← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

٩٦٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنتَي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْتَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؛ قَالَ: لاَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - شتكت عينها: يجوز الرفع على أنَّها فاعل، والنصب على أنَّها مفعول، وعلى الثاني ضمير الفاعل يرجع إلى البنت. - أفتكحُلها: من باب نصر وفتح، كحل العين كحلاً: جعل فيها الكحل، والكحل: كل ما وضع في العين يشتفى به مما ليس بسائل، كالإثمد ونحوه. - لا: في إحدى روايات الصحيحين أنَّه ﷺ كرر "لا" مرتين أو ثلاثًا. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - جواز الإحداد على الميت -غير الزوج- ثلاثة أيام فأقل، وذلك إعطاء للنفس حظها من الترويح، وإبداء التأثر، وقيامًا بحقِّ القرابة، وتحريمه أكثر من ثلاث؛ للخبر الصحيح. ٢ - وجوب الإحداد على الزوج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أمَّا الحامل: فتعتد وتحدُّ مدة الحمل، قصرت أو طالت، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاق: ٤]. ٣ - والإحداد -كما تقدم- هو لزوم البيت الذي توفِّي زوجها فيه وهي تسكنه، وترك كل ما يدعو إلى نكاحها من الزينة في ثيابها وبدنها، فتجتنب ثياب الشهرة والزينة، كما تجتنب الزينة في البدن من الطيب، والحناء، والكحل،

стр. 2942

صباغ، والمساحيق، والمعاجين، التي جرت عادة النساء أَن يلمِّعن بها وجوههن، وتبقى في لزوم البيت، واجتناب الزينة حتى تنهي مدة العدَّة، إمَّا بانقضاء المدة، وإمَّا بوضع الحمل. ٤ - يجوز من الطيب قطعة من الطيب تضعه على مكان مخرج الحيض، إذا انقطع دم الحيض وطهرت؛ لتزيل به الرائحة الكريهة المترتِّبة على خروج الدم تلك المدة. ٥ - في الحديث عظم حق الزوج على زوجته؛ حيث حرَّم عليها الشرع هذه الأشياء المباحة تلك المدة كلها، قيامًا بحقّه، وصيانة لفراشه، وإظهارًا للحزن والأسى عليه. ٦ - إنَّ المحدَّة ليست ممنوعة من التنظيف في بدنها وثيابها؛ فإنَّ النَّبي ﷺ أذِن لأم سلمة وهي محدَّة بالتنظيف بالسدر؛ فالممنوع هو الزينة، لا النظافة. ٧ - ليست المحدَّة ممنوعة من مخاطبة الرجال الأجانب عند الحاجة إلى ذلك؛ فإنَّ الشارع لم ينه عنه، وما لم ينه عنه، فالأصل بقاؤه على العفو والإباحة. ٨ - النَّبي ﷺ لم يأذن للمحدة في الكحل، إلاَّ لأنَّه زينة في العينين، لا لأنَّه علاج، فهو مباح لها أنْ تعالج سائر بدنها عند الحاجة. * فوائد الأولى: قال ابن القيم: الإحداد من محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها للمصالح على أكمل وجه؛ فإنَّ الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت، التي لابد أنْ تُحْدِث للمصاب من الجزع، والألم، والحزن، ما هو مقتضى الطباع، فسمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، وما زاد فمفسدته راجحة، فمنع منه. وأمَّا الإحداد على الزوج: فإنَّه تابع للعدة بالشهور أو بوضع الحمل، وهو من مقتضيات العدَّة ومكملاتها. فالمرأة إنَّما تحتاج إلى التزين إلى زوجها،

стр. 2943

فإذا مات، وهي لم تَصلْ إلى آخر، فاقتضى تمام حق الأول أنْ تُمْنَع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة. الثانية: قال الشيخ تقي الدين: تلزم المحدَّة منزلها، فلا تخرج بالنهار إلاَّ لحاجة، ولا بالليل إلاَّ لضرورة. ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدَّة، مثل كلام مَن تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة، وهذا هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، وإنْ كانت خرجت لغير حاجة، أو باتت في غير منزلها لغير حاجة، أو تركت الإحداد، فتستغفر الله وتتوب إليه، ولا إعادة عليها، وإنْ كان بقي منها شيءٌ، فلتتمه في بيتها. ولها أنْ تجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدَّة. الثالثة: قال الشيخ عبد الله بن محمد: الذي يظهر من كلام أهل العلم: أنَّ كلام المحدة مع الصديق والقريب وغيرهما إنْ كانت ممنوعة منه قبل الإحداد، فهو في الإحداد أشدُّ منعًا، وما كان مباحًا لها فهو فيه مباح أيضًا. الرابعة: أنَّ الزوج الذي بقي وفيًّا معاشرًا لزوجته، ولم يفرِّق بينهما إلاَّ الموت، له حق أكبر من حق غيره؛ كما أنَّه الآن أصبح في حالٍ لا يستطيع صيانة فراشه، ولا حفظ نسب أولاده؛ فصارت عناية الله تعالى بحقه نحو صون زوجته، ما دامت في عدته أعظم. الخامسة: أجمع العلماء على وجوب إحداد المرأة على زوجها، وإنْ اختلفوا في تفصيله وبعض أحكامه: فالجمهور: على استواء المدخول بها وغيرها، وعلى الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، وعلى الحرة والأمة، والمسلمة والكتابية؛ هذا هو مذهب الجمهور. وعند أبي حنيفة: لا تجب على الكتابية، ولا على الصغيرة، ولا على الأمة.

стр. 2944

٩٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بلْ جُدِّي نَخْلَك، فَإِنَّكَ عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - جُدّي: بضم الجيم، أي: اخرجي إلى نخلك، فجُدِّيه. - أَنْ تَجُدَّ نَخْلها: جد يجد -من باب قتل- جدًّا، بمعنى: قطع، وأجد النخلُ: حان جداده، والجداد بالفتح والكسر: صرام النخل بقطع ثمرتها، والمراد: أنَّ هذه المرأة تريد أنْ تصرم نخلها وتقطعه. - فَزَجَرَهَا: انتهرها، ومنعها. - فإنَّك عسى: تعليل للخروج. - أو تفعلي: للتنويع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ المطلقة في عدتها ليست كالمتوفَّى عنها في عدة الوفاة، فلها الخروج متى شاءت، مع أنَّ الأفضل على وجه العموم: أنَّ بقاء المرأة في بيتها أفضل لها وأصون؛ فإنَّ النَّبي ﷺ قال: "بيوتهن خير لهن"، هذا في حق العبادة، والصلاة مع المسلمين، وسماع الخير؛ فكيف مع غير ذلك؛! ٢ - قال ابن القيم: إنْ قال معترض: كيف فرقت الشريعة بين الموت والطَّلاق مع استواء حال الرحم فيهما؟

