← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

باب اللعان مقدِّمة اللعان: مشتقٌّ من اللَّعن، وهو الطرد والإبعاد. فسمِّي "اللعان" بهذا الاسم: إما مراعاة للألفاظ، لأنَّ الرجل يلعن نفسه في الخامسة من الشهادات على صدق دعواه، واشتق من دعاء الرجل باللعن، لا من دعاء المرأة بالغضب؛ لتقدم اللعن على الغضب في الآيات. وإما مراعاة للمعنى، وهو الطرد والإبعاد؛ لأنَّ الزوجين يفترقان بعد تمامه فرقة مؤبدة، لا اجتماع بعدها. تعريفه شرعًا: أنه شهادات مؤكَّدات بأيمان من الزوجين، مقرونة بلعن، أو غضب. والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع: فأمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات [النور: ٦]. وأمَّا السنة: فمثل حديث الباب، وقد أجمع عليه العلماء في الجملة. حِكمته التشريعية: الأصل أنه من قذف محصنًا بالزنى قذفًا صريحًا، فعليه إقامة البينة، وهي

стр. 2907

أربعة شهود، فإن لم يات بهؤلاء الشهود، فعليه حد القذف ثمانون جلدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. واستثنى من هذا العموم إذا قذف الرجل زوجته بالزنى، فعليه إقامة البينة "أربعة شهود" على دعواه. فإن لم يكن لديه أربعة شهود، فيدرأ عنه حد القذف: أن يحلف أربع مرات: إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، وفي الخامسة: يلعن نفسه إن كان من الكاذبين؛ وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجه، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأنَّ هذا عارٌ عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته. ولا يُقْدِمُ على قذف زوجته إلاَّ من تحقَّق؛ لأنَّه لن يقدم على هذا إلاَّ بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إنَّ العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويًا لصحة دعواه. ***

стр. 2908

٩٥٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "سَأَلَ فُلاَنٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى مِثْل ذلِكَ! فَلَمْ يُجِبهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ، أَدَاهُ، فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ. فَتَلاَهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأخْبرَهُ أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَالَ: لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا كذلِكَ، قَالَتْ: لاَ، والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدأ بالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ، ثُمَّ ثَنَّى بالمَرْأةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أرأيت: الهمزة في أوله للاستفهام الإنكاري، والتاء مفتوحة للمخاطب، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى: أخبرني. - فاحشة: مؤنث الفاحش، كل قبيح وشنيع من قولٍ وفعلٍ، والمراد به هنا فاحشة الزنى، سميت فاحشة؛ لبلوغها الغاية في القبح والشناعة. - ابتُلِيت: البلاء المحنة تنزل بالمرء، فمعناه: امتُحِنْت بهذا الأمر. - عذاب الدنيا: حد القذف للرجل، والحبس للمرأة؛ حيث لا تحد بمجرد

стр. 2909

النكول. - عذاب الآخرة: عذاب النار جزاء فعل الفاحشة. - ثَنَّى بالمرأة: جعلها الثانية في ترتيب اللعان، حيثما الأول هو الزوج. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بيان حكم اللعان وصفته، وهو أن يقذف الرجل زوجته بالزنى، ولا يقيم البينة، فعليه الحد، إلاَّ أن يشهد على نفسه أربع مرات: إنه لمن الصادقين في دعواه، وفي الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فإن نكلت الزوجة، أقيم عليها عذاب الدنيا، وإن شهدت بالله أربع مرات: إنه لمن الكاذبين في رميها بهذه الفاحشة، وفي الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين -درأت عنها عذاب الدنيا. وقد اختلف العلماء فيما يترتب على نكولها: فمذهب الإمامين مالك والشافعي: أنها تحد، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: وهو ظاهر الآية. أمَّا المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنها لا تحد بمجرد النكول، وإنما تحبس حتى تقر بالزنى أربع مرات، أو تلاعِن. ٢ - إذا تمَّ اللعان بينهما بشروطه، فرق بينهما فراقًا مؤبدًا، لا تحل له، ولو بعد أزواج. ٣ - على الحاكم أن يعظ كل واحد من الزوجين عند إرادة اليمين؛ لعله يرجع إن كان كاذبًا، وكذلك بعد تمام اللعان تعرض عليهما التوبة؛ ليتوب فيما بينه وبين الله تعالى. ٤ - خالف هذا الباب غيره من أبواب الفقه بمسائل: منها: أنه لابد أن يقرن مع اليمين لفظ "الشهادة"، وفي الخامسة الدعاء

стр. 2910

على نفسه باللعنة من الزوج، ومن الزوجة: الدعاء على نفسها في الخامسة بالغضب. ومنها: تكرير الأيمان. ومنها: أن الأصل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، وهنا طلبت الأيمان من المدعي والمنكِر. ٥ - البداءة بالرجل في التحليف؛ كما هو ترتيب الآيات. ٦ - الزوج لا يرجع بشيء من صَداقه بعد الدخول، ولو كانت الفرقة من لعان. ٧ - اللعان خاص بين الزوجين، أمَّا غيرهما فيجري فيه حكم القذف المعروف. ٨ - كراهة المسائل التي لم تقع، والبحث عنها، لاسيَّما ما فيه أمارة الفاحشة. ٩ - قال العلماء: اختصت المرأة بلفظ "الغضب"؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق مَن ليس مِن الزوج به، وذلك أمرٌ عظيمٌ، يترتَّب عليه مفاسد كثيرة؛ كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث، واستحقاق الأموال بالتوارث، فلا جرم أنْ خصت بلفظ الغضب، الذي هو أشد من اللعنة. ١٠ - وفي الحديث استحباب الإعراض عن الأسئلة التي لم تقع، وإنما يتصور وقوعها تصورًا، لاسيَّما إذا كانت في أمور مستكرهة. ١١ - وفيه جواز الحلف على المسائل التي يراد تأكيدها، ولو لم يُستحلف المخبر. ١٢ - وفيه أن الإنسان لا يقذف متهمًا بمجرد الأمارة والعلامة، حتى يتحقق من وقوع الأمر. ١٣ - وفيه أن التعريض بالمتهم بالفاحشة ليس قذفًا حتى يصرُّحَ بالقذف. ١٤ - وفيه بيان صفة نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ، وأنه ينزل عند المناسبات، والوقائع، والأسئلة؛ ليكون ذلك أبلغ في وعيها وفهمها،

