← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13604

توضيح الأحكام من بلوغ المرام

عبد الله البسام

Полный текст (4 050 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام تَأليف رَاجي عَفو رَبّه عَبْد الله بن عَبْد الرحمن البَسَّام غفر الله له ولوالديه وللمسلمين طبعَة مصحَّحَة ومحقّقة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة الجزء الخامس مكتَبة الأسدي مكّة المكرّمة

стр. 2977

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعَة الخامِسَة مُصَحَّحَه وَمحَقّقَة وَفيهَا زيَادَات هَامَّة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م مكتبة الأسدي مَكّة المكرَّمة- العَزيزيّة- مَدخَل جَامِعَة أم القُرَى هَاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ - فاكس: ٥٥٧٥٢٤١ صَ. بَ: ٢٠٨٣

стр. 2978

باب الرضاع مقدمة الرِّضاع: بفتح الراء وكسرها، مصدر: رضع الثدي؛ إذا مصَّه. وتعريفه شرعًا: مص لبن ثاب عن حملٍ، أو شربه. وحكم الرضاع ثابتٌ: بالكتاب، والسنة، والإجماع، ونصوصه مشهورة. ففي الكتاب العزيز: قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وفي السنَّة: ما جاء في الصحيحين، من حديث ابن عباس، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يَحْرُم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب". وأجمع العلماء على أثره في تحريم التناكح والمحرمية، وجواز النظر والخلوة، لا وجوب النفقة، والتوارث، وولاية النكاح. وحكمة هذه المحرمية والصلة ظاهرة؛ فإنَّه حين تغذى الرضيع بلبن هذه المرأة، نبت لحمه عليه؛ فكان كالنسب له منها. ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها مرض مُعْدٍ، لأنَّه يسري إلى الولد. واستحبوا أنْ يختار المرضعة الحسنة الخَلْقِ والخُلُق؛ فإنَ الرِّضاع يغيِّر الطباع.

стр. 2979

والأحسن ألاَّ ترضعه إلاَّ أمه؛ لأنَّه أنفع وأَمْرَأُ، وأحسن عاقبة من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشكلات زوجية. وقد حثَّ الأطباء على لبن الأم، لاسيَّما في الشهور الأُوَل. وقد ظهرت لنا حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم. قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: "وللرضاع فوائد عظيمة"، وَمن فوائده الصحية: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فيقرر المولى تعالى حق الطفل في الرضاعة، ويوجه الوالدين إلى أنْ يتشاورا في أمر وليدهما، ويربط ذلك بالتقوى، وبعد مضي أربعة عشر قرنًا من نزول الاية الكريمة، نادت المنظمات الدولية، والهيئات العالمية؛ مثل هيئة الصحة العالمية، التي تصدر البيان تلو البيان، تنادي الأمهات أنْ يرضعن أولادهنَّ، بينما أمر الإسلام به منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان. فمن فوائد الرَّضاعة للوليد: ١ - لبن الأم معقَّم، جاهز، ليس به ميكروبات. ٢ - لبني الأم لا يماثلة أيُّ لبن محضَّر؛ من البقر، أو الغنم، أو الإبل، فقد صُمِّم وَرُكِّب؛ ليفي بحاجات الطفل يومًا بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام. ٣ - يحتوي لبن الأم على كميات كافية من البروتين، والسكر، بنسب تناسب الطفل تمامًا، بينما البروتينات الموجودة في لبن الأبقار، والأغنام، والجواميس عسيرةُ الهضم على معدة الطفل؛ لأنَّها أُعدت لتناسب أولاد تلك الحيوانات. ٤ - نمو الأطفال الَّذين يرضعون من أمهاتهم أسرع وأكمل، من نمو أولئك الأطفال الَّذين يُعْطَوْن القارورة.

стр. 2980

٥ - تقول تقارير هيئة الصحة العالمية لعام ١٩٨٨ م: إنَّ أكثر من عشرة ملايين طفل قد لَقَوْا حتفهم؛ نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم. ٦ - الارتباط النفسي والعاطفي بين الأم وطفلها. ٧ - يحتوي لبن الأم على العناصر المختلفة الضرورية لتغذية الطفل، وفق الكمية والكيفية، وعناصر التغذية الثابتة، وتتغير يومًا بعد يوم، وفق حاجات الطفل. ٨ - يُحفظ لبن الأم تحت درجة من الحرارة معقولة، يستجيب تلقائيًّا لحاجيات الطفل، ويمكن الحصول عليه في أي وقت. ٩ - الإرضاع من الثدي هو أحد العوامل الطبيعية لمنع حمل الأم؛ وهي وسيلة تمنع من المضاعفات التي تصحب استعمال حبوب منع الحمل، أو اللولب، أو الحقن". وذكر الدكتور أشياء كثيرة من الفوائد، نكتفي منها بهذا القدر، ولا نملك إلاَّ أن نقول: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل]. ***

стр. 2981

٩٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ، وَالمَصَّتَانِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * مفردات الحديث: - لاَ تُحَرِّم: من التحريم. - المصَّة: بفتح الميم، وتشديد الصاد المهملة؛ هي الواحدة من المص، يقال: مصَّ اللبن يمصُّه مصًا: رشفه وشربه شربًا رقيقًا، مع جذب نَفَسٍ. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرِّضاع المؤثِّر بانتقال نفعه من المرضعة إلى الرضيع -هو ما أنشز العظم، وأنبت اللحم، وأمَّا المصَّة والمصَّتان: فلا أثر لهما في تكوين الطفل؛ لذا لم يكنْ لهنَّ تأثيرٌ في الحكم. ٢ - الحديث يدل على أنَّ المصَّة والمصتين لا تحرمان، لأنَّهما يسيرتان، والمسألة فيها أقوال للعلماء، وخلافات بينهم، سيأتي تحقيقها، إنْ شاء الله تعالى. ٣ - مفهوم الحديث: أنَّ الرضاع الكثير يحرِّم، وسيأتي شرح حديث: "يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب"، إنْ شاء الله تعالى. ٤ - عدم تحريم المصَّة والمصتين؛ فلا يكون التحريم إلاَّ بخمس رضعات؛ لحديث عائشة الآتي قريبًا، إنْ شاء الله تعالى. ...

