٩٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَقَامَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبرَ وَالمَدِينَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يُبْنَى علَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلاَ لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ أَمَرَ بِالأَنطَاعِ، فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ، وَالأَقِطُ، وَالسَّمْنُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- يُبْنَى عَلَيْهِ: البناء هو الزفاف، قال ابن الأثير: البناء والاستبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه: أنَّ الرجل كان إذا تزوَّج بامرأة، بنى عليها قبة؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجُلُ بأهله، وقد بُنِىَ للنبيِّ ﷺ عند دخوله بصفية.
- الأنطاع: واحدها نِطْع، بفتح النون وكسرها، ومع كل واحد: فتح الطاء وسكونها، كما في المصباح، وهو البساط من الجلود المدبوغة، يجمع بعضها إلى بعض.
- الأَقِط: بفتح الهمزة، اللبن المطبوخ حتى يتبخَّر ماؤه، ويغلظ، ثم يعمل منه أقراص صغيرة، فتؤكل لينة ومتحجرة.
- حَيْسًا: بفتح الحاء، وسكون الياء، آخره سين مهملة، وهو: ما جمع هذه الأخلاط، من التمر والأقط والسمن، وقد جاء حيسًا في بعض الروايات، وقال ابن سيده: الحَيْس: هو الأقط يخلط بالسمن والتمر، حاسه حيسًا، وحيَّسه: خلطه.
стр. 2802
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - في الحديثين مشروعية الوليمة في الزواج؛ لأنَّ ذلك من إظهار السرور والفرح، ولأنَّ الوليمة هي سبب الاجتماع والسؤال عن مناسبتها الداعي إليها، وكل هذا من إعلان النكاح وإشهاره.
٢ - أنَّ الوليمة تكون على الزوج دون الزوجة وأوليائها؛ لأنَّ الزوجين هما صاحب العرس، والزوج هو المنفِق؛ فتكون عليه.
والنبي ﷺ قال للزوج: "أولِم ولو بشاة" فهو المخاطب بنالك.
٣ - أنَّ وقت الوليمة هو عند البناء بالزوجة، والدخول عليها؛ لأنَّ هذه الفترة هي المقصودة من النكاح، وما قبلها تمهيد لها، وتقدم كلام صاحب الإنصاف من أنَّ وقتها موسَّع، من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس.
٤ - أنَّ المشروع هو تخفيف الوليمة، والدعوة إليها، والاستعداد لها: فإن كان الإنسان موسرًا، فتكون بالشاتين والثلاث فأكثر قليلاً، حسب حال الزوج، وقَدْر المدعوِّين، وإن كان في حالة سفر، أو حالة عسرة، فيكفي ما تيسَّر من الطعام والشراب.
٥ - أنَّ صنع الوليمة للزواج متأكد جدًّا؛ فالسفر والتخفُّف من الزاد فيه لم يمنع من إعدادها، والاجتماع لها.
٦ - وفيه جواز المناهدة، قال الشيخ تقي الدين: المناهدة هي: أن يُخرِج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة، ويدفعون إلى من ينفق عليهم منه، ويأكلون جميعًا، فلو أكل بعضهم أكثر أو تصدَّق، جاز، ولم يزل الناس يفعلونه.
٧ - قلت: وما فعله أصحاب النبي ﷺ من إلقاء ما معهم من التمر والأقط والسمن، فإنَّه يشبه ما يعمل في بعض المناطق من تقديم إعانات على إقامة وليمة العرس، ويسمى عندهم "الرفد".
стр. 2803
٩١٠ - وَعَن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن بشواهده.
رواه أحمد، وأبو داود، وعنه البيهقي من طريق يزيد بن عبد الرحمن، الدالاني، عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: فذكره.
وهذا سندٌ ضعيفٌ من أجل يزيد بن عبد الرحمن، قال الحافظ: صدوقٌ يخطيء كثيرًا، وكان يدلس، قال الحافظ -في التلخيص (٣/ ١٩٦) بعد أن عزاه لأبي داود وأحمد-: إسناده ضعيف.
وقال المنذري: في إسناده يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وثقه أبو حاتم، وقال الإمام أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وإن كان فيه لين.
وقال الصنعاني عن هذا الحديث: رجاله موثوقون، وله شاهدٌ في البخاري من حديث عائشة: "قيل: يا رسول الله! إنَّ لي جارين أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربها منك بابًا".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية إقامة الوليمة في الزواج، وأنَّها من السنة المحمَّدية.
стр. 2804
٢ - وفيه مشروعية إجابة الدعوة لمن دعي، وتقدَّم أنَّها في اليوم الأول واجبة، وفي الثاني مستحبة، وفي الثالث محرمة.
٣ - وفيه مشروعية إجابة السابق من الدَاعييْنِ، أو الداعِين؛ لأنَّ له فضل السبق بالدعوة، فإن كانا في الدعوة سواء، قدَّم أقربهما بابًا من باب المدعو، ولأنَّ له ميزة قرب الجوار.
٤ - وفيه بيان حق الجار على جاره، وأنَّ حقه كبير، والأحاديث في ذلك كثيرة.
٥ - وفيه أنَّ من الحقوق -التي بين الأقارب، والجيران، والأصدقاء- إجابةَ الدعوات، وتبادل الزيارات؛ فإنَّ لها تأثيرًا كبيرًا، في صفاء القلوب، وجلب المحبة، وتوثيق الصلة.
٦ - الأفضل لمن يقوم بإجابة الدعوة، ويقوم بزيارة من له حق عليه، أو عيادته في مرضه، ونحو ذلك أن ينوي مع ذلك التقرُّبَ إلى الله تعالى بذلك؛ ليحصل له الخير الكبير، والأجر الجزيل.
***
стр. 2805
٩١١ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- متَّكِئًا: قال في المحيط وغيره: اتَّكأ اتِّكَاءً: جلس متمكِّنًا متربِّعًا، قال ابن الأثير: والعامة لاتعرف الاتِّكاء إلاَّ الميل في القعود معتمدًا على أحد الشقين، وهو يستعمل في المعنيين جميعًا.
...
