حسَّنه الترمذي مسندًا مرفوعًا، وله شواهد كثيرة، وبعضهم ذكر أنَّه مرسل.
أما رواية ابن ماجه: فقال البوصيري في زوائده: في إسناده حجاج بن أرطأة، مدلس، وكثير الأوهام والإرسال، وقد عنعنه.
وأما رواية أحمد: فسكت عنها المصنف هنا، وكذلك في التلخيص الحبير، وهي أيضًا من رواية حجاج بن أرطاة.
* مفردات الحديث:
- امرأة ثابت: قيل اسمها جميلة، وقيل: زينب بنت عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول الأنصارية الخزرجية، وقيل: جميلة بنت سهل، وأكثر الروايات أنَّ اسمها حبيبة بنت سهل.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أنَّهما قصتان واقعتان لامرأتين؛ لشهرة الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.
- ما أعِيب عليه: ما أجد عيبًا فيه، لا في دينه، ولا في خُلُقه وعِشرتِهِ.
- خُلُق: بضم الخاء المعجمة، وضم الَّلام، آخره قاف؛ صفات حميدة باطنة، ينشأ عنها معاشرة كريمة.
- أكره الكفر في الإسلام: يعني أكره أنْ أقع فيما ينافي الإسلام من عملٍ، وعِشرةٍ لزوجي ينهى عنها الإسلام، ولكن كرهي له وبغضي إيَّاه، قد يحملني على الوقوع في ذلك وارتكابه.
- حديقته: هو البستان يكون عليه حائط، وكان قد أصدقها بستانًا.
- دَمِيمًا: بالدال المهملة، دمَّ الرجل يدمُّ، من باب ضرب، دمامة بالفتح، ولا يكاد يوجد رباعيًّا في المضاعف، ومعناه: قبح منظره، وصغر جسمه، وكأنَّه مأخوذ من الدِّمَّة بالكسر، وهي النملة الصغيرة، فيُقال: هو دميم، الجمع دمام، وهي دميمة، والجمع دمائم.
стр. 2838
- لَبَصَقْتُ: بصق يبصق بصقًا وبصاقًا: لفظ ما في فمه من الريق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ثبوت أصل الخلع أنَّه فرقة جائزة في الشريعة الإسلامية على الصفة المشروعة.
٢ - أنَّ طلب الزوجة إياه مباح إذا كرهت الزوج، إما لسوء عشرته معها، أو دمامته، أو نحو ذلك من الأمور المنفرة، التي لا تعود إلى نقصٍ في الدِّين، فإنْ عادت إلى نقصٍ في الدِّين، وجب طلب الفراق.
٣ - قيد بعض العلماء الإباحة للزوجة بالطلب بما إذا لم يكن زوجها يحبها، فإنْ كان يحبها، فيستحب لها الصبر عليه.
٤ - أنَّه يستحب للزوج إجابة طلبها إلى الخلع إذا طلبته؛ لقوله ﷺ : "اقْبِل الحديقة، وطلِّقها تطليقة".
٥ - يحرم إيقاع الخلع إذا كانت المرأة مستقيمة، ثم عضلها زوجها؛ لتفتدي منه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٩].
٦ - إباحة عضلها لتفتدي إذا ظهرت منها الفاحشة، أو ترك شيء من الواجبات، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ١٩]، والفراق في هذا الحال واجب بأي نوع من أنواع الفرقة الزوجية.
٧ - يجب أنْ يكون الخلع على عوض؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله ﷺ : "اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة".
٨ - يجوز أنْ يكون العوض أكثر من الصداق، وأنْ يكون أقل منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولكن كره العلماء أنْ يكون بأكثر من الصداق؛ لقوله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة؛ ٢٣٧].
وجواز الخلع بما اتَّفقا عليه، هو قول جمهور العلماء.
стр. 2839
٩ - أنَّه لابد في الخلع من صيغة قولية؛ لقوله: "وطلِّقها تطليقة".
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل الخلع طلاقٌ محسوبٌ من الثلاث، أو أنَّه فسخٌ لا ينقص به عدد الطلاق؟
ذهب الإمام الشافعي: إلى أنَّه فسخ لا طلاق، وهو رواية عن أحمد، ولكنها ليست المشهورة في مذهبه.
اختار هذا الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من المحققين، ومن متأخري الأصحاب ذهب إليها الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وذهب إليه جماعةٌ من السلف، منهم ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور.
وذهب الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة ومالك وأحمد- والثوري، والأوزاعي: إلى أنَّه طلقة بائنة.
وذهب إليه من السلف سعيد المسيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والنَّخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، وهو مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود.
استدل أصحاب القول بأنَّه فسخ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة؛ ٢٢٩]، فهاتان طلقتان فيهما الرجعة، ثم قال تعالى عن الطلقة الثالثة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبيْن الطلقتين الأوليين، وبين الطلقة الثالثة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهذا هو الخلع، فلو كان طلاقًا لكان هو الطلقة الثالثة، فلمَّا صار بين الأوليين وبين الثالثة، ولم يعتبر في العدد، علِمنا أنَّه مجرد فسخ.
وقال شيخ الإسلام مؤيدًا لقول الأول: ظاهر مذهب أحمد وأصحابه، أنَّه فرقة بائنة، وفسخ للنكاح، وليس من الطلاق الثلاث، وما علمتُ أحدًا من
стр. 2840
أهل العلم بالنقل صحَّح ما نُقِل عن الصحابة من أنَّه طلاق بائنٌ محسوبٌ من الثلاث.
والنقل عن علي وابن مسعود ضعيف جدًا، وأما النقل عن ابن عباس أنَّه فرقة وليس بطلاق، فمن أصح النقل الثابت باتفاق أهل العلم بالآثار.
والذين استدلوا بما نقل عن الصحابة من أنَّه طلقة بائنة من الفقهاء ظنوا تلك نقولاً صحيحة، ولم يكن عندهم من نقد الآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها ما عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك.
وفائدة الخلاف بين اختيار الخلع فسخًا أو طلاقًا تظهر بأنَّنا: إن اعتبرناه طلاقًا، فهو من الطلقات الثلاث، وإنْ كان فسخًا، فإنَّه لا ينقص من عدد الطلاق.
* فوائد:
الأولى: المشهور من مذهب الإمام أحمد عدم إجبار الزوج على الخلع، وإنَّما تسن إجابتها إليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: والقول الآخر: جواز إلزام الزوج به عند عدم إمكان تلاؤم الحال بين الزوجين حسب اجتهاد الحاكم، قال في الفروع: وألزم به بعض حكَّام الشام المقادسة الفضلاء.
