طاهر" فقال خطأ: "أنت طالق" لم تطلق؛ لأنَّ الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه لمعناه.
٤ - أمَّا المكره بغير حق، فلا يقع طلاقه.
قال ابن القيم: لأنَّه قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولكن لم يثبت عليه حكمه؛ لكونه غير قاصد له، وإنَّما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم؛ لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ.
٥ - أمَّا المكره بحق، فيقع طلاقه، وذلك المُوْلِي إذا مضى عليه أربعة أشهر، وأبى أن يفيء، فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنَّه إكراه بحق.
٦ - الحديث رقم (٩٣٦) دليلٌ على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفو عنها لأمة محمد ﷺ ، إذا صدرت عن خطإٍ، أو نسيانٍ، أو إكراهٍ.
٧ - أن طلاق الخاطىء والمكره لا يقع عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، ويقع عند أبي حنيفة.
٨ - مفهوم الحديث أن الإنسان إذا تكلم بالحكم الشرعي، كأن يلفظ بالطلاق، أو يفعل بأن يكتبه؛ أنه يقع عليه، ولا يعذر حينئذٍ.
***
стр. 2872
٩٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "إِذَا حَرَّمَ امْرَأتهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وِلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَهي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا" (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - معنى الحديث أن الرجل إذا قال لزوجته: "أنت عليَّ حرام"، فليس التحريم بطلاق، وإنَّما يكون يمينًا، فيه كفَّارة اليمين؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، أي: شرع الله لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المذكورة في سورة المائدة.
٢ - فالحديث يدل على أن من حرَّم شيئًا قد أحلَّه الله له، فإنه لا يكون حرامًا؛ فإنَّ حِلّ الأمور وحرمتها بيد الله تعالى؛ ولذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ فإنه لا فرق بين من أباح ما حرَّم الله، وبين مَن حرَّم ما أحلَّ الله، فكله افتئات على الله في أحكامه.
٣ - أثر ابن عباس صريح في أن الرجل إذا حرَّم زوجته، يصير تحريمه يمينًا، تحلها كفارة اليمين المذكورة في سورة المائدة.
وفي مثل هذا اليمين الواجب على الحالف أن يأتي ما حرَّم، وحلف عليه،
стр. 2873
ويُكَفِّر عن يمينه؛ لما جاء في الصحيحين، من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفِّر عن يمينك، وأْتِ الذي هو خير".
٤ - شارح هذا الكتاب صحح القول بأن تحريم الزوجة أو غيرها من المباحات لغوٌ، لا حكم له في شيء من الأشياء؛ والحجة على ذلك: أن التحريم والتحليل إلى الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]؛ فلا فرق بين تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فلما كان الأول باطلاً، فليكن الثاني باطلاً، ونظرنا إلى ما سوى هذا القول، فوجدنا أقوالاً مضطربة، لا برهان عليها من الله، وهذا القول يدل عليه حديث ابن عباس، أمَّا الكفارة فهي لليمين، لا لمجرد التحريم.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: "أنت عليَّ حرام" إلى ثمانية عشر قولاً، وأقرب هذه الأقوال، أقوالٌ ثلاثة هي:
أحدها: أنها يمين مكفرة؛ وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وبه قال أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة.
الثاني: أنه حسب نية المتكلم من طلاقٍ، أو ظِهارٍ، أو يمينٍ؛ وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، واختاره جماعة من الحنابلة.
الثالث: أنه ظهارٌ، فيه كفارة الظهار؛ وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، وإسحاق، وجماعة من التابعين.
قال القرطبي: وسبب الاختلاف أنه ليس في الكتاب والسنَّة نصٌّ يعتمد عليه، فتجاذبها العلماء لذلك.
стр. 2874
قال ابن القيم في مأخذ أصحاب هذه الأقوال فمأخذ من قال: إنها يمين مكفرة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وأثر ابن عباس الذي معنا.
قال صاحب الشرح الكبير: وهذا القول أقرب الأقوال، وأرجحها.
ومأخذ القول الثاني: هو أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل للطلاق، والظِّهار، والإيلاء، فإذا صرفه إلى أحدها بالنية، فقد استعمله فيما هو صالح له، فيُصْرَف إلى ما أراده، ولا يتجاوز به، ولا يقصر عنه.
أمَّا مأخذ القول الثالث: فهو أن اللفظ موضوع للتحريم، والعبد ليس له التحريم والتحليل، وإنَّما إليه إنشاء الأسباب التي يترتب عليه ذلك، فإذا حرَّم ما أحلّ الله له، فقد قال القول المنكر والزور، فيكون كقوله: أنت علي كظهر أمي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا؛ لأنَّه إذا شبهها بمن تحرم عليه، دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح بتحريمها، فقد صرح بموجَب التشبيه في لفظ الظهار؛ فهو أولى أن يكون ظهارًا.
***
стр. 2875
٩٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تزوج النبي ﷺ بعَمْرة بنت الجون، فلما قَرُب منها ﷺ قالت -اجتهادًا منها-: أعوذ بالله منك، وقد قال ﷺ : "مَن استعاذكم بالله، فأعيذوه"، فأعاذها ﷺ ، وقال: "لقد عُذْتِ بعظيم، الحَقِي بأهلك".
٢ - ففيه دليل على أن لفظ: "الحقي بأهلك" هو طلاقٌ، وإن لم يكن بلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه.
٣ - قوله: "الحقي بأهلك" كناية من كنايات الطلاق الخفية، والكناية -على المشهور من مذهب أحمد- لابد فيها من نية الطلاق، المقارنة لتلفظ المطلِّق، أو أن تكون في حال غضبٍ، أو خصومة، أو جواب لسؤال المرأة الطلاق، وبدون النية، أو هذه القرائن، فلا يقع بالكناية طلاق.
٤ - الطلاق له صريح وكناية:
فأمَّا صريحه: فلفظ الطلاق، وما تصرَّف منه من المشتقات، فيقع فيه الطلاق جادًّا، أو هازلاً، ولو لم ينوه.