стр. 2911

وأثبت لها في القلوب. ١٥ - وفيه بيان أن عذاب الله تعالى بالحدود، أو بالفقر، أو المرض، أو المصائب، مهما بلغت أهون من عذاب الآخرة، فَلْيَتَسَلَّ بهذا المُبْتَلَوْنَ، وليحتسبوا أجرهم عند الله. ١٦ - أن البينات على ثبوت الدعاوى تكون على حسب القضية، وأن القرائن القوية لها أثرٌ كبيرٌ في إثباتها أو نفيها، فهناك القذف لابد له من شهادة رجال، ولكن لما كان من المستبعد أن الزوج يقذف زوجته، ويلوِّث فراشه، وأنه إن فعل ذلك، فهو قرينة على صدقه، بإثبات ما ادعاه بهذه الشهادات المكرَّرة المؤكَّدة، وهي لا تُقبل في مثل هذه القضية على غير زوجته. ١٧ - وفيه أن الأحكام الشرعية تجري على ظاهرها، وإلاَّ فإنه من اليقين أن أحد الزوجين كاذب، ولكنه يدرأ عنهما الحد باللعان إذا تم؛ أخذًا بظاهر الحكم الشرعي. ***

стр. 2912

٩٥١ - وَعنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ: "حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كاذِبٌ، لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَالِي؟! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَانْ كنْتَ كاذِبًا عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - حسابكما: يُقال: حاسبه محاسبة وحسابًا: ناقشه الحساب وجازاه، فالحساب: الجزاء. - لا سبيل لك: السبيل: الطريق، والمراد هنا ليس لك عليها حجَّة ولا سلطان. - أبعد لك: بعد يبعد بعدًا، ضد قرب، فالأبعد ضد الأقرب، جمعه أباعد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ أحد الزوجين المتلاعنين صادقٌ، والثاني كاذبٌ؛ إذ لا يمكن الجمع بين صدقه في دعواه، وصدقها في نفيها دعواه. ٢ - أنَّ الأحكام الشرعية تبنى على ظاهر الأمر، وهي البيانات الشرعية، ولا يكلف الحاكمُ الشرعيُّ أكثر من هذا. فقد جاء في الصحيحين، من حديث أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أنْ يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع منه، فمَن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنَّما

стр. 2913

أقطع له قطعة من نار! ". ٣ - قوله للمتلاعنين: "حسابكما على الله" معناه: أنَّ الحكم بالظاهر، لا يعفي الكاذب منكما من العتاب والعقاب يوم القيامة؛ كما في الحديث: "فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئًا، فإنَّما أقطع له قطعة من نار! ". ٤ - قوله: "لا سبيل لك عليها" معناه: أنَّ اللعان إذا تمَّ بشروطه، حصلت بين الزوجين الفرقة المؤبدة، التي لا يُحلها ولو أنْ تنكح زوجًا بعده، وأنَّه بعد تمام اللعان، لا تسلُّط للزوج على زوجته الملاعنة، فلا يملك منها شيئًا. ٥ - أنَّ الزوج لا يرجع بشيءٍ من صداقه، فإنْ كان صادقًا، فالصداق استقر بدخوله بها، وبما استحلَّ من فرجها، وإنْ كان كاذبًا عليها، فذلك أبعد له منهاة لافترائه عليها، وبهتانه إيَّاها. ٦ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يعلم الغيب، وإنَّما يحكم على نحو ما يسمع من الخصوم؛ ففيه دليلٌ على أنَّ الغيب لله وحده، وفيه سعة للقضاة من أمته، من أنَّ وظيفتهم الاجتهاد في الدعوى، وطلب الحق، فإنْ أصابوا فلهم أجران، وإنْ أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ معفوٌّ عنه. ***

стр. 2914

٩٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبْطًا، فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - أَبْصِرُوها: بفتح همزة القطع، تأمَّلوها، وتعرَّفوا على ولدها، وتبيَّنوا خلقته. - جاءت به: الضمير المجرور يرجع إلى الولد، الذي كان حَمْلاً عند اللعان. - سَبْطًا: بفتح السين، وسكون الباء الموحدة، مَن شَعْرُهُ مسترسلٌ -وهو غير الجعد- وخِلقته تامَّة؛ كما قال الشاعر: فَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ الْعِظَام كَأَنَّمَا ... عِمَامَتُهُ فَوْقَ الرِّجَالِ لِوَاءُ - أكْحَل: بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وهو الذي كل منابت أجفانه سود، كأن فى عينيه كحلاً. - جَعْدًا: بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، في شعره التواءٌ وتقبُّض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هلال بن أُميَّة قَذَفَ زوجته بشريك بن سحماء، فأنكرته، فتلاعنا، وهي حامل، فلما تم اللعان قال ﷺ : أبصروا المرأة الملاعنة، وما تضع، فإن جاءت بالمولود أبيض، سَبْط الشعر، فهذه صفة زوجها، وأمَّا إن جاءت به أكحل العينين، جَعْد الشعر، فشبهه للذي رماها به شريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن".

стр. 2915

٢ - الحديث يدل على حقيقة انتقال الصفات الخلقية المنتقلة بالعوامل الوراثية، التي تكون سببًا في تشابه الذرية بأبويها، بواسطة عملية التناسل في النبات والحيوان، ومنه الإنسان. ٣ - ويدل الحديث على تقديم ظاهر الأحكام الشرعية على القرائن، التي لم يعّول عليها، إلاَّ إذا فقدت أصول الأحكام، التي تبنى عليها القضايا. ٤ - قوله ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" دليلٌ على أن الأحكام الماضية لا تُنْقَض، ما لم تكن مخالفة لنصٍّ من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. ٥ - الأفضل الورع إذا وجد شبهة تخالف الأصل في الحكم، الشرعي؛ ومن هذا: أنَّه اختصم سعد بن أبي وقاص، وعَبْد بن زَمْعة في ولَدٍ وُلِدَ على فراش أبيه، فادَّعاه سعد بن أبي وقَّاص أنه ولد لأخيه عتبة بن أبي وقَّاص، فقضى به النبي ﷺ لصاحب الفراش عبد بن زمعة؛ لأنَّه ولد على فراش أبيه زمعة، وقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "هو أخوك، يا عبد بن زمعة" من أجل أنه وُلِدَ على فراش أبيه، إلاَّ أن النبي ﷺ رأى في الصبي شبهًا قويًّا بعتبة بن أبي وقَّاص، فأمر زوجته سودة بنت زمعة أن تحتجب من هذا الصبي المدعى به. وقد جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت: "فما رآها حتى لقي الله تعالى". ٦ - فيه اعتبار أخبار القافة، واعتبار إلحاقهم، إلاَّ إذا عارضها أصل؛ فإن القرائن لا تقدم على الأصول الثوابت، ومن ذلك الفراش، فإن الشارع الحكيم جعله أصلًا لصاحبه، ويدًا قوية، يثبُتُ له كل ما ولد عليه، فلا يقدم عليه شبه، أو تصادف فصيلة دم، أو نحو ذلك من القرائن التى لها عدة احتمالات.