стр. 2982

٩٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "انظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - انْظُرْنَ: النظر هنا بمعنى: التفكير، والتأمل، والتدبر؛ فهو أمر بإمعان التحقيق، والتأكد البابغ في شأن الرِّضاع؛ هل هو ممَّا يوجب التحريم؟ - من: استفهامية، محلها النصب؛ لأنَّها مفعول به. - فإنَّما الرضاعة: "الفاء" فيه للتعليل؛ لقوله: "انظرن من إخوانكنَّ"؛ يعني ليس كلّ من رضع معكن صار أخًا لَكُنَّ، بل شرطه أنْ يكون من المجاعة. - الرَّضاعة: مصدرة رضع رضاعًا؛ وهو مص اللبن الَّذي ثاب عن حمل من ثدي المرضعة. - المَجَاعة: بفتح الميم والجيم: خلو المعدة من الطعام؛ قال أبو عبيد: معناه: أن الَّذي إذا جاع كان طعامه الَّذي يشبعه اللبن من الرضاع، هو الَّذي يثبت الحرمة. ...

стр. 2983

٩٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بلغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ فَقَالَ: "أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يأمر ﷺ بالتحقيق في أمر الرَّضاعة، هل هو الرضاع الصحيح المحرِّم الواقع في زمن الرَّضاع المشتَرَط؟ فإن الحكم هو للرضاع الذي ينبت به اللحم، وينشز منه العظم، وتثبت به الحرمة، وذلك حينما يكون الرضيع طفلاً يسد اللبنُ جوعَهُ، وينبت عليه لحمه، فيصير جزءًا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها. ٢ - أما الحديث رقم (٩٨٠) فيفيد أن رضاع الكبير يفيد، وأن له أثرًا، وأنه يفيد من المحرمية والأحكام ما يفيده رضاع الصغير، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في وقت الرَّضاع الذي يتعلق به التحريم، ولهم في ذلك أقوال، ولكن الذي يصلح للبحث والمناقشة، ويستند حكمه إلى الأدلة -أربعة مذاهب هي: الأول: أن الرَّضاع المعتبر، هو ما كان في الحولين فقط.

стр. 2984

الثاني: هو ما كان في الصغر، ولم يقدروه بزمان. الثالث: أن الرضاع يحرم؛ ولو كان للكبير البالغ، أو الشيخ. الرابع: أن الرضاع لا يكون محرِّمًا إلاَّ لمن كان في الصغر، إلاَّ إذا دعت الحاجة إلى إرضاع الكبير، الذي لا يُستغنى عن دخوله، وَيُشقّ الاحتجاب منه. فذهب إلى الأول: الشافعي، وأحمد، وصاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وصح عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وروي عن الشعبي، وهو قول سفيان، وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل تمام الرضاعة حولين، فلا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به تحريم. وحديث: "إنما الرضاعة من المجاعة" المتقدم، ومدة المجاعة هي ما كان في حولين. وما رواه الدارقطني بإسناد صحيح، عن ابن عباس يرفعه: "لا رضاع إلاَّ ما كان في الحولين". وفي سنن أبي داود من حديث ابن مسعود يرفعه: "لا يحرم من الرَّضاع إلاَّ ما أنبتَ اللحم، وأنشزَ العظم". ورضاع الكبير لا يُنبت اللحم، ولا ينشز العظم. وذهب إلى القول الثاني: أزواج النبي ﷺ خلا عائشة، وروي عن ابن عمر، وابن المسيب. ودليل هؤلاء: ما في الصحيحين أنه ﷺ قال: "إنما الرضاعة من المجاعة"، حيث يقتضي عمومه، أن الطفل مادام غذاؤه اللبن فإنَ ذلك الرَّضاع محرِّم، وهو نظرٌ جيِّدٌ، ومأخذه قويٌّ. وذهب إلى القول الثالث: طائفة من السلف والخلف؛ منهم عائشة،

стр. 2985

ويروى عن: علي، وعروة، وعطاء، وقال به الليث بن سعد، وداود، وابن حزم، ونصره في كتابه، "المحلى"، ورد حجج المخالفين. وكانت عائشة إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال، أمرت أختها أم كلثوم، أو بنات أخيها، فأرضعته. ودليل هؤلاء: ما صحَّ عن النبي ﷺ أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله، إن سالمًا مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، فقال: "أرضِعيه، تحرمي عليه"؛ فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. [رواه مسلم]. وهذا حديث صحيح ليس في ثبوته كلام، ولكن أصحاب القول بالحولين يجيبون عنه بأحد جوابين: الأول: أنه منسوخ. ولكن دعوى النسخ تحتاج إلى معرفة التاريخ بين النصوص، وليس هناك علم بالمتقدم منها، والمتأخر. ولو كان منسوخًا، لقاله الذين يحاجّون عائشة في هذه المسألة، ويناظرونها من أزواج النبي ﷺ ، وغيرهن. الجواب الثاني: دعوى الخصوصية؛ فيرون هذه الرخصة خاصة لسالم وسهلة، وليست لأحد غيرهما. وتخريج هذا المسلك لهم: أنهم يقولون: جاءت سهلة شاكية متحرجة من الإثم والضيق، لما نزلت "آية الحجاب"، فرخَّص لها النبي ﷺ ، فكأنه استثناها من عموم الحكم. قالوا: ويتعين هذا المسلك، وإلاَّ لزمنا أحد مسلكين: إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، أو نسخها به. ولا يمكن هذا؛ لأننا لا نعلم تاريخ السابق منها واللاحق، وبهذا المسلك نتمكن من العمل بالأحاديث كلها؛ فيكون هذا الحديث خاصًّا بـ"سالم " و"سهلة"، وسائر الأحاديث لعامة الأمة.