стр. 2806
٩١٢ - وَعنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "يَا غُلاَمُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غلام: الغلام من الولادة إلى سن البلوغ، وجمع القلة: غِلْمَة، وجمع الكثرة: غلمان، ويُستعار الغلام للعبد والأجير.
- سمِّ الله: فعل الأمر من سمَّى، يقال: سمَّى في العمل، أي: ذكر اسم الله عليه، بقوله: باسم الله.
- مما يليك: وليه يليه وَليًا: دنا منه وقرب، والمراد: أنْ يأكل من أقرب جوانب القصعة إليه.
...
стр. 2807
٩١٣ - وَعَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا؛ فَإِنَّ البرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا" رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي.
وله شاهد عن عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الرحمن الحمصي، قال: حدثنا عبد الله بن بسر؛ أنَّ رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث.
وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله كلُّهم ثقات.
* مفردات الحديث:
- قَصْعة: بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة، هو إناء معد ليؤكل به ويشرب، والغالب: أنَّه من خشب.
- ثرِيد: بفتح الثاء المثلثة، ثم راء مكسورة، الثريد: هو ما يفت من الخبز، ثم يبل بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم.
стр. 2808
٩١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- عاب: يعيب عيبًا، والعيب: النقص في الشيء، جمعه: عيوب، والمراد أنَّه ﷺ لم ينسب طعامًا إلى عيب.
- قط: بفتح القاف، وضم الطاء المشددة.
قال في المعجم الوسيط؛ قط ظرف زمان؛ لاستغراق الماضي، وتختص بالنَّفي، يقال: ما فعلت هذا قط، فيما مضى، وقال في المحيط: والعامة تقول: لا أفعله قط، وهو غلط.
قُلتُ: لأنَّها مختصَّةٌ بالزَّمن الماضي.
...
стр. 2809
٩١٥ - وَعَن جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- الشيطان: في أصل اشتقاقه، قولان:
أحدهما: أنَّه من شَطَنَ؛ لأنَّه بعد عن الحق، أو عن رحمة الله، فتكون حينئذٍ النون أصلية والياء زائدة، ووزنه فيعال.
الثاني: أنَّ الياء أصلية والنون زائدة، عكس الأول، واشتقاقه من شاط يشيط: إذا بطل واحترق، فوزنه حينئذ فعلان.
- الشمال: ضِدُّ اليمين، مؤنَّثة، جمعها: شُمُل.
...
стр. 2810
٩١٦ - وَعَنْ أَبِي قتادَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: إذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
وَلأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ، وَزَادَ "أَوَ يَنْفُحْ فِيهِ"، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- فَلا يتنفَّس: بالبناء للمعلوم، مجزوم بلا الناهية، والتنفس إدخال النفس إلى الرئتين، وإخراجه منهما.
- أو ينفخ: بالنَّصب مع البناء للمفعول؛ لأنه معطوف على قوله: "نهى أن يُتنفس في الإناء" والنفخ: إخراج الريح من الفم.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
هذه الأحاديث ما الشريفة كلها في بيان آداب الأكل والشرب؛ ليكون المسلم في امتثالها متبعًا لسنة نبيه ﷺ ؛ حتى في العادات الكريمة، وهذه فوائد وأحكام هذه الأحاديث:
١ - أنَّ من صفات جلسة النبي ﷺ للأكل أن لا يأكل متكئًا، وذلك بأن يتربع على الطعام في جلسته؛ لأنَّ هذه الجلسة تتطلب من الإنسان أن يأكل كثيرًا، والمطلوب هو التخفف من الطعام، والاقتصار على قدر الحاجة منه، فهذه الجلسة مكروهة شرعًا.
ومثل ذلك: أن يأكل وهو مائل في جلسته، ممَّا يشعر بالكبر عند تناول
стр. 2811
هذا النعمة.
٢ - استحباب التسمية في أول الطعام؛ فقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عائشة؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أكل أحدكم طعامًا، فليقل: باسم الله، فإن نسي في أوله، فيلقل: باسم الله أوله وآخره".
قال الأصحاب: وتُسنُّ التسمية، بان يقول: باسم الله.
قال الشيخ: لو زاد "الرحمن الرحيم" عند الأكل، لكان حسنًا؛ فإنَّه أكمل بخلاف الذبح.
٣ - وجوب الأكل باليمين، وتحريم الأكل بالشمال، إلاَّ من عذر؛ فقد جاء في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم، عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله"؛ فمتابعة الشيطان محرَّمة، فمن تشبَّه بقومٍ فهو منهم.
٤ - استحباب تعليم الجاهل من كبار وصبيان، لاسيَّما من تحت كفالته؛ فقد قال ﷺ : "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته"، فعمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ ، ابن زوجته، وعاش في بيته.
٥ - الأدب هو الأكل مما يلي الآكل؛ فلا يتعداه إلى الجوانب الأخر؛ فقد جاء في بعض طرق الحديث رقم (٩١٢)، قال عمر بن أبي سلمة: "كنتُ غلامًا في حِجر النَّبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: "يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكلْ ممَّا يليك".
٦ - استحباب الأكل من جوانب الإناء، وأن لا يؤكل من وسطها؛ فإنَّ البركة تنزل في وسطها.
ولعل من بركة الأكل من الجوانب: أنَّه إذا بقي بقية من الطعام، فإنَّها تبقا نظيفة لم تمسها يد، فيستفيد منها من يأتي بعد الآكلين، أما البدء من الوسط: فإنَّه يفسد الطعام ويقذره على من بعده، فيُلقى، ولو كان كثيرًا.
стр. 2812
٧ - أنَّ من خلق النبي ﷺ السَّماح؛ فإنَّه لم يعب طعامًا قدِّم إليه؛ لأنَّه من نعم الله تعالى على عباده؛ فإنِ اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.
فقد جاء في الصحيحين، عن ابن عباس قال: "دخل النبي ﷺ على ميمونة، فقدِّم له ضبٌّ، فأهوى بيده إلى الضب، فقالت امرأةٌ من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله بما قدمتن، قلن: هو ضبٌّ يا رسول الله! فرفع ﷺ يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، فاجتره خالد فأكله".
وجاء في صحيح مسلم، عن جابر، قال: "دخل النبي ﷺ بعض حُجَرِ نسائه، فقال: "هل من أدم؟ قالوا: لا، إلاَّ شيء من خل، قال: هاتوا فنِعْمَ الأُدم هو".