стр. 2916

٩٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: إنَّهَا مُوجِبَةٌ" رَواهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). ــ * درجه الحديث: الحديث سنده صحيح. أخرجه أبو داود، والنسائي، والبيهقي، والحميدي، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، وهذا سندٌ صحيحٌ؛ كما قال الألباني. وقال ابن عبد الهادي في المحرر: إسناده لا بأس به. * مفردات الحديث: - فِيه: أصله فَوَه؛ بدليل جمعه على أفواه، وهو: الفم من الإنسان والحيوان، قال في المصباح: وهو من غريب الألفاظ، التي لم يطابق مفردها جمعها، وإذا أُضيف إلى ياء المتكلم قيل: فيّ، وفمي، وإذا أُضيف إلى غيرها، أعرب بالحروف، فهو أحد الأسماء الخمسة التي تُجر بالياء، وتُنصب بالألف، وتُرفع بالواو، وهذا بشرط خلوه من الميم، وأمَّا معها، فيعرب بالحركات. - موجِبَة: أي: مثبتةٌ وملزمةٌ للفراق المؤبد في الدنيا، أو للعذاب الشديد في الآخرة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أحد المتلاعنين كاذب، ولكن لا يُعلم أيُّهما هو؟

стр. 2917

ولذا يستحب التعريض لهما، وتلقينهما عند الشهادة الخامسة النهائية بأن يرجع الكاذب منهما عن كذبه؛ لئلا يجمع المعصية التي ارتكبها، والكذب فيها الكذب المغلَّظ بالأيمان، وأمام شرع الله تعالى. ٢ - لذا حسن للحكم أن يأمر مَن يضع يده على فم الزوج عند اللعن، وعلى فم الزوجة عند الغضب؛ لينجو من عذاب الله تعالى، وأليم عقابه. فيقول واضع اليد: اتق الله؛ فإنَّ كلِمَتَك هذه هي الموجبة للفرقة في الدنيا، والعذاب في الآخرة إن كنت كاذبًا. ٣ - وفيه دليلٌ على أن أحكام اللعان بالفرقة المؤبدة، وسقوط الحد، وانتفاء الولد المذكور في اللعان، لا يكون إلاَّ بعد تمام اللعان بينهما. ٤ - وفي الحديث أن الشهادة الخامسة لكل من المتلاعنين هي التي بها يتم لعانه، وأنه قبلها له الرجوع، وتكذيب نفسه. ٥ - وفيه أن مجلس الحكم حتى في هذه القضايا السريعة يحضرها الناس، لاسيَّما من يحتاجهم الحاكم للكتابة، وحفظ الأمن، وغير ذلك. ****

стр. 2918

٩٥٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ المُتَلاَعِنَيْنِ، قَالَ: "فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلاَعُنهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تَمام التلاعن سبب للفرقة المؤبدة بين الزوجين المتلاعنين، ولا يحتاج بعدها إلى طلاق، ولا إلى فسخ؛ فهذا مقتضى حكم اللعان. ٢ - في هذا الحديث أن الرجل الذي لاعن بين يدي النبي ﷺ ، قال مصدقًا نفسه ومؤكِّدًا قذفه: كذبتُ عليها -يارسول الله- إن أمسكتها، ثم طلَّق ثلاثًا، قبل أن يأمره النبي ﷺ بذلك. ٣ - قال فقهاؤنا: وتثبت الفرقة بين الزوجين بتمام اللعان بتحريم مؤبد، ولو لم يفرق الحاكم بينهما. وهو مذهب الجمهور، لأنَّ الفرقة تقع بنفس اللعان؛ لما في صحيح مسلم: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين"، وقوله: "لا سبيل لك عليها". ٤ - الطلاق الذي يوقعه الزوج الملاعن لاغٍ لا أثر له في ذلك، والرجل إنما أتى به من شدة الغضب، وتأكيدًا لصدق دعواه عليها، وقذفه إياها. ...

стр. 2919

٩٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لاَ تَرُدُّ يَدَ لاَمِسٍ؟ قَالَ: غَرِّبْهَا، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والبَزَّارُ، وَرِجَالَهُ ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ، قَالَ: "طَلِّقْهَا، قَالَ: لاَ أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: فأَمْسِكْهَا" (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال في التلخيص: اختلف في وصله وإرساله، قال النسائي: المرسل أولى بالصواب، وقال في الموصول: لم يثبت. لكن رواه هو وأبو داود من رواية عكرمة عن ابن عباس نحوه، وإسناده أصح، وأطلق عليه النووي الصحة، ونقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وليس له أصل. أمَّا المصنف فقال: رواه أبو داود، والبزَّار، ورجاله ثقات. وصحَّحه ابن حزم في المُحلَّى، وقال المنذري: رجال إسناده محتج بهم في الصحيحين. * مفردات الحديث: - لا تردّ يد لامس: المعنى: أنها ليست من اللاتي ينفرن، ويستوحشن من الرجال الأجانب، لا أنها تأتي الفاحشة؛ فهذا بعيد.

стр. 2920

- غَرِّبْها: بالغين المعجمة، والرَّاء، وباء موحدة، قال في النهاية: أي: أبعدها بالطلاق. - تَتْبَعَهَا نفسي: تتوق إليها نفسي، فلا أصبر عنها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - شكا رجل إلى النبي ﷺ حال زوجته بأنها سهلة الأخلاق، لا تنفر من الأجانب، ولا تحتشم أمامهم، إلاَّ أنها لا تأتي فاحشة، فأمره النبي ﷺ بطلاقها وإبعادها، عملاً بالحكمة النبوية: "دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك". ٢ - فكان الرجل يحب زوجته وراضٍ عنها، فخاف أن تتعلَّق بها نفسه، ولا يصبر عنها بعد أن يفارقها، وتفوت الفرصة من بقائها، فأمره النبي ﷺ بإمساكها، وإبقائها عنده. ٣ - فدل هذا على أن الواجب على المرأة هو التصوُّن، والتحفُّظ، والبعد عن الرجال الأجانب، وعدم الاختلاط بهم، والانبساط معهم؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ٤ - كما دلَّ الحديث على أن الواجب على الرجل المحافظة على أهله من زوجة، وبنت، وأخت، وقريبة، وأن يبعدهن عن الرجال، وعن مواطن الشبهة. ٥ - كما يدل الحديث على أنه لا يجوز للرجل أن يعاشر امرأة سهلة برزة، تخالط الرجال، وتتحبَّب إليهم، وترغب الجلوس معهم، والحديث إليهم، وإنما عليه نصحها ووعظها، فإن لم تستقم، فالأفضل فراقها. ٦ - أمَّا إذا تحقق من وقوع الفاحشة، أو التقصير بالواجبات من الطاعات، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، فيجب عليه فراقها، ولا يحل له إمساكها.