الثانية: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه يصح الخلع مع استقامة الحال بين الزوجين.
قال الشيخ تقي الدين: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أنْ تكون المرأة كارهة للزوج؛ فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه، فهذا خلع محدَث في الإسلام؛ فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربع، من حديث ثوبان أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة"؛ فظاهر
стр. 2841
الحديث التحريم.
إذا خلع زوجته فعلاً بأنْ جرى بينهما الفسخ، ولم يبق إلاَّ تسليم العوض، فهذا لا خيار فيه، ولو لم يقبض عوضه.
وإنْ كان قد تقاولا من دون أنْ يفسخها، وإنَّما اتَّفقا على أنْ يفسخها إذا سلمته العوض، فهذا لم يحصل منه فسخ، وإنَّما حصل منه وعد، فله الرجوع عما نواه ولم يفعله.
الثالثة: قال سيد قطب: مجموع الروايات التي وردت في قصة ثابت بن قيس مع زوجته تصوِّر الحالة النفسية التي قابلها رسول الله ﷺ ، وواجهها مواجهة من يدرك أنَّها حالةٌ قهريةٌ، لا جدوى من استنكارها، وقسر المرأة على العِشرة معها، فاختار لها الحل من المنهج الربَّاني، الَّذي يواجه الفطرة البشرية مواجهة صريحة عملية واقعية، ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرِك لما يعتمل فيها من مشاعر حقيقيَّة.
***
стр. 2842
باب الطلاق
مقدمة
الطلاق: لغة: مصدر طلَقَ، بفتح اللام وضمّها، وهو الإرسال والترك.
وشرعًا: حَلَّ قيد النكاح أو بعضه.
والأصل في جوازه: الكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس:
فإن النكاح إذا تم بالعقد لمصالحه، فإنه ينفسخ بالطلاق للمقصد الصحيح أيضًا، ونصوصه من الكتاب والسنة معروفة.
حكمته: قال الأستاذ عفيف طبارة: بواعث الطلاق الواردة في القرآن هي رغبة أحد الزوجين في الانفصال، وعدم المعاشرة، وليس كل خلاف ينبعث عنه الطلاق، وإنما الذي يعيّنه هو: دوام الشقاق الذي يستحيل معه العشرة الزوجية، وفي حالة الشقاق نفسه لا يجوز فصم عرى الزوجية مباشرة، فلابد من الإصلاح بين الزوجين، وإجراء التحكيم قبل الطلاق، بإرسال حكمٍ من أهل الزوج، وحكم من أهل الزوجة؛ ليتروَّى كل من الزوجين، ويجدا الفرصة للصلح ورجوعهما عن رأيهما، فعلى الحَكمين أن لا يدّخرا جهدهما ووسعهما في الإصلاح بين الزوجين.
فإذا نفدت وسائل الإصلاح والجمع، وتحقق لدى الحكمين أن التفريق أجدى لهما، فالفرقة في هذه الحالة أفضل؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
стр. 2843
ثم إن الطلاق يأتي على ثلاث مراحل:
الأولى: طلاق رجعي، يكون فيه تجربة للزوجين بالفرقة بينهما فترة معينة، يتروَّيان فيها، فإن يكن بينهما علاقة مودةٍ ومحبةٍ، أمكن الرجعة والاجتماع.
الثانية: طلاق ثان، رجعي أيضًا؛ لتكون التجربة الثانية، فإن كان هناك رغبة في بناء العشرة الزوجية بينهما، فالفرصة باقية.
الثالثة: طلاق غير رجعي إلاَّ بعد نكاح زوج آخر، وذلك أنهما تفرَّقا مرتين، فلم يتفق لهما الانسجام، ومعناه أن الفرقة قائمة، وأن هُوَّة الشقاق بينهما واسعة؛ وحينئذٍ يكون الطلاق رحمة وراحة من عيشة الشقاق والخلاف.
والطلاق تأتي عليه الأحكام الخمسة:
أولاً: مكروه في حالة استقامة الزوجين، وعند أبي حنيفة حرام في هذه الحالة.
ثانيًا: مباح عند الحاجة إليه كسوء خلُق المرأة، والتضرر ببقائها عنده.
ثالثًا: مستحب إذا كافت الزوجة متضررة باستدامة النكاح، وهي الحال التي تحوج المخالعة، وعند الشيخ تقي الدين: أنه واجب.
رابعًا: واجب للإيلاء إذا أبى الزوج الفيئة، ويجب أيضًا على الصحيح إذا تركت واجبًا شرعيًّا، أو تركت العفة على الصحيح؛ واختاره الشيخ تقي الدين.
خامسًا: حرام إذا كان الطلاق بدعيًّا، كأن يطلق في حيضٍ، أو نفاسٍ، أو طُهْرٍ جامع فيه، أو طلاقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللهن رجعة ولا نكاح.
***
стр. 2844
٩٢٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَبْغَضُ الحَلاَلِ إِلَى اللهِ الطَّلاَقُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الصَّواب إرساله.
أخرجه أَبُو دَاود، وابن ماجه، والحاكم، عن محمد بن خالد، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، به.
وأخرجه البيهقي (٧/ ٣٢٢) من طريق أبي داود، وأخرجه ابن عدي (٦/ ٤٦١) من هذا الوجه، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وقد تعقَّب المناويُّ السُّيوطيَّ حين رمز له بالصحة في الجامع الصغير، فقال المناوي: هذا غير صواب.
قال الألباني: وجملة القول: أن الحديث رواه عن معرف بن واصل أربعة من الثقات، وهم:
١ - محمد بن خالد الوهبي.
٢ - أحمد بن يونس.
٣ - وكيع بن الجراح.
٤ - يحيى بن بكير؛ وقد اختلفوا عليه.
ولا يشك عالمٌ بالحديثِ أن رواية هؤلاء أرجح؛ لأنَّهم أكثر عددًا، وأتقن حفظًا، وأنهم جميعًا ممن احتج بهم الشيخان في صحيحهما؛ فلا جرم أن رجح
стр. 2845
الإرسال ابن أبي حاتم، عن أبيه، وكذلك رجَّحه الدارقطني، والبيهقي، وقال الخطابي وتبعه المنذري: المشهور فيه المرسل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغرض من النكاح البقاء والدوام، وبناء بيت الزوجية، وتكوين الأسرة التي نواتها الزوجان.
٢ - الطلاق هدم لهذا البيت، ونقض لدعائمه، وإزالة لمعالمه.
٣ - الطلاق إبطال لمصالح النكاح المتعددة؛ من تكوين الأسرة، وحصول الأولاد، وتكثير سواد المسلمين.
