَّها لو كانت مَكْرُمَة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق امرأهًّ من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح.
وقال الشيخ أحمد شاكر: ثبتت الدلائل على صحته.
٧ - قال الألباني: أما ما شاع على الألسنة من اعتراض المرأة على عمر، فهو ضعيف منكر.
قال البيهقي: منقطع، قلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد بن سعيد، ثم هو منكر المتن؛ فإنَّ الآية لا تنافي توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء.
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: قصة اعتراض المرأة على عمر ابن الخطاب لها طرق لا تخلو من مقال؛ فلا تصلح للاحتجاج، ولا معارضة النصوص الثابتة؛ وحينئذٍ فكلام عمر وهو المحدَّث المُلْهَمُ؛ وهو الموافق للنصوص، صوابٌ وملزمٌ بالعمل به.
стр. 2785
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن القضاء على السرف:
أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا برقم (٥٢) وتاريخ: ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ، جاء فيه: ويرى المجلس أنَّ من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف، أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء، والعلماء، وغيرهم من وجهاء الناس، وأعيانهم؛ فإنَّ عامة الناس لايمتنعون من ذلك؛ لأنَّهم تبعٌ لرؤسائهم، وأعيان مجتمعهم؛ فعلى ولاة الأمور أن يبدؤوا في ذلك بأنفسهم، ويأمروا به ذوي خاصتهم قبل غيرهم؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ، وصحابته، رضوان الله عليهم.
***
стр. 2786
٩٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الجْونِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، تَعْنِي: لَمَّا تَزَوَّجَهَا، فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ، فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ يُمَتِّعْهَا بِثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوك (١)، وَأَصْلُ القِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَسِيدٍ السَّاعِدِيِّ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
تقدم الكلام عليه في حديث رقم (٨٧٦).
* مفردات الحديث:
- عَمْرَة بنت الجَوْن: هي عمرة بنت يزيد بن الجون الكلابية.
- عُذْتِ بمُعاذ: التجأت واعتصمت بملجأ، وهو الله تعالى.
- يُمتِّعُهَا: المتعة: هدية تعطى للزوجة المفارَقةِ في حال الحياة؛ جبرًا لخاطرها، وتقدر بحال إعسار الزوج أو يساره.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - عمرة بنت الجون تزوَّج بها النبي ﷺ ، فدخل عليها النبي ﷺ ، فقابلته بقولها له: أعوذ بالله منك، فأجابها بقوله: لقد عذتِ بما يُستعاذ به، فطلَّقها، وأمر أسامة بن زيد يمتعها بثلاثة أثواب.
٢ - ففي الحديث دليلٌ على مشروعية تمتيع المرأة المطلقة؛ وذلك جبرًا
стр. 2787
لخاطرها، وإرضاءً لنفسها، وتسكينًا لقلبها، وعملاً بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة].
٣ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -عند قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة]-: ذكر هنا أنَّ كل مطلقة لها على زوجها أن يمتعها، ويعطيها ما يناسب حاله وحالها، وأنَّ ذلك حقٌّ، إنَّما يقوم به المتقون، فإن كانت المرأة لم يُسمَّ لها صداقٌ، وطلَّقها قبل الدخول، فتجب عليه المتعة بحسب يساره وإعساره، وإن كان مسمًّى لها، فمتاعها نصف المسمًّى، وإن كانت مدخولاً بها، صارت المتعة مستحبة في قول جمهور العلماء، ومن العلماء من أوجب ذلك؛ استدلالاً بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة]، والأصل في "الحق" أنَّه واجب.
٤ - لما استعاذت المرأة منه ﷺ قال: لقد عُذْتِ بمعاذ، وقد قال ﷺ : "من استعاذكم بالله، فأعيذوه" [رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي]؛ فكان هو أوَّلَ من نفَّذ وعمل بوصاياه، بأنَّه من اعتصم بالله، فلا يتجرأ عليه، وهي لم تقل هذا كراهية للنبي ﷺ ، وإنما اجتهادًا منها.