стр. 2921

٩٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسوْلَ اللهِ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ المُتَلاعِنَيْنِ: "أَيُّ امْرَاةٍ ادْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَمْ يُدْخِلْهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال ابن حجر: أخرجه الشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه، وصححه الدارقطني في العلل، مع اعترافه بتفرد عبد الله بن يونس به، عن سعيد المقبري. اهـ. وابن يونس وثقه ابن حبان، ومنهم من جعله مجهول الحال؛ ولذا قال ابن حجر في التقريب: مجهول الحال مقبول. ...

стр. 2922

٩٥٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "مَنْ أقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ" أخرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ (١). ــ * درجة الحديث: إسناده حسن إلى عمر، وضعَّفه الألباني. قال في التلخيص: الحديث موقوف، رواه البيهقي من رواية مجالد عن الشعبي، عن شريح، عن عمر. ومن طريق وبيصة بن ذؤيب أنه كان يحدِّث عن عمر: أنه قضى في رجل أنكر ولدًا من المرأة، وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولدت أنكره، فأمر به عمر، فجلد ثمانين جلدة؛ لفِرْيته عليها، ثم أَلحق به الولد. وإسناده حسن. * مفردات الحديث: - طَرْفَةَ عين: بفتح الطاء، وسكون الراء، المراد: تحريك الجفن، مبالغةً في تقليل المدة. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الشارع الحكيم له تشوُّف إلى حفظ الأنساب، وإلحاق الفروع بالأصول قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]؛ ولذا جاء في الحديث: "لعن الله من انتسب إلى غير أبيه". ٢ - فالويل العظيم، والعقاب الأليم لامرأة خانت، ومكَّنت رجلاً أجنبيًّا من نفسها، فحملت منه، فنسبت هذا الولد إلى زوجها وإلى أسرته، وأصبح

стр. 2923

كأنه منهم، وهو ليس منهم. ٣ - هذه المرأة يلحقها من وعيد الله تعالى أن الله بريء منها، فليست منه في شيء، وأنَّ الله يحرمها جنته. ٤ - هذا الولد الدعيّ ليس من الأسرة، ولا من أهل البيت، ومع هذا سيكون له من الحقوق، وعليه من الواجبات ما لأهل هذا البيت زورًا وبهتانًا، سينفق عليه، وسيرث، وسيورث، وسينظر إلى عورات هذا البيت، وسيدخل ذرية منه عليهم، وسيكون هو وذريته لعنة دائمة في البيت وأهله، كل هذا بسبب هذه المرأة الفاجرة الباهتة. ٥ - كما يلحق الغضب والعذاب مَن علم أن الولد ولده، ولكنه نفاه وتبرأ منه، فقطع نسب هذا الولد، فأصبح مشرَّدًا، بلا نسب ولا أهل، وأصبح مكروهًا مشوَّهًا، وأصبح مفتضحًا خجلاً أمام الناس. لذا كان الجزاء من جنس العمل؛ فإن الله تعالى يفضحه يوم القيامة على رؤوس الخلائق من الأولين والآخرين، فينادي عليه بجريمته، ويفضحه بسبب كذبه وبهتانه، وتخليه عن الواجبات التي عليه، نحو هذا الولد المشرد. ٦ - إذا أقر الإنسان بالولد ولو لحظة وأحدة، ثبت نسبه إليه، ولا يمكنه نفيه أبدًا، قال في الإقناع: وَمِنْ شرط نفي الولد أن ينفيه حال علمه بولادته من غير تأخير، فإن أخَّره بعد هذا، لم يكن له نفيه بعد سكوته عليه؛ لأنَّه رجوع عن إقراره في حق آدمي، والرجوع في مثل هذا لا يقبل، وهذا مطابق لمعنى الحديث رقم (٩٥٧)، والله أعلم. ***

стр. 2924

٩٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ؟! قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا ألْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى ذلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "وَهُوَ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الانْتِفَاءِ مِنْهُ" (١). ــ * مفردات الحديث: - حُمْر: بضمِّ، فسكونٍ، جمع أحمر. - أَوْرَق: بفتح الهمزة، وسكون الواو، هو الذي فيه سواد، وليس بخالص، وِمنه قيل للحمامة: ورقاء. - نزَعَه عِرْق: نزعه: جذبه إليه، فأصل النزع: الجذب. - عِرْق: بكسر العين، وسكون الراء، آخره قاف، هو الأصل من النسب، شَبَّهه بعرق الشجرة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وُلِدَ لرجل من قبيلة فزارة غلامٌ، خالف لونه لون أبيه وأمه، صار في نفس أبيه شكٌّ منه، فذهب إلى النبي ﷺ مُعَرِّضًا بقذف زوجته، وأخبره بأنه وُلد له غلام أسود، ففهم النبي ﷺ مراده من تعريضه، فأراد ﷺ أن يقنعه، ويزيل

стр. 2925

وساوسه، فضرب له مثلًا مما يعرف ويألف؛ فقال: هل لك إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل يكون فيها من أورق، مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لَوُرِقًا. فقال: فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟ قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق، وأصل من آبائه وأجداده، فقال: فابنك كذلك، عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود، فجذبه في لونه، فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من خواطر. ٢ - أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، فلا يوجب العدة وبه قال الجمهور؛ كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء مستفتيًا، ولم يقصد مجرد العيب والقدح. ٣ - أن الولد يلحق بأبويه، ولو خالف لونه لونهما. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المخالفة في اللون بين الأب والابن بالبياض والسواد لا تبيح الانتفاء. ٤ - الاحتياط للأنساب، وأن مجرد الاحتمال والظن لا ينفي الولد من أبيه، فإن الولد للفراش، والشارع حريص على إلحاق الأنساب، ووصلها. ٥ - فيه ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعلوم؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وهذا الحديث من أدلة القياس في الشرع. قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه، وقال ابن العربي: فيه دليلٌ على صحة الاعتبار بالنظير. ٦ - فيه حسن تعليم النبي ﷺ ، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون؛ فهذا أعرابي يعرف الإبل وضرابها وأنسابها، أزال عنه هذه الخواطر بهذا المثل، الذي يدركه فهمه وعقله، فراح قانعًا مطمئنًّا. فهذا من الحكمة التي قال الله تعالى عنها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، فكلٌّ يُخاطَب على قدر فهمه وعلمه.