٤ - الطلاق تفرُّقٌ بعد وفاق سعيد، وهمٌّ بعد فرحة، ويأسٌ بعد أملٍ كبير.
٥ - الطلاق يسبِّب العداوة والبغضاء بين الزوجين، وبين الأسرتين، بعد التقارب والتآلف والتعارف.
٦ - الطلاق يشتت الأولاد الموجودين، ويُفْقِدهم إما قيام الأب، وتربيته، وتعليمه، وتوجيهه، وإما يفقدهم حنان الأم، ورعايتها، وعطفها.
٧ - الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله تعالى؛ لما يجرّه من الويلات، ولما يعقبه من النكبات، ولما يسببه من المصاعب والمفاسد.
٨ - الطلاق لا يكون محمودًا، ولا تبرز حكمة شرع الله فيه، إلاَّ حينما تسوء العشرة الزوجية، وتفقد المحبة والمودة، ويكثر الشقاق والخلاف، ويصعب التفاهم والتلاؤم، ولا يمكن الاجتماع؛ فحينئذٍ يكون الطلاق رحمةً، ويكون التفرق نعمة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
٩ - وبهذا يعرف جلال هذا الدين، وسمو تشريعاته، وأنها الموافقة للعقل الصحيح، ومتمشية مع المصالح العامة والخاصة.
стр. 2846
١٠ - قال الوزير: أجمعوا على أن الطلاق مكروه في حال استقامة الزوجين، إلاَّ أبا حنيفة، فهو عنده حرام مع الاستقامة.
١١ - الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة:
(أ) يباح عند الحاجة إليه؛ كسوء خلُق المرأة.
(ب) يستحب إذا كانت الزوجة متضررة باستدامة النكاح، وهي الحالة التي تحوجها إلى المخالعة.
(ج) يجب إذا أبى المُولِي الفيئة، وكذلك الصواب: أنه يجب عند ترك أحد الزوجين العفة، أو الصلاة، وغيرها من حقوق الله تعالى.
(د) يحرم للبدعة، وهي إذا أوقع الطلاق وكانت حائضًا، أو نفساء، أو في طُهْرٍ جامع فيه، أو بالثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللهن نكاح ولا رجعة.
(هـ) يكره لعدم الحاجة إليه.
* فوائد:
الأولى: أجمع الأئمة الأربعة على أن السكران الآثم بسكره يقع طلاقه، ويؤاخذ بسائر أقواله وأفعاله.
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنه لا يقع طلاقه؛ اختاره ابن عَقيل، والموفَّق، والشارح، والشيخ تقي الدين، وابن القيم، وقال به جماعة من التابعين.
قال الزركشي: إن أدلة هذه الرواية أظهر.
ورجَّح هذه الرواية الشيخان: محمد بن إبراهيم، وعبد الرحمن السعدي.
الثانية: قال ابن القيم: الغضب ثلاثة أقسام:
١ - يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، ولكن لا يتغير عقله؛ فهذا لا إشكال في
стр. 2847
وقوع طلاقه.
٢ - يبلغ به الغضب نهايته، فلا يعي ما يقول؛ فلا خلاف في عدم وقوعه.
٣ - يستحكم به الغضب ويشتد، فلا يزيل عقله، فهو يعي ما يقول، ولكنه يحول بينه وبين نيته؛ ففيه خلافٌ، ولكن الأدلة تدل على عدم وقوع طلاقه وعقوده.
الثالثة: قال ابن عبد البر، وابن المنذر، وابن رشد: أجمع العلماء على أن المطلِّق للسنة في المدخول بها، هو الذي يطلق امرأته في طُهْر لم يمسها فيه، طلقةً واحدةً، وأن المطلق في الحيض، أو الطهر الذي جامع فيه غير مطلِّقٍ للسنة، فصارت السنة من جهتَيْن: من جهة العدد، وهو أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، والجهة الثانية: أن يطلقها في طُهْر لم يصبها فيه.
الرابعة: فيه أن بعض المكروهات إلى الله تعالى تكون مشروعة، فمن ذلك: الطلاق، ومنها: الصلوات المفروضة في البيوت، وبُغض الطلاق جاء من أمورٍ كثيرة، تقدم بعضها، ومنها أن من أحب الأشياء إلى الشيطان التفريق بين الزوجين؛ فينبغي أن يكون أبغض الأشياء عند الله تعالى.
***
والثاني لقب.
- حُسِبَت عليه: مبنيٌّ للمجهول، والحاسب عليه هو النبي ﷺ .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - طلَّق عبد الله بن عمر ﵄ امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك أبوه للنبي ﷺ ، فتغيظ ﵊ غضبًا، حيث طلَّقها طلاقًا محرمًا، لم يوافق السنة، ثم أمره بمراجعتها، وإمساكها حتى تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض أخرى، ثم تطهر منها، وبعد ذلك إن بدا له طلاقها، ولم ير في نفسه رغبة في بقائها، فليطلقها قبل أن يطأها؛ فتلك العدة التي أمر الله بالطلاق فيها لمن يشاء، ومع أن الطلاق في الحيض محرم، ليس على السنة، فقد حُسِبَت عليه تلك الطلقة من طلاقها؛ فامتثل ﵁ أمر نبيه ﷺ ، فراجعها.
٢ - تحريم الطلاق في الحيض، وأنه من الطلاق البدعي، الذي ليس على أمر الشارع، ولأنَّه جاء في بعض روايات هذا الحديث أنه ﷺ تغيظ، وهو ﷺ لا يتغيظ إلاَّ في حرام.
٣ - أمره ﷺ ابن عمر برجعتها دليلٌ على وقوعه، ووجهته: أن الرجعة لا تكون إلاَّ بعد طلاق، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله، والأمر برجعتها يقتضي الوجوب؛ وإليه ذهب أبو حنيفة، وأحمد، والأوزاعي.
حَمَله بعضهم على الاستحباب، وذهب إليه الشافعي، ورواية عن أحمد، واحتجوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته كذلك.
٤ - الأمر بإرجاعها إذا طلَّقها في الحيض، وإمساكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر.
٥ - قوله: "قبل أن يَمَسَّ" دليلٌ على أنه لا يجوز الطلاق في طُهْر جامع فيه.
٦ - الحكمة في إمساكها حتى تطهر من الحيضة الثانية، هو أن الزوج ربَّما واقعها
стр. 2850
في ذلك الطهر، فيحصل دوام العشرة، ولذا جاء في بعض طرق الحديث: "فإذا تطهرت، مسَّها".
وقال ابن عبد البر: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلاَّ بالوطء؛ لأنَّه المقصود في النكاح.