стр. 2788
باب وليمة العرس
مقدمة
الوليمة: مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لاجتماع الزوجين، قاله الأزهري. قال ثعلب: الوليمة اسم لطعام العرس خاصَّة، لا يقع على غيره.
والعُرْس: بضم العين، وسكون الراء، هو الزفاف والتزويج، جمعه أعراس.
العِرْس: بكسر العين، يقال: هو عرسها، وهي عرسه، وهما عرسان.
العَرُوس: بفتح العين، المرأة ما دامت في عرسها، وكذلك الرَّجل، وتسمى عروسة ما دامت في عرسها.
قال في اللسان: والزوجان لا يسميان عروسين إلاَّ أيَّام البناء.
قال المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم: إعلان النكاح بالدف سُنَّة، وفيه مصلحة لا تخفى، فهو مشروع؛ لإظهار النكاح.
قال في سبل السلام: دلَّت الأحاديث على مشروعية الإعلان للنكاح، وعلى الأمر بضرب الغربال، والأحاديث فيه واسعة، لكن بشرط أن لا يصحبه محرَّم، من التغني بصوت رخيم من امرأة أجنبية.
قال المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الأغاني قسمان:
الأول: ما اشتمل على حِكم، ومواعظ، وحماس، ونصائح، ونحو ذلك، فهو جائز.
الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل -على صوت مزمار، وما أشبه ذلك فهو حرام.
стр. 2789
٩٠٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" مُتَّفَقٌ علَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أثر: الأثر: هو العلامة، وبقية الشيء، والمراد هنا: بقية الطيب الذي استعمل عند الزفاف.
- ما هذا: يستفهم عن سبب الطيب، ويحتمل أنَّه للإنكار فقد نهى عن تضمخ الرجال بالخلوق، فأجابه بأنَّه تزوَّج، فإن كان جوابًا عن السؤال؛ فهو إفادة عن سببه، وإن كان جوابًا عن الإنكار، فهو خبرٌ بأنَّه أصابه من مخالطته لزوجته.
- صُفْرَة: بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء الموحدة، ثمَّ راء، فتاء تأنيث، أثر الزعفران كما صرَّح به في بعض الروايات بأنَّه "أثر زعفران".
- وزْن: وزنت الشيء أزنه وزنًا، والوزن: القدر والمعادلة.
- مِنْ: للبيان.
- نَوَاة من ذهب: النواة معيار للذهب معروف لديهم، قال في المصباح: النواة: اسم لخمسة دراهم، هكذا هو عند العرب، قال الخطابي: ذهبًا أو فضة.
- أَوْلِمْ: فعل أمر، أي: اتَّخذ وليمة، وهي الطعام الذي يصنع في العرس.
- ولو بِشاة: "لو" هذا ليست الامتناعية، وإنما هي التي للتقليل.
стр. 2790
قال في المصباح: الشاة من الغنم: يقع على الذكر والأنثى، والجمع: شاء وشياه، رجوعًا إلى الأصل، وتصغيرها شويهة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كراهة التطيب بالزعفران، وما يظهر أثره من الطيب للرجَّال.
٢ - تفقد الوالي أصحابه، وسؤاله عن أحوالهم، وأعمالهم التي تعنيه فيهم.
٣ - استحباب تخفيف الصداق؛ فهذا عبد الرحمن بن عوف الغني لم يَصْدقُ زوجته إلاَّ وزن خمسة دنانير من ذهب.
٤ - الدعاء للمتزوج بالبركة، وتقدم نصه، وهو: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير".
٥ - مشروعية وليمة العرس، وأن لا تقل عن شاة إذا كان من ذوي اليسار، والأولى الزيادة على الشاة، وعمل الوليمة هي من جانب الزوج، وليس لِعَمَله من قِبل أهل الزوجة مستندٌّ إلاَّ أنَّه يمكن أن يكون العموم.
٦ - أن يدْعَى إليها أقارب الزوجين، والجيران، والفقراء، وأهل الخير؛ ليحصل التآلف، وتحل البركة، وأن يُجتنَب السرف والمباهاة.