стр. 2926

٧ - وفيه أن القرائن معتبرة إذا كان لا يقاومها ما هو أقوى منهاة فإن النبي ﷺ اعتبر تهمته لزوجته بهذه القرينة أن لها محملاً قائمًا. ولكن لما كانت معارضة لأصل، وهو الفراش، ردَّها بقرينة مثلها، وحافظ على أصل النسب. ٨ - وفيه إعجاز علمي في السنة المطهرة، فعلم الوراثات، وانتقال الصفات الخَلْقية والخُلُقية من الأُصول إلى الفروع، أصبح حقيقة من حقائق علم الوراثة. ***

стр. 2927

باب العِدَّة مقدِّمة العِدَّة: بكسر العين المهملة، وتشديد الدال، مأخوذة من "العَدَد" بفتح الدَّال؛ لأنَّ أزمنة العِدَّة محصورة. وَهِيَ تَرَبُّصُ المرأةِ المحدَّدُ شرعًا عن التزويج بعد فراق زوجها. والأصل فيه الكتاب، والسنَّة، والإجماع: فأمَّا الكتاب: فمثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وغيرها. وأمَّا السنة: فكثيرةٌ جدًا، منها: أمره ﷺ فاطمة بنت قيس أنْ تعتد في بيت أم شريك، وغيره من الأحاديث في الباب. وأجمع العلماء عليها استنادًا إلى نصوص الكتاب والسنة. وقد جعل الله ﵎ هذه العِدَّة تتربَّص فيها المفارقة؛ لحِكَمٍ وأسرار عظيمة، وهذه الحِكم تختلف باختلاف حال المفارقة: فمنها: العلم ببراءة الرحم؛ لئلا يجتمع ماء الواطئَيْن في رحم، وتختلط الأنساب، وفي اختلاطها الشر والفساد. ومنها: تعظيم عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها: تطويل زمن الرجعة للمطلِّق؛ إذ لعلَّه يندم فيكون عنده زمن

стр. 2928

يتمكن فيه من الرجعة، وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية، وأشار إليها القرآن الكريم: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطَّلاق]. ومنها: قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفَّى عنها. ولها حِكَم كثيرة لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله، بامتثال أمره؛ فلمجرَّدِ اتباعِ، أوامره سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق. ***

стр. 2929

٩٥٩ - عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ "أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بلَيَالٍ، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي لَفْظٍ: "أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً" (١). وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: "وَلاَ أَرَي بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أنَّهُ لاَ يَقْرُبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ" (٢). ــ * مفردات الحديث: - سُبَيْعَة: بضم السِّين المهملة، فباء موحدة، تصغير سبع، وتاء تأنيث، بنت الحارث الأسلمية. - نُفِسَت: بضم النون، وكسر الفاء، أي: وضعت حملها، فهي نفساء. قال في شرح مسلم: المشهور في اللغة: أنَّ "نَفِست" بفتح النون وكسر الفاء، معناه: حاضت، وأمَّا في الولادة فيقال: "نُفِست" بضم النون. - زوجها: هو سعد بن خولة (نسب إلى أمه) العامري، توفي بمكة عام حجة الوداع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تُوفي سعد بن خولة عن زوجته سبيعة الأسلمية، وهي حامل، فلم تمكث

стр. 2930

طويلاً حتى وضعت حملها. فلما طهرت من نفاسها -وكانت عالمة أنَّها بوضع حملها قد خرجت من عدتها، وحلّت للأزواج- تجمَّلت، فدخل عليها أبو السنابل وهي متجمِّلة، فعرف أنَّها متهيئة للخُطَّاب، فأقسم -على غلبة ظنه- أنَّه لا يحل لها النكاح حتى يمر عليها أربعة أشهر وعشرٌ؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكانت متيقنة من صحة ما عندها من العلم، والدَّاخل أكَّد الحكم بالقسم. فأتت النَّبي ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاها بحِلِّها للأزواج حين وضعت الحمل، فإنْ أحبَّت الزواج، فلها ذلك؛ عملاً بقوله تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ٢ - وجوب العدَّة على المُتوفَّى عنها زوجها. ٣ - أنَّ عدة الحامل تنتهي بوضع حملها. ٤ - عموم إطلاق الحمل يشمل ما وضع وفيه خَلْق إنسان. ٥ - إنَّ عدة المتوفى عنها -غير حامل- أربعة أشهر وعشرة أيام للحرة، وشهران وخمسة أيام للأَمَة. ٦ - يباح لها التزوج، ولو لم تطهر من نفاسها، إلاَّ أنَّه لا يباح لزوجها وطؤها إلاَّ بعد طهرها وتطهُّرها؛ لما روت: "فأفتاني بأنِّي قد حللت حين وضعت حملي ... إلخ" كما رواه ابن شهاب الزهري. ٧ - قال شيخ الإسلام: والقرآن ليس فيه إيجاب العدَّة بثلاثة قروء إلاَّ على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها. * توفيق بين آيتين: عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاق: ٤]

стр. 2931

يفيد أنَّ كل معتدة بطلاقٍ أو موتٍ، تنتهي عدتها بوضع حملها. وعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يفيد أنَّ عدة كل متوفًّى عنها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حاملًا، أو حائلاً. ولهذا التعارض ذهب بعض العلماء -وهم قلة- إلى أنَّ عدة المتوفَّى عنها أبعد الأجلين، بالأشهر، أو الحمل: فإنْ كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشرٍ، اعتدت به. وإنْ وضعت قبلهن، اعتدت بالأشهر، خروجًا من التعارض. ولكن جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، ذوو المذاهب الخالدة: ذهبوا إلى تخصيص آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] بحديث سُبَيْعة، فتكون الآية هذه خاصة في غير ذوات الأحمال، وأبقوا الآية الأولى على عمومها، بأنَّ وضع الحمل غاية كل عدة في حياة أو وفاة؛ وبهذا التخصيص تجتمع الأدلة، ويزول الإشكال. ويقصد هذا التخصيص، أنَّ أكبر حِكَم العدَّة، هو العلم ببراءة الرحم، وهو ظاهر بوضع الحمل. * فوائد: الفائدة الأولى: سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل ترك زوجته ست سنين، ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوَّجت رجلاً، ودخل بها، ثم حضر الزوج. فأجاب: إنْ كان النكاح الأول فُسِخَ؛ لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني، فنكاحه صحيح، وإنْ كانت زوجت الثاني قبل فسخ النكاح الأول، فنكاحه باطل.