стр. 2986

وذهب إلى القول الرابع -وهو أن رضاع الكبير رخصة عامة لكل من هو في مثل حال "سهلة"-: شيخُ الإسلام ابن تيمية، وجعله توسُّطًا بين الأدلة، وجمعًا بينهما؛ حيث إن النسخ لا يمكن بين هذه النصوص؛ لعدم العلم بالتاريخ. والخصوصية لـ"سالم" وحده لم تثبت، فتكون خصوصية في مثل مَن هو في حال "سالم" وزوج أبي حذيفة؛ أنه يشق الاحتجاب عنه، ولا يُسْتَغنى عن دخوله، والخلوة به. ورجَّح هذا المسلك ابن القيم في "الهدي"؛ فقال: "وهذا أولى من النسخ، ودعوى الخصوصية لشخص بعينه، وهذا أقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق". ****

стр. 2987

٩٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ، جاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ، قَالَتْ: فَأَبيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بالَّذِي صَنَعْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَالَ: "إِنَّهُ عَمُّكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - القُعَيْس: بضمِّ القاف، وفتح العين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ثم سين مهملة-: تصغير قَعْس، واسم أبي القعيس: الجعد. - يستأذن: أي: يطلب الإذن بالدخول. ...

стр. 2988

٩٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ فِيْمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُوْمَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهِيَ فِيْمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ــ *مفردات الحديث: - نُسِخْنَ: النسخ لغةً: الإزالة والنقل، واصطلاحًا: رفع حكمٍ شرعيٍّ، أو رفعُ لفظه بدليلٍ من الكتاب والسنة. - معلومات: متحققات ثابتات. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - وجوب التثبت من صحة الرَّضاع المحرِّم؛ لقوله ﷺ ما معناه: يا عائشة، انظرن، وتثبتن في الرضاعة؛ فإن منها ما لا يسبب المحرمية، فلابد من رضاعة يَنْبُتُ منها اللحم، ويشتد بها العظم، وذلك أن تكون من المجاعة، حين يكون الطفل محتاجًا إلى اللبن، فلا يتقوت بغيره، فيكون حينئذٍ كالجزء من المرضِعة، فيصير كأحد أولادها؛ فتثبت المحرمية. ٢ - احتياط المرأة الصالحة من مواجهة الأجانب، إلاَّ بعد التأكد من صحة محرميته لها. ٣ - النبي ﷺ لم يَلُمْ، ولم يُنْكِر على عائشة تحريها واحتياطها، فلابد من ذلك. ٤ - أنه لابد أن يكون الرضاع في وقت الحاجة إلى تغذيته؛ فإن الرضاعة من

стр. 2989

المجاعة، ويأتي تحديد ذلك عددًا ووقتًا، والخلاف فيه إن شاء الله. ٥ - والحكمة في كون الرضاع المحرِّم هو ما كان من المجاعة: أنه حين يتغذى بلبنها محتاجًا إليه، يَشِبُّ عليه لحمه، وتقوى عظامه؛ فيكون كالجزء منها، فيصير كولد لها تغذى في بطنها، وصار بِضعةً منها. ٦ - أن الرضاع المحرِّم كان في أول الأمر عشر رضعات نزل بها القرآن، فنسخ لفظه وحُكمه، إلى خمس رضعات يحرمن، توفي رسول الله ﷺ وهنَّ هكذا. ٧ - قال البيهقي: "فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه من القرآن، والخمس مما نسخ رسمه وبقي حكمه؛ بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن، لم يثبتوها رسمًا، وحكمها باقٍ عندهم". قال السمعاني: "وقولها" مما يتلى من القرآن "أي: يتلى حكمها دون لفظها". وقال الطيبي: "وقول عائشة ﵂: "تُوفي رسول الله ﷺ ، وهي فيما يقرأ من القرآن"؛ يعني: عند من لم يبلغه نسخهن، حتى بلغه، فترك؛ لأن القرآن محفوظ من الزيادة أو النقص، وهذا من جملة ما نسخ لفظه، ومعناه باقٍ". ٨ - قول عائشة ﵂: "عشر رضعات معلومات"؛ أي: منسوخات الحكم والتلاوة، وقولها: "خمس معلومات" منسوخات التلاوة، ثابتات الحكم؛ كآية الرجم. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في قدر الرَّضاع المحرِّم: فذهب طائفة من السلف، والخلف إلى: أن قليل الرضاع وكثيره يحرِّم؛ وهو مرويٌّ عن: علي، وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.

стр. 2990

وحجتهم: أن الله علَّق التحريم باسم "الرضاعة"، فهي مطلقة في القرآن، لم يقيدها بشيء؛ فحيث وُجد اسمها، وُجِد حكمها. وذهبت طائفة أخرى إلى: أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات؛ وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وداود. وحجة هؤلاء: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحرِّم المصة، ولا المصتان". [رواه مسلم]. ومفهوم الحديث: أن ما زاد على المصَّتين يثبت به التحريم، وهو الثلاثة فصاعدًا. وذهبت طائفة ثالثة إلى: أنه لا يثبت بأقل من خمس رضعات؛ وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وابن حزم. ودليل هؤلاء: ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسِخْن بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يُقرأ من القرآن". وما جاء في صحيح مسلم أيضًا في قصة سهلة زوجة أبي حذيفة، حينما قالت: إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضلى، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيهن؟ فقال ﷺ : "أرضعيه"، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. وأجابت هذه الطائفة عن أدلة الطائفتين الأوليين، فقالت: وأما من يرون أن قليله وكثيره يحرم: فجوابهم الحديث الصحيح المتقدم: "لا تحرِّم المصة، ولا المصَّتان". وأما جواب أصحاب الثلاث: فهو أن دليلهم مفهوم، والمنطوق مقدم عليه، والعمل بأحاديث الرضعات الخمسة إعمال للأحاديث كلها.