٥ - أمَّا كنايات الطلاق فقسمان: ظاهرة، وخفية:
فالظاهرة: نحو أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وتزوَّجي مَن شئت ... إلخ.
стр. 2876
والخفية: نحو اخرجي، واذهبي، واعتدي، واستبرئي، ولستِ لي با مرأة، وخلّيتك، والحقي بأهلك ... إلخ.
٦ - الفرق بين الكناية الظاهرة والكناية الخفية، أن ألفاظ الظاهرة: موضوعة للبينونة، فيقع بها ثلاثًا، ولو نوى واحدة، وهذا هو المشهور عن مذهب الحنابلة.
أمَّا الخفية: فموضوعة لطلقة واحدة، ما لم ينو أكثر، فيقع ما نواه.
٧ - هذا التقسيم في ألفاظ الطلاق هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.
٨ - قال ابن القيم: تقسيم الألفاظ إلى صريح أو كناية، وإن كان تقسيمًا صحيحًا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للفظ في ذاته، فرُبَّ لفظ صريح عند قوم، كناية عند آخرين، أو صريح في زمان ومكان، كناية في غير ذلك المكان والزمان، والواقع شاهدٌ بذلك.
وقال الشيخ علي بن عيسى، قاضي بلدة شقراء: إن لفظ التخلاة صريح في عرفنا اليوم.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أن ألفاظ الطلاق لا تتعين بلفظ مخصوص، فكل لفظ أفاد معنى الطلاق، فإنَّه يصلح أن يكون من ألفاظ الطلاق، كما هو في المعاملات وغيره، والله أعلم.
٩ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: لا شك أن الإمضاء على ورقة الطلاق، ليس من صيغ الطلاق، لا من الصريح ولا من الكناية؛ إذ الزوج لم يكتب طلاق زوجته، وغاية ما في الأمر أنه كتب اسمه تحت كتابة وإنشاء غيره، فإذا لم يتلفظ بشيء مما كتب في الورقة، فلا يظهر لنا وقوع الطلاق منه بإمضائه الورقة.
стр. 2877
٩٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لا طَلاَقَ إلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلاَ عِتْقَ إِلاَّ بَعْدَ مِلْكٍ" رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (١)، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا (٢).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال المصنف: رواه أبو يعلى، وصحَّحه الحاكم، وقال: أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه، فلقد صحَّ على شرطهما من حديث ابن عمر، وعائشة، وابن عبَّاس، ومعاذ بن جبل، وجابر.
ولكنه معلول بما قاله الدارقطني: الصحيح أنه مرسل ليس فيه جابر.
قال يحيى بن معين: لا يصح عن النبي ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح".
وقال ابن عبد البر: روي من وجوه إلاَّ أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة، ولكن يشهد له ما أخرجه ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، لكنه أيضًا معلول؛ لأنَّه اختلف فيه على الزهري.
قال البيهقي: أصح حديث في الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند أصحاب السنن: "ليس على رجل طلاق فيما لا يملك" ... الحديث.
стр. 2878
قال الترمذي: هو أحسن شيء روي في هذا الباب، وقال البيهقي: قال البخاري: أصح شيء وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقد حسَّن الحديث السيوطي في الجامع الصغير، وقال ابن عبد الهادي: رجاله ثقات.
***
стр. 2879
٩٤٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِتْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَنَقَلَ عَنِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
تقدم الكلام عليه في درجة الحديث السابق. وذكره ابن حجر في التلخيص، وسكت عنه، ونقل هنا ابن حجر تصحيح الترمذي له. وقال الترمذي: هو أحسن شيء روي في هذا الباب، كما سبقه الإمام البخاري فقال: إنه أصحّ شيء في الباب، وحسّنه المنذري.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - التصرف لا يصح ولا ينفذ إلاَّ فيما يملكه الإنسان، أمَّا الشيء الذي ليس تحت تصرفه، فلا يجوز ولا يصح تصرفه فيه؛ كما قال ﷺ : "ولا تَبعْ ما ليس عندك".
٢ - من ذلك الطلاق لا يصح من رجل على امرأة أجنبية، ليست زوجة له؛ فـ"إنَّما الطلاق لمن أخذ بالساق"، وقال ﷺ : "لا طلاق فيما لا يملك".
٣ - ومن ذلك العتق، فلا يصح أن يعتق رقيقًا لا يملكه؛ لأنَّ تصرفه لم يقع محله.
٤ - إذا علَّق طلاق أجنبية على نكاحه لها، فقال: إن نكحتُ فلانة فهي طالق، ففيه ثلاثة أقوال للعلماء:
стр. 2880
الأول: عدم وقوع الطلاق؛ وهو قول الشافعي، وأحمد.
الثاني: صحة التعليق مطلقًا؛ وهو قول أبي حنيفة.
الثالث: التفصيل بين أن يخص امرأة بعينها، فيقع الطلاق وإن عم فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لم يقع شيء؛ وهو قول مالك.
والراجح هو القول الأول.
قال ابن رشد: والفرق بين التخصيص والتعميم هو استحسانٌ مبنيٌّ على المصلحة.
٥ - الإمام أبو حنيفة ﵀ فرَّق في التعليق بين الطلاق والعتق، فأبطله في الطلاق، وأجازه في العتق، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن القيم وذلك لأنَّ العتق له قوة وسراية، ولأنَّه يصح أن يجعل الملك سببًا للعتق، من باب القُرَب والطاعات، بخلاف النكاح: فإنه يقصد للبقاء، وليس الطلاق عبادة، وإنَّما هو مكروه.