стр. 2932

الفائدة الثانية: اختلف العلماء في جواز نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي منها، فأجمعوا على تحريمه إذا كان نظرها إليه لشهوة، واختلفوا فيما إذا كان نظرها بدون شهوة. فذهب بعضهم: إلى التحريم. وجمهور العلماء: على الإباحة والجواز. ***

стр. 2933

٩٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أُمِرَتْ بَريرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلاَثِ حِيَضٍ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه. ابن ماجه، قال: حدَّثنا علي بن محمد، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ... فذكره. قال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله موثقون، وقال ابن عبد الهادي: رواته ثقات. قال الألباني: إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي ابن محمد وهو ثقة، ولعل المراد بعلي بن محمد هو الطنافسي. * مفردات الحديث: - أُمِرَتْ: بصيغة المبني للمجهول، أي: أُمِرت من جهة النَّبي ﷺ . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - بريرة مولاةٌ لعائشة ﵂ عَتقَتْ من الرقِّ، وهي تحت زوجها الرقيق مُغيث، فكان لها الخيار بين بقائها معه، وبين أنْ تفسخ نكاحها؛ ففسخت نكاحها. ٢ - ففي الحديث أنَّها اعتدت من زوجها بثلاث حِيَض، مع أنَّه فسخٌ، وليس بطلاقٍ، وأنَّه فراقٌ في الحياة، لا في الموت، وأنَّ زوجها الذي اعتدت من فراقه لازال رقيقًا.

стр. 2934

٣ - هذا الحكم هو الموافق لمذهب الإمام أحمد من أنَّ العدَّة تلزم كل امرأة فارقت زوجها من نكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ بعد خلوته بها، وعلمه بها، وقدرته على وطئها، ولو مع مانع حسيّ، أو مانع شرعيّ، سواء أكانت الفرقة بطلاقٍ، أو خُلعٍ، أو فسخٍ. ٤ - قال ابن القيم: وأمَّا النظر: فإنَّ المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدة، وكونها تعتد بحيضة هو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإنَّ العدَّة إنَّما جعلت ثلاث حِيَض؛ ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج، وحينئذٍ فإنَّ للمختلعة أنْ تتزوج بعد براءة رحمها كالمَسْبيَةِ، ومثلها الزانية، والموطوءة بشبهة، اختاره الشيخ، وهو الراجح أثرًا وَنظرًا. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيح أنَّ الموطوءة بشبهة، والزانية، ونحوهن، لا تعتد بعدة زواج، بل تستبرأ مثل الإماء بحيضة واحدة؛ لعدم دخولهن في نصوص عدة الزوجات، ولعدم صحة قياس السفاح على النكاح، ولأنَّ للزواج عدة معانٍ في حِكمة العدَّة، بخلاف الموطوءة وطئًا محرمًا، فإنَّه ليس القصد إلاَّ معرفة براءة رحمها، وذلك حاصل بحيضة. ٥ - قولها: "أُمِرَت بريرة" له حكم الرفع، فالآمر هو النَّبي ﷺ . ***

стр. 2935

٩٦١ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا: "لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلاَ نَفَقَةٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديث: ١ - المطلقة الرجعية لها النفقة والسُّكنى بإجماع العلماء، لأنَّها لا تزال تعتبر في عِدَاد الزوجات، يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، أشبه ما قبل الطَّلاق، فهي لا تزال زوجة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. فهذا في حق الرجعية، فقد أمر زوجها أنْ لا يخرجها من بيته، ونهاها هي أنْ تخرج بنفسها؛ فإنَّ بقاءها في بيت الزوجية أصون لها، وأحفظ لحق الزوج، ويستمر هذا النهي عن الخروج حتى تمام العدَّة، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ من أقوالٍ وأفعالٍ فاحشةٍ يتضرر بها أهل البيت؛ ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها؛ لأنَّها تسببت في ذلك لنفسها. ٢ - أمَّا البائن بفسخٍ أو طلاقٍ ثلاثًا، أو بطلاقٍ على عوضٍ، فلا نفقة ولا سكنى لها؛ لما في الصحيحين أنَّ النَّبي ﷺ قال لفاطمة بنت قيس -وكان زوجها طلَّقها ألبتة-: "لا نفقة لكِ، ولا سكنى". قال ابن القيم: البائن لا نفقة لها، ولا سكنى؛ بسنة رسول الله ﷺ

стр. 2936

الصحيحة، بل موافقة لكتاب الله، وهو مقتضى القياس، ومذهب فقهاء الحديث. أمَّا الإمامان، مالك والشافعي: فيريان لها السكنى، دون النفقة. ٣ - هذا الخلاف إنَّما هو في المبتوتة غير الحامل، فأمَّا الحامل والرجعية فلهما النفقة والسكنى بإجماع العلماء. وسيأتي قريبًا بأوضح من هذا إنْ شاء الله تعالى. * خلاف العلماء: اختلف العلماء هل للبائن نفقة وسكنى زمن العدَّة، أم لا؟ فذهب الإمام أحمد: إلى أنَّه ليس لها نفقة، ولا سكنى؛ وهو قول علي، وابن عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور، وداود؛ مستدلين بحديث الباب. وذهب الحنفية: إلى أنَّ لها النفقة والسكنى، وهو مرويٌّ عن عمر، وابن مسعود، وبه قال ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري؛ مستدلين بما روي عن عمر: "لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة". وذهب مالك، والشافعي: إلى أنَّ لها السُّكنى دون النفقة؛ وهو مذهب عائشة، وفقهاء المدينة السبعة، ورواية عن أحمد؛ مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطَّلاق: ٦]. والصحيح هو القول الأول؛ لقوة الدليل، وعدم المعارض. فأمَّا القول الثاني فيجاب عنه بأنَّ هذه الكلمة التي استدلوا بها لم تثبت عن عمر ﵁، فقد سُئل الإمام أحمد: أيصح هذا عن عمر؟ قال: لا. وعلى فرض صحتها: فصريح كلام النبي ﷺ مقدَّم على اجتهاد كل أحدٍ. وأمَّا أصحاب القول الثالث: فلا يستقيم لهم الاستدلال بالآية؛ لأنَّها جاءت في حكم الرجعية، لا في حكم البائن.