стр. 2991

وبالتأمُّل: فإن التعبير بـ"الأم" يقتضي أن المرضعة لا تحرم، إلاَّ إذا أرضعت مقدارًا تستحق به الاتصاف بالأمومة، ولا تتصف بذلك إلاَّ مَن ولدت الولد، أو مَن صار جزءُ بدنها -وهو اللبن- جزءًا لبدن الولد، وهذا لا يحصل بمجرد الرَّضاعة القليلة، بل لابد له من مقدار كبير، يصير به اللبن جزءًا للبدن، وذلك غير معلوم، فوجب الرجوع إلى تقدير الشارع، والأحاديث تدور حول كون الرَّضاعة من المجاعة، وكونها فاتقة للأمعاء، ومنشزة للعظم، ومنبتة للحم، وكونها في الحولين، وعدم اعتبار رضاع الكبير، كل ذلك لأجل هذه العلة. وعلى هذا: فإنه لا تعارض بين الآية والحديث فقد جاء الحديث لبيان المقدار، والقرآن الكريم سمّى المرضعة أُمًّا فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والأُمومة لا تكون إلاَّ بالمقدار الذي جاء في الحديث، فظهر أن ما ذهب إليه الإمامان: الشافعي وأحمد، هو الصحيح، والله أعلم. * فوائد. الأولى: ذهب الإمام الشافعي، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، واختيار ابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي وغيرهم: إلى أن الرضعة لا تحتسب رضعة؛ حتى تكون وجبة للطفل تامَّة، كالأكلة من الأكلات، والشّربة من الشربات. أما قطع الطفل الثدي لعارض كالتنفس، أو نقله من ثدي لآخر، فهذه لا يُعتبر رضعة، وإن كان هو المشهور من المذهب الحنبلي. الثانية: قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: "أخذ الدم من الرجل للمرأة، وحقنها به لا ينشر به حرمة، ولو كَثُر، كما تنتشر الحرمة بالرَّضاع، وكذا الحكم لو حقن الرجل بدم المرأة، فيجوز لكل منهما أن يتزوج بالآخر". وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: نقل الدم من رجل إلى امرأة، أو بالعكس لا يسمى رضاعًا، لا لغةً، ولا عرفًا، ولا شرعًا، ولا تثبت له أحكام الرضاع". الثالثة: أما المحرمات من الرَّضاع: فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

стр. 2992

قال شيخ الإسلام: "مما اتفق عليه أنه يحرم من الرِّضاع ما يحرم من النسب، فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام، صار ولدها باتفاقٍ، وابنَ صاحب اللبن باتفاقِ الأئمة المشهورين، وصار كل من أولادهما إخوة للمرتضع؛ سواء أكانوا من الأب فقط، أم من الأم فقط، أو منهما. ولا فرق بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل، وبين مَنْ وُلِدَ لها قبل الرَّضاعة، أو بعد الرَّضاعة، باتفاق المسلمين. وعلى هذا فجميع أقارب المرأة للمرتضع من الرضاعة أقاربه: فأولادها إخوته، وأولاد أولادها أولاد إخوته، وآباؤها وأمهاتها أجداده وجداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وكل هؤلاء حرامٌ عليه. وأما بنات أخواله وخالاته من الرضاع فحلال، كما يحل له ذلك من النسب، وأقارب الرجل، وأقاربه من الرضاعة هكذا، وأولاد المرتضع بمنزلته. وأما إخوة المرتضع من النسب، أو من الرضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم أجانب من أقاربه، يجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة وهذا كله متفق عليه بين العلماء". واختار الشيخ تقي الدين: أن تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته من الرضاع، ولا بنت زوجته من الرضاع، إذا كان بلبن غيره، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها من الرضاع. ولكن قد حُكِيَ الإجماع على خلاف قول الشيخ. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن بنوك الحليب: قرار رقم (٦): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم

стр. 2993

النبيين، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة، من١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ/ ٢٢ - ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م. بعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك الحليب. وبعد التأمل فيما جاء في الدراستين، ومناقشة كل منهما مناقشة مستفيضة، شملت مختلف جوانب الموضوع -تبين: ١ - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية، والعلمية فيها، فانكمشت، وقل الاهتمام بها. ٢ - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب، يحرم به ما يحرم من النسب، بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط، أو الريبة. ٣ - أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج، أو ناقص الوزن، أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب. وبناءً على ذلك قرر: أولاً: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي. ثانيًا: حرمة الرضاع منها، والله أعلم.

стр. 2994

٩٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيْدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - إنها ابنة أخي من الرضاعة: تعليل لتحريم النكاح. - يَحْرُمُ من الرضاعة ما يحرم من النسب: قال الخطابي: "اللفظ عامٌّ، ومعناه خاصٌّ، وتفصيله: أن الرضاع يجري عمومه في تحريم نكاح المرضعة، وذوي أرحامها على الرضيع مجرى النسب، ولا يجري في الرضيع، وذوي أرحامه مجراه". * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النبي ﷺ لم يتزوج من بني هاشم، وعرض عليه الزواج بابنة عمّه حمزة بن عبد المطلب، الذي لم يخلف من الولد غيرها. ٢ - بنات العم حلالٌ له، ولغيره من أمته ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ٣ - ذكر ﷺ المانع له من الزواج بابنة عمه حمزة؛ ذلك أنه أخوه من الرَّضاعة، فيكون ﷺ عم البنت من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. ٤ - التي أرضعت النبي ﷺ ، وأرضعت عمه حمزة هي: "ثويبة مولاة لأبي