٦ - أمَّا الحديث رقم (٩٤٠) فيدل على أن النذر لا يصح، ولا ينعقد في شيء لا يملكه الناذر حين نذره، حتى ولو ملكه بعده، فلا يلزمه الوفاء به، ولا كفارة عليه.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن الطلاق المعلق: قرار رقم (١٦) وتاريخ ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فبناء على قرار مجلس هيئة كبار العلماء رقم (١٤)، الصادر عنها في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين (١/ ٤/ ١٣٩٣ هـ و ١٧/ ٤/ ١٣٩٣ هـ)، القاضي بتأجيل دراسة موضوع الطلاق المعلق إلى الدورة الرابعة لمجلس الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الرابعة، المنعقدة فيما بين ٢٩/ ١٠/ ١٣٩٣ هـ و ١٢/ ١١/ ١٣٩٣ هـ، وفي هذه الدورة
стр. 2881
جرى دراسة الموضوع، بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
وبعد دراسة الموضوع، وتداول الرأي، واستعراض كلام أهل العلم في ذلك، ومناقشة ما على كل قول من إيراد، مع الأخذ في الاعتبار أنه لم يثبت نصٌّ صريحٌ لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، باعتبار الطلاق المعلق طلاقًا عند الحنث، وعدم اعتباره، وأن المسألة نظرية، للاجتهاد فيها مجال.
بعد ذلك: توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق عند حصول المعلَّق عليه، سواء قصد من علَّق طلاقه على شرطِ الطلاقَ المحض، أو كان قصده الحث، أو المنع، أو تصديق خبر، أو تكذيبه؛ وذلك لأمور، أهمها ما يلي:
١ - ما ورد عن الصحابة والتابعين من الآثار في ذلك، ومنه ما أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، من أن رجلاً طلَّق امرأته ألبتة إن خرجت فقال ابن عمر: إن خَرَجَتْ، فقد بانت منه، وإن لم تخرج، فليس بشيء. وما روى البيهقي بإسناده عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلَتْ كذا وكذا، فهي طالق، فتفعله، قال: هي واحدة، وهو أحق بها. وما رواه أيضًا بإسناده إلى أبي الزناد عن أبيه أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: أيّما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجْتِ إلى الليل، فخرجت، طلقت امرأته. إلى غير ذلك من الآثار، مما يقوي بعضها بعضًا.
٢ - لما أجمع عليه أهل العلم، إلاَّ من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل، مع القطع بأنَّه لم يقصد الطلاق؛ وذلك استنادًا إلى حديث أبي هريرة وغيره، مما تلقته الأمة بالقبول، من أنَّ ثلاثًا جدهنَّ جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق؛ فإن كلاًّ من الهازل والحالف بالطلاق قد عمد قلبه إلى ذلك الطلاق، وإن لم يقصده؛ فلا وجه للتفريق بينهما، بإيقاعه على الهازل
стр. 2882
به، وعدم إيقاعه على الحالف به.
٣ - لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور]، ووجه الاستدلال بها أنَّ الملاعن يقصد بهذا الشرط التصديق، ومع ذلك فهو موجب اللعنة، والغضب على تقدير الكذب.
٤ - أن هذا التعليق، وإن قصد به المنع، فالطلاق مقصودٌ به على تقدير الوقوع، ولذلك أقامه الزوج مانعًا له من وقوع الفعل، ولولا ذلك لما امتنع.
٥ - أن القول بوقوع الطلاق عند حصول الشرط المعلَّق عليه قول جماهير أهل العلم وأئمتهم، فهو قول الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وهو المشهور في مذاهبهم. قال تقي الدين السبكي في رسالته "الدرة المضيئة": وقد نقل إجماع الأئمة على ذلك أئمة، لا يرتاب في قولهم، ولا يتوقف في صحة نقلهم؛ فمن ذلك الإمام الشافعي ﵁ وناهيك به، وممن نقل الإجماع على هذه المسألة الإمام المجتهد أبو عبيد، وهو من أئمة الاجتهاد، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكذلك نقله أبو ثور، وهو من الأئمة أيضًا، وكذلك نقل الإجماع على وقوع الطلاق الإمام محمد بن جرير الطبري، وهو من أئمة الاجتهاد أصحاب المذاهب المتبوعة، وكذلك نقل الإجماع أبو بكر بن المنذر، ونقله أيضًا الإمام الرباني المشهور بالولاية والعلم محمد بن نصر المروزي، ونقله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابيه "التمهيد" و"الاستذكار"، وبسط القول فيه على وجه لم يُبْقِ لقائل مقالاً، ونقل الإجماع الإمام ابن رشد في كتاب "المقدمات" له، ونقله الإمام الباجي في "المنتقى".
إلى أن قال: وأمَّا الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأتباعهم: فلم يختلفوا في هذه المسألة، بل كلهم نصوا على وقوع الطلاق، وهذا مستقرٌّ بين الأمة، والإمام أحمد أكثرهم نصًّا عليها، فإنه نص على وقوع الطلاق، ونص على أنَّ يمين
стр. 2883
الطلاق والعتاق ليست من الأيمان التي تكفر، ولا تدخلها الكفارة. اهـ.
وقد أجاب من يرى خلاف ذلك عما ذكره السبكي ﵀ من الإجماع بأنه خاصٌّ فيما إذا قصد وقوع الطلاق بوقوع الشرط. وفي القواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: قال إسماعيل ابن سعيد الشالنجي: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يقول لابنه: إن كلمتك فامرأتي طالق، وعبدي حر؟ قال: لا يقوم هذا مقام اليمين، ويلزمه ذلك في الغضب والرضا. اهـ.
وقال أيضًا: وما وجدت أحدًا من العلماء المشاهير بلغه في هذه المسألة من العلم المأثور من الصحابة ما بلغ أحمد. فقال المروذي: قال أبوعبد الله: إذا قال: كل مملوك له حر، فيعتق عليه إذا حنث؛ لأنَّ الطلاق والعتق ليس فيه كفارة. اهـ.
أمَّا المشايخ عبد الله بن حميد، وعبد العزيز بن باز، وعبد الله خياط، وعبد الرزاق عفيفي، وإبراهيم بن محمد آل الشيخ، ومحمد بن جبير، وصالح بن لحيدان، فقد اختاروا القول باعتبار الطلاق المعلَّق على شرط -يقصد به الحث، أو المنع، أو تصديق خبر، أو تكذيبه، ولم يقصد إيقاع الطلاق- يمينًا مكفَّرة، ولهم في ذلك وجهة نظر مرفقة، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
стр. 2884
٩٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ إلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فقد ورد من حديث عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأبي قتادة.