стр. 2945

والجواب: أنَّ هذا إنَّما يتبين وجهه إذا عرفت الحكمة التي لأجلها شُرِعَتِ العدَّة؛ فإنَّ العدَّة شرِعت لعدة حِكَم: منها: العلم ببراءة الرحم. ومنها: تعظيم خطر هذا العقد. ومنها: تطويل زمن إمكان الرجعة للمطلِّق؛ إذ لعله يندم. ومنها: الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه. ففي العدَّة أربعة حقوق: حق الله، وحق الزوج، وحق الزوجة، وحق الولد. ٣ - فحوى الحديث أنَّ المحدة لا تخرج من منزلها مدة العدَّة والإحداد؛ فهذا ما فهمه الصحابة من أحكام ربّهم، وهذا ما دعا قريب المطلَّقة إلى زجرها عن الخروج. ٤ - جواز خروج المطلَّقة عند الحاجة، ومن الحاجة استحصال غلة عقارها؛ من جد ثمار، وحصد زروع، أو قبض أجور، ونحو ذلك. ٥ - أنَّه يستحب لمن عنده تمر يجده، أو يجنيه، أو زرع يحصده: أنْ يتصدَّق بجزء منه، ويُحْسِن إلى المحتاجين، وذلك من غير الزكاة، فهو من المعروف والإحسان، والأنفس متشوِّفة إليه، والفقراء متطلِّعون إليه؛ فحرمانهم منه يحز في نفوسهم، ويثبت الحقد والعداوة فيهم على الأغنياء. ٦ - استحباب سؤال أهل العلم عن حقائق العلم التي يتسرع العوام إلى إفتاء الناس فيها بلا مستند شرعي. ***

стр. 2946

٩٦٦ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ ﵂: "أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلاَ نَفَقَةً، فَقَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا كنْتُ فِي الحُجْرَةِ، نَادَانِي، فَقَالَ: امْكُثي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ عُثْمَانُ" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، والذُّهْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَغَيْرُهُمْ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه مالك، ورواه عنه أبو داود، والترمذي، والذهلي، وصححاه، والدارمي، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، وصححه ابن القطان، كلهم عن مالك، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أنَّ الفريعة بنت مالك بن سنان أخبرتها ... الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن عبد الهادي: وتكلم فيه ابن حزم بلا حجة. وقال ابن عبد البر: إنَّه حديث مشهور. وتبع الألباني ابن حزم في تضعيف الحديث، لجهالة زينب، وهي ثقة،

стр. 2947

بل منهم من ذكر أنَّها صحابية، ينظر "الكاشف" للذهبي مع حاشية سبط ابن العجمي. *مفردات الحديث: - أَعْبدُ: جمع قلة للعبد، وهم المماليك. - الحُجْرة: بضم الحاء، البيت، والجمع: حجر وحجرات، مثل اغُرَف وغرفات. - امكثي: أقيمي في بيتك. - حتَّى يبلغ الكتاب أجَلَهُ، أي: حتى تنقضي عدة الوفاة، والإحداد. ***

стр. 2948

٩٦٧ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلاَثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - أَنْ يُقْتَحَم علي: بالبناء للمجهول، يقال: قحم في الدار يقحم قحومًا. رمى بنفسه فيها فجأة بلا ترَوٍّ وشعور. - فتحوَّلت: فانتقلت من البيت الذي تخاف من الإقامة فيه. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - في الحديث رقم (٩٦٦) أنَّ زوجة المتوفَّى يجب عليها أنْ تقضي عدتها وحدادها في البيت الذي توفي زوجها وهي تسكنه، وأنَّه لا يحل لها الانتقال منه حتى يبلغ الكتاب أجله بانقضاء عدتها وحدادها؛ وذلك بوضع الحمل إنْ كانت حاملًا، أو بإتمام أربعة أشهر وعشرة أيام لغير ذات الحمل. ٢ - ووجوب بقاء زوجة المتوفَّى في البيت الذي مات وهي تسكنه، هو مذهب جماعة من السلف والخلف. وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم. قال ابن عبد البر: وبه قال جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، ومصر، والعراق، وقضى به عمر بمحضر من الصحابة من المهاجرين والأنصار؛ والدليل حديث فريعة، ولم يطعن فيه أحد، ولا في رواته.

стр. 2949

٣ - أجاز العلماء تحول زوجة المتوفَّى من المنزل الذي مات زوجها وهي تسكنه إلى منزلٍ آخر عند الضرورة، كأنْ تخاف على نفسها، أو على مالها، أو لتحويل مالكه لها منه، أو طلبه أجرة أكثر من أجرة مثله، أو لم تجد ما تكتري به، ونحو ذلك من الأعذار؛ فحينئذ يجوز لها الانتقال حيث شاءت. ٤ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. ٥ - العدَّة والإحداد الواجبان على المرأة هو ما ذكر في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. أمَّا الآية السابقة -في فقرة (٤) - فهي ترشد إلى أفضل وأولى ما ينبغي لأهل الميت أنْ يفعلوه مع زوجة ميتهم؛ وذلك أنَّه تعالى يوصيهم بأنْ يستوصوا بزوجته خيرًا، فيطلبوا منها على وجه الإكرام أنْ تبقى عندهم في المسكن، لا يخرجوها مدة سنة كاملة من وفاته؛ جبرًا لخاطرها، وإكرامًا لها، ووفاءً يحقِّ ميتهم، وصلةً للصهر الذي قال تعالى فيه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أمَّا إنْ خرجت بنفسها، واشتهت الانتقال بعد أشهر العدَّة والإحداد الواجبين، فليس على أهل الميت حرجٌ، ولا إثمٌ في ذلك. ٦ - أمَّا الحديث رقم (٩٦٧) فيدل على أنَّ المطلقة البائن، لها أنْ تتحول من بيت زوجها الذي أبانها وهي تسكنه، وإنْ كانت لا تزال في عدة الطَّلاق، لاسيَّما مع الخوف على نفسها. ٧ - أمَّا حكم سكنى المطلقة على زوجها: فإنْ كانت مطلقة رجعية، فتجب نفقتها وسكناها كالزوجة. وإنْ كانت مبانة بفسخٍ أو طلاقٍ، فليس لها على زوجها، ولا على أهله