стр. 2995

لهب"، وقد اختلف المؤرخون هل أسلمت أو لا؟ وممن أثبت إسلامها الحافظ ابن مَنْدَه. ٥ - أدرك الإسلام من أعمام النبي ﷺ التسعة أربعة؛ هم: أبو طالب، وأبو لهب، وحمزة، والعباس، مات على الشرك منهم اثنان، هما: أبو طالب، وأبو لهب، وأسلم منهم: حمزة والعباس، فأما أبو طالب فهو الذي ناصر النبي ﷺ ، وآزره مع أنه مقيم على شركه؛ حتى مات قبل الهجرة بثلاث سنين. وأما أبو لهب: فصار من أشد أعداء الإسلام وأهله، وآذى النبيَّ ﷺ أذًى شديدًا، هو وزوجته حمَّالة الحطب، واسمها: "أروى بنت حرب بن أمية" أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية. وكانت عونًا له على كفره وشقاقه وأذيَّته للنَّبي ﷺ وأصحابه، فنزلت فيهما سورة تتلى إلى يوم القيامة، وأبو لهب تُوفي على كفره بعد معركة بدر بأيام، وهو لم يحضرها، وإنما أُصيب بمرض مميت، لما بلغته هزيمة على قريش. وأما حمزة: فقد أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وله مواقف بطولية مشرّفة، ثم حضر أُحُدًا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، إلاَّ أنه استشهد فيها ﵁ وحزن عليه النبي ﷺ حزنًا شديدًا. وأمَّا العباس: فتأخَّر إسلامه إلى سنة ثمان من الهجرة، ولكنه لما أسلم، عرف له النبي ﷺ قدره، فأَجَلَّه، ولما تُوفي النبي ﷺ صار الصحابة يعظمونه؛ لشرفه، وسؤدده، ولمكانته من النبي ﷺ ، وتوفي سنة (٣٢ هـ) في خلافة عثمان ﵄.

стр. 2996

٦ - قوله: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". قال شيخ الإسلام: "إذا ارتضع الطفل من امرأةٍ خمس رضعات في الحولين قبل الفطام -صار ولدها باتفاق الأئمة، وصار ولد الرجل الذي در اللبن بوطئه أبًا لهذا المرتضع، باتفاق الأئمة المشهورين، وصار كل من أولادهما أخوة المرتضع؛ سواء أكانوا من الأب فقط، أم من المرأة، أم منهما، ولا فرق -بالاتفاق- بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل، وبين من وُلِدَ لها قبل الرضاعة وبعدها. وصار أقارب المرضعة أقارب المرتضع، فأولادها إخوته، وأولاد أولادها أولاد إخوته، واباؤها وأمهاتها أجداده وجداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأقارب الرجل أقاربه من الرضاعة، كأقارب أمه من الرضاعة. وأما أقارب المرتضع من نسب، أو رضاعٍ -فهم أجانب من أمه من الرضاع، ومن أقاربها، فيجوز لإخوته من الرضاع أن يتزوجوا بأخواته من النسب، وبالعكس، وأما بنات أخواله وخالاته من الرضاع فحلال للمرتضع، كما يحل له ذلك من النسب؛ وهذا كله متفق عليه بين العلماء". ***

стр. 2997

٩٨٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالحَاكِمُ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث صحيح. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ جيِّدٍ، ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، إلاَّ في رواية العبادلة عنه، فإنه صحيح، وهذا منها. وممن صحَّح هذا الحديث ابن حبان، وابن القيم في كتابه "زاد المعاد". * مفردات الحديث: - لا يُحرِّم: بتشديد الراء المسكورة؛ أي: لا يكون سببًا في التحريم. - فَتَق الأمعاء: بالفاء المثناة فوقية، فقاف في آخره، والفتق بمعنى: الشق، والمراد: ما سلك فيها. الأمعاء: جمع معى، بكسر الميم وفتحها: المَصِيْر، واحد المِصْران. - الفِطَام: يُقال: فطمت المرضعُ الرضيعَ: فصلته عن الرضاع، فهي فاطمةٌ، وهو فطيم ومفطوم، والاسم: الفِطَام، بكسر الفاء وفتح الطاء؛ وهو قطع الولد عن الرضاع.

стр. 2998

٩٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لاَ رَضَاعَ إلاَّ فِي الحَوْلَيْنِ": رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، مَرْفُوْعًا وَمَوْقُوْفًا، وَرَجَّحَا المَوْقُوْفَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث موقوف. قال في "التلخيص": رواه الدارقطني من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وقال: تفرد به ابن جميل، عن ابن عيينة، وكان ثقةً حافظًا، وقال ابن عدي: كان يغلط، قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف. وقال المؤلف: "أخرجه الدارقطني، وابن عدي مرفوعًا وموقوفًا". ولكنهما رجَّحا الموقوف، ورجَّح الموقوف أيضًا البيهقي وعبد الحق، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وهو الصواب. أما ابن القيم فصحَّحه مرفوعًا في كتابه "الهدي". ...

стр. 2999

٩٨٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا أَنْشَزَ العَظْمَ، وَانْبَتَ اللَّحْمَ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث ضعيف. أخرجه أبو داود، وعند البيهقي من طريق الدارقطني عن النضر بن شميل، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابنٍ لعبد الله بن مسعود، عن أبيه ابن مسعود؛ وهذا سند ضعيف لتسلسله بالمجاهيل. * مفردات الحديث: - أَنْشَزَ العظم: بفتح الهمزة، فنون، فشين معجمة، فزاي؛ أصل النشز: المكان المرتفع، فإنشاز العظام معناه: نموها، وارتفاعها في الجسم. - أنبت اللحم: نشأ عليه اللحم، وربا، وزاد. * ما يؤخذ من الأحاديث: ١ - اقتضت حكمة الله -تعالى- أن حق المولود في الرَّضاع هو حولان كاملان؛ فقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال الأستاذ سيد قطب: "والله يفرض -أي: يجعل حقًّا- للمولود على أمه ترضعه حولين كاملين، لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.