٨ - النَّهي عن التنفس في الإناء، ففيه من المضار تقذير الإناء؛ والشراب على الشارب، بعد المتنفس، وفيه: أنَّه يتنفس ويشرب في آنٍ واحد، فربَّما سبب له الاختناق، وفيه: أنَّ الشرب من ثلاثة أنفاس خارج الإناء أمرأُ، وألذُّ، وأهنأُ؛ فالشريعة الإسلامية المطهَّرة لا تأمر إلاَّ بما فيه الخير، ولا تنهى إلاَّ عمَّا فيه الشر والضر.
***
стр. 2813
باب القسم
٩١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ" رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَلكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث مرسل.
أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من طرق، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، به.
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وعليه جرى الحاكم، فقال: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي، وابن كثير، لكن المحققين من الأئمة أعلّوه، فقال النسائي: أرسله حماد بن زيد، وقال الترمذي: رواه غير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلاً، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا، وأيَّده ابن أبي حاتم فقال: الحديث مرسل.
стр. 2814
* مفردات الحديث:
- يقسم بين نسائه: قسم يقسم، من باب ضرب يضرب، قَسْمًا، بفتح، فسكون: مصدر قسمت الشيء فانقسم، فيعطي كل واحدة نصيبها.
- فيعدل: عدل يعدل عدلاً، ضد جار؛ فالعدل ضد الجور.
- فلا تلمني: لام يلوم لومًا وملامة: عذل؛ فاللوم العذل، قال في الكليات: اللوم مما يحرِّض؛ كما أنَّ العذل مما يُغري.
***
стр. 2815
٩١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخرَى، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال المصنف: رواه أحمد والأربعة، وإسناده صحيح.
وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، من طرق، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، به.
قال الحاكم؛ صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهبي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، قال عبد الحق: عِلَّته أنَّ همامًا تفرَّد به، ولكنها علة غير قادحة؛ ولذلك تتابع العلماء على تصحيحه.
* مفردات الحديث:
- شِقُّهُ: بكسر الشين المعجمة، وتشديد القاف، أي: جانبه ونصفه.
- مائل: مال يميل ميلًا، والميل: ضد الاعتدال والاستقامة.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم لنا أنَّ القسم ليس واجبًا على النبي ﷺ بين نسائه؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]؛ ومع هذا فقد كان ﷺ يقسم بينهن في النفقة والمبيت والطواف عليهنَّ
стр. 2816
ثم يقول: "اللَّهمَّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، يشير إلى المودة، ثم ما يتْبَعُهَا.
٢ - أنَّ القَسْمَ واجب على الرجل بين زوجتيه أو زوجاته، ويحرم عليه الميل إلى إحداهنَّ عن الأخرى، فيما يقدر عليه من النفقة، والمبيت، وحسن المقابلة، ونحو ذلك.
٣ - أنَّه لا يجب على الرجل القَسْمُ فيما لا يقدر عليه، وهو ما يتعلَّق بالقلب من المحبة، والميل القلبي، ولا ما يترتب عليه من رغبة في جماع واحدة دون الأخرى؛ فهذه أمور ليست في طوق الإنسان، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، ففيه دليلٌ على السَّماحة في بعض الميل، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
٤ - العدل مطلوب من الإنسان في كل ما هو تحت تصرفه من الزوجات، والأولاد، والأقارب، والجيران، وغير ذلك؛ فهو أجمع للقلوب على محبته، وأصفى للنفوس على مودته، وأبعد عن التُّهمة في التحيز والميل.
٥ - وفي الحديث رقم (٩١٨): إثبات عذاب الآخرة، وهو ممَّا عُلِمَ من الدِّين بالضرورة.
٦ - وفيه تعظيم حقوق العباد، وأنه لا يسامح فيها؛ لانَّها مبنيةٌ على الشح والتقصي.
٧ - وفيه أنَّه ينبغي للإنسان أن يستحل من حوله من زوجات، وأقارب، وأصحاب، وجيران؛ خشية أن يكون مقصرًا في حقوقهم، أو قصَّر بشيء منها، وتلحقه التبعة بعد مماته.
٨ - وفي الحديث رقم (٩١٧) بيان أنَّ القلوب بين يدي الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]؛ فيجب على الإنسان
стр. 2817
أن يتعلَّق بربه، ويلح عليه في الدعاء بأن يهديه الصراط المستقيم، وأن يُثبِّته بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلبه على دينه، وأن لا يزيغ قلبه بعد إذ هداه.
٩ - وفي الحديث رقم (٩١٨): أنَّ الجزاء يكون من جنس العمل فإنَّ الرجل لما مال في الدنيا من زوجةٍ إلى أخرى، جاء يوم القيامة مائلاً أحد شِقيه عن الآخر؛ فكما تدين تدان.
١٠ - في الحديث رقم (٩١٧): دليل على أنَّ النبيَّ ﷺ لا يملك هداية القلوب والتوفيق، وإنَّما الذي يملكها الله وحده؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وإنَّما هو ﵊ يهدي بإذن الله تعالى، هداية إرشاد وتعليم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى].
١١ - وفي الحديث (٩١٨): استحباب الاقتصار علها زوجةٍ واحدةٍ، إذا خاف إن لا يعدل بين الزَّوجين؛ لئلا يقع في التقصير في الدين؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
١٢ - قال في شرح المنتهى: "وعماد القَسْم الليل؛ لأنَّه مأوى الإنسان إلى منزله، وفيه يسكن إلى أهله، وينام على فراشه، والنَّهار للمعاش، والاشتغال؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، والنَّهار يتبع الليل، فيدخل في القسم تبعًا -لما روي: "أنَّ سودة وهبت يومها لعائشة" متَّفقٌ عليه، وقالت عائشة: "قُبِضَ رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي"، وإنَّما قبض نهارًا، ويتبع الليلة الماضية.
* فائدة: قال الشيخ عبد الله بن محمد: يجب على الزوج التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة، ولا بأس أن يولِّي إحداهن على الأخرى أو الأخريات، إذا كانت أوثق، وأصلح لحاله.