стр. 2950

شىء. قال ابن القيم: المطلقة البائن لا نفقة لها، ولا سكنى بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، ومذهب أهل الحديث. ٨ - وحديث الباب جاء لبيان حكم بقاء المطلقة في البيت الذي كانت تسكنه وقت طلاقها من عدمه؛ ليكون مقابل وجوب بقاء المعتدة بالوفاة في البيت الذي مات زوجها وهي تسكنه. ٩ - أنَّه لا يجوز للمرأة أنْ تنفرد بمسكن ليس معها فيه أحد، إذا كانت تخاف على نفسها من أهل الفساد؛ فيجب على ولي أمرها أنْ يأمرها بالتحول منه. ١٠ - الطَّلاق الثلاث الذي ذكرته السائلة -فاطمة بنت قيس- يحتمل أنَّه وقع دفعة واحدة، ويحتمل أنَّه نهاية ما لها في عدة الطلقات، وفحواه يدل على أنَّه أوقعه عليها دفعة واحدة، ولكن لم يسق الحديث لبيان جوازه من عدمه. ***

стр. 2951

٩٦٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ قَالَ: "لاَ تُلبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةُ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشرٌ" رَواهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطنِيُّ بِالانْقِطَاعِ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. صححه الحاكم، وقال ابن عبد الهادي: رواته ثقات، وما أعلَّ به الدارقطني الحديث فيه نظر؛ فلقد أعلَّه الدارقطني بالانقطاع، لأنَّه من رواية قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه. قال ابن المنذر: ضعَّفه أحمد، وقال: لا يصح، فأي سنَّة للنَّبي ﷺ في هذا؛! وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو "مطربة بن طهمان"، قد ضغَّفه غير واحد، وله علَّة ثالثة هي الاضطراب، لأنَّه روي على ثلاثة وجوه. قال أحمد: حديث منكر. ويشهد لصحته عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ ...﴾ [البقرة: ٢٣٤]. * مفردات الحديث: - لا تَلْبسوا علينا: يُقال: لبَسَ عليه الأمرَ يَلْبسُهُ لَبْسًا: خلطه، وجعله مشتبهًا بغيره، والمعنى: لا تخلطوا علينا، وتشبهوا عَلينا ما عرفناه من سنة نبيِّنا ﷺ .

стр. 2952

٩٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ" أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. فقد رواه الإمام الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة ابن الزبير، عن خالته عائشة، ﵂. * مفردات الحديث: - إنَّما: "إنَّ" حرف توكيد، و"ما" كافة لحقتها، فأفادتا الحصر، فهنا حصرت الأقراء في الأطهار. - الأقراء: جمع قرء، قال في النهاية: هو من الأضداد، يقع على الطهر؛ وإليه ذهب الشافعي، وعلى الحيض؛ وإليه ذهب أبو حنيفة. - الأطْهار: بفتح الهمزة، جمع طهر، وهو ما بين الحيضتين. ...

стр. 2953

٩٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "طَلاَقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا وَضَعَّفَهُ (١)، وأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف موقوف. قال المؤلف: رواه الدارقطني موقوفًا على ابن عمر، وصححه موقوفًا، وأخرجه مرفوعًا؛ لكنه من رواية عطية العوفي، وقد ضعَّفه غير واحد من الأئمة، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث عائشة، وهو ضعيف؛ لأنَّه من حديث مظاهر بن مسلم، قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يُعرف، وصححه الحاكم، ولكن خالفوه، واتَّفقوا على ضعفه؛ لما عرفته؛ فلا يتم به الاستدلال. * ما يؤخد من الأحاديث: ١ - أم الولد المشار إليها بالحديث رقم (٩٦٨) هي الأمَة التي حملت من سيِّدها، فولدت ما فيه صورة إنسان، ولو خفية. فهي من حيث الخدمة والاستمتاع كالأمَة، ومن حيث نقل الملك بها كالحُرَّة، فيجوز وطؤها، وخدمتها، وتأجيرها، ولا يجوز بيعها، ولا هبتها، ولا وقفها، ونحو ذلك ممَّا ينقل الملك، أو يسبب نقل الملك؛ كالرهن.

стр. 2954

٢ - إذا مات سيد أم الولد، فحديث الباب يدل على أنَّها تعتد وتحد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ كالزوجة الحرة. ٣ - أم الولد عتقها مراعى بموت سيدها، فلا تعتق قبله، فإذا مات سبَّب موته عتقها، فهي في عداد الإماء؛ لذا فإنَّه ليس لها عدَّة، وإنَّما تستبرأ بحيضة واحدة، يعلم بها براءة رحمها إنْ كانت تحيض، وإنْ كانت لا تحيض، فاستبراؤها بمضيِّ شهر من وفاته؛ لأنَّها ليست زوجة، ولا في عداد الزوجات؛ وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأتباعهم، وجماعة من السلف. وقد ذهب إلى ما أفاده الحديث: الأوزاعي، والظاهرية. أمَّا الحنفية: فعدَّة أم الولد عندهم ثلاث حيض؛ وقال به بعض الصحابة. قال ابن رشد: سبب الخلاف: أنَّ أم الولد مسكوت عنها في الكتاب والسنة؛ فهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة. قال شارح الكتاب: وأقرب الأقوال قول أحمد، والشافعي: أنَّها تعتد بحيضة؛ وهو قول ابن عمر، وعروة، والقاسم بن محمد، والشعبي، والزهري، وذلك لأنَّ الأصل براءة الرحم، وعدم حبسها عن الأزواج، واستبراء الرحم يحصل بحيضة. * خلاف العلماء: أمَّا تفسير الأقراء المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فقد اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا على قولين: أحدهما؛ أنَّ المراد بالأقراء هي الأطهار، قالت عائشة: "إنَّما الأقراء الأطهار". وقال الإمام مالك، عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن

стр. 2955

يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلاَّ وهو يقول ذلك. وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم، والقاسم بن محمد، وعروة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وغيرهم؛ وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود، وأبي ثور، ورواية عن أحمد. الثاني: أنَّ المراد بالأقراء هي الحيض؛ فلا تنقضي العدَّة حتى تطهر من الحيضة الثالثة؛ وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ويروى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. قال القاضي: الصحيح عن أحمد: أنَّ الأقراء الحيض، وإليه ذهب أصحابنا. وأحتج من قال: إنَّها الأطهار، بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وإنَّما الأمر بالطلاق في الطهر لا في الحيض. كما استدلوا بحديث ابن عمر: "فليراجعها حتى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر"، ووجه الدلالة منه: أنَّه أمره أنْ يطلقها في الطهر الَّذي هو ابتداء العدَّة؛ فدل على أنَّ القرء هو الطهر. أمَّا دليل من يرى أنَّ القرء هو الحيض، فيستدل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية [الطلاق: ٤] فقد نقلن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر؛ فيدل على أنَّ الأصل الحيض، ولأنَّ المشهور في لسان الشارع استعمال القرء بمعنى الحيض؛ فقد قال ﷺ : "تدع الصلاة أيَّام قرئها" [رواه أبو داود]، وبما رواه النسائي من حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال لها: "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا من قرؤك فتطهري، ثمَّ صلي ما بين القرء إلى القرء"، ولأنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القرء الأطهار يكتفي