٧ - استحباب تسمية الصداق في عقد النكاح، وإذا جرت عادة بعض الأسر عدم ذكره، فلا بأس.
أما عقد النكاح على مهر ريال، إذا لم يريدوا تسمية الصداق، فإنَّه لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، والعادات المباحة لا بأس بها في غير الأحكام الشرعية، أما الأحكام الشرعية: فالناس مقيدون فيها بأحكام الشريعة.
٨ - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: التهاني في المناسبات مبنية على أصلٍ عظيمٍ نافعٍ، هو أنَّ الأصل في جميع العادات القولية والفعلية الإباحة والجواز، فلا يحرم منها ولا يكره إلاَّ ما نهى عنه الشارع، أو تضمن
стр. 2791
مفسدة؛ وعلى هذا الأصل: فإنَّ النَّاس لم يقصدوا التعبد بها، وإنَّما هي عوائد جرت بينهم في مناسبات، لا محذور فيها.
٩ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: إعلان النكاح بالدف سُنَّة، وأما الأغاني المشتملة على مواعظ، وحماس، ونحو ذلك، فلا محذور فيها، وأما الأغاني التي فيها غرام، أو معها آلة طرب، فهي حرام.
***
٩٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَعَامُ الوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
رَوَاه الترمذي واستغربه.
وله شواهد منها: ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والطحاوي، والبيهقي عن رجلٍ من ثقيف، قال البخاري: لم يصح إسناده، وضعَّف الحديث المناوي في فيض القدير، متعقبًا السيوطي حيث صحَّحه.
وقال الترمذي: لا يعرف هذا الحديث مرفوعًا إلاَّ من حديث زياد بن عبدالله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وضعَّفه البيهقي، والدَّارقطني.
وأمَّا حديث أنس فقال الحافظ: فيه بكر بن خنيس، وهو ضعيف.
وللحديث طرقٌ وشواهد، قال عنها الشيخ الألباني: وجملة القول في هذا الحديث: أنَّ أكثر طرقه وشواهده شديدة الضعف، لا يخلو طريق منها من متَّهم خاصَّة أو متروك؛ فلذلك يبقى على هذا الضعف.
стр. 2796
* مفردات الحديث:
- الوليمة: أصل الوليمة، تمام الشيء، واجتماعه، يُقال: أَوْلَمَ الرَّجُلُ: عمل الوليمة، فقد نقل اسمها لطعام العرس خاصَّة، لاجتماع الرجل والمرأة، ولا يقع على غيرها من الدعوات.
- حق: مصدر، جمعه: حقوق وحقاق، والمراد به هنا الواجب.
- سنة: بضم السين، جمعها: سنن، وهي في اللغة: الطريقة، سواء أَكَانتْ مُرْضيةً، أم غير مرضية، وفي الشرع: هي الطريقة المسلوكة في الدين من غير وجوب؛ فهي فضيلة.
- سمعة: بضم السين، وسكون الميم، بمعنى الصيت، يقال: فعل ذلك رياءً وسمعة؛ ليراه الناس ويسمعوه.
- سمَّع الله به: بتشديد الميم، أي: شهره، وفضحه، وأذاع عنه عيبًا.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - مشروعية صنع طعام لمناسبة الزواج، ودخول الزوج بزوجته، وتقارب الأسرتين؛ للتعارف والتآلف بين الأصهار، وابتهاجًا بنعمة الله تعالى، وفيه إعلان للنكاح وإشعارٌ له؛ كما أنَّ فيه الدعاء، والاجتماع، والتعارف.
٢ - مشروعية إجابة الدعوة، لما روى مسلم، عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ومن لا يُجِب فقد عصى الله ورسوله".
قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة لمن دُعي إليها. وقيل: مستحبة، واختاره الشيخ تقي الدين، وهي حق للآدميِّ يسقط بعفوه.
ويجب على المدعو إجابتها بأمور منها:
- أن يُعيِّنه صاحب الدعوة، فلا تكون دعوة عامة.