وأمَّا الحكمة في المنع من طلاق الحائض، فخشية طول العدة، وأمَّا الحكمة في المنع من الطلاق في الطهر المجامَع فيه، فخشية أن تكون حاملاً، فيندم الزوجان أو أحدهما، ولو علما بالحمل، لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة، وكل هذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ولله في شرعه حكمٌ، وأسرارٌ، ظاهرةٌ وخفيةٌ.
* خلاف العلماء في وقوع طلاق الحائض:
ذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة ﵃ إلى وقوع الطلاق في الحيض، ودليلهم على ذلك أمره ﷺ ابنَ عمر بإرجاع زوجته، حين طلَّقها حائضًا، ولا تكون الرجعة إلاَّ بعد طلاقٍ سابقٍ لها، ولأنَّ في بعض ألفاظ الحديث: "فحُسِبَت من طلاقها".
وذهب بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم- إلى أن الطلاق لا يقع، فهو لاغٍ.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي: "أن عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردَّها عليَّ، ولم يرها شيئًا".
وقد استنكر العلماء هذا الحديث؛ لمخالفته الأحاديث كلها.
وأجاب ابن القيم عن أدلة الجمهور: بأن الأمر برجعتها معناه إمساكها على حالها الأولى؛ لأنَّ الطلاق الذي لم يقع في وقته المأذون فيه شرعًا ملغيٌّ، فيكون النكاح بحاله.
وأمَّا الاستدلال بلفظ: "فحُسِبَت من طلاقها" فليس فيه دليل؛ لأنَّه غير
стр. 2851
مرفوع إلى النبي ﷺ .
وأطال ابن القيم النقاش في هذا الموضوع في كتابه "تهذيب السنن"، ولكن الأرجع ما ذهب إليه جمهور العلماء، والله أعلم.
فقد قال الشيخ ناصر الدين الألباني: وجملة القول: أن الحديث مع صحته، وكثرة طرقه، فقد اضطرب الرواة عنه في طلقته الأولى في الحيض هل اعتد بها، أم لا؟ فانقسما إلى قسمين:
الأول: من روى عنه الاعتداد بها.
القسم الآخر: الذين رووا عنه عدم الاعتداد بها، والأول أرجح لوجهين:
الأول: كثرة الطرق.
الثاني: قوة دلالة القسم الأول على المراد، دلالةً صريحةً، لا تَقْبل التأويل، بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل، بمثل قول الإمام الشافعي: "ولم يرها شيئًا" أي: صوابًا، وليس نصًّا في أنه لم يرها طلاقًا، بخلاف القسم الأول، فهو نصٌّ في أنه رآها طلاقًا، فوجب تقديمه على القسم الآخر.
وقد اعترف ابن القيم ﵀ بهذا، ولكنه شك في صحة المرفوع من هذا القسم، فقال: وأمَّا قوله في حديث ابن وهب: "وهي واحدة"، فلعمر الله! لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله ﷺ ، ما قدمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة.
فتشككه ﵀ في صحتها خطأٌ، فابن وهب لم ينفرد بإخراج الحديث، بل تابعه الطيالسي فقال: حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمرُ النبي ﷺ ، فذكر ذلك، فجعله واحدة".
وتابعه أيضًا يزيد بن أبي ذئب به، ورجاله ثقات، وتابع ابنَ أبي ذئب: ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "هي واحدة"،
стр. 2852
قلت: ورجاله ثقات.
وكل هذه الروايات لم يقف عليها ابن القيم، وظني أنه لو وقف عليها، لتبدد الشك الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دل عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض.
والرواية التي جاءت عن الشعبي: "إذا طلَّق الرجل امرأته وهي حائض، لم تعتدَّ بها في قول ابن عمر".
قال ابن عبد البر: ليس معناه ما ذهب، وإنما معناه: لم تعتد المرأة بتلك الحيضة في العدة. اهـ.
وقال الشيخ عبد الله بن محمد: أمَّا مسألة الطلاق في الحيض، فالمشهور والمفتى به عند علماء الأمصار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، وغيرهم: أن الطلاق في الحيض طلاق بدعة، ومعصية لله ورسوله، ولكنه لازم، ويحسب من الطلاقات الثلاث.
وهذا هو المعمول به عندنا، ودلائله كثيرة، وقد ذُكِرَت في البخاري ومسلم وغيرهما.
***
стр. 2853
٩٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، طَلاَقُ الثَّلاَثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- أَنَاة: قال في المصباح: الآناء هي الأوقات، وفي واحدها لغتان:
إحداهما: "إِنْي" بكسر الهمزة، والقصر؛ على وزن حِمْل.
والثاني: "أَنَاة" على وزن حَصَاة، والأناة هي المهلة.
- أمضيناه: يقال: أمضى الأمر إمضاءً: أنفذه، أي: لو أجرينا وأنفذنا عليهم ما استعجلوه من الثلاث، لكان ذلك مانعًا لهم عن تتابع الطلقات.
...
стр. 2854
٩٣١ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: "أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ! أَلاَ أَقْتُلُهُ؟ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوثَّقُونَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
قال ابن كثير: إسناده جيد.
قال المؤلف: رواه النسائي ورواته موثقون، وَقال في فتح الباري: رجاله ثقات.
وقال ابن عبد الهادي في المحرر: رواه النسائي، وقال: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير مخرمة.
أمَّا ابن القيم فقال في زاد المعاد: إسناده على شرط مسلم، ومخرمة ثقة بلا شك، قد احتج به مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه، والذين أعلوه قالوا: لم يسمع منه.
قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير؟ فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب مخرمة.
والجواب: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدَّث به، أو رواه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف.
стр. 2855
* مفردات الحديث:
- يُلعب: مبنيٌّ للمجهول، يُقال: لعب يلعب لعبًا: ضد جدَّ، ومعناه: عبث بالأمر، أو هزىء بالدين، واستخفَّ به، ولعله المراد هنا.
- كتاب الله: المراد به هنا أحكامه المأخوذة منه.
- بين أظهركم: أي وسطكم، والأصل في هذا الأسلوب أنه على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، ثم أكثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا، والمعنى: أيُلعب بأحكام الله، وأنا مازلت معكم حيًّا؟!.
***
стр. 2856
٩٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : رَاجِعِ امْرَأَتَكَ، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلاَثًا، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ: "طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاَثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فإِنَّهَا وَاحِدَةٌ"، وَفِي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: "أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ ألْبَتَّةَ، فَأَخْبرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذلِكَ، وَقَالَ: واللهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ " (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
وقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من صحَّحه وأخذ به، ومنهم من ضعَّفه وأخذ بما يعارضه، ونتج عن هذا الاختلاف اختلافهم في حكم المسألة التي في هذا الحديث:
قال المصححون: قال أبو داود: هذا الحديث أصحّ من حديث ابن جريج الذي فيه: "إن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا".