стр. 2956

بطهرين وبعض الثالث؛ فيخالف ظاهر النص. والراجع أنَّ الأقراء هي الحيض، والله أعلم. أمَّا الحديث رقم (٩٧٠) فيدل على أنَّ نهاية طلاق الأمة طلقتان، وعمومه يفيد أنَّه سواء كان زوجها المطلِّق حرًّا أو عبدًا، وهذا على اعتبار أنَّ العبرة بعدد الطلقات هي المرأة المطلقة؛ وهو مذهب الحنفية، وهو مرويٌّ عن علي، وابن مسعود، والحسن، وابن سيرين، وعكرمة، والزهري، وحماد، والثوري، والدليل حديث الباب. أمَّا من يجعل الطلاق معتبرًا بالزوج المطلِّق: فإنَّ طلاق الأمة طلقتان مطلقًا، سواء أكانت تحت حرٍّ أوعبدٍ؛ وإلى هذا ذهب الأئمَّة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، ويروى عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وسعيد بن المسيب. ودليل هذا القول: أنَّ الله تعالى خاطب الرجل بالطلاق؛ فكان حكمه معتبرًا به. أمَّا حديث الباب: فهو من رواية مظاهر بن أسلم، قال أبو داود: إنَّه منكر الحديث. وعلى فرض صحته: فإنَّ المراد به إذا كان زوج الأمة رقيقًا، وقد جاء مصرَّحًا به عند الدارقطني من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "طلاق العبد اثنتان؛ فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان"، وهذا نصٌّ في هذه المسألة. أمَّا عدَّة الأمة: فحيضتان إجماعًا؛ روي عن عمر، وابنه، وعلي ﵃، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة؛ فكان إجماعًا. قال الوزير: أجمعوا على أنَّ عدَّة الأمة بالأقراء قرءان، واتفقوا على أنَّ عدتها بالأقراء ممن تحيض.

стр. 2957

٩٧١ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ البَزَّارُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. قال المؤلف: صححه ابن حبان، وحسَّنه البزار. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، من حديث رويفع بن ثابت، وللحاكم من حديث ابن عباس، أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تسق ماءك زرع غيرك"، وأصله في النسائي. * مفردات الحديث: - ماءه: هو نطفة المني، والمراد الجماع. - زرع غيره: أي: ولد غيره، بأنْ يجامع الأمة المشتراة إذا كانت حاملاً. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على تحريم وطء الحامل من غير الواطىء، وذلك كالأمة المشتراة إذا كانت حاملًا من غيره، وأنَّه منافٍ لكمال الإيمان بالله واليوم الآخر، ومثلها: المَسْبِيَّةُ الحامل يحرم وطؤها حتى تضع وتطهر. ٢ - وفيه دليلٌ على تحريم العقد على المعتدة من غيره حتى تنقضي عدتها،

стр. 2958

وعدم صحته؛ لأنَّ العقد وسيلة إلى الوطء، والوسائل لها أحكام المقاصد. ٣ - اختلف العلماء في الزانية غير الحامل، هل تجب عليها العدَّة، أو تستبرىء بحيضة واحدة؟: فذهب جمهور العلماء إلى أنَّه لا يجب عليها عدَّة، وإنَّما تستبرىء بحيضة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد. ويرى مالك: استبراءها بثلاث حيض؛ واستدل هؤلاء بقوله ﷺ : "الولد للفراش"، والدلالة فيه غير واضحة. وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى وجوب العدَّة عليها، وأنَّها كالمطلقة؛ وهو قول الحسن البصري، وابراهيم النخعي، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي، ﵏. ودليل هذا القول: العمومات الواردة في وجوب العدَّة من الوطء؛ لأنَّ الوطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدَّة منه؛ كوطء الشبهة. ٤ - أنَّ الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر من شأنه أنْ يردع المسلم عن الإقدام على المعاصي، فمن أقدم عليها، فإنَّه في تلك الساعة قد تخلَّى عنه إيمانه؛ كما قال ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". ٥ - تشبيه الولد في رحم أمه بالزرع بالحديث، هو مشابه لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ وذلك بجامع الاختصاص به، والانتفاع بثمرته. * فائدة: قال الدكتور محمد بن علي البار في كتابه "خلق الإنسان بين الطب والقرآن": تفرز المرأة كل شهر بيضة واحدة، وتبقى منتظرة رفيقها الحيوان المنوي، فإذا جاءها موعد القدر، ولقح الحيوان المنوي في البيضة، فاتحدت النطفتان، ثم قفلت بابها، فلا يدخل حيوان آخر، وهاتان النطفتان المتحدتان

стр. 2959

تسمى: "نطفة الأمشاج". فالتصقت بجدار الرحم، وانضم الرحم عليها أشد انضمام، وقفلت الباب، فلا يمكن أن يدخل حيوان آخر. وصار الجنين يتغذى بواسطة الحبل السري، المتصل بسرة الجنين من طرف، ومن طرف آخر يتغذى بواسطة المشيمة؛ فيأخذ خلاصة الغذاء من أمه. قال الطبيب البار: إذا لقح حيوان منوي بيضته صَنَعَتْ حولها جدارًا مقفلاً، لا يستطيع أنْ يخترقه أي حيوان آخر، لا من هذا الوطء، ولا من وطء بعده، ولا من هذا الرجل، ولا من رجل آخر، فلو دخل البيضة حيوانان اثنان، فيعناه موت اللقيحة، وقذفها خارج الرحم. وأمَّا التوأمان فهما نوعان: أحدهما: يحدث من حيوانٍ واحدٍ وبيضتين، فإذا تكونت اللقيحة، وانقسمت، وانفصلت، وتكوَّن منها توأم متشابهة تمام التشابه. النوع الثاني: توأم غير متشابهة، فهذا يلقح حيوانان منويان بيضتين، كل واحدٍ منهما يلقح بيضة، وهما بذلك يشبهان الإخوة من أب وأم. اهـ. قلت: أمَّا القول بأنَّ الرحم ينقفل بعد التلقيح، فغير صحيح، ففتحة الرحم تبقى كما هي، ويمكن وصول المني إلى الرحم، وإلى قناة فالوب ... ولعلَّ هذا -والله أعلم- سَقْيُ الإنسان زرع غيره. ***

стр. 2960

٩٧٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ فِي امْرَأَةِ المَفْقوْدِ: "تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: موقوف صحيح. قال في التلخيص: رواه الشافعي، عن مالك، عن يحي بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، ورواه عبد الرزاق (٧/ ٨٨)، عن ابن جريج، عن يحيى به، ورواه أبو عبيد، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن سعيد، عن عمر وعثمان به، وله طرق أخرى، ومتتابعات تقوى بها. قال في التلخيص: ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢١) من طريق ابن أبي ليلى، عن عمر، وعند الدارقطني، من طريق أبي عثمان، عن عمر، قال ابن حجر: وهذا أفضل طرق هذا الحديث. * مفردات الحديث: - تربص: يقال: ربص يربص ربصًا: انتظر خيرًا أو شرًّا يحل به، وتربصت المطلقة: قعدت عن الزواج إلى حين انقضاء عدتها. - عدتها: العدَّة مصدر من عد يعد، وعددت الشيء: إذا أحصيته، والعدَّة اسم لمدة تتربَّص بها المرأة عن الزوج بعد وفاته أو فراقه، وذلك إمَّا بالولادة، أو بالأقراء، أو بالأشهر.