стр. 2818
٩١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ: إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلى الثَيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُم قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أقَامَ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَسَمَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
٩٢٠ - وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَتًا، وقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكَ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- أَهْلِك: يعني بالأهل هنا هو نفس النبي ﷺ ، والزوج هو أهل للزوجة، والزوجة أهل للزوج، فالأهل ما يجمعهم مسكن واحد.
- هَوَان: الهوان: الحقارة والذل والضعف، أي: ليس بك شيء من هذا عندي، وهذا تمهيد للعذر من الاقتصار على التثليث لها، وهو أمر مستحسن جدًّا عند الكلام على ما لم يؤلف عادة، ولكل مقام تمهيد يناسبه.
- سبَّعتُ لَك: بالتثقيل، من التسبيع، أي: إن شئت بت عندك سبع ليالٍ، فأمكثها عندك، ثم أسبع لنسائي، فالعرب اشتقَّت فعلاً من الواحد إلى العشرة، فمعنى "سبَّع" أقام عندها سبعًا، و"ثلَّث" أقام ثلاثًا، وسبَّع الإناء: إذا غسَّله سبع مرات.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - العدل بين الزوجات واجب، والميل إلى إحداهن دون الأخرى ظلم؛ فيجب
стр. 2819
على الرجل العدلُ ما أمكنه، وأما ما ليس في طوقه، فلا حرج عليه فيه؛ قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فالعدل الكامل ليس في طوق الإنسان، أو قدرته.
٢ - ومن القسم الواجب ما جاء في هذين الحديثين، من أنَّ من تزوَّج وعنده زوجة أو أكثر، فإن كانت الزوجة الجديدة بكرًا، أقام عندها سبع ليال، ثم دار على نسائه، وإن كانت الجديدة ثيِّبًا، أقام عندها ثلاث ليال، ثم دار على نسائه.
٣ - أنَّ الزوج يخير الزوجة الجديدة الثيب بعد الثلاث، فإن شاءت أقام عندها سبعًا، ثم أقام عند كل واحدة من نسائه سبعًا، وإن شاءت اكتفت بالثلاث، ودار على نسائه كل واحدة ليلتها فقط.
٤ - إباحة الإقامة عند العروس الجديدة أكثر من ليلة عند أول دخول الزوج بها، فهو من الحفاوة بها، وإكرام مقدمها، وإيناسها، في المسكن الجديد، وإشعارها بالرَّغبة فيها.
٥ - أما الفرق بين البكر والثيب بقدر المكث؛ فهو أنَّ البكر غريبة على الزوج، وغريبة على فراق أهلها؛ فاحتاجت لزيادة الإيناس، وإزالة الوحشة.
٦ - وفيه التنبيه على العناية بالقادم؛ بإكرام وفادته، وإيناس وحدته، ومباسطته في الكلام.
٧ - وفيه حسن ملاطفة الزوجة بالكلام اللين بقوله: "ليس بِكِ هَوان على أهلك".
٨ - كما أنَّ فيه التمهيد والتوطئة لما سيفعله الإنسان، أو يقوله لصاحبه، ممَّا يخشى أنْ يتوهَّم منه نفرة منه، أو عدم رغبة فيه.
٩ - وفيه أنَّ الخيار في الثلاث أو السبع الليالي للزوجة الثيب لا للزوج، فالحق
стр. 2820
لها، لا له.
١٠ - وفيه أنَّ الزوج من أهل الزوجة، وأنَّ الزوجة من أهله أيضًا؛ كما قال ﷺ : "ما علمتُ في أهلي إلاَّ خيرًا".
١١ - وفيه استحباب الصراحة مع من تعامله، فتخبره بما لَهُ من الحق، وما عليه؛ ليكون على بصيرة، ويعلم أنَّ ما قلتَ له هو حقه، وما قسم الله له.
* اختلاف العلماء:
اختلف العلماء هل هذا الحكم والتفضيل عامٌّ في كلِّ من عنده زوجة، فأكثر، أم أنَّه خاصٌّ بمنْ له زوجات غير الجديدة؟
قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أنَّ ذلك حقٌّ للمرأة، بسبب الزفاف، سواءٌ كان عنده زوجة أم لا؛ لِعُموم الحديث.
أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فهذا لمن عنده أكثر من امرأة.
***
стр. 2821
٩٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائشَةَ يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سوْدَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - سودة بنت زمعة القرشية العامرية هي الثانية من زوجات رسول الله ﷺ ، فقد تزوَّجها بعد وفاة خديجة، فأسَنَّت عنده، وثقلت، فخافت أن يفارقها فتفقد هذه المنقبة الكبيرة، والنِّعمة العظيمة، من كونها إحدى زوجاته ﷺ فوهبت يومها وليلتها لعائشة؛ لتبقى له زوجة، فقَبِل ذلك، فمات ﷺ ، وهي في عصمته من أمهات المؤمنين.
٢ - روى الطيالسي، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن طلقها النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذا الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: لما كبرت سودة، وهبت يومها لعائشة؛ فكان النبي ﷺ يقسم لي بيوم سودة.
٣ - فالحديث يدل على جواز الصلح بين الزوجين، وذلك حينما تحس المرأة من زوجها نفورًا، أو إعراضًا، وخافت أن يفارقها؛ بأن تسقط عنه حقها، أو بعضه من نفقةٍ، أو كسوةٍ، أو مبيتٍ، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل منها ذلك؛ فلا جناح عليها في بذلها له، ولا جناح عليه في قبوله منها؛
стр. 2822
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] يعني: أنَّ الصلح خير من الفراق.
٤ - هذا التصرف من أم المؤمنين سودة ﵂ تصرفٌ حكيمٌ جدًّا فقد صحَّ عن عائشة أنَّها قالت: ما من الناس أحدٌ أحب أن أكون في مِسْلاخها من سودة. وتوفيت سودة ﵂ آخر خلافة عمر، ﵁.
٥ - قال العلماء: إذا وهبت الزوجة يومها وليلتها لضرتها، فلا يلزم ذلك في حقِّ الزوج، فله أن يدخل على الواهبة، ولا يرضى بغيرها عنها، وإن رضي الزوج، فهو جائز.