أمَّا حديث عائشة: فرواه أبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن حبَّان، والحاكم، وأحمد، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ورجاله كلهم ثقات، احتجّ بهم مسلم برواية بعضهم عن بعض.
وحديث علي أصح من حديث عائشة، فحديثها طريقه واحد، وأمَّا حديث علي، فله أربع طرق، وهو صحيح.
وأمَّا حديث أبي قتادة: فأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وفي الباب: عن أبي هريرة، وثوبان، وابن عباس، وشدَّاد بن أوس، وغير واحد من الصحابة، لا تخلو أسانيدها من مقال.
وذكر له الحافظ ابن حجر طرقًا عديدة بألفاظ متقاربة، ثم قال: وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، وصحَّحه ابن خزيمة والسيوطي، وقال الزيلعي: هو قوي الإسناد.
стр. 2885
* مفردات الحديث:
- رُفِعَ: بالبناء للمجهول، يُقال؛ رفع يرفع رفعًا: خلاف خفض.
قال في المصباح: الرفع في الأجسام: حقيقة في الحركة والانتقال، وفي المعاني: محمول على ما يقتضيه المقام؛ ومنه قول ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة"، والقلم لم يوضع على الصغير، وإنَّما معناه: لا تكليف، فلا مؤاخذة.
- القلم: بفتحتين، هو ما يكتب به، والمراد هنا: القلم الذي بيد الملائكة الكتبة، والله أعلم بكيفيته.
- أو يفيق: من الإفاقة، يقال: أفاق المجنون إفاقة: رجع إليه عقله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأهلية: هي صلاحية الشخص، ومحليته للحقوق المشروعة، تثبت له أو عليه؛ فلابد من اعتبارها في التصرفات.
٢ - فإذا فقد الإنسان الأهلية، أصبح بفقدها عادمًا للحرية الاختيارية؛ إما بسبب النوم الذي أفقده الاستيقاظ لأداء واجباته، أو بسبب حداثة السن والصغر الذي هو معها فاقد للأهلية، أو بسبب الجنون الذي اضطربت معه وظائفه العقلية، ففقد التمييز والتصور الصحيحين، فانتفت عنه الأهلية بسبب من هذه الأسباب الثلاثة؛ فإن الله ﵎ بعدله، وحلمه، وكرمه، قد رفع عنه المؤاخذة، بما يصدر عنه من تعدٍّ، أو تقصير.
٣ - قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة]؛ فالتصرفات التي تصدر من الإنسان، وهو في حال فاقد الأهلية، وعادم حرية الاختيار، لا يترتب عليها حكم يؤاخذ به المتصرِّف.
٤ - من ذلك الطلاق، فطلاق النائم -الذي يهذي في نومه- غير معتبر، ولا نافذ.
ومثله المجنون الذي فقد أهليته، فصار يقول ما لا يميزه ولا يتصوره؛ فطلاقه غير نافذ، ولا معتبر.
стр. 2886
٥ - أمَّا المميِّز من الصبيان، فالتكاليف التي على البالغين أمرًا أو نهيًا، لم يكلَّف بها، وأمَّا الطلاق، فإن الصبي المميز يعلم أن زوجته تبين منه، وتحرم عليه إذا طلقها، فطلاقه معتبر نافذ؛ لأنَّه صدر من عاقل، فوقع طلاقه كطلاق البالغ، فهو ذو أهلية فيه.
***
стр. 2887
باب الرجعة
مقدمة
الرجعة: بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، مصدر رجع.
وهي لغة: المرة من الرجوع.
وشرعًا: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه، بغير عقد.
وهي ثابتة في الكتاب، والسنَّة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقال ﷺ لعمر بن الخطاب: "مُرْه فليراجعها".
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلَّق دون الثلاثة أن له الرجعة في العدة.
والرجعة لا تكون إلاَّ في طلاق رجعيٍّ، وهو الطلاق الذي وقع في نكاع صحيحٍ، ووقع بعد الدخول أو الخلوة، وصار بأقل من الثلاث، وقد خلي من العوض، ولا تزال الزوجة في العدة.
فإن اختل من هذه الشروط شيء فلا رجعة؛ لأنه:
إما أن تكون بينونة كبرى، وهو الطلاق الذي استكمل عدده.
وإما أن تكون بينونة صغرى، وهو الطلاق الذي لم يَخْلُ من واحد فأكثر من بقية الشروط المذكورة.
قال ابن القيم: إباحة الزوجة بالرجعة من أعظم النعم، فإن الزوج له أن يفارق زوجته، فإن تاقت نفسه إليها، وجد السبيل إلى ردَّها، فإذا طلَّقها الثالثة، لم يبق له سبيل إلاَّ بعد نكاح زوج ثان نكاح رغبة، والله المستعان.
стр. 2888
٩٤٢ - عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵁: "أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلاَ يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلاَقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث موقوف بسندٍ صحيح.
أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي.
قال ابن عبد الهادي: رواته ثقات مخرّج لهم في الصحيح، وصحَّحه الحافظ أيضًا.
...
стр. 2889
٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعُمَرَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - في الحديثين إثبات أصل مشروعية إرجاع الزوجة المطلقة إلى عصمة نكاح زوجها بالرجعة المعتبرة.
٢ - الرجعة لابد أن تكون في طلاقٍ رجعىَّ، أما الطلاق البائن بينونة كبرى أو صغرى، فلا تصح الرجعة فيه، وتقدم في "المقدمة" بيانه.
٣ - أن الرجعة لا يعتبر فيها رضا الزوجة، لعدم ذكرها هنا، ولقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: في العدة.
٤ - أن الرجعة حق من حقوق الزوج وحده كالطلاق، فليس للزوجة ولا لغيرها صفة فيه.
٥ - استحباب الإشهاد على الطلاق، ليحصل التوثيق، وقد أجمع العلماء على أن الطلاق جائز ونافذ، ولو لم يحصل عليه إشهاد.