стр. 2961

٩٧٣ - وَعَنِ المُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا البَيَانُ" أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. قال المؤلف: أخرجه الدارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ. وقال في التلخيص: رواه البيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ، وضعَّفه أبو حاتم والبيهقي، وعبد الحق، وابن القطان، وغيرهم، والحديث لشدة ضعفه لم يأخذ به المحققون. * مفردات الحديث: - المفقود: يقال: فقده يفقده فقدًا وفقدانًا: إذا غاب عنه وعَدِمَهُ؛ فهو فقيد ومفقود. - البيان: بان الشيء ويبين بيانًا: ظهر واتضح، والمعنى: أنَّها تنتظر حتى يتبين أنَّه حيٌّ أوميِّتٌ؛ فتبني حكمها على ما يتحقق عندها. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - إذا فُقِدَ الرجلُ من أهله، ولم يوقف له على أثر، فقسَّمه العلماء إلى قسمين: أحدهما: أنْ يكون غالب غيبته السلامة؛ كالمسافر لتجارة، أو سياحة، أو طلب علم؛ فهذا ينتظر فيه تمام تسعين سنة منذ ولادته؛ لأنَّ الغالب أنَّه لا يعيش بعدها؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من

стр. 2962

مفردات مذهبه. ومذهب الأئمة الثلاثة، وصاحبي أبي حنيفة: أنَّه ينتظر به حتى يتحقق موته، أو تمضي مدة لا يعيش مثلها، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنَّ الأصل حياته: فلا تتزوج امرأته، ولا يقسم ماله. وذهب بعض المحققين: إلى أنَّ المفقود ينتظر به حتى يغلب على الظن أنَّه غير موجود، وأنَّ ذلك لا يحدّ بتسعين سنة، ولا بغيرها؛ لعدم الدليل على التحديد، وأنَّ القاعدة الشرعية أنَّه متى تعذر الوصول إلى اليقين، رجع إلى غلبة الظن. الثاني: أنْ يكون غالب غيبته الهلاك؛ كمن ركب في سفينة فغرقت، فنجا بعض ركَّابها، وفقد آخرون، وكمن بمفازة من الأرض، أو فُقِدَ من بين أهله؛ فمثل هذه الأحوال ينتظر به أربع سنين منذ فُقِدَ. ٢ - والحق أنَّه لا دليل على التحديد في القسمين، فهو أمرٌ يختلف باختلاف الأزمنة، وأنواع الاتصالات، ووسائل الإعلام، وأحوال المفقودين، فأحسن الأحوال: هو اجتهاد الحاكم الشرعي، وتقدير الأمور وملابساتها، والله أعلم. ٣ - أمَّا أثر عمر: فهو دليلٌ لما ظاهره السلامة. وأمَّا حديث المغيرة: فهو دليل الجمهور، لو كان صحيحًا؛ ولكنه ضعيف. ***

стр. 2963

٩٧٤ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَبِيتَنَّ رَجُل عِنْدَ امْرَأَةٍ، إلاَّ أنْ يَكُونَ نَاكحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ" رَواهُ مُسْلِمٌ (١). ٩٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢). ــ * مفردات الحديث (٩٧٤): - لا يبيتن: بات يبيت بيتوتة، والمراد هنا مطلق الإقامة. - ناكحًا: اسم فاعل من نكح ينكح فهو ناكحٌ، والمراد به هنا الزوج، والنكاح لغةً: حقيقة الوطء، ويطلق مجازًا على العقد، من إطلاق المسبَّب على السبب، وكل ما ورد في القرآن من لفظ "النكاح" فالمراد به العقد، إلاَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فالمراد به الوطء. - ذا: بمعنى صاحب، وهي من الأسماء الخمسة، منصوب؛ لأنَّه معطوف على خبر يكون، وأعرب هنا بالحروف؛ لاكتمال شروطها، من أنَّها بمعنى صاحب، وأنَّها مضافة إلى اسم جنس ظاهر. - محرم: على وزن مفعل، بفتح الميم، وسكون الحاء، أي: ذا حرمة، جمعه محارم، وهو من يحرم تزوُّجه بها على التأبيد بنسب، أو سببٍ مباحٍ، كالرضاع، وسيأتي تفصيله في الشرح إنْ شاء الله.

стр. 2964

* ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديثان يدلان على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وهي هنا المرأة التي ليست بذات محرم للرجل الخالي بها؛ فقد جاء في الحديث الآخر: "ما خلا رجل بامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما". ٢ - لا شك في خطورة هذا الأمر؛ ولذا لما سئل ﷺ عن خلوة الحمو -وهو قريب الزوج من أخ، وابن عمٍّ، ونحوهما- قال ﷺ : "الحمو الموت"؛ لأنَّه يدخل ويخلو بلا نكير؛ فيقع المحذور. ٣ - المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها؛ لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، الَّذين يرون النيل منها نيلاً من كرامتهم وشرفهم؛ لذا تحتم وجود المحرم عند حضور الأجنبي. ٤ - كما أنَّ الرجل -وإنْ كان صالحًا- فهو بخلوته بالمرأة الأجنبية معرَّض للفتنة، وإغواء الشيطان، ووساوس النفس الأمَّارة بالسوء؛ لذا شدّد الشارع الحكيم في هذا المقام، ولم يتساهل فيه. ٥ - النَّاس الآن تساهلوا، وأرخوا للنساء العنان مع السائقين والطبَّاخين ونحوهم، وهذا -مع ما فيه من الإثم- ففيه خطورة على العار والعِرْض، والعِرْضُ من أهم الضرورات الخمس، والله المستعان. تعريف الخلوة: قال علماء اللغة: خلا الشيء يخلو خلوة، فهو خالٍ. والخلا: المكان الخالي الَّذي لا شيء به. ويقال: خلا المكان والشيء يخلو خلوًّا: إذا لم يكن به أحد، وخلا الرجل بصاحبه، وإليه، ومعه: إذا اجتمع إليه، وانفرد به، واجتمع معه في خلوة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤].