٦ - وللواهبة الرجوع في هبتها نوبتها من زوجها متى شاءت؛ لأنَّ الهبة يجوز الرجوع فيما لم يُقبض منها، والمستقبل منها لم يقبض.
٧ - إذا كان للزوج عدة زوجات، فخضَّت الواهبة نوبتها لواحدةٍ منهنَّ، تعيَّنت لها؛ كقصة سَوْدة مع عائشة، وإن تركت حصتها من القَسْم، من غير تخصيص في ضرائرها، فيسوِّي الزوج بينهنَّ، ويخرج الواهبة من القسم.
***
стр. 2823
٩٢٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ "يَا ابْنَ أُخْتِي! كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاَ يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلى بَعْضٍ فى القَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلاَّ وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا" رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
إسناده حسن.
أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي.
والشطر الثاني له شاهد من حديث ابن عباس، وأخرجه الطيالسي، وعنه البيهقي، وفي إسناده ضعف.
وفي الباب عن سمية عن عائشة، ورجاله ثقات رجال مسلم، غير سمية هذه، وهي مقبولةٌ عند الحافظ ابن حجر.
* مفردات الحديث:
- مُكْثه: إقامته عند الواحدة من زوجاته.
- يطوف علينا: يعني يدور علينا في بيوتنا.
- من غير مَسِيس: المراد بالمسيس هنا: هو الجِماع.
стр. 2824
٩٢٣ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلَّى العَصْرَ، دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، تُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ ... " الحَدِيثَ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- دار: أي طاف عليهن في بيوتهن.
- يدنو: دنو تأنيس ومداعبة وملاعبة بدون جِماع.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - فيه بيان عدله ﷺ في القسم بين زوجاته، مع أنَّ الله لم يوجب عليه القسم بينهن، وأنَّ له أن يرجي من يشاء منهنَّ، ويؤوي إليه من يشاء، وأنَّ أعيُنهن قارَّةٌ وراضيةٌ بذلك؛ لأنَّه أمْرُ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب].
٢ - وكان يطوف كل يوم عِلى نسائه كلهنَّ، فيُلاطفهن، ويداعبهن، من غير جِماع، وإنَّما ذلك لِطْمأَنَةِ أنفسهن، وحسن عشرته معهن، لاسيَّما وأنَّه لو لَم يأتهنَّ كل يوم، لطالت عليهن غيبته؛ لتعددهن.
٣ - كان يخص التي هو في يومها بالمبيت عندها، وفي رواية مسلم: أنَّ دورانه عليهن يكون بعد صلاة العصر.
٤ - في هذا دليل على جواز دخول الرجل على المرأة التي ليس لها ذلك اليوم، ولا تلك الليلة لها؛ خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة.
стр. 2825
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما تحريم الدُّخول إلى غير ذات الليلة من الزوجة إلاَّ لضرورة، أو حاجة في النَّهار، فالصواب في هذا الرجوع إلى العادة والعرف؛ فإنَّ الرُّجوع إلى العادة أصلٌ كبيرٌ في كثيرٍ من الأمور، وخصوصًا الأمور التي لا دليل عليها، وهذه من هذا الباب.
٥ - فيه بيان وجوب العدل في القسم بين الزوجات، وأنَّ الميل إلى بعضهنَّ ظلم، والظلم محرَّمٌ؛ ففي الحديث القدسي: "يا عبادي! إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا".
***
стр. 2826
٩٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائشِةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- غَدًا: بفتح الغين والدال، قال في المصباح: الغد اليوم الذي بعد يومك على أثره.
- أين أنا غدًا: كان هذا الاستفهام تعريضًا لهنَّ؛ لأن يأذنَّ له أن يكون عند عائشة؛ ولذَا فهمن ذلك فأذنَّ له.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه بيان وجوب العدل في القسم بين الزوجات، وعدم تفضيل بعضهن على بعض في المبيت وغيره.
٢ - أنَّ القسم الواجب حتى في حالة المرض؛ لأنَّ الغرض منه المبيت والعشرة، لا نفس الجماع.
٣ - أنَّ الهوى النفسي والمحبة القلبية إلى بعض الزوجات لا تنافي القسم والعدل؛ لأنَّ هذا ليس في وسع الإنسان، وإنَّما هو أمرٌ يملكه الله تعالى وحده؛ ولذا كان ﷺ يقسم ويعدل، ويقول: "اللَّهمَّ هَذا قَسْمِي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
٤ - أنَّ الزوجة الأخرى أو الزوجات إذا أذن للزوج أن يبيت عند من يشاء منهن، فإنَّه جائز؛ لأنَّ الحق لهنَّ وأسقطنه برضاهن.
стр. 2827
٥ - حسن عشرة زوجات النبي ﷺ ، ورضي الله عنهنَّ، وإيثارهنَّ ما يحبه على محبّه أنفسهنَّ؛ فقد علمن رغبة إقامته ﷺ في بيت عائشة، فتنازلن عن حقهنَّ؛ ليمرَّض في بيتها.
٦ - فضل عائشة ﵂ فلو لم يكن عندها من حسن العشرة، ولطف الخدمة، وكمال الخُلُقِ، ما آثرها على غيرها بالرَّغبة في المقام عندها.
فقد جاء في الصحيحين عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وجاء في الصحيحين -أيضا- عن عائشة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائشَة! هَذا جِبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته".
٧ - يجوز للإنسان أن يعرِّض برغبته بالشيء لمن يريد منه قضاءها، ولا يعتبر هذا التعريض من النبي ﷺ أمرًا يشينه؛ لأنَّهنَّ يعرفن ذلك فيه.
٨ - أنَّ الأفضل للإنسان أن يفعل الذي هو خير، ولو لم يجب عليه؛ فالقسم بين الزوجات ليس واجبًا على النبي ﷺ ، ومع هذا راعاه حتى في هذه الحالة الشديدة عليه.
٩ - اختلف العلماء في وجوب القسم على ﷺ ، والراجح: أنَّه لا يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١]، إلاَّ أنَّه مع هذا الفُسحة له من ربه، كان ﷺ يعدل بينهن فيما أقدره الله عليه من القسم، صلوات الله وسلامه عليه.