٦ - مشروعية الإشهاد على الرجعة؛ وقد اختلف العلماء في حكم الإشهاد. فذهب الأئمة الثلاثة: إلى استحبابها وعدم اشتراطها.
وذهب الإمام الشافعي: إلى اشتراطها. وهو رواية عن أحمد، ولعل عمران بن حصين ممن يرى تحتم الإشهادة لقوله: "فليشهد الآن، ويستغفر الله".
٧ - قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]:
стр. 2890
جمهور العلماء يعطون المطلق الرجعة، ولو لم يرد الإصلاح برجعته، وأما شيخ الإسلام وبعض المحققين فقالوا: لا يمكن من الرجعة إلاَّ لمن أراد إصلاحًا وإمساكًا بمعروف، ومن قال: إن القرآن ملّك الإنسان ما حرَّمه عليه، فقد تناقض.
٨ - أما الحديث رقم (٩٤٣) فيدل على صحة الرجعة بدون إشهاد عليه؛ لأنه مطْلَقٌ، ولا يصح حمله على حديث موقوف.
٩ - لكن قوله: "غير سنة" تحتمل إرادة سنة النبي ﷺ مع قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، فإذا أمر بالشهادة على الطلاق، فالرجعة قرينته، والإشهاد أحوط في جميع العقود والفسوخ.
***
стр. 2891
باب الإيلاء
مقدِّمة
الإيلاء: بالمد مصدر آلى يُوْلِي إيلاء، والألِيّة وزن عطية: اليمين، وجمعها ألايا، بوزن خطايا.
والإيلاء لغة: الحلف.
وشرعًا: حلف زوج قادر على الوطء بالله تعالى أو صفة من صفاته، على ترك وطء زوجته في قُبُلِها، مدةً تزيد على أربعة أشهر.
وهو محرَّم؛ لأنه يمين على ترك أمرٍ واجبٍ عليه.
وهو ثابتٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
وأمَّا السنَّة: فقد آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا، والإيلاء المحرم أكثر من أربعة أشهر.
وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
وللإيلاء أربعة شروط:
أحدها: أن يحلف على ترك الوطء في القُبُل؛ فإن تركه بلا يمين، لم يكن موليًا.
الثاني: أن يحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، فإن حلف بنذرٍ، أو تحريمٍ، أو ظهارٍ، ونحو ذلك فليس بِمُولٍ.
стр. 2892
الثالث: أن يحلف على أكثر من أربعة أشهر، أو يعلقه على شرط يغلب على الظن ألا يوجد في أقل منها، وإلاَّ فليس بمول.
الرابع: أن يكون الإيلاء من زوج يمكنه الوطء، فلا يصح من صبي غير مميز، ولا من عاجز عن الوطء بنحو جَبّ.
***
стр. 2893
٩٤٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ منْ نِسَائِه وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَلالَ حَرَامًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث: الصواب فيه أنه مرسل عن الشعبي عن النبي ﷺ .
قال الترمذي: "حديث مسلمة بن علقمة عن داود، رواه علي بن مسهر وغيره، عن داود، عن الشعبي، عن النبي ﷺ مرسلاً، وليس فيه: عن مسروق، عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة".
* مفردات الحديث:
- آلى من نسائه: آلى يؤلى، والألية اليمين، والجمع ألايا، كعطية وعطايا، وإنما عدي بكلمة "من"، وهو لا يعدى إلاَّ بكلمة "على"؛ لأنه ضمن فيه معنى البعد، ويجوز أن تكون "من" للتعليل.
قال العيني: ومعنى إيلائه ﷺ من نسائه: أنه حلف ألاَّ يدخل عليهن شهرًا، وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء، وهو الحلف على ترك جماع امرأته أربعة أشهر أو أكثر.
...
стр. 2894
٩٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وُقِّفَ المُولِي حَتَى يُطَلِّقَ، وَلاَ يقعُ الطَّلاَقُ حَتَى يُطَلِّقَ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- وُقِّف: وقَّف وأوقف لغتان، والفصيح: وقَّف بدون ألف، وللتوقيف معانٍ كثيرة، والمراد هنا: منع القاضي المولي عن التمادي في إيلائه؛ فإما أن يطأ، وإما أن يطلق.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - جاء في الصحيحين من حديث عائشة: "أن النبى ﷺ آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين".
واختلف العلماء في سبب إيلائه، والذي في صحيح مسلم عن جابر أنه بسبب طلبهن منه النفقة.
٢ - والنبي ﷺ أحلم الناس، وأوسعهم خلقًا، وأحسنهم عشرة لأهله؛ ولذا فإنه لم يؤل منهن إلاَّ لتأديبهن، ليكنّ أكمل النساء استقامة وخلقًا، فالصغيرة من الفاضل كبيرة.
٣ - إيلاء النبي ﷺ من الإيلاء المباح؛ لأنه لم يؤل إلاَّ شهرًا.
٤ - إذا آلى الرجل من زوجته أربعة أشهر، فعليها أن تصبر هذه المدة، وليس لها مطالبته بالفيئة.
فإذا مضت الأربعة الأشهر، فلها عند انقضائها مطالبته بالفيئة، فإن فاء
стр. 2895
بالوطء فذاك، وإن لم يَفِىءْ، أجبره الحاكم بطلب الزوجة على الوطء أو الطلاق.
٥ - في الحديث جواز الإيلاء من الزوجتين فأكثر بإيلاء واحد؛ فإنه لم يَرِدْ أن النبي ﷺ كرره على نسائه.
٦ - وفيه أن ترك جِماعه وهجره إياها في المضجع المدة المباحة جائز؛ لتأديبها وزجرها.
٧ - إذا فاء المولي قبل أربعة أشهر إذا حلفها، فعليه الكفارة؛ عملاً بحديث: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت التي هي خير، وليكفّر عن يمينه"، وأما إذا لم يفىء إلاَّ بعد الأربعة، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يحنث بيمينه.
٨ - وفي الحديث جواز الإيلاء لغرض صحيح؛ لأننا نعلم يقينًا أن النبي ﷺ لم يؤل إلاَّ لغرض صحيح؛ من ذلك تأديب الزوجة وتربيتها؛ فإن الإيلاء من أعظم العقوبات على الزوجة، وكل عاصٍ يؤدَّب بما يردعه.