стр. 2937

ويوضح ذلك: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطَّلاق: ١]، وإحداث الأمر معناه تغيّره نحو الزوجة، ورغبته فيها في زمن العدَّة، وهو ممنوع شرعًا في البائن. ***

стр. 2938

٩٦٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ اشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلاَّ ثَوْبَ عَصْب، وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَمَسُّ طِيبًا، إلاَّ إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. ولأبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَلاَ تَخْتَضِبُ". وَللنَّسَائِيِّ: "وَلاَ تَمْتَشِطُ" (١). ــ * درجة الحديث: زيادتا أبي داود والنسائي مرفوعتان صحيحتان؛ فرواتهما ثقات. * مفردات الحديث: - لا تُحِدّ: بضم التاء، وكسر الحاء، من الثلاثي المزيد، ويجوز ضم الدال على أنَّ "لا" نافية، ويجوز جزمها على أنَّها ناهية؛ من أحدت المرأة، أي: دخلت في الإحداد، بكسر الهمزة، فهي محدة: إذا حزنت، ولبست ثياب الحزن على زوجها، وتركت الزينة، وكذلك: حدت المرأة من الثلاثي، فهي حادة؛ فالفعل من الثلاثي من باب نَصَرَ، ومن الرباعي من باب أَكْرَمَ. - إلاَّ على زوجٍ: الاستثناء هنا متصلٌ، إذا جعل "أربعة أشهر" منصوبًا بمقدر بيانًا لقوله: "فوق ثلاث" أي: أعني، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، والتقدير: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، لكن تحد على زوجٍ أربعة أشهر.

стр. 2939

- مصبوغًا: صبغ الشيء هو تلوينه، والمراد هنا: صبغه وتلوينه بالعصفر، وكذلك الألوان الحسنة التي تتخذ للزينة. - عَصْب: بفتح العين المهملة، وسكون الصاد، فباء موحَّدة، بالتنوين، والعصب: الفتل، قال في النهاية: هي بُرود يمانية يعصب غزلها، أي: يجمع ويشد، ثم يصبغ وينسج، فيأتي مَوْشِيًّا ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. - نُبْذَة: بضم النون، وسكون الباء الموحدة، فذال معجمة، أي: قطعة من الشيء، جمعها: أنباذ، وتطلق على الشيء اليسير. - قُسْط: بضم القاف، وسكون السين المهملة، قال في النهاية: هو ضرب من الطيب، طيِّب الرائحة، تبخّر به النفساء والأطفال. - أظفار: بفتح الهمزة، وسكون الظاء المعجمة، ثم فاء، بعدها ألف، آخره راء مهملة، لا واحد له من لفظه، القطعة منه شبيهة بالظفر، وهو نوع من الطيب يُتبخر به، ينسب إلى ظِفَار، إحدى مدى عدن الساحلية. - تخْتَضب: اختضبت المرأة: غيَّرت ما تريد تغييره من بدنها بالحِنَّاء، أو غيره من أنواع الخضاب. - تَمْتَشِط: مشطت المرأة شعرها: رجَّلته وسرَّحته بالمشط. ***

стр. 2940

٩٦٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالَتْ: "جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبِرًا بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ يَشُبُّ الوَجْهَ، فَلاَ تَجْعَلِيهِ إلاَّ بِاللَّيْلِ، وَانْزِعِيهِ بالنَّهَارِ، وَلاَ تَمْتَشِطِي بالطِّيبِ، وَلاَ بالحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: بِالسِّدْرِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث إسناده حسن. قال في التلخيص: رواه الشافعي، عن مالك، ورواه أبو داود، والنسائي، وأعلَّه عبد الحق والمنذري بجهالة أحد رواة سنده، وهو المغيرة بن الضَّحَّاك. أمَّا المؤلف هنا في بلوغ المرام، فقال: إسناده حسن. * مفردات الحديث: - الصَّبِر: بفتح الصَّاد المهملة، وكسر الباء، آخره راء مهملة، هو عصارة شجر من، يجعل على أطراف العينين للتداوي. - يشب الوجهَ: بفتح حرف المضارعة، بعدها شين معجمة، من باب ضرب ونصر، أي: أنَّ الصَّبِر يُحسِّنُه ويجعله جميلاً مُشرقًا، كوجه الشَّاب. - السِّدْر: بكسر السِّين المهملة، وسكون الدَّال، آخره راء، شجرة النَّبَق، واحدته سدرة.

стр. 2941

٩٦٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنتَي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْتَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؛ قَالَ: لاَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - شتكت عينها: يجوز الرفع على أنَّها فاعل، والنصب على أنَّها مفعول، وعلى الثاني ضمير الفاعل يرجع إلى البنت. - أفتكحُلها: من باب نصر وفتح، كحل العين كحلاً: جعل فيها الكحل، والكحل: كل ما وضع في العين يشتفى به مما ليس بسائل، كالإثمد ونحوه. - لا: في إحدى روايات الصحيحين أنَّه ﷺ كرر "لا" مرتين أو ثلاثًا. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - جواز الإحداد على الميت -غير الزوج- ثلاثة أيام فأقل، وذلك إعطاء للنفس حظها من الترويح، وإبداء التأثر، وقيامًا بحقِّ القرابة، وتحريمه أكثر من ثلاث؛ للخبر الصحيح. ٢ - وجوب الإحداد على الزوج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أمَّا الحامل: فتعتد وتحدُّ مدة الحمل، قصرت أو طالت، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاق: ٤]. ٣ - والإحداد -كما تقدم- هو لزوم البيت الذي توفِّي زوجها فيه وهي تسكنه، وترك كل ما يدعو إلى نكاحها من الزينة في ثيابها وبدنها، فتجتنب ثياب الشهرة والزينة، كما تجتنب الزينة في البدن من الطيب، والحناء، والكحل،