***
стр. 2828
٩٢٥ - وَعنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أقرع بين نسائه: من القرعة، بضم فسكون، يقال: تقارعوا واقترعوا، فمن خرجت قرعته، فله ما قارع عليه.
- فأيَّتُهُنَّ: أية امرأة منهنَّ خرج سهمها الذي باسمها، خرج بها معه، وَصَحِبَتْهُ في سفره.
- سَهْمُهَا: السهام جمع سهم، وهي التي توضع على الحظوظ، فمن خرج سهمه الذي وضع على النصيب، فهو له.
وكيفية القرع بالخواتيم، فيأخذ خاتم هذا، وخاتم هذا، ويدفعان إلى رجل، فيخرج منهما واحدًا.
وقال الشافعي: يجعل رقاعًا صغارًا يكتب في كل واحدة اسم ذي السهم، ثم تغطى عليها بثوب، ثم يدخل رجل يده، فيخرج واحدة ينظر من صاحبها، فيدفعها إليه.
ولها طرقٌ أخر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه وجوب العدل بين الزوجات حتى إذا أراد أن يسافر، ويصطحب معه في سفره بعض زوجاته.
стр. 2829
٢ - أنَّ الزوج إذا لم يرد أن يسافر بزوجاته جميعًا، فإنَّ المتعيِّن عليه هو القرعة بينهن، فالتي يخرج سهمها يخرج بها معه في سفره.
٣ - قال القرطبي: استدل بعض علمائنا بهذه الآية: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، على إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء، ورد العلم بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه.
٤ - قال أبو عبيد: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ومحمَّد، عليهم الصلاة والسلام.
قال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فلا معنى لردها.
٥ - قال ابن العربي: فائدة: القرعة استخراج الحكم الخفي عند التشاح، ولا تجري مع التراضي.
٦ - للقرعة عدة صفات، وسواء كانت بالورق، أو بالحصى، أو بالخواتيم، فكيفما اقترعوا جاز.
٧ - في هذا التأكيد على أنَّ الأفضل في حق الشباب أن لا يذهبوا للخارج إلاَّ ومعهم نساؤهم؛ ليكون أغض لأبصارهم، وأحفظ لفروجهم.
٨ - إذا كان الإنسان كثير الأسفار في داخل البلاد وخارجها، وأراد أن يجعل لكل واحدة من زوجاته أو زوجتيه سفرة، فإنَّه يجوز؛ لأنَّ هذا حق متميز، لا خفاء فيه.
***
стр. 2830
٩٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :"لاَ يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأتهُ جَلْدَ العَبْدِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- لاَ يَجلِد: جَلدت الجاني جلدًا، من باب ضرب، والجلد: هو الضرب بالسوط، الواحدة جلدة، واشتقاقه من جِلْدِ الحيوان، وهو غشاء جسمه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الله ﵎ كرَّم المرأة، وجعل لها من الحقِّ مثل ما للرَّجل عليها؛ فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٢٨].
٢ - ولكن قد يكون بعض النساء عندها سوء عشرة، وعصيان لزوجها، فإذا ظهرت عليها أمارات النشوز، فلها ثلاث مراتب:
الأولى: هو وعظها وإعلامها بِعِظم حق الزوج عليها، وتخويفها من الله تعالى، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وتلاوة النصوص الواردة في ذلك عليها، فإن استجابت فذاك؛ وإلاَّ فالمرتبة:
الثانية: وهي: هجرها في المضجع، بان يترك مضاجعتها ما يراه من المدة؛ قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، قال ابن عباس: لا تضاجعها في فراشك.
وأما في الكلام: فلا يزيد في هجرها على ثلاثة أيَّام؛ لما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لا يَحِل لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"، فإنْ أصرَّت ولم تردع بالهجر، فالمرتبة:
стр. 2831
الثالثة: وهي أن يضربها ضربًا غير مبرح ولا شديد، بأن يجتنب الوجه تكرمة له، ويجتنب المواضع المخوفة كالبطن، ولا يزيد على عشرة أسواط خفيفات؛ لِما في الصحيحين من حديث أبي بردة عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط، إلاَّ في حدٍّ من حدود الله".
٣ - وإن ادَّعى كل واحد من الزوجين ظلم صاحبه، ووقع الشقاق بينهما، بعثَ الحاكم حكمين: أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة؛ لكونهما أخبر وأعرف من غيرهما بأسباب الشقاق الواقع بينهما، وأقرب إلى الأمانة والنصح، فيفعلان ما هو الأصلح من الجمع بينهما، أو التفريق بعوضٍ أو بدونه، وهما يملكان ذلك؛ فقد سمَّاهما الله حَكَمَينِ، فقَال تعَالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء].
٤ - قال شيخ الإسلام: الشَّارع لا يُكرِهُ المرأة على النِّكاح إذا لم ترده، بل إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنَّه يجعل أمرها إلى غير الزوج، لمن ينظر في المصلحة من أهلها مع من ينظر في المصلحة من أهله، فيخلِّصها من الزوج بدون أمره، وكيف تؤسَر معه بدون أمرها.
٥ - في الحديث النَّهي عن الضرب المؤلم، وأفضل منه ترك الضرب مطلقًا؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يضرب خادمًا قط، ولا امرأةً قط، كما في شمائل الترمذي والنسائي.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن النشوز:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناءً على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء، من اختيار موضوع النشوز؛ ليكون من جملة الموضوعات التي تُعِدُّ فيها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحوثًا، أعدت في ذلك بحثًا، وعُرض على مجلس كبار
стр. 2832
العلماء في الدورة الخامسة، المنعقدة بمدينة الطائف، فيما بين الخامس من شهر شعبان عام: ١٣٩٤ هـ، والثاني والعشرين منه.
وبعد اطلاع المجلس على ما أعد من أقوال أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها، وبعد تداول الرأي في ذلك قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي:
- أن يبدأ القاضي بنصح الزوجة، وترغيبها في الانقياد لزوجها وطاعته، وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته، وأنَّها إن أصرَّت، فلا نفقة لها عليه، ولا كسوة، ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يرى أنَّها تكون دافعةً الزوجة إلى العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها.