стр. 2965

هذا تعريف الخلوة عند اللغويين. قال أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية: ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا المصطلح عن معناه اللغوي. * خلاف العلماء: الخلوة بمعنى الانفراد بالغير تكون مباحة إذا كانت بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة إذا لم يحدث ما هو محرَّم شرعًا؛ كالخلوة لارتكاب معصية. وكذلك الخلوة مباحة فيما بين الرجل، وإحدى محارمه، أو بين الرجل وزوجته. ومن الخلوة المباحة: انفراد الرجل بالمرأة الأجنبية منه في وجود النَّاس، ومرآهم إليهما، بحيث لا تحتجب أشخاصهما عنهم، ويسمعون كلامهما غير الكلام المخافت به. فقد جاء في صحيح البخاري، من حديث أنس بن مالك، قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النَّبي ﷺ ، فخلا بها. وجعل لهذا الحديث الإمام البخاري عنوانًا في صحيحه، فقال: "باب ما يجوز أنْ يخلو الرجل بالمرأة عن النَّاس"، ثم قال عقب ذلك: ولا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بل بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما يخافت به. وقد اتفق العلماء على أنَّ الخلوة بالأجنبية حرام. واختلفوا في حكم خلوة الرجل بالأجنبية مع وجود أكثر من امرأة واحدة أو وجود عدد من الرجال بامرأة: فذكر النووي في المجموع: أَنَّ المشهور من مذهب الشافعي جواز خلوة رجل بنسوة، لا مَحْرَم له فيهن، لعدم المفسدة غالبًا، وإنْ خلا رجلان، أو

стр. 2966

رجال بامرأة، فالمشهور تحريمه. وقيل: إنْ كانوا ممن تبعد مواطأتهم على الفاحشة، جاز. وذهب الحنفية: إلى جواز الخلوة بأكثر من امرأة، وذهب الحنابلة: إلى تحريم خلوة الرجل مع عدد من النساء، أو العكس، كأنْ يخلو عدد من الرجال بامرأة. والأجنبية التي تحرم الخلوة بها هي من ليست زوجة، ولا مَحْرَمًا، والمَحْرَمُ مَن يحرم نكاحها على التأبيد، إمَّا بالقرابة، أو بالرضاع، أو بالمصاهرة. والأصل في ذلك: ما جاء في البخاري، من حديث ابن عباس؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "ولا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلاَّ مع ذي محرمٍ". وممَّا تقدم عرفنا ما يلي: الخلوة قسمان: ١ - خلوة مغلَّظة: وهي اجتماع الرجل مع المرأة الأجنبية منه، في مكان يأمنان فيه من اطلاع الغير عليهما. ٢ - خلوة مخفَّفة: وهي اجتماع الرجل بالمرأة الأجنبية منه، أمام النَّاس، بحيث لا تحتجب أشخاصهما عنهم، إلاَّ أنَّه لا يسمع تخافتهما. ومثال ذلك: انفرادهما في سيارة في الشوارع والأسواق، فهذا من الانفراد المريب، وأمثال ذلك كثير. والخلوة -مغلظة أو مخففة- وسيلة إلى الوقوع في المحرَّم، والوسائل لها أحكام المقاصد؛ ولكن الحال تختلف بحسب الأشخاص، والظروف، والملابسات. ***

стр. 2967

٩٧٦ - وَعَنْ أَبِي سعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: "لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيضَةً" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدَّارَقُطْنِيِّ (٢). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. رواه أبو داود، والدارمي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، من طريق شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، عن أبي سعيدٍ الخدري؛ أنَّ النَّبي ﷺ ... فذكره، وقد صحَّحه الحاكم وقال: إنَّه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقد حسَّنه الحافظ والشوكاني. والحديث له طرقٌ أُخَر تقوِّيه، منها: حديث ابن عباس عند الدارقطني، قال ابن صاعد: رجاله رجال مسلم. قال الألباني: وبالجملة، فالحديث بطرقه صحيح. * مفردات الحديث: - سَبَايَا: يقال: سبى العدوَّ يسبيه سبيًا: أسره، والسبي مصدر، وكذا ما يُسبَى منِ نِساء الكفار وذريتهم. - أوْطاس: تقدم تحديده، وتعريفه.

стр. 2968

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - النساء المسبيَّات من الكفار في جهاد المسلمين لهم، يكنَّ رقيقات بمجرد السبي، واستيلاء المسلمين عليهن، فتصبحُ ملك يمين لمن سباها، أو جاءت في قسمه من الغنائم. ٢ - إذا ملك أمة بسبي، أو شراء، أو هبة، أو إرث، أو غير ذلك، لم يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها بقبلة، أو بمباشرة بما دون فرج، أو غير ذلك قبل استبرائها، ولو كان من آلت منه إليه صغيرًا، أو امرأة، أو عِنِّينًا، أو نحو ذلك. ٣ - الاستبراء هو العلم ببراءة الرحم بأحد الطرق الآتية: - إنْ كانت الرقيقة حاملًا، فبوضع حملها كله. - وإنْ كانت تحيض، فاستبراؤها بحيضة كاملة. - وإنْ كانت آيسة، أو لم تحض، فبمضيّ شهر واحد من دخولها في ملكه. ٤ - النَّبي ﷺ نهى في هذا الحديث أنْ توطأ السبية حتى تُعْلَم براءة رحمها، بوضع حملها، وغير ذات الحمل حتى تحيض حيضة؛ فقد جاء في الحديث المتقدم الَّذي رواه بعض أهل السنن، أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يحل لامرىءٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يسقيَ ماءه زرعَ غيره"، والجنين الَّذي في بطنها هو زرع غيره، ووطؤه لأم الجنين سقي له. * خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، إلى ما تقدم من أنَّه يحرم وطء مسبية، أو غيرها من ملك اليمين إلاَّ بعد العلم ببراءة رحمها بأحد الطرق الماضية؛ واستدلوا بعموم الأحاديث، واعتبارًا بالعدَّة، حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم، والاستبراء هو عدَّة الأمة، فتجب حتى مع العلم ببراءة رحمها.