٩ - مدة إيلاء النبي ﷺ هنا مطلقة، ولكن بينها الحديث الذي في الصحيحين من أنه آلى شهرًا.
١٠ - وفي جعله الحلال حرامًا ما يعني أن جماع الرجل زوجته حلال، فحرّمه على نفسه بيمينه، وهو تحريم معتبر شرعًا؛ فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
١١ - قوله: "جعل لليمين كفارة" يعني أن إيلاءه بتحريم زوجته يمين، ولكن الكفارة تجعل هذا اليمين المحرم حلالًا، قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
١٢ - الكفارة هي تخيير الحالف المكفِّر بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، قال تعالى: ﴿وَلَكِن
стр. 2896
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
١٣ - ويدل حديث (٩٤٥) على أن مدة الإيلاء المباح هي أربعة أشهر، وأن ما زاد عليها، فغير مأذون فيه، وإنما يجب على المولي أن يفيء أو يطلق.
١٤ - ويدل أيضًا على أن الطلاق أو انفساخ النكاح، لا يكون بمجرد مضي أربعة أشهر قبل الفيئة، وإنما النكاح باقٍ، ولا يقع الطلاق حتى يطلق الزوج، ولو بإجباره من الحاكم؛ لأن هذا إكراهٌ بحقٍّ.
***
стр. 2897
٩٤٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: "أدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَقِفُونَ المُؤلِي" رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه الشافعي فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار ... فذكره.
وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في مسائل ابنه عنه، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
* مفردات الحديث:
- بضعة عشر: البضعة بكسر الباء، ما بين الثلاث إلى التسع.
يقفون: أي: يحدِّدون له مدة الإيلاء المباحة أربعة أشهر.
...
стр. 2898
٩٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ إيلاَءُ الجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِإِيلاَءً" أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الشوكاني في تفسيره: أخرجه سعيد بن منصور، وعَبْد بن حُمَيد، والطبراني، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: "كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر"، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- فَوَقَّت الله: من التوقيت، أي: حدَّد الله وقته.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - المؤلي يمهل أربعة أشهر، فلا تطلبه زوجته بالفيئة، وعند انقضاء مدة الأربعة الأشهر، فلها مطالبته بالفيئة، فإذا طالبته، أمره الحاكم بالوطء، فإن امتنع بلا عذرٍ يمنع الوطء، أجبره الحاكم على الطلاق، فإن لم يطلق، طلَّق عليه الحاكم.
٢ - إن كان هناك عذرٌ من الوطء في الزوج أو الزوجة، أمره الحاكم أن يفيء بلسانه، بأن يقول: متى قدرت على الوطء، وطئت.
٣ - أما الحديث رقم (٩٤٧) فيدل على سماحة هذه الشريعة وعدالتها، وتهذيبها
стр. 2899
العادات الجاهلية، إن كانت قابلة للتهذيب، أو إبطالها إن كان مفسدة محضة.
٤ - الإيلاء فيه تأديب للنساء العاصيات الناشزات على أزواجهن؛ فأبيح منه بقدر الحاجة وهو أربعة أشهر، أما ما زاد على ذلك، فإنه ظلمٌ وجَوْر، وربَّمَا حمل المرأة على ارتكاب المعصية، إن لم يَحْمِل الزوجين كليهما؛ فألغته الشريعة الإسلامية.
٥ - الجاهليون فيهم قسوة وظلم على الضعيف منهم، من امرأة أو بنت؛ فكان من قسوتهم إيلاؤهم السنة والسنتين، يحلفون أن لا يجامعوا المرأة فيها، وهذا ظلمٌ كبيرٌ، وجورٌ عظيمٌ، ربما يجُزُّ إلى المفاسد، ويدعو إلى الفراق والشقاق؛ فأبطله الإسلام، وأبقى منه ما تدعو الحاجة إليه، وهو توقيته بأربعة أشهر؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦].
٦ - معنى قوله: "يقفون المؤلي" أي: يحدِّدون له مدة الإيلاء المباحة أربعة أشهر، فإذا مضت، أوقفوه عند هذا الحد، إما أن يفيء، وإما أن يطلق، ولا يضار الزوجة بترك الجماع، فمن ضارَّ، ضارَّه الله.
٧ - قوله: "فإن كان أقل من أربعة أشهر، فليس بإيلاء" مع ما سبق عن عائشة أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا، فمراده: ليس بإيلاء محرَّم.
فالإيلاء: هو الحلف على ترك وطء الزوجة، فإنْ كان أقل من أربعة أشهر، فهذا إيلاءٌ مباحٌ، وليس بالإيلاء الَّذي تجري فيه أحكامه: من المطالبة، والترافع إلى الحاكم، وإجبار الزوج على الفيئة أو الطلاق
***
стр. 2900
باب الظِّهار
مقدِّمة
الظِّهَار: مشتقٌّ من الظَّهْر، سمِّي بذلك؛ لتشبيه الزوج المظاهر زوجته بظهر أمه، وإنما خص الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب من البعير وغيره.
والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، أراد: ركوبك للنكاح حرام علىَّ، كركوب أمي للنكاح.
وهو محرمٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
وأمَّا السنَّة: فبحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة، وحديث سلمة بن صخر.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريمه.
والقول المنكر والزور من أكبر الكبائر؛ إذ معناه أن الزوجة مثل الأم في التحريم، والله تعالى يقول: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢].
ونزل في أحكام الظهار الآيات الأُوَل من سورة المجادلة، وذلك حينما ظَاهَرَ أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة الأنصارية.
***
стр. 2901
٩٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، تُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: فَلاَ تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ" رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.