فإن استمرت على نفرتها، وعدم الاستجابة، عرض عليهما الصلح، فإن لم يقبلا ذلك، نصح الزوج بمفارقتها، وبيَّن له أنَّ عودتها إليه أمرٌ بعيد، ولعلَّ الخير في غيرها، ونحو ذلك ممَّا يدفع الزوج إلى مفارقتها.
فإن أصرَّ على إمساكها، وامتنع من مفارقتها، واستمر الشقاق بينهما، بعثَ القاضي حكمين عدلين، ممَّن يعرف حالة الزوجين من أهلهما، حيث أمكن ذلك، فإن لم يتيسَّر، فمن غير أهلها، ممَّن يصلح لهذا الشأن، فإن تيسر الصلح بين الزوجين على أيديهما، وإلاَّ أفهم القاضي الزوج أنَّه يجب عليه مخالعتها، على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها، فإنْ أبى أن يطلِّق، حكم القاضي بما رآه الحكمان من التفريق بعوضٍ، أو بغير عوض.
فإن لم يتفق الحكمان، أو لم يوجدا، وتعذَّرت العشرة بالمعروف بين الزوجين، نظر القاضي في أمرهما، وفسخ النكاح حسبما يراه شرعًا بعوضٍ، أو بغير عوض.
والأصل في ذلك: الكتاب، والسنة، والأثر، والمعنى:
أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، ويدخل في هذا
стр. 2833
العموم الزوجان في حالة النشوز، والقاضي إذا تولى النَّظر في دعواهما.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [الآية النساء: ٣٤]، والوعظ كما يكون من الزوج لزوجته الناشز، يكون من القاضي لما فيه من تحقيق المصلحة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [النساء: ١٤] فكما أنَّ الإصلاح مشروع إذا كان النشوز من الزوج؛ فهو مشروع إذا كان من الزوجة، أو منهما.
وقال تعالى في الحكمين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ وهذه الآية عامَّةٌ في مشروعية الأخذ بما يريانه من جمع، أو تفريق؛ بعوضٍ أو بغير عوض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وأمَّا بالنسبة للتفريق: فما روى البخاري في صحيحه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس إلى النَّبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! ما أنقم على ثابت في دينٍ ولا خُلُق، إلاَّ أنِّي أخاف الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أفتَرُدين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فردت عليه، فأمره ففارقها".
وأما المعنى: فإنَّ بقاءها ناشزًا مع طول المدة، أمرٌ غير محمودٍ شرعًا؛ لأنَّه ينافي المودة والإخاء، وما أمر الله من الإمساك بمعروفٍ او التسريح بإحسان، مع ما يترتَّب على الإمساك من المضار، والمفاسد، والظلم، والإثم، وما ينشأ عنه من القطيعة بين الأسر، وتوليد العداوة، والبغضاء، وصلى الله وسلم على محمَّد وآله وصحبه.
стр. 2834
باب الخلع
مقدمة
الخُلْع: بضم الخاء، وسكون الَّلام: الاسم، وبفتح الخاء: المصدر، وأصله خلع الثوب، فأُخذ منه انخلاع المرأة من لباس زوجها، الذي قال الله تعالى عنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فيُقال: خلع ملبوسه، أي: نزعه، وخالعت المرأة زوجها، واختلعت منه إذا افتدت منه بمالها.
وتعريفه شرعًا: فراق الزوج امرأته بعوضٍ يأخذه الزوج من امرأته أو غيرها، بألفاظٍ مخصوصة.
فائدته: تخليص الزوجة من زوجها، على وجهٍ لا رجعة له عليها، إلاَّ برضاها، وعقدٍ جديد.
والأصل في جواز الخلع: الكتاب، والسنة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقصة ثابت بن قيس الآتية إنْ شاء الله.
وإجماع الأمة عليه.
ويصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه، سواء أكان رشيدًا أو سفيهًا، بالغًا أو صغيرًا، مميزًا بعقله.
ويصح بذلك العوضُ في الخلع من زوجة، أو أجنبي جائز التبرع، ومن لا يصح تبرعه فلا يصح بذله لعوضه؛ لأنَّه بذل في غير مقابلة مال ولا منفعة،
стр. 2835
فصار كالتبرع.
والخلع تجري فيه الأحكام الخمسة:
١ - يكره مع استقامة حال الزوجين، وعدم وجود خلاف، وشقاق بينهما؛ لما روى الخمسة إلاَّ النسائي عن ثوبان أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة".
٢ - يحرم ولا يصح إنْ عَضَلَها، وضارَّها بالتضييق عليها، أو منع حقوقها، وغير ذلك؛ لتفتدي نفسها؛ فالخلع باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها إنْ لم يكن الخلع بلفظ الطلاق؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ٩١].
٣ - يسن للزوج إجابة طلبها؛ لِما روي البخاري عن ابن عباس: "أنَّ امرأة ثابت ابن قيس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنِّي ما أعيبُ على ثابت من دين ولا خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فأمرها بردها، وأمره بفراقها".
٤ - ويجب إذا رأى منها ما يدعوه إلى فراقها، من ظهور فاحشة منها، أو ترك فرضٍ من صلاةٍ أو صوم، ونحو ذلك وحينئذٍ يباح له عضلها؛ لتفتدي نفسها منه قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
٥ - ويباح لها الخلع إذا كرهت الزوجة خلق زوجها، أو خافت إثمًا بترك حقه، فإنْ كان يحبها، فيسن صبرها عليه، وعدم فراقها إيَّاه، والله أعلم.
***
حسَّنه الترمذي مسندًا مرفوعًا، وله شواهد كثيرة، وبعضهم ذكر أنَّه مرسل.
أما رواية ابن ماجه: فقال البوصيري في زوائده: في إسناده حجاج بن أرطأة، مدلس، وكثير الأوهام والإرسال، وقد عنعنه.
وأما رواية أحمد: فسكت عنها المصنف هنا، وكذلك في التلخيص الحبير، وهي أيضًا من رواية حجاج بن أرطاة.
* مفردات الحديث:
- امرأة ثابت: قيل اسمها جميلة، وقيل: زينب بنت عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول الأنصارية الخزرجية، وقيل: جميلة بنت سهل، وأكثر الروايات أنَّ اسمها حبيبة بنت سهل.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أنَّهما قصتان واقعتان لامرأتين؛ لشهرة الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.