стр. 2942

صباغ، والمساحيق، والمعاجين، التي جرت عادة النساء أَن يلمِّعن بها وجوههن، وتبقى في لزوم البيت، واجتناب الزينة حتى تنهي مدة العدَّة، إمَّا بانقضاء المدة، وإمَّا بوضع الحمل. ٤ - يجوز من الطيب قطعة من الطيب تضعه على مكان مخرج الحيض، إذا انقطع دم الحيض وطهرت؛ لتزيل به الرائحة الكريهة المترتِّبة على خروج الدم تلك المدة. ٥ - في الحديث عظم حق الزوج على زوجته؛ حيث حرَّم عليها الشرع هذه الأشياء المباحة تلك المدة كلها، قيامًا بحقّه، وصيانة لفراشه، وإظهارًا للحزن والأسى عليه. ٦ - إنَّ المحدَّة ليست ممنوعة من التنظيف في بدنها وثيابها؛ فإنَّ النَّبي ﷺ أذِن لأم سلمة وهي محدَّة بالتنظيف بالسدر؛ فالممنوع هو الزينة، لا النظافة. ٧ - ليست المحدَّة ممنوعة من مخاطبة الرجال الأجانب عند الحاجة إلى ذلك؛ فإنَّ الشارع لم ينه عنه، وما لم ينه عنه، فالأصل بقاؤه على العفو والإباحة. ٨ - النَّبي ﷺ لم يأذن للمحدة في الكحل، إلاَّ لأنَّه زينة في العينين، لا لأنَّه علاج، فهو مباح لها أنْ تعالج سائر بدنها عند الحاجة. * فوائد الأولى: قال ابن القيم: الإحداد من محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها للمصالح على أكمل وجه؛ فإنَّ الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت، التي لابد أنْ تُحْدِث للمصاب من الجزع، والألم، والحزن، ما هو مقتضى الطباع، فسمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، وما زاد فمفسدته راجحة، فمنع منه. وأمَّا الإحداد على الزوج: فإنَّه تابع للعدة بالشهور أو بوضع الحمل، وهو من مقتضيات العدَّة ومكملاتها. فالمرأة إنَّما تحتاج إلى التزين إلى زوجها،

стр. 2943

فإذا مات، وهي لم تَصلْ إلى آخر، فاقتضى تمام حق الأول أنْ تُمْنَع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة. الثانية: قال الشيخ تقي الدين: تلزم المحدَّة منزلها، فلا تخرج بالنهار إلاَّ لحاجة، ولا بالليل إلاَّ لضرورة. ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدَّة، مثل كلام مَن تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة، وهذا هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، وإنْ كانت خرجت لغير حاجة، أو باتت في غير منزلها لغير حاجة، أو تركت الإحداد، فتستغفر الله وتتوب إليه، ولا إعادة عليها، وإنْ كان بقي منها شيءٌ، فلتتمه في بيتها. ولها أنْ تجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدَّة. الثالثة: قال الشيخ عبد الله بن محمد: الذي يظهر من كلام أهل العلم: أنَّ كلام المحدة مع الصديق والقريب وغيرهما إنْ كانت ممنوعة منه قبل الإحداد، فهو في الإحداد أشدُّ منعًا، وما كان مباحًا لها فهو فيه مباح أيضًا. الرابعة: أنَّ الزوج الذي بقي وفيًّا معاشرًا لزوجته، ولم يفرِّق بينهما إلاَّ الموت، له حق أكبر من حق غيره؛ كما أنَّه الآن أصبح في حالٍ لا يستطيع صيانة فراشه، ولا حفظ نسب أولاده؛ فصارت عناية الله تعالى بحقه نحو صون زوجته، ما دامت في عدته أعظم. الخامسة: أجمع العلماء على وجوب إحداد المرأة على زوجها، وإنْ اختلفوا في تفصيله وبعض أحكامه: فالجمهور: على استواء المدخول بها وغيرها، وعلى الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، وعلى الحرة والأمة، والمسلمة والكتابية؛ هذا هو مذهب الجمهور. وعند أبي حنيفة: لا تجب على الكتابية، ولا على الصغيرة، ولا على الأمة.

стр. 2944

٩٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بلْ جُدِّي نَخْلَك، فَإِنَّكَ عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - جُدّي: بضم الجيم، أي: اخرجي إلى نخلك، فجُدِّيه. - أَنْ تَجُدَّ نَخْلها: جد يجد -من باب قتل- جدًّا، بمعنى: قطع، وأجد النخلُ: حان جداده، والجداد بالفتح والكسر: صرام النخل بقطع ثمرتها، والمراد: أنَّ هذه المرأة تريد أنْ تصرم نخلها وتقطعه. - فَزَجَرَهَا: انتهرها، ومنعها. - فإنَّك عسى: تعليل للخروج. - أو تفعلي: للتنويع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ المطلقة في عدتها ليست كالمتوفَّى عنها في عدة الوفاة، فلها الخروج متى شاءت، مع أنَّ الأفضل على وجه العموم: أنَّ بقاء المرأة في بيتها أفضل لها وأصون؛ فإنَّ النَّبي ﷺ قال: "بيوتهن خير لهن"، هذا في حق العبادة، والصلاة مع المسلمين، وسماع الخير؛ فكيف مع غير ذلك؛! ٢ - قال ابن القيم: إنْ قال معترض: كيف فرقت الشريعة بين الموت والطَّلاق مع استواء حال الرحم فيهما؟

стр. 2945

والجواب: أنَّ هذا إنَّما يتبين وجهه إذا عرفت الحكمة التي لأجلها شُرِعَتِ العدَّة؛ فإنَّ العدَّة شرِعت لعدة حِكَم: منها: العلم ببراءة الرحم. ومنها: تعظيم خطر هذا العقد. ومنها: تطويل زمن إمكان الرجعة للمطلِّق؛ إذ لعله يندم. ومنها: الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه. ففي العدَّة أربعة حقوق: حق الله، وحق الزوج، وحق الزوجة، وحق الولد. ٣ - فحوى الحديث أنَّ المحدة لا تخرج من منزلها مدة العدَّة والإحداد؛ فهذا ما فهمه الصحابة من أحكام ربّهم، وهذا ما دعا قريب المطلَّقة إلى زجرها عن الخروج. ٤ - جواز خروج المطلَّقة عند الحاجة، ومن الحاجة استحصال غلة عقارها؛ من جد ثمار، وحصد زروع، أو قبض أجور، ونحو ذلك. ٥ - أنَّه يستحب لمن عنده تمر يجده، أو يجنيه، أو زرع يحصده: أنْ يتصدَّق بجزء منه، ويُحْسِن إلى المحتاجين، وذلك من غير الزكاة، فهو من المعروف والإحسان، والأنفس متشوِّفة إليه، والفقراء متطلِّعون إليه؛ فحرمانهم منه يحز في نفوسهم، ويثبت الحقد والعداوة فيهم على الأغنياء. ٦ - استحباب سؤال أهل العلم عن حقائق العلم التي يتسرع العوام إلى إفتاء الناس فيها بلا مستند شرعي. ***
следующие страницы →