стр. 3000

وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية، لنمو الطفل نموًّا سليمًا من الوجهتين: الصحية والنفسية، ولكن نعمة الله تعالى على الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم، فالله رحيم بعباده، وبخاصة هؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية". ٢ - فالحديث رقم (٩٨٤): يدل على أنه لا يحرِّم من الرِّضاع إلاَّ ما وصل إلى الأمعاء ووسَّعها، أما القليل الذي لم ينفذ إليها، ويفتقها، ويوسعها -فلا يحرِّم، فكان الرضاع في حال الصغر قبل الفطام؛ وهو مذهب جمهور العلماء. ٣ - أما الحديث رقم (٩٨٥): فيدل على أن الرضاع الذي ينشر الحرمة، وَيحرُم منه ما يحرم من النسب -هو الرضاع في الحولين- وهو موافقٌ للآية الكريمة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. ٤ - أما الحديث رقم (٩٨٦): فيدل على أن الرضاع المعتبر شرعًا هو ما قوى العظم، وشدّه، وأنبت اللحم، فَكُسِيَ به العظم، ولا يكون هذا إلاَّ في حال الصغر. ٥ - الأحاديث الثلاثة متفقة على معنًى واحد؛ وهو أن الرضاع الذي ينشر الحرمة هو ما تغذَّى به الجسم، واستفاد منه، وهو ما كان في زمن الصغر، وهو وقت الرضاعة. والله أعلم. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في الزمن المعتبر في التحريم: فذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد إلى: أن الرضاع المحرِّم هو الواقع في الحولين، فإن زاد عنهما -ولو قليلاً جدًا- لم تثبت به الحرمة. ويروى هذا القول عن: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن

стр. 3001

مسعود، وأبي هريرة، وأزواج النبي ﷺ سوى عائشة. وإليه ذهب الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور. ودليلهم على هذا: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، ولما في الصحيحين عن عائشة؛ أن النبي ﷺ قال: "إنما الرضاعة من المجاعة". وحديث أم سلمة؛ أن النبي ﷺ قال: "لا يحرّم من الرضاع، إلاَّ ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام". [رواه الترمذي]. وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أن الرضاعة المحرِّمة هي ما كانت في ثلاثين شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، ولم يُرِدْ بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فعلم أنه أراد بالحمل في الفصال. وذهب الإمام مالك في إحدى الروايتين عنه إلى: أن ما كان بعد الحولين من رضاع بشهرٍ، أو شهرين، أو ثلاثة -فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبثٌ. وقال شيخ الإسلام: "ثبوت المحرمية بالرضاع إلى الفطام، ولو بعد الحولين، أو قبلهما، فالشارع أناط الحكم بالفطام؛ سواء أكان قبل الحولين، أم بعده". وهذا قول جيِّد له حظٌّ من النَّظرِ.

стр. 3002

٩٨٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ ﵁: "أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتِ امْرَأةٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتكمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ، كيْفَ وَقَدْ قِيْلَ؟! فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، فَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ". أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١). ــ * مفردات الحديث: - عُقْبة: بضم العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الباء الموحدة: ابن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي. - أبي إهَاب: بكسر الهمزة، واسم المرأة: غنية بنت أبي إهاب. - أرضعتُكُما: مزيد: رَضَعَ الصبي أمه يَرْضَعُهَا رَضَاعًا؛ قال تعالى: ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فالصبي راضعٌ ورضيعٌ، وجمع الراضع: رُضَّعٌ، كراكع ورُكَّع، ويجمع على رُضَّاع، ككافر وكفَّار. - كيف: ظرف مبني على الفتح، وله عدة معانٍ: منها التعجُّب والإنكار، وهو المراد هنا. - وقد قيل: الجملة في موضع نصبٍ على الحال، والحالان يستدعيان عاملاً، والتقدير: كيف تكون لها زوجًا، وقد قيل: إنك أخوها؟! أي أن ذلك بعيد. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على أن الرضاع يحرّم كما يحرم النسب، كما جاء في الحديث الصحيح: "يَحْرُم من الرضاع ما يحرم من النسب".

стр. 3003

٢ - أن الطفلين إذا رضعا من امرأة واحدة الرضاع -المحرّم-، فإنهما يصيران أخوين من الرضاع. ٣ - أن شهادة المرأة الواحدة بالرضاع هي نصاب الشهادة، فتكفي شهادتها لإثباته. ٤ - إذا ثبت الرضاع بين الزوج وزوجته، وجب التفريق بينهما؛ لأنها أصبحت أخته من الرضاعة، ولا يحل بقاؤها معه بصفتها زوجته؛ فإن النبي ﷺ أنكر على الرجل بقاءها معه. ٥ - أن الوطء الناشىء عن الجهل بالأمر، أو الجهل بالحكم -وطء شبهة، لا حرج على صاحبه، ويَلحق الولد بوالديه. ٦ - أن عقد النكاح بين المحرمين في النكاح من الرضاعة -باطل من أساسه، ومتفق على ذلك بين العلماء؛ لذا لم يحتج إلى فسخ، فهو غير منعقد من أصله في حقيقة الأمر. * خلاف العلماء: ذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنه لا يقبل في الرضاع شهادة النساء منفردة، فلابد من شهادة رجلين، أو رجل، وامرأتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. وذهب الإمام مالك إلى: أنه لا يقبل إلاَّ شهادة امرأتين؛ وهو قول جماعة من السلف؛ لأن كل جنس يثبت به الحق لا يكفي فيه إلاَّ اثنان؛ كالرجال. وذهب الإمام الشافعي إلى: أنه لا يقبل إلاَّ أربع نسوة؛ لأن النبي ﷺ قال: "شهادة امرأتين بشهادة رجل". [رواه مسلم]. وذهب الإمام أحمد وجماعة من السلف إلى: قبول شهادة المرأة الواحدة إذا كانت ثقة؛ لحديث الباب. وقال ابن القيم: "إذا شهدت المرأة بأنها قد أرضعته وزوجَته، فقد لزمته