- ما أعِيب عليه: ما أجد عيبًا فيه، لا في دينه، ولا في خُلُقه وعِشرتِهِ.
- خُلُق: بضم الخاء المعجمة، وضم الَّلام، آخره قاف؛ صفات حميدة باطنة، ينشأ عنها معاشرة كريمة.
- أكره الكفر في الإسلام: يعني أكره أنْ أقع فيما ينافي الإسلام من عملٍ، وعِشرةٍ لزوجي ينهى عنها الإسلام، ولكن كرهي له وبغضي إيَّاه، قد يحملني على الوقوع في ذلك وارتكابه.
- حديقته: هو البستان يكون عليه حائط، وكان قد أصدقها بستانًا.
- دَمِيمًا: بالدال المهملة، دمَّ الرجل يدمُّ، من باب ضرب، دمامة بالفتح، ولا يكاد يوجد رباعيًّا في المضاعف، ومعناه: قبح منظره، وصغر جسمه، وكأنَّه مأخوذ من الدِّمَّة بالكسر، وهي النملة الصغيرة، فيُقال: هو دميم، الجمع دمام، وهي دميمة، والجمع دمائم.
стр. 2838
- لَبَصَقْتُ: بصق يبصق بصقًا وبصاقًا: لفظ ما في فمه من الريق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ثبوت أصل الخلع أنَّه فرقة جائزة في الشريعة الإسلامية على الصفة المشروعة.
٢ - أنَّ طلب الزوجة إياه مباح إذا كرهت الزوج، إما لسوء عشرته معها، أو دمامته، أو نحو ذلك من الأمور المنفرة، التي لا تعود إلى نقصٍ في الدِّين، فإنْ عادت إلى نقصٍ في الدِّين، وجب طلب الفراق.
٣ - قيد بعض العلماء الإباحة للزوجة بالطلب بما إذا لم يكن زوجها يحبها، فإنْ كان يحبها، فيستحب لها الصبر عليه.
٤ - أنَّه يستحب للزوج إجابة طلبها إلى الخلع إذا طلبته؛ لقوله ﷺ : "اقْبِل الحديقة، وطلِّقها تطليقة".
٥ - يحرم إيقاع الخلع إذا كانت المرأة مستقيمة، ثم عضلها زوجها؛ لتفتدي منه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٩].
٦ - إباحة عضلها لتفتدي إذا ظهرت منها الفاحشة، أو ترك شيء من الواجبات، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ١٩]، والفراق في هذا الحال واجب بأي نوع من أنواع الفرقة الزوجية.
٧ - يجب أنْ يكون الخلع على عوض؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله ﷺ : "اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة".
٨ - يجوز أنْ يكون العوض أكثر من الصداق، وأنْ يكون أقل منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولكن كره العلماء أنْ يكون بأكثر من الصداق؛ لقوله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة؛ ٢٣٧].
وجواز الخلع بما اتَّفقا عليه، هو قول جمهور العلماء.
стр. 2839
٩ - أنَّه لابد في الخلع من صيغة قولية؛ لقوله: "وطلِّقها تطليقة".
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل الخلع طلاقٌ محسوبٌ من الثلاث، أو أنَّه فسخٌ لا ينقص به عدد الطلاق؟
ذهب الإمام الشافعي: إلى أنَّه فسخ لا طلاق، وهو رواية عن أحمد، ولكنها ليست المشهورة في مذهبه.
اختار هذا الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من المحققين، ومن متأخري الأصحاب ذهب إليها الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وذهب إليه جماعةٌ من السلف، منهم ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور.
وذهب الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة ومالك وأحمد- والثوري، والأوزاعي: إلى أنَّه طلقة بائنة.
وذهب إليه من السلف سعيد المسيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والنَّخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، وهو مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود.
استدل أصحاب القول بأنَّه فسخ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة؛ ٢٢٩]، فهاتان طلقتان فيهما الرجعة، ثم قال تعالى عن الطلقة الثالثة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبيْن الطلقتين الأوليين، وبين الطلقة الثالثة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهذا هو الخلع، فلو كان طلاقًا لكان هو الطلقة الثالثة، فلمَّا صار بين الأوليين وبين الثالثة، ولم يعتبر في العدد، علِمنا أنَّه مجرد فسخ.
وقال شيخ الإسلام مؤيدًا لقول الأول: ظاهر مذهب أحمد وأصحابه، أنَّه فرقة بائنة، وفسخ للنكاح، وليس من الطلاق الثلاث، وما علمتُ أحدًا من
стр. 2840
أهل العلم بالنقل صحَّح ما نُقِل عن الصحابة من أنَّه طلاق بائنٌ محسوبٌ من الثلاث.
والنقل عن علي وابن مسعود ضعيف جدًا، وأما النقل عن ابن عباس أنَّه فرقة وليس بطلاق، فمن أصح النقل الثابت باتفاق أهل العلم بالآثار.
والذين استدلوا بما نقل عن الصحابة من أنَّه طلقة بائنة من الفقهاء ظنوا تلك نقولاً صحيحة، ولم يكن عندهم من نقد الآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها ما عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك.
وفائدة الخلاف بين اختيار الخلع فسخًا أو طلاقًا تظهر بأنَّنا: إن اعتبرناه طلاقًا، فهو من الطلقات الثلاث، وإنْ كان فسخًا، فإنَّه لا ينقص من عدد الطلاق.
* فوائد:
الأولى: المشهور من مذهب الإمام أحمد عدم إجبار الزوج على الخلع، وإنَّما تسن إجابتها إليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: والقول الآخر: جواز إلزام الزوج به عند عدم إمكان تلاؤم الحال بين الزوجين حسب اجتهاد الحاكم، قال في الفروع: وألزم به بعض حكَّام الشام المقادسة الفضلاء.
الثانية: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه يصح الخلع مع استقامة الحال بين الزوجين.
قال الشيخ تقي الدين: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أنْ تكون المرأة كارهة للزوج؛ فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه، فهذا خلع محدَث في الإسلام؛ فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربع، من حديث ثوبان أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة"؛ فظاهر