стр. 2969

واحتجوا بآثار الصحابة: فقد قال عمر بمحضر من الصحابة: "لا تباع جارية قد بلغت المحيض، فليتربص بها حتى تحيض، فإنْ كانت لم تحض، فليتربص بها خمسًا وأربعين ليلة". وقد أوجب الله العدَّة على من يئست من المحيض، وعلى من لم تبلغ سن المحيض، وجعلها ثلاثة أشهر، والاستبراء عدَّه الأمة. وذهب الإمام مالك: إلى أنَّه لا يجب الاستبراء في حالة تيقن المالك براءة رحم الأمة؛ فله وطؤها من حين مِلكه لها. وقال: إنَّ المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، فحيث تيقن ذلك لا يجب، فقد روى البخاري في صحيحه، عن ابن عمر، قال: "إذا كانت الأمة عذراء، لم يستبرئها إنْ شاء". قال المازري من المالكية ما خلاصته: القول الجامع: - أنَّ كل أمة أُمِنَ عليها الحمل، فلا يلزم فيها الاستبراء. - وكل مَن يشك في حملها، فيجب استبراؤها. - وكل مَن غلب على الظن براءة حرمها، لكنه يجوز حصوله فعلى قولين: ١ - وجوب الاستبراء. ٢ - سقوطه. * فائدتان: الأولى: قال ابن القيم: قد وردت السنة على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء الحائض بحيضة، فكيف سكت عن استبراء الآيسة، والتي لم تحض، ولم يسكت عنهما في العدَّة؟ قيل: لم يسكت عنهما -بحمد الله- بل بيَّنهما بطريق الإيماء والتنبيه؛ فإنَّ الله تعالى جعل علَّه الحرة ثلاثة قروء، ثم جعل عدَّه الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فعُلِمَ أنَّهُ تعالى جعل في مقابلة كل

стр. 2970

قرء شهرًا، ولهذا أجرى الله عادته الغالبة في النساء: أنَّ المرأة تحيض كل شهر حيضة، وبيَّنت السنة: أنَّ استبراء الأمة الحائض بحيضة، فيكون الشهر قائمًا مقام الحيضة. الثانية: كل هذه الاحتياطات والصيانة محافظة على الأنساب، وتثبيتًا للأعراق؛ لئلا تختلط المياه، فيضيع النسب، وتفقد الأصول؛ فقد لعن النَّبي ﷺ من انتسب إلى غير أبيه، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]: وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ***

стр. 2971

٩٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِهِ (١)، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ (٢)، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (٣)، وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أِبي دَاوُدَ (٤). ــ * درجة الحديث: حديث ابن مسعود عند النسائي، إسناده صحيح؛ فقد جاء من طريق إسحاق بن إبراهيم، قال: حدَّثنا جرير: عن مغيرة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النَّبي ... ﷺ الحديث، بسند رجاله ثقات. وأمَّا حديث عثمان عند أبي داود فرجاله -أيضًا- ثقات، والحديث ذكره السيوطي من الأحاديث المتواترة. * مفردات الحديث: - الفِراش: لغة البساط على وجه الأرض؛ ومنه أخذ تسمية الزوجة فراشًا، والمعنى: أنَّ الولد لصاحب الفراش، والفراش: زوجته، أو أمته. - العاهر: عهر الرجل عَهْرًا: أتى المرأة للفجور، فهو عاهر، جمعه عُهَّار، وهي عاهر أو عاهرة، جمعها عواهر وعاهرات؛ فالعاهر الفاجر الزاني. - الحَجَر: بفتح الحاء المهملة، هو كسارة الصخور، أو الصخور الصُّلبه، أي:

стр. 2972

له الخيبة والحرمان. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام هذا الحديث ما جاء في الصحيحين؛ أنَّ سعد بن أبي وقاص، وعَبْد بن زَمْعَة اختصما إلى النَّبي ﷺ في غلام، فقال سعد: يا رسول الله! هذا ابن أخي عتبة، عَهِد إليَّ أنَّه ابنه، وانظر إلى شَبَهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله! وُلِدَ على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ ، فرأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة! الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة". ٢ - قال ابن عبد البر: إنَّ هذا الحديث جاء عن بضع وعشرين نفسًا من الصحابة. ٣ - المراد بالفراش هو الزوجة المبني بها، والأمة من حيث الوطء، وسميت فراشَا؛ لأنَّ الزوج أو المولى يفترشها، أو لاعتبار المكان، وهي من تبيت معه في فراشه. ٤ - أنَّ الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش. قال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش، وإنْ طرأ عليه وطء محرم. ٥ - أنَّ الزوجة تكون فراشًا بمجرد عقد النكاح، وأنَّ الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلاَّ بوطء السيد؛ فلا يكفي مجرد الملك. والفرق بينهما: أنَّ عقد النكاح مقصود للوطء، أمَّا تملك الأمة، فلمقاصد كثيرة. أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: أشار أحمد أنَّه لا تكون الزوجة فراشَا إلاَّ مع العقد، والدخول المحقَّق، لا الإمكان المشكوك فيه. قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح المجزوم، وإلاَّ فكيف تصير المرأة فراشًا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يَبْن عليها؟!

стр. 2973

٦ - أنَّ الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ، وغيره من الأقارب. ٧ - أنَّ حكم الشَّبَه إنَّما يُعتمد عليه إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه؛ كالفراش. ٨ - قال العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أمر النَّبي ﷺ زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع؛ لمَّا رأى الشبه قويًّا بينه وبين عتبه بن أبي وقاص. ٩ - أنَّ حكم الوطء المحرم، كالحلال في حرمة المصاهرة. ووجهه: أنَّ سودة أمرت بالاحتجاب؛ فدل على أنَّ وطء عتبة بالزنى له حكم الوطء بالنكاح؛ وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. وخالفهم المالكية والشافعية: فعندهم لا أثر لوطء الزنى؛ لعدم احترامه. ١٠ - أنَّ حكم الحاكم لا يغير الأمر في الباطن، فإذا علم المحكوم له أنَّه مبطل، فهو حرام في حقه، ولا يبيحه له حكم الحاكم. قال شيخ الإسلام: ومن وطىء امرأة بما يعتقده نكاحًا، فإنَّه يلحق به النسب، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم، وإنْ كان النكاح باطلاً عند الله وعند رسوله، وكذلك وطء اعتقد أنَّه ليس حرامًا، وهو حرام. * فوائد: الأولى: قال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز أنْ يكون حملٌ أكثر من تسعة أشهر، ولا أقل من ستة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف] وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولما ذكر كلام الفقهاء في أقله وأكثره، والحكايات التي تنقل في هذا، قال: "وكل هذه أخبار مكذوبة، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا". قلت: وما قاله ابن حزم هو ما يؤيِّدُهُ الطب الحديث.