وقال ابن ماجه: سمعت الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث.
стр. 2857
وهذا بيان لشرف إسناده، وكثرة فائدته.
وقال المضعفون -ومنهم ابن القيم-: حديث "ألبتة" ضعَّفه أحمد.
وقال شيخنا -يعني ابن تيمية-: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، وابن عيينة، وغيرهم ضعَّفوا حديث ركانة "ألبتة"، وكذلك ابن حزم، وقالوا: إن رواته قومٌ مجاهيل، لا تُعرف عدالتهم، ولا ضبطهم، وقال أحمد: حديث رُكانة لا يثبت.
قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وسألت البخاري عنه، فقال: مضطرب.
وقال الألباني: وجملة القول: أنَّ حديث الباب ضعيف، وأن حديث ابن عباس المعارض له أقوى منه، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- أبو رُكانة: هكذا وقع في نسخ بلوغ المرام التي اطلعت عليها: "أبو رُكانة"، والمعروف في كتب التراجم والحديث وغيرها: أنه رُكَانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب القرشي المطلبي، ورجعت إلى كثير من المصادر فلم أجد إلاَّ رُكانة، منها الإصابة للمؤلف، ولا أظن إلاَّ أن زيادة "أبي" من النُّسَّاخ.
- سُهَيْمَة: بالسين المهملة المضمومة تصغير سهمة، هي سهيمة بنت عمير المزنيَّة، من بني مزينة، قبيلة مضرية، دخلت بالحلف الآن مع قبيلة حرب، وتسكن في غرب القصيم.
- ألبتة: بهمزة وصل، أو قطع، بعدها لام ساكنة، ثم ياء مفتوحة، ثم تاء مشددة، آخرها تاء التأنيث، والبت هو القطع، قال في المصباح: بت الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتة، والأصل: مبتوتٌ طلاقُها، إذا قطعها عن الرجعة.
стр. 2858
* ما يؤخذ من هذه الأحاديث:
١ - الحديث رقم (٩٣٠) يفيد أن الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة، لا تحسب إلاَّ طلقةً واحدةً، فإن لم تكن نهاية الثلاث، فله الرجعة.
وهذا الحديث هو عمدة القائلين بهذا القول.
٢ - أمَّا الحديث رقم (٩٣١) فيدل على أن الطلقات الثلاث التي لم يتخللهن رجعة، ولا نكاح: أنها طلاقٌ بدعةُ محرمةً.
٣ - ويدل على أن التلاعب بأحكام الله تعالى، وتعدي حدوده، من كبائر الذنوب، فإن النبي ﷺ لم يغضب إلاَّ على معصية كبيرة.
٤ - التلاعب بكتاب الله، وسنة رسوله، حرام، ولو بعد وفاته ﷺ ، وإنما قال ذلك استغرابًا من سرعة تغير الأمور.
٥ - أمَّا الحديث رقم (٩٣٢) فتدل روايتا أبي داود وأحمد على ما دل عليه الحديث رقم (٩٣٠)، من اعتبار الطلاق الثلاث واحدةً، وأن للمطلق الرجعة، إن لم تكن نهاية عدده من الطلاق.
٦ - وأمَّا الرواية الثانية لأبي داود، فتدل على أن الطلاق "ألبتة"، يكون بحسب نية المطلق، فإن نوى به الثلاث، صار ثلاثًا، وإن نوى به واحدة، فهو واحدة رجعية.
٧ - قال الشيخ بخيت المطيعي: إن رُكانة طلَّق زوجته "ألبتة"، وهو من كنايات الطلاق، يقع به واحدة إن نوى واحدة، ويقع به ثلاثًا إن نواها.
٨ - رواية "طلَّقها ألبتة" في حديث ركانة من أدلة الجمهور على أنَّ الطلاق الثلاث كلمةً واحدةً: طلاقٌ بائنٌ بينونةٌ كبرى، وليس فيه رجعة إلاَّ بعد أن تنكح زوجًا آخر.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن أوقع الطلقات الثلاث دفعةً واحدةً، أو أوقعها
стр. 2859
بكلماتٍ ثلاثٍ، لم يتخللها رجعةٌ ولا نكاحٌ، فهل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلاَّ بعد أن تنكح زوجًا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة، له رجعتها ما دامت في العدة، وبعد العدة يعقد عليها، ولو لم تنكح زوجًا غيره؟:
اختلف العلماء في ذلك اختلافًا طويلاً عريضًا، وعُذِّب من أجل القول بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض أتباعه.
ولكننا نسوق هنا ملخصًا فيه الكفاية، إن شاء الله تعالى:
ذهب جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- وجمهور الصحابة والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ، إذا قال: "أنت طالق ثلاثًا" ونحوه، أو بكلمات ولو لم يكن بينهن رجعة ولا نكاح.
ودليلهم: حديث ركانة بن عبد الله "أنه طلَّق امرأته ألبتة"؛ فأخبر النبي ﷺ بذلك؟ فقال له: "والله ما أردت إلاَّ واحدة؟ ".
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبَّان، والحاكم.
ووجه الدلالة من الحديث: استحلافه ﷺ للمطلق أنه لم يرد بـ "ألبتة" إلاَّ واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده.
واستدلوا أيضًا بما في صحيح البخاري عن عائشة: "أن رجلاً طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجت، فطلقت، فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؛ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول"، ولو لم تقع الثلاث، لم يمنع رجوعها إلى الأول إلاَّ بعد ذوق الثاني عسيلتها.
واستدلوا أيضًا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ على إيقاع الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ ثلاثًا، كما نطق بها المطلَّق، وكفى بهم
стр. 2860
قدوة وأسوة، ولهم أدلة غير ما سقنا، ولكن ما ذكرنا هو الصريح الواضح لهم.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللها رجعة ولا نكاح، لا يقع عليها إلاَّ طلقة واحدة، وهو مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب.
فمن الصحابة القائلين بهذا القول: أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.
ومن التابعين: طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن عباس، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن إسحاق.
ومن أرباب المذاهب: داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبد السلام ابن تيمية، وكان يفتي بها سِرًّا، وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية يجهر بها، ويفتي بها في مجالسه، وكثير من أتباعه.
ومنهم ابن القيم، الذي نصر هذا القول نصرًا مؤزَّرًا في كتابيه "الهدي"، و"إغاثة اللهفان"، فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردَّ على المخالفين بما يكفي ويشفي.