وَرَوَاهُ البَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فِيهِ: "كَفِّرْ، وَلاَ تَعُدْ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في التلخيص: رواه أبو داود، والنسائي، ورجاله ثقات، لكن أعلَّه أبو حاتم، والنسائي بالإرسال، قال ابن حزم: رواته ثقات، ولا يضره إرسالُ من أرسله، وفي الباب: عن سلمة بن صخر عند الترمذي، وقال: حسن غريب، وقد صحَّحه الحاكم، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقد حسَّنه الحافظ في الفتح، وقال: رجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- وقع: يقال: وقع على امرأته يقع وقوعًا: جامعها.
- ما أمرك الله: من الكفارة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أن الظهار معناه تحريم وطء الزوجة؛ وذلك بتشبيهها بمن يحرم عليه
стр. 2902
وطؤه من محارمه، حتى الذكور منهم، ومن غيرهم.
٢ - إذا ظاهر، حَرُم عليه وطء الزوجة المظاهَرِ منها، حتى يكفِّر عن ظهاره، وذلك بإجماع العلماء.
٣ - روى أهل السنن، عن ابن عباس؛ أن رجلاً قال: "يارسول الله! إني ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أكفِّر، فقال: ما حَمَلك على ذلك، رحمك الله؟! لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " يعني: ما أمرك به من الكفارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، قال الإمام أحمد: هو أنه يريد أن يعود إلى الجماع الذي حرَّمه على نفسه، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] يعني فعليهم تحرير رقبة قبل جماع المرأة المظاهَرِ منها.
٤ - في الرواية الأخرى: أن النبي ﷺ قال لهذا الرجل المجامع بعد الظهار، وقبل التكفير، قال له: "كفِّر، ولا تعد".
٥ - النص ورد في صيغة الظهار أنه تشبيه الزوجة بالأم، والباقي أُلحق به بالقياس، وملاحظة المعنى.
٦ - يحرم وطء المرأة المظاهَر منها قبل التكفير، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].
٧ - لو وطىء أثناء التكفير بالإعتاق، أو الإطعام، حرُم ذلك، ولكن لا يقطع وطؤه الكفارتين المذكورتين، فيبني ما قبل الوطء على ما بعده.
أما لو وطىء أثناء كفارته بالصيام، فإنه -مع التحريم- ينقطع التتابع، إلاَّ أن يتخلَّله عذر يبيح الفطر، أو ما يجب فطره من الأيام، أو يتخلله شهر رمضان، فإنه لا ينقطع التتابع؛ لأنه فطر لسبب لا يتعلق باختيار المكفِّر.
стр. 2903
٩٤٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرِ ﵁ قَالَ: "دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي شَيْءٌ مِنْهَا لَيْلَةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : حَرِّرْ رَقَبهًّ، فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلاَّ رَقَبتَي، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إلاَّ مِنَ الصِّيَامِ؟! قالَ: أَطْعِمْ فَرَقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّيْنَ مِسْكِينًا" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ إلاَّ النَّسائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجَارُودِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح بغيره.
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وابن خزيمة، وابن الجارود، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو ابن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ويعكّر صحته عنعنة محمد بن إسحاق.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال البخاري: سليمان لم يسمع من سلمة بن صخر، ولكن الحديث صحيح بطرقه وشاهده.
وقد حسَّن الحافظ إسناده في الفتح (٩/ ٤٣٣).
стр. 2904
* مفردات الحديث:
- أُصيب امرأتي: يُقال: أصاب من المرأة قبلها، وجامعها، وهي من الكناية، أي: قضى حاجته منها.
- انكشف لي شيء: ظهر لي شيء من زينتها ما يدعوني إلى جماعها، وقد جاء في رواية أبي داود والترمذي: قال: "رأيت خلخالها فى ضوء القمر".
- وَقَع عليها؛ جامع زوجته.
- حرِّر رقبة: يُقال: حرره يحرره تحريرًا: خلَّصه من الرق إلى الحرية، والمعنى: أعتِق رقبة وخلِّصها من الرق، يكون كفارة لفعلتك، والمراد إعتاقه كله، ولكن خصت الرقبة؛ لأنها موضع الغلِّ الذي شبّه به الرق.
- فَرَقًا: بفتحتين جمعه فرقان، قال في المصباح: الفَرَق: مكيال يسع ستة عشر رطلاً، أي: ثلاثة آصع بالصاع النبوي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الظهار حرام، وهذا الرجل الذي ظاهر: إما أن يكون لم يبلغه التحريم، أو أنه يرى أن الوطء في رمضان أشد حرمةً من الظهار؛ فحصَّن نفسه بالظهار عن الجماع.
٢ - القصد أنه ظاهر ثم جامع، فوقع في ذنبين عظيمين؛ فجاء إلى النبي ﷺ ؛ ليجد عنده حل مشكلته.
٣ - الرجل جاء نادمًا تائبًا خائفًاة لذا لم يعنِّفْه النبي ﷺ ، وإنما أفتاه بما يكفِّر خطيئته، فأمره بالكفارة عن جماعه في حال ظهاره، وكانت كفارة الظهار مرتبة وجوبًا كما يلي:
أولاً: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها، أو لم يجد ثمنها.
ثانيًا: صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.
ثالثًا: أطعم ستين مسكينًا مدّبُر، أو نصف صاع من غيره.
стр. 2905
٤ - فهذه مراتب كفارة الوطء في الظهار، والوطء في نهار رمضان، أولها الرقبة، فإن لم يجد: صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، أطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين مدّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غير البر، من أوسط ما تطعمون أهليكم.
٥ - وفي الحديث: أن الاجتهاد في المسائل العلمية بلا علم، قد يوقع صاحبه في أخطاء كبيرة، فلا يجتهد طالب العلم حتى يكون عنده آلة الاجتهاد وعُدَّتُهُ؛ من التوسّع في العلوم الشرعية، والعلوم العربية.
٦ - البعد عما يثير الغرائز من مناظر مثيرة، أو مجالس ماجنة، أو أمكنة موبوءة بالفساد والمغريات، التي تهيج صاحبها إلى ارتكاب الخطيئة، والوقوع في الفاحشة.
٧ - فيه تحصين الشارع المسلمين عن المعاصي بفرض هذه العقوبات التي تمنعهم من الوقوع في المعاصي، وتحصين محارمه بهذا السياج، من الغرامات التي تصونها عن الانتهاك.