أن لا يكون في مكان الدعوة منكرٌ، لا يقدر على إزالته، من خمرِ، أو فُرُش محرَّمة، أو أواني ذهبٍ أو فضة، أو أغانٍ محرَّمة، أو اختلاط رجالٍ
стр. 2797
بنساء، أو تكون من حفلات السرف والخيلاء، أو يكون في ماله حرامٌ من ربا، أو رشوة، أو ظلم أحد، أو غير ذلك، فإذا وُجِدَ شيءٌ من هذه الأمور لم تجب الدعوة، بل تحرم.
وذكر الطيبيِّ في "شرح المشكاة" أمثلةً للأعذار التي تسقط إجابة الدعوة، منها: أن يكون في الطعام شبهة حرام، أو أن يخص بها الأغنياء دون الفقراء، أو أنَّه دعاه لخوف شرِّه، أو لطمع في جاهه، أو ماله، أو ليعاونه على باطل، أو يكون فيها منكر، من خمرٍ، أو لهوٍ محرَّم، أو أنَّ الفرش حرير، أو فيها صور حيوان، ونحو ذلك، وإن اعتذر منه، فقبل الداعي، سقط الوجوب.
٣ - أن تكون الدعوة في اليوم الأول، فإن كانت فيما بعده من الأيام لم تجب الدعوة؛ ففي اليوم الثاني: مستحبة، وفي اليوم الثالث تكره: أو تحرم.
٤ - أنَّ العادة الغالبة أنَّ طعام الوليمة شر طعام، وشر محفل؛ فإن الدعوة لا توجه إلاَّ إلى الأعيان والأغنياء، ممَّن لا يأتونها رغبة، وإنَّما يأتونها إرضاءً لصاحب الدعوة، وإحسانًا إليه، وأما الفقراء المحتاجون إليها: فهم يمنعون من الحضور إليها، ويدفعون عنها بالأبواب؛ فلتكن هذه موعظة وتذكرة للمسلم، أنْ لا يسلك هذا المسلك، وأن يجعلها دعوة شرعية؛ يدعو فيها الأقارب، والأصدقاء، والفقراء، والأغنياء، وكلٌّ يُنزَّل منزلته.
٥ - أنَّ الواجب هو إجابة الدعوة، أما الأكل فليس بواجب، لكن إن كان صائمًا فرضًا فلا يُفطر، ويخبر صاحب الدعوة بصيامه؛ لئلا يظن به كراهة طعامه، فقد جاء في صحيح مسلم وغيره أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا دُعِي أحدكم إلى الطعام وهو صائمٌ، فليقل إنِّي صائم".
وأمَّا إنْ كان الصوم نفلاً: فإنْ حصل بفطره وأكله جبر خاطر الداعي، ورغب المدعو، بمشاركتهم في الأكل، فليفطر؛ وإلاَّ دعا، وأتمَّ صومه؛
стр. 2798
فقد جاء في بعض الروايات: قوله ﷺ لرجل اعتزل من القوم ناحية، وقال: إنِّي صائم، فقال ﷺ : "دعاكم أخوكم، وتكلَّف لكم، كُل، ثُم صم يومًا إن شئتَ".
وهذا التفصيل هو مذهب الشافعية، والحنابلة.
قال الشيخ تقي الدين: هو أعدل الأقوال.
٦ - أنَّ الوليمة في اليوم الأول واجبة، وفي اليوم الثاني سنَّةٌ مستحبَّة، أمَّا في اليوم الثالث فهي رياءٌ وسمعةٌ؛ فتكون محرَّمة، فتجب على المدعو الإجابة في الأوَّل، ولكن بشرطه المتقدم، وتُستَحب في اليوم الثاني، وتحرُم في اليوم الثالث وهذا مذهب جمهور العلماء.
٧ - استحباب الدعاء من المدعو للداعي، ويكون الدعاء مناسبًا للدعوة والمقام، ويظْهِرُ الفرح والغِبطة للداعي، ويدخل السرور عليه بالأماني الطيبة، والفأل الحسن؛ فهذا من بركة الحضور والاجتماع.