واستدل هؤلاء بالنَّص والقياس:
فأمَّا النص: فما رواه مسلم في صحيحه: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت جعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم" وفي لفظ: "تردّ إلى واحدة؟ قال: نعم".
فهذا نصٌّ صحيحٌ صريحٌ لا يقبل التأويل والتحويل.
وأمَّا القياس: فإن جمع الثلاث محرَّمٌ وبدعةٌ، والنَّبي ﷺ يقول: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ"، وإيقاع الثلاث دفعًة واحدةً ليس من أمر الرسول، فهو مردود مسدود.
стр. 2861
وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور بما يأتي:
أمَّا حديث ركانة: فقد ورد في بعض ألفاظه: "أنه طلَّقها ثلاثًا"، وفي لفظ: "واحدة"، وفي لفظ: "ألبتة"؛ ولذا قال البخاري: "إنه مضطرب".
وقال الإمام أحمد: طرقه كلها ضعيفة، وقال بعضهم: في سنده مجهول، وفيه من هو ضعيف متروك.
قال شيخ الإسلام: وحديث رُكَانة ضعيف عند أئمة الحديث، ضعَّفه أحمد، والبخاري، وأبو عبيد، وابن حزم، بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط.
وأمَّا حديث عائشة: فالاستدلال به غير وجيه؛ إذ من المحتمل أن مرادها بالثلاث نهاية ما للمطلق من الطلقات الثلاث، وإذا وجد الاحتمال، بطل الاستدلال، وهو مجمل، يحمل على حديث ابن عباس المبين؛ كما جاء في الأصول.
وأمَّا الاستدلال بعمل الصحابة، فمَنْ أولاهم بالاقتداء والاتباع؟!
ونحن نقول: إنهم يزيدون عن مائة ألف، وكل هذا الجمع الغفير -وأولهم نبيهم ﷺ يعدون الثلاث واحدة، حتى إذا تُوفي ﷺ وهي على ذلك، وجاء خليفته الصديق، فاستمرت الحال على ذلك حتى تُوفي، وخَلَفَه عمر ﵁ فمضى صدر خلافته، والأمر كما هو على عهد النبي ﷺ ، وعهد الصديق، بعد ذلك جعلت الثلاث، كعددها ثلاثًا؛ كما بيَّنَّا سببه.
فصار على أن الثلاث واحدة: جمهور الصحابة، ممَّن قضى نحبه قبل خلافة عمر، أو نزحت به الفتوحات قبل المجلس الذي عقده لبقية الصحابة المقيمين عنده في المدينة.
فعلمنا -حينئذٍ- أن الاستدلال بعمل الصحابة منقوض بما يشبه إجماعهم في عهد الصديق على خلافه.
стр. 2862
وعمل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- حاشاه وحاشا من معه أن يعملوا عملاً يخالف ما كان على عهد النبي ﷺ ؛ وإنما رأى أن الناس تعجلوا وأكثروا من إيقاع الطلاق الثلاث، وهو بدعة محرمة، فرأى أن يلزمهم بما قالوه تأديبًا وتعزيرًا على ما ارتكبوا من إثمٍ، وما أتوه من ضيق هُمْ في غنًى عنه، ويُسرٍ وسعة، وهذا العمل من عمر ﵁ اجتهادٌ من اجتهادِ الأئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة، ولا يستقر تشريعًا لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀: وإن طلَّقها ثلاثًا، في طهرٍ واحدٍ، بكلمةٍ واحدةٍ، أو كلماتٍ، مثل: "أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق"، أو يقول: "أنت طالق"، ثم يقول: "أنت طالق"، ثم يقول: "أنت طالق"، فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء أكانت مدخولاً بها، أو غير مدخولٍ بها:
أحدها: أنه طلاقٌ مباحٌ لازمٌ، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه؛ اختارها الخرقي.
الثاني: أنه طلاقٌ محرم لازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد؛ اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقولٌ عن كثيرٍ من السلف والخلف من الصحابة والتابعين.
الثالث: أنَّه محرم، ولا يلزم منه إلاَّ طلقة واحدة، وهذا القول منقولٌ عن طائفة من السلف والخلف من الصحابة، وهو قول كثير من التابعين، ومَن بعدهم، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
وأمَّا مسألة الحلف بالطلاق: فقال -رحمه الله تعالى-: والفرق ظاهرٌ بين الطلاق والحلف به، وبين النذر والحلف بالنذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مريضي، أو قضى ديني، أو خلَّصني من هذه الشدة، فلله عليَّ أن أتصدق بألف درهمٍ، أو أصوم شهرًا، أو أعتق رقبةً، فهذا تعليقُ
стр. 2863
نذرٍ يجب عليه الوفاء به بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
وإذا علَّق النَّذر على وجه اليمين قاصدًا الحث أو المنع، فقال: إن سافرت معكم، أو إن زوجت فلانًا، فعلىَّ الحج، أو فمالي صدقة، فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء: هو حالف بالنذر، ليس بناذر، فإذا لم يف بما التزمه أجزأه كفارة يمين.
* قرار مجلس كبار العلماء بشأن مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد: رقم (١٨) وتاريخ ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ:
قال مجلس هيئة كبار العلماء: بَحْث مسألة الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ، وبعد الدراسة وتداول الرأي، واستعراض الأقوال التي قيلت فيها، ومناقشة ما على كل قولٍ، توصَّل المجلس بالأكثرية إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحدٍ ثلاثًا، وخالف من أعضاء المجلس خمسة وهم:
الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله خياط، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ محمد بن جبير.
فهؤلاء الخمسة لهم وجهة نظر نصّها ما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد:
فنرى أن الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ طلقةٌ واحدة.
وقال محرِّره: وجاء كل واحد من الفريقين بأدلته وما يراه.
стр. 2864
٩٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاَثٌ جِدُهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ" رَوَاهُ الأَرْبعةُ، إلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ: "الطَّلاَقُ، وَالعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم وصحَّحه، وأقرَّه صاحب الإلمام، وابن خزيمة، كلهم من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال ... فذكره، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد ذكر الزيلعي في معناه أحاديث أُخر.
قال الألباني: والَّذي تلخَّص عندي أن الحديث حسنٌ بمجموع طريق أبي هريرة التي حسَّنها الترمذي، وطريق الحسن البصري المرسلة، وقد يزداد قوة بحديث عبادة بن الصامت، وآثار الصحابة التي تدل على أن معنى الحديث كان معروفًا عندهم، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- جِدّ: بكسر الجيم المعجمة، وتشديد الدال المهملة، قال في المصباح: جَدَّ
стр. 2865
فى كلامه: ضد هزل؛ ومنه قوله ﷺ : "ثلاث جِدّهن جِدّ، وهزلهن جدّ".