стр. 3004

الحجة من الله -تعالى- في اجتنابها، ووجب عليه مفارقتها؛ لقوله ﷺ : "دعها عنك، وليس لأحد أن يفتي بغيره". قال الشوكاني في "نيل الأوطار": "الحق وجوب العمل يقول المرضعة". قال الصنعاني: "وهذا الحكم مخصوص من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد، وقد اعتبر ذلك في عورات النساء، فاكتُفِيَ بشهادة امرأة واحدة، والعلة أنه قلما يطلِّع الرجال على ذلك، فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا". ***

стр. 3005

٩٨٨ - وَعَنْ زِيَادٍ السَّهْمِيِّ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَى". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لزيَادٍ صُحْبَةٌ. (١). ــ * درجة الحديث: الحديث مرسل ضعيف؛ فقد رواه أبو داود في المراسيل -وليس في السنن كما هو ظاهر كلام المصنف- بسنده إلى زياد بن إسماعيل المخزومي المكي، وليست له صحبة. قال في "تهذيب التهذيب": "قال ابن معين: ضعيف، وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء". وقال ابن المديني، وأبو حاتم، والنسائي: "ليس به بأس". وعلى كلٍّ فالحديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف. * مفردات الحديث: - تُسْتَرضع: يُطْلَب منها لتكون مرضعة للطفل الرضيع، وهناك فرقٌ بين المرضع وبين المرضعة؛ ذلك أنه إن أُريد بها المرأة حال الإرضاع، وإلقام ثديها الصبي -فهي المرضعة، وأما إن أُريد بها التي من شأنها أن ترضع، ولو لم تباشر الإرضاع- فهي المرضع؛ وبهذا أجاب الزمخشري عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]. - الحَمْقَاء: بفتح الحاء المهملة، ثم ميم ساكنة، منتهية بألف التأنيث الممدودة-: قليلة العقل، ضعيفة البصيرة، جمعها: حَمْقَى وحُمُق.

стр. 3006

* ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾؛ فلبن الأم في هذه السن للطفل هو الغذاء الملائم لحالة الطفل، وهو الغذاء الذي يستفيد منه الطفل، ولا يستفيد من غيره من الأغذية الأخرى؛ لأنه مجهَّز ومصنَّع من قبل حكيم خبير، عليم بحال الطفل، وما يناسبه في هذه السن. ٢ - لذا جاءت الأحاديث الشريفة بتحديد الزمن الذي يصلح أن يستفيد جسم الطفل من الرضاع؛ فقال ﷺ : "لا رضاع إلاَّ ما كان في الحولين". [رواه الدارقطني]، وجاء في الصحيحين من حديث عائشة؛ أن النبى ﷺ قال: "إنَّما الرضاعة من الجماعة". ٣ - كما جاءت أحاديث أُخَر تفيد أنَّ الرضاع المؤثر المحرم هو ما كان غذاءً للطفل، ولا غذاءَ غيره؛ من جث إنه لبن امرأةٍ، ومن جث كميته، وقدره، وتجهيزه، وتركيبه الرباني؛ فقال ﷺ : "لا تحرِّم المصة، ولا المصتان" [رواه البخاري]. وقال ﷺ : "لا تحرِّم الرضعة، ولا الرضعتان". [رواه مسلم]. وقال ﷺ : "لا رضاع إلاَّ ما أنشز العظم، وأنبت اللحم". [رواه أبو داود]. وقال ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلاَّ ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام". [رواه الترمذي وصححه الحاكم]. ٤ - كل ما تقدم قد سقناه لبيان أن الرضاع الكثير في هذه السن المبكرة له دورٌ كبيرٌ في تنشئة الطفل، وبناء جسمه، فهذا الغذاء يتحول بإذن الله إلى طاقات مختلفة في الجسم، ومنها الطاقة العقلية والفكرية. ٥ - من هذا جاء النهي عن استرضاع المرأة الحمقاء؛ قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: "مما لا ريب فيه أن المرضع تؤثر على الوليد بأخلاقها،

стр. 3007

وخطورة جعل الرضيع في يد حمقاء، قد يؤدي إلى إهماله، أو قتله خطأ، كما يؤدي إلى تكرر الحوادث، والسقوط، والارتطام. قال أصحاب الطب الحديث عن فوائد رضاع لبن الأم أو المرضعة: (أ) لبن الأم معقم مجهزة، ليس فيه ميكروبات. (ب) لبن الأم لا يماثله اللبن المحضر، فقد ركب على أساس حاجات الطفل يومًا بعد يوم، منذ ولادته حتى سن الفطام. (جـ) لبن الأم يحتوي على كميات كافية من عناصر الغذاء، بنسب تناسب الطفل تمامًا. (د) تقول التقارير الصحية العالمية لعام (١٩٨٠ م): إن أكثر من عشرة ملايين طفل، قد ماتوا نتيجة عدم إرضاعهم من أمهاتهم. (هـ) في الإرضاع ارتباط نفسي وعاطفي بين الأم وطفلها". وذكر الأطباء أشياء كثيرة من فوائد الرضاع، دون الحليب الذي تجهزه المصانع بعلوم قاصرة، وأفكار ضعيفة، والله عليم حكيم. ***

стр. 3008

باب النَّفَقات مقدِّمة النفقات: جمع نفقة؛ كثمرة. قال ابن فارس: "النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والنفقة من هذا؛ لأنها تمضي لوجهها". والنفقة: الدراهم ونحوها من الأموال. وشرعًا: هي كفاية من يمونه: طعامًا، وكسوةً، ومسكنًا، وتوابعها. والنفقات أصناف: - نفقة الزوجات. - نفقة الأقارب. - المماليك من رقيق وحيوان. والنفقة ثابتة بالكتاب: قال تعالى: ﴿يُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]. والسنة: لحديث: "ابدأ بمَن تعول"، وغيره. وأجمع العلماء على وجوبها في الجملة؛ فتجب على الإنسان: نفقة نفسه، ونفقة زوجته، وبهائمه، مع اليسارِ، والإعسار.