فليس الحضور هو مجرَّد الطعام والأكل، وإلاَّ لما أمر الصائم بالإجابة، وإنَّما المراد: معانيه الطيبة، واجتماعه المبارك.
٨ - المشهور من المذهب: أنَّ وليمة العرس تجب بالعقد، وقال الشيخ تقي الدين: تُسنُّ بالدخول.
وقال في الإنصاف: الأولى أن يقال: وقت الاستحباب موسَّع، من عقد النكاح، إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن التبذير في الولائم:
جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (٥٢) وتاريخ: ٤/ ١٣٩٧/٤ هـ مما يتعلَّق بالموضوع ما نصه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء].
стр. 2799
وبناءً على ما يسببه التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة، وتعددها قبل الزواج وبعده، ولما يسببه الانزلاق في هذا المبدأ من عجز الكثير من النَّاس عن نفقات الزواج، فإنَّ المجلس يرى ضرورة معالجة هذا الوضع معالجة جادة وحازمة بما يلي:
أولاً: يرى المجلس منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من آلات اللَّهو، وما يستأجر له من مغنيين ومغنيات، وبآلات تكبير الصوت؛ لأنَّ ذلك منكَرٌ محرَّمٌ، فيجب منعه، ومعاقبة فاعله.
ثانيًا: منع اختلاط الرِّجال بالنِّساء في حفلات الزواج، وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يُعمل عندهم ذلك من زوج، وأولياء الزوجة، معاقبة تزجر مثل هذا المنكر.
ثالثاً: منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج، وتحذير الناس من ذلك.
***
стр. 2800
٩٠٨ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ على بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُدَّين: تثنية مُدّ، والمُدّ ربع الصاع، فالمدان نصف الصاع النبوي، وقدر المدين بالمكيال المعاصر -بعد أن حوِّل إلى الوزن: "١٥٠٠"-: غرامًا تقريبًا.
- شعير: هو الحب المعروف، وهو نباتٌ، عُشْبِيٌّ، حبيٌّ، من الفصيلة الجيلية.
...
стр. 2801
٩٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَقَامَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبرَ وَالمَدِينَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يُبْنَى علَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلاَ لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ أَمَرَ بِالأَنطَاعِ، فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ، وَالأَقِطُ، وَالسَّمْنُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يُبْنَى عَلَيْهِ: البناء هو الزفاف، قال ابن الأثير: البناء والاستبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه: أنَّ الرجل كان إذا تزوَّج بامرأة، بنى عليها قبة؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجُلُ بأهله، وقد بُنِىَ للنبيِّ ﷺ عند دخوله بصفية.
- الأنطاع: واحدها نِطْع، بفتح النون وكسرها، ومع كل واحد: فتح الطاء وسكونها، كما في المصباح، وهو البساط من الجلود المدبوغة، يجمع بعضها إلى بعض.
- الأَقِط: بفتح الهمزة، اللبن المطبوخ حتى يتبخَّر ماؤه، ويغلظ، ثم يعمل منه أقراص صغيرة، فتؤكل لينة ومتحجرة.
- حَيْسًا: بفتح الحاء، وسكون الياء، آخره سين مهملة، وهو: ما جمع هذه الأخلاط، من التمر والأقط والسمن، وقد جاء حيسًا في بعض الروايات، وقال ابن سيده: الحَيْس: هو الأقط يخلط بالسمن والتمر، حاسه حيسًا، وحيَّسه: خلطه.
стр. 2802
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - في الحديثين مشروعية الوليمة في الزواج؛ لأنَّ ذلك من إظهار السرور والفرح، ولأنَّ الوليمة هي سبب الاجتماع والسؤال عن مناسبتها الداعي إليها، وكل هذا من إعلان النكاح وإشهاره.
٢ - أنَّ الوليمة تكون على الزوج دون الزوجة وأوليائها؛ لأنَّ الزوجين هما صاحب العرس، والزوج هو المنفِق؛ فتكون عليه.
والنبي ﷺ قال للزوج: "أولِم ولو بشاة" فهو المخاطب بنالك.