стр. 2974

قال الطبيب محمد علي البار: مدة الحمل الطبيعي (٢٨٠) يومًا، ولا يزيد عن شهر بعد موعده، وإلاَّ لمات الجنين في بطن أمه، وينبغي أنْ يتنبَّه من يدرسون الفقه على استحالة حدوث هذا الحمل الطويل الممتد سنينًا. الثانية: قال الشيخ محمد بن إبراهيم: يجوز إلقاء النطفة بدواء مباح، فقد قال في الإنصاف: يجوز شرب الدواء، لإلقاء النطفة. قال في الفروع: ظاهر كلام ابن عقيل: أنَّه يجوز إسقاطه قبل أنْ تُنفخ فيه الروح. قال ابن رجب: وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها، ما لم تنفخ فيه الروح، وهو قول ضعيف. اهـ كلام ابن رجب. وكلام الأصحاب صريح في جواز إلقاء النطفة. الثالثة: قال الشيخ تقي الدين: لو شربت المرأة دواء لقطع الحيض، أو لطول فترة الطهر، كان طهرًا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: يجوز أخذ حبوب الحمل لتنظيم فترات الحمل؛ لظروف عائلية أو صحية، وأمَّا إنْ كان القصد قطع الحمل بالكلية، فهذا لا يجوز. * قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع إسقاط الجنين المشوّه خِلقيًّا: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه. أمَّا بعد: فإنَّ مجلس المجمَّع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٥ رجب ١٤١٠هـ، الموافق ١٠ فبراير ١٩٩٠ م، إلى يوم السبت ٢٢ رجب ١٤١٠ هـ،

стр. 2975

الموافق ١٧ فبراير ١٩٩٠ م، قد نظر في هذا الموضوع، وبعد مناقشته من قِبَل هيئة المجلس الموقَّر، ومن قِبَل أصحاب السعادة الأطباء المختصين، الَّذين حضروا لهذا الغرض، قرر بالأَكثرية ما يلي: ١ - إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنَّه مشوَّه الخلقة، إلاَّ إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين: أنَّ بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم؛ فعندئذ يجوز إسقاطه، سواءٌ أكان مشوهًا أم لا؛ دفعًا لأعظم الضررين. ٢ - قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية: أنَّ الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأنَّه إذا بقي وولد في موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه، وعلى أهله؛ فعندئذِ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر، والله ولي التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. ... انتهى الجزء الخامس ويليه الجزء السادس (وأوله باب الرضاع)

стр. 2976

توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام تَأليف رَاجي عَفو رَبّه عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام غفر الله له ولوالديه وللمسلمين طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة الجزء الخامس مكتَبة الأسدي مكّة المكرّمة

стр. 2977

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعَة الخامِسَة مُصَحَّحَه وَمحَقّقَة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م مكتبة الأسدي مَكّة المكرَّمة- العَزيزيّة- مَدخَل جَامِعَة أم القُرَى هَاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس: ٥٥٧٥٢٤١ صَ. بَ: ٢٠٨٣

стр. 2978

باب الرضاع مقدمة الرِّضاع: بفتح الراء وكسرها، مصدر: رضع الثدي؛ إذا مصَّه. وتعريفه شرعًا: مص لبن ثاب عن حملٍ، أو شربه. وحكم الرضاع ثابتٌ: بالكتاب، والسنة، والإجماع، ونصوصه مشهورة. ففي الكتاب العزيز: قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وفي السنَّة: ما جاء في الصحيحين، من حديث ابن عباس، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يَحْرُم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب". وأجمع العلماء على أثره في تحريم التناكح والمحرمية، وجواز النظر والخلوة، لا وجوب النفقة، والتوارث، وولاية النكاح. وحكمة هذه المحرمية والصلة ظاهرة؛ فإنَّه حين تغذى الرضيع بلبن هذه المرأة، نبت لحمه عليه؛ فكان كالنسب له منها. ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها مرض مُعْدٍ، لأنَّه يسري إلى الولد. واستحبوا أنْ يختار المرضعة الحسنة الخَلْقِ والخُلُق؛ فإنَ الرِّضاع يغيِّر الطباع.

стр. 2979

والأحسن ألاَّ ترضعه إلاَّ أمه؛ لأنَّه أنفع وأَمْرَأُ، وأحسن عاقبة من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشكلات زوجية. وقد حثَّ الأطباء على لبن الأم، لاسيَّما في الشهور الأُوَل. وقد ظهرت لنا حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم. قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: "وللرضاع فوائد عظيمة"، وَمن فوائده الصحية: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فيقرر المولى تعالى حق الطفل في الرضاعة، ويوجه الوالدين إلى أنْ يتشاورا في أمر وليدهما، ويربط ذلك بالتقوى، وبعد مضي أربعة عشر قرنًا من نزول الاية الكريمة، نادت المنظمات الدولية، والهيئات العالمية؛ مثل هيئة الصحة العالمية، التي تصدر البيان تلو البيان، تنادي الأمهات أنْ يرضعن أولادهنَّ، بينما أمر الإسلام به منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان. فمن فوائد الرَّضاعة للوليد: ١ - لبن الأم معقَّم، جاهز، ليس به ميكروبات. ٢ - لبني الأم لا يماثلة أيُّ لبن محضَّر؛ من البقر، أو الغنم، أو الإبل، فقد صُمِّم وَرُكِّب؛ ليفي بحاجات الطفل يومًا بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام. ٣ - يحتوي لبن الأم على كميات كافية من البروتين، والسكر، بنسب تناسب الطفل تمامًا، بينما البروتينات الموجودة في لبن الأبقار، والأغنام، والجواميس عسيرةُ الهضم على معدة الطفل؛ لأنَّها أُعدت لتناسب أولاد تلك الحيوانات. ٤ - نمو الأطفال الَّذين يرضعون من أمهاتهم أسرع وأكمل، من نمو أولئك الأطفال الَّذين يُعْطَوْن القارورة.

стр. 2980

٥ - تقول تقارير هيئة الصحة العالمية لعام ١٩٨٨ م: إنَّ أكثر من عشرة ملايين طفل قد لَقَوْا حتفهم؛ نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم. ٦ - الارتباط النفسي والعاطفي بين الأم وطفلها. ٧ - يحتوي لبن الأم على العناصر المختلفة الضرورية لتغذية الطفل، وفق الكمية والكيفية، وعناصر التغذية الثابتة، وتتغير يومًا بعد يوم، وفق حاجات الطفل. ٨ - يُحفظ لبن الأم تحت درجة من الحرارة معقولة، يستجيب تلقائيًّا لحاجيات الطفل، ويمكن الحصول عليه في أي وقت. ٩ - الإرضاع من الثدي هو أحد العوامل الطبيعية لمنع حمل الأم؛ وهي وسيلة تمنع من المضاعفات التي تصحب استعمال حبوب منع الحمل، أو اللولب، أو الحقن". وذكر الدكتور أشياء كثيرة من الفوائد، نكتفي منها بهذا القدر، ولا نملك إلاَّ أن نقول: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل]. ***
следующие страницы →