- هَزْل: ضد الجد، فالهزل هو العمل يتغلب فيه الهزل على الجد، قال في المصباح: هزل في كلامه: مزح.
- العَتاق: العتق لغة: الخلوص، وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق.
***
стр. 2866
٩٣٤ - وَلِلْحَارِثِ بْنِ أُسَامَةَ، مِنْ حَدِيْثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ رَفَعَهُ: "لاَ يَجُوْزُ اللَّعِبُ فِي ثَلاَثٍ: الطَّلاَقِ، والنِّكَاحِ، وَالْعَتَاقِ، فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ" وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف.
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدَّثنا بشر بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن لهيعة، حدَّثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت، به.
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، وله علتان:
الأولى: الانقطاع بين عبيد الله بن أبي جعفر، وعبادة بن الصَّامت؛ فإنَّه لم يثبت لعبيد الله سماع من الصحابة.
الثاني: ضعف عبد الله بن لهيعة، قال الحافظ: صدوق خلَّط بعد احتراق كتبه.
لكن ذكر ابن حجر في التلخيص الحبير عدة طرق للحديث، وكلها فيها ضعف، لكن تتقوى ببعضها، والله أعلم، وروي موقوفًا عن عمر، وعلي نحوه.
* مفردات الحديث:
- وَجَبْن: لزمن، وثبتن، ونفذ حكمهن.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على نفوذ الأحكام المذكورة، وهي عقد النكاح، والطلاق، ورجعة الزوجة إلى عصمة النكاح، والعتق.
стр. 2867
٢ - فهذه أحكامٌ سريعة النفوذ، قوية السريان متى ما صدرت ممن يملكها ويملك التصرف فيها، فإنه لا رجعة له فيها بعد إطلاقها.
٣ - فمن عقد على موليَّته، أو طلَّق زوجته، أو أعتق عبده، نفذ ذلك من حين تلفظه بذلك، سواء كان جادًّا، أو هازلاً، أو لاعبًا؛ حيث إنه ليس لهذه العقود خيار مجلس ولا خيار شرط.
٤ - وكذا الرجعة تحصل من حين التلفظ بها، حيث لا يشترط رضا الزوجة، ولا قبولها لذلك.
٥ - حديثا الباب مخصِّصان؛ لعموم حديث: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات".
٦ - فهذان الحديثان ينبِّهان الإنسان بأن لا يمزح ولا يهزل بمثل هذه الأحكام؛ كما يفعله بعض الناس في مجالسهم العامة والخاصة، بل يكون الإنسان حذرًا؛ لئلا يقع فيما يورطه من الأمور.
٧ - الحكمة -والله أعلم- في سرعة نفوذ وسريان النكاح، والرجعة، والعتق، تشوّف الشارع إلى إيقاعها؛ فصارت نافذة سارية من حين إطلاقها.
٨ - أمَّا الطلاق فالحكمة -والله أعلم- أنه خطيرٌ جدًّا، وأن تكريره مما يجعل الزوجة مطلَّقة أجنبية، وأن معاشرتها ومباشرتها محرمة، وأن غالب المطلقين هم أصحاب الانفعالات النفسية، وليسوا غالبًا من المستقيمين؛ فخشية من أن ينكر نية الطلاق وقصده، ويتلاعب بذلك، جُعِلَ نافذًا عليه، وساري المفعول، ولو لم ينو أو يقصد الطلاق.
٩ - أجمع العلماء على أن من طلَّق زوجته، طلقت عليه، سواء كان في طلاقه هازلاً أو جادًّا، وأنه لا ينفع أن يقول فيه: كنت لاعبًا، أو هازلاً.
***
стр. 2868
٩٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أوْ تَكَلَّمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- تجاوز: هو من جاز يجوز، فألفه منقلبة عن واو، وتجاوز عن المسيء: عفا عنه، وصفح عنه، ولم يؤاخذه بذنبه.
- حدَّثت: بتشديد الدال المهملة، يقال: حدَّثه بكذا، أي: أخبره، والمراد هنا حديث النفس، وهو ما يخطر بالقلب من الوسوسة.
...
стр. 2869
٩٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا يَثْبُتُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
اختلفت أنظار العلماء في هذا الحديث وشواهده، والأرجح قبوله.
قال ابن حجر: رجاله ثقات، إلاَّ أنه أعلَّ بعلة غير قادحة.
وقال ابن رجب في شرح الأربعين؛ هذا الحديث أخرجه ابن ماجه، من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، وخرَّجه ابن حبَّان في صحيحه (١٦/ ٢٠٢)، والدارقطني (٤/ ١٧٠)، وعندهما عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في الصحيحين، وقد خرَّجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي.
ولكن له علة، فقد أنكره الإمام أحمد جدًا، وقال: لا يروى إلاَّ عن الحسن، عن النبي ﷺ ، قال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة، وكأنها موضوعة، فإن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث عن عطاء، وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أُخر.
قال أبو داود: روى الوليد بن مسلم، عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها عن نافع أربعة.
стр. 2870
قلت: والظاهر أن منها هذا الحديث.
أمَّا الشيخ الألباني فقال ما خلاصته: لست أرى ما ذهب إليه أبو حاتم، فإنه لا يجوز تضعيف حديث بمجرد دعوى عدم السماع؛ ولذلك فنحن على الأصل، وهو صحة الحديث حتى يتبيَّن انقطاعه.
وأمَّا الحافظ ابن حجر فقال: رجاله ثقات، وقال البوصيري: إسناده صحيح، كما صححه ابن حبان، وحسَّنه النووي في الروضة، كما صححه الشيخ أحمد شاكر.
* مفردات الحديث:
- وضع: عفا، وتجاوز، وأسقط المؤاخذة.
- الخطأ: جمعه أخطاء، وهو ضد الصواب، فهو: ما لم يُتعمَّد من الأمر.
- النسيان: مصدر نسي، وله معنيان:
أحدهما: الترك مع الذِّكْرِ.
الثاني: وهو المراد هنا: دخول غفلة عمَّا كان في الذهن.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديث رقم (٩٣٥) يدل على أن الله ﵎ تجاوز، وعفا عن الأفكار والهواجس، التي تطرأ على النفس، فيحدّث الإنسان بها نفسه، وتمر على خاطره، ذلك أن الخواطر النفسية، والهواجس القلبية، ليست من عمل الإنسان وإرادته، وإنَّما هي أمور ترد وتخطر على قلبه، بدون قصدٍ وتعمدٍ لها، فهذا عفا الله عنها، وتجاوز لعباده عنها، فلا تلحقهم تبعاتها.