٨ - وفيه رحمة الله تعالى بعباده المسلمين؛ حيث هيَّأ لهم هذه الكفارات التي تمحو ذنوبهم، وتزيل خطاياهم التي ارتكبوها.
٩ - وفيه تشوُّف الشارع إلى عتق الرقاب، وتحرير العبيد؛ فإنه جعل عتق الرقبة كفارة لكثير من الذنوب والمعاصي.
١٠ - وفيه تشوُّف الشارع الحكيم إلى إطعام الفقراء والمساكين، حينما جعل إطعامهم وكسوتهم كفَّارةً للذنوب، وماحية للآثام.
***
стр. 2906
باب اللعان
مقدِّمة
اللعان: مشتقٌّ من اللَّعن، وهو الطرد والإبعاد.
فسمِّي "اللعان" بهذا الاسم: إما مراعاة للألفاظ، لأنَّ الرجل يلعن نفسه في الخامسة من الشهادات على صدق دعواه، واشتق من دعاء الرجل باللعن، لا من دعاء المرأة بالغضب؛ لتقدم اللعن على الغضب في الآيات.
وإما مراعاة للمعنى، وهو الطرد والإبعاد؛ لأنَّ الزوجين يفترقان بعد تمامه فرقة مؤبدة، لا اجتماع بعدها.
تعريفه شرعًا: أنه شهادات مؤكَّدات بأيمان من الزوجين، مقرونة بلعن، أو غضب.
والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع:
فأمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات [النور: ٦].
وأمَّا السنة: فمثل حديث الباب، وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
حِكمته التشريعية:
الأصل أنه من قذف محصنًا بالزنى قذفًا صريحًا، فعليه إقامة البينة، وهي
стр. 2907
أربعة شهود، فإن لم يات بهؤلاء الشهود، فعليه حد القذف ثمانون جلدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
واستثنى من هذا العموم إذا قذف الرجل زوجته بالزنى، فعليه إقامة البينة "أربعة شهود" على دعواه.
فإن لم يكن لديه أربعة شهود، فيدرأ عنه حد القذف: أن يحلف أربع مرات: إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، وفي الخامسة: يلعن نفسه إن كان من الكاذبين؛ وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجه، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأنَّ هذا عارٌ عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته.
ولا يُقْدِمُ على قذف زوجته إلاَّ من تحقَّق؛ لأنَّه لن يقدم على هذا إلاَّ بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إنَّ العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويًا لصحة دعواه.
***
النكول.
- عذاب الآخرة: عذاب النار جزاء فعل الفاحشة.
- ثَنَّى بالمرأة: جعلها الثانية في ترتيب اللعان، حيثما الأول هو الزوج.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيان حكم اللعان وصفته، وهو أن يقذف الرجل زوجته بالزنى، ولا يقيم البينة، فعليه الحد، إلاَّ أن يشهد على نفسه أربع مرات: إنه لمن الصادقين في دعواه، وفي الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإن نكلت الزوجة، أقيم عليها عذاب الدنيا، وإن شهدت بالله أربع مرات: إنه لمن الكاذبين في رميها بهذه الفاحشة، وفي الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين -درأت عنها عذاب الدنيا.
وقد اختلف العلماء فيما يترتب على نكولها:
فمذهب الإمامين مالك والشافعي: أنها تحد، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: وهو ظاهر الآية.
أمَّا المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنها لا تحد بمجرد النكول، وإنما تحبس حتى تقر بالزنى أربع مرات، أو تلاعِن.
٢ - إذا تمَّ اللعان بينهما بشروطه، فرق بينهما فراقًا مؤبدًا، لا تحل له، ولو بعد أزواج.
٣ - على الحاكم أن يعظ كل واحد من الزوجين عند إرادة اليمين؛ لعله يرجع إن كان كاذبًا، وكذلك بعد تمام اللعان تعرض عليهما التوبة؛ ليتوب فيما بينه وبين الله تعالى.
٤ - خالف هذا الباب غيره من أبواب الفقه بمسائل:
منها: أنه لابد أن يقرن مع اليمين لفظ "الشهادة"، وفي الخامسة الدعاء
стр. 2910
على نفسه باللعنة من الزوج، ومن الزوجة: الدعاء على نفسها في الخامسة بالغضب.
ومنها: تكرير الأيمان.
ومنها: أن الأصل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهنا طلبت الأيمان من المدعي والمنكِر.
٥ - البداءة بالرجل في التحليف؛ كما هو ترتيب الآيات.
٦ - الزوج لا يرجع بشيء من صَداقه بعد الدخول، ولو كانت الفرقة من لعان.
٧ - اللعان خاص بين الزوجين، أمَّا غيرهما فيجري فيه حكم القذف المعروف.
٨ - كراهة المسائل التي لم تقع، والبحث عنها، لاسيَّما ما فيه أمارة الفاحشة.
٩ - قال العلماء: اختصت المرأة بلفظ "الغضب"؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق مَن ليس مِن الزوج به، وذلك أمرٌ عظيمٌ، يترتَّب عليه مفاسد كثيرة؛ كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث، واستحقاق الأموال بالتوارث، فلا جرم أنْ خصت بلفظ الغضب، الذي هو أشد من اللعنة.
١٠ - وفي الحديث استحباب الإعراض عن الأسئلة التي لم تقع، وإنما يتصور وقوعها تصورًا، لاسيَّما إذا كانت في أمور مستكرهة.
١١ - وفيه جواز الحلف على المسائل التي يراد تأكيدها، ولو لم يُستحلف المخبر.
١٢ - وفيه أن الإنسان لا يقذف متهمًا بمجرد الأمارة والعلامة، حتى يتحقق من وقوع الأمر.
١٣ - وفيه أن التعريض بالمتهم بالفاحشة ليس قذفًا حتى يصرُّحَ بالقذف.
١٤ - وفيه بيان صفة نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ، وأنه ينزل عند المناسبات، والوقائع، والأسئلة؛ ليكون ذلك أبلغ في وعيها وفهمها،