٣ - أنَّ وقت الوليمة هو عند البناء بالزوجة، والدخول عليها؛ لأنَّ هذه الفترة هي المقصودة من النكاح، وما قبلها تمهيد لها، وتقدم كلام صاحب الإنصاف من أنَّ وقتها موسَّع، من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس.
٤ - أنَّ المشروع هو تخفيف الوليمة، والدعوة إليها، والاستعداد لها: فإن كان الإنسان موسرًا، فتكون بالشاتين والثلاث فأكثر قليلاً، حسب حال الزوج، وقَدْر المدعوِّين، وإن كان في حالة سفر، أو حالة عسرة، فيكفي ما تيسَّر من الطعام والشراب.
٥ - أنَّ صنع الوليمة للزواج متأكد جدًّا؛ فالسفر والتخفُّف من الزاد فيه لم يمنع من إعدادها، والاجتماع لها.
٦ - وفيه جواز المناهدة، قال الشيخ تقي الدين: المناهدة هي: أن يُخرِج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة، ويدفعون إلى من ينفق عليهم منه، ويأكلون جميعًا، فلو أكل بعضهم أكثر أو تصدَّق، جاز، ولم يزل الناس يفعلونه.
٧ - قلت: وما فعله أصحاب النبي ﷺ من إلقاء ما معهم من التمر والأقط والسمن، فإنَّه يشبه ما يعمل في بعض المناطق من تقديم إعانات على إقامة وليمة العرس، ويسمى عندهم "الرفد".
стр. 2803
٩١٠ - وَعَن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بشواهده.
رواه أحمد، وأبو داود، وعنه البيهقي من طريق يزيد بن عبد الرحمن، الدالاني، عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: فذكره.
وهذا سندٌ ضعيفٌ من أجل يزيد بن عبد الرحمن، قال الحافظ: صدوقٌ يخطيء كثيرًا، وكان يدلس، قال الحافظ -في التلخيص (٣/ ١٩٦) بعد أن عزاه لأبي داود وأحمد-: إسناده ضعيف.
وقال المنذري: في إسناده يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وثقه أبو حاتم، وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وإن كان فيه لين.
وقال الصنعاني عن هذا الحديث: رجاله موثوقون، وله شاهدٌ في البخاري من حديث عائشة: "قيل: يا رسول الله! إنَّ لي جارين أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربها منك بابًا".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية إقامة الوليمة في الزواج، وأنَّها من السنة المحمَّدية.
стр. 2804
٢ - وفيه مشروعية إجابة الدعوة لمن دعي، وتقدَّم أنَّها في اليوم الأول واجبة، وفي الثاني مستحبة، وفي الثالث محرمة.
٣ - وفيه مشروعية إجابة السابق من الدَاعييْنِ، أو الداعِين؛ لأنَّ له فضل السبق بالدعوة، فإن كانا في الدعوة سواء، قدَّم أقربهما بابًا من باب المدعو، ولأنَّ له ميزة قرب الجوار.
٤ - وفيه بيان حق الجار على جاره، وأنَّ حقه كبير، والأحاديث في ذلك كثيرة.
٥ - وفيه أنَّ من الحقوق -التي بين الأقارب، والجيران، والأصدقاء- إجابةَ الدعوات، وتبادل الزيارات؛ فإنَّ لها تأثيرًا كبيرًا، في صفاء القلوب، وجلب المحبة، وتوثيق الصلة.
٦ - الأفضل لمن يقوم بإجابة الدعوة، ويقوم بزيارة من له حق عليه، أو عيادته في مرضه، ونحو ذلك أن ينوي مع ذلك التقرُّبَ إلى الله تعالى بذلك؛ ليحصل له الخير الكبير، والأجر الجزيل.
***
стр. 2805
٩١١ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- متَّكِئًا: قال في المحيط وغيره: اتَّكأ اتِّكَاءً: جلس متمكِّنًا متربِّعًا، قال ابن الأثير: والعامة لاتعرف الاتِّكاء إلاَّ الميل في القعود معتمدًا على أحد الشقين، وهو يستعمل في المعنيين جميعًا.
...