٢ - ومن هذا الطلاق، فإذا فكَّر فيه، وعرض في خاطره، ولكنه لم يتكلم به، ولم يكتبه، فإن حديث نفسه به، وتفكيره فيه، لا يعتبر طلاقًا.
٣ - أمَّا الحديث رقم (٩٣٦) فيدل على أن الخطأ، والنسيان، والإكراه في الطلاق معفو عن صاحبه، مسامح فيه؛ فلو أراد أن يقول لزوجته: "أنت
стр. 2871
طاهر" فقال خطأ: "أنت طالق" لم تطلق؛ لأنَّ الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه لمعناه.
٤ - أمَّا المكره بغير حق، فلا يقع طلاقه.
قال ابن القيم: لأنَّه قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولكن لم يثبت عليه حكمه؛ لكونه غير قاصد له، وإنَّما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم؛ لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ.
٥ - أمَّا المكره بحق، فيقع طلاقه، وذلك المُوْلِي إذا مضى عليه أربعة أشهر، وأبى أن يفيء، فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنَّه إكراه بحق.
٦ - الحديث رقم (٩٣٦) دليلٌ على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفو عنها لأمة محمد ﷺ ، إذا صدرت عن خطإٍ، أو نسيانٍ، أو إكراهٍ.
٧ - أن طلاق الخاطىء والمكره لا يقع عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، ويقع عند أبي حنيفة.
٨ - مفهوم الحديث أن الإنسان إذا تكلم بالحكم الشرعي، كأن يلفظ بالطلاق، أو يفعل بأن يكتبه؛ أنه يقع عليه، ولا يعذر حينئذٍ.
***
стр. 2872
٩٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "إِذَا حَرَّمَ امْرَأتهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وِلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا" (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - معنى الحديث أن الرجل إذا قال لزوجته: "أنت عليَّ حرام"، فليس التحريم بطلاق، وإنَّما يكون يمينًا، فيه كفَّارة اليمين؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، أي: شرع الله لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المذكورة في سورة المائدة.
٢ - فالحديث يدل على أن من حرَّم شيئًا قد أحلَّه الله له، فإنه لا يكون حرامًا؛ فإنَّ حِلّ الأمور وحرمتها بيد الله تعالى؛ ولذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ فإنه لا فرق بين من أباح ما حرَّم الله، وبين مَن حرَّم ما أحلَّ الله، فكله افتئات على الله في أحكامه.
٣ - أثر ابن عباس صريح في أن الرجل إذا حرَّم زوجته، يصير تحريمه يمينًا، تحلها كفارة اليمين المذكورة في سورة المائدة.
وفي مثل هذا اليمين الواجب على الحالف أن يأتي ما حرَّم، وحلف عليه،
стр. 2873
ويُكَفِّر عن يمينه؛ لما جاء في الصحيحين، من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفِّر عن يمينك، وأْتِ الذي هو خير".
٤ - شارح هذا الكتاب صحح القول بأن تحريم الزوجة أو غيرها من المباحات لغوٌ، لا حكم له في شيء من الأشياء؛ والحجة على ذلك: أن التحريم والتحليل إلى الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]؛ فلا فرق بين تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فلما كان الأول باطلاً، فليكن الثاني باطلاً، ونظرنا إلى ما سوى هذا القول، فوجدنا أقوالاً مضطربة، لا برهان عليها من الله، وهذا القول يدل عليه حديث ابن عباس، أمَّا الكفارة فهي لليمين، لا لمجرد التحريم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: "أنت عليَّ حرام" إلى ثمانية عشر قولاً، وأقرب هذه الأقوال، أقوالٌ ثلاثة هي:
أحدها: أنها يمين مكفرة؛ وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وبه قال أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة.
الثاني: أنه حسب نية المتكلم من طلاقٍ، أو ظِهارٍ، أو يمينٍ؛ وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، واختاره جماعة من الحنابلة.
الثالث: أنه ظهارٌ، فيه كفارة الظهار؛ وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، وإسحاق، وجماعة من التابعين.
قال القرطبي: وسبب الاختلاف أنه ليس في الكتاب والسنَّة نصٌّ يعتمد عليه، فتجاذبها العلماء لذلك.
стр. 2874
قال ابن القيم في مأخذ أصحاب هذه الأقوال فمأخذ من قال: إنها يمين مكفرة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وأثر ابن عباس الذي معنا.
قال صاحب الشرح الكبير: وهذا القول أقرب الأقوال، وأرجحها.
ومأخذ القول الثاني: هو أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل للطلاق، والظِّهار، والإيلاء، فإذا صرفه إلى أحدها بالنية، فقد استعمله فيما هو صالح له، فيُصْرَف إلى ما أراده، ولا يتجاوز به، ولا يقصر عنه.
أمَّا مأخذ القول الثالث: فهو أن اللفظ موضوع للتحريم، والعبد ليس له التحريم والتحليل، وإنَّما إليه إنشاء الأسباب التي يترتب عليه ذلك، فإذا حرَّم ما أحلّ الله له، فقد قال القول المنكر والزور، فيكون كقوله: أنت علي كظهر أمي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا؛ لأنَّه إذا شبهها بمن تحرم عليه، دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح بتحريمها، فقد صرح بموجَب التشبيه في لفظ الظهار؛ فهو أولى أن يكون ظهارًا.
***
стр. 2875
٩٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تزوج النبي ﷺ بعَمْرة بنت الجون، فلما قَرُب منها ﷺ قالت -اجتهادًا منها-: أعوذ بالله منك، وقد قال ﷺ : "مَن استعاذكم بالله، فأعيذوه"، فأعاذها ﷺ ، وقال: "لقد عُذْتِ بعظيم، الحَقِي بأهلك".
٢ - ففيه دليل على أن لفظ: "الحقي بأهلك" هو طلاقٌ، وإن لم يكن بلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه.
٣ - قوله: "الحقي بأهلك" كناية من كنايات الطلاق الخفية، والكناية -على المشهور من مذهب أحمد- لابد فيها من نية الطلاق، المقارنة لتلفظ المطلِّق، أو أن تكون في حال غضبٍ، أو خصومة، أو جواب لسؤال المرأة الطلاق، وبدون النية، أو هذه القرائن، فلا يقع بالكناية طلاق.
٤ - الطلاق له صريح وكناية:
فأمَّا صريحه: فلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه من المشتقات، فيقع فيه الطلاق جادًّا، أو هازلاً، ولو لم ينوه.
٥ - أمَّا كنايات الطلاق فقسمان: ظاهرة، وخفية:
فالظاهرة: نحو أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وتزوَّجي مَن شئت ... إلخ.