стр. 3009

وتجب عليه نفقة فروعه وأصوله، سواء أكانوا وارثين، أم محجوبين، وتجب عليه نفقة حواشيه، إذا كان يرثهم بفرض، أو تعصيبٍ. والنفقة على الأصول، والفروع، والحواشي، المقصود بها: المواساة؛ ولهذا اشتُرِط لها شرطان: أحدهما: غنى المنفِق بماله، أو كسبه. الثاني: فقر المنفَق عليه والنفقة مقيَّدة بالمعروف، ويختلف العرف باختلاف الأوقات، والبلدان، والأحوال؛ قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال شيخ الإسلام: "يدخل في هذا جميع الحقوق التي للمرأة عليه، وأن مردَّ ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم". ***

стр. 3010

٩٨٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبهَ امْرَأةُ أَبِي سُفْيَانَ على رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ، لاَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بنَيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذلِكَ مِنْ جُنَاح؟ فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بنِيْكِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ــ * مفردات الحديث: - شَحِيح: على وزن فعيل، من صيغ المبالغة، ومعناه: كثير الشح، والشحُّ هو البخل، من الحرص، فهو أخصُّ من البخل، والحرص هو شدة الرغبة في الشيء. - جُنَاح: بضم الجيم المعجمة، هو الإثم. - بالمعروف: يعني: العرف والعادة، وذلك يكون بحسب أحوال الناس، وعاداتهم، وما يتعارفونه بينهم في زمانهم، ومكانهم، ويُسْرهم، وعسرهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوب نفقة الزوجة والأولاد، وأنه يختص بها الأب، فلا تشاركه الأم فيها، ولا غيرها من الأقارب. ٢ - النفقة تقدَّر بحال الزوج، وحال المنفق؛ من حيث الغنى، والفقر، ووسط الحال. ٣ - أن النفقة تكون بالمعروف؛ ومعنى المعروف: العرف والعادة، وهذا

стр. 3011

يختلف باختلاف الزمان، والمكان، وأحوال الناس. ٤ - أن مَنْ وجبت عليه النفقة، فلم ينفق شحًّا، فإنه يؤخذ من ماله، ولو بغير علمه؛ لأنها نفقة واجبةٌ عليه. ٥ - ومنه أن المتولي على أمرٍ من الأمور يُرْجَع في تقديره إليه؛ لأنه مُؤْتَمَن، فله الولاية على ذلك. ٦ - اختلف العلماء؛ هل أمر النبي ﷺ هندًا حين سألته أن تأخذ من مال زوجها- هو حكمٌ، فيكون من باب الحكم على الغائب، أم أنها فتوى؟ قال العلماء: "إن هذه القصة مترددة بين كونها فتيا، وبين كونها حُكْمًا، وكونها فتيا أقرب؛ لأنه لم يطالبها ببينة، ولا استحلفها، وأبو سفيان في البلد لم يغب عنه، والحكم لا يكون إلاَّ بحضور الخصمين كليهما". ٧ - ومنه أن هذه الشكاية وأمثالها لا تعتبر من الغيبة المحرمة؛ لأنها رفعت أمرها إلى ولي الأمر، القادر على إنصافها، وإزالة مَظلمتها. ٨ - ومنه جواز مخاطبة المرأة الأجنبية للحاجة، وعند الأمن من الفتنة. ٩ - عموم الحديث يوجب نفقة الأولاد، وإن كانوا كبارًا، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ١٠ - وفيه دليلٌ على أن من تعذر عليه استيفاء ما يجب له، فله أن يأخذه، ولو على سبيل الخُفْية، ويسمّيها العلماء "مسألة الظَّفَر"، وهي مسألة خلافية، أجازها الشافعي وأحمد، ومنعها أبو حنيفة ومالك، والراجح التفصيل؛ وذلك أنه إن كان سبب الحق واضحًا بيِّنًا، فله الأخذ؛ لانتفاء الشبهة فيه، وإن كان السبب خفيًّا، فلا يجوز؛ لئلا يتهم بالآخذ بالاعتداء على حق الغير. ***

стр. 3012

٩٩٠ - وَعَنْ طَارقٍ المُحَارِبِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا المَدِيْنَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلى المِنْبَر، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: "يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، فَأَدْنَاكَ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (١). ــ * درجة الحديث: الحديث حسن. وأصله في الصحيحين، فأوله من حديث حكيم بن حزام، أن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السُّفْلى، وابدأ بمن تعول"، وأما آخره فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: من أَبِرّ يا رسول الله؟ فقال: أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أمك، ثم قال: من؟ قال: أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أباك". قال بعضهم: "رواته كلهم ثقات، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الطبراني، وقد حسَّنه المنذري". * مفردات الحديث: - وابدأ: من: بدأت الشيء أبدؤه بدأً، بهمز لكل؛ أي: ابتدىء بالإنفاق على مَن يجب عليك نفقته. - تَعُول: من: عاله عولاً: كفله، وقام به، والعيال: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد: عَيِّل، والجمع: عيال: ومنه الحديث: "الخلق عيال الله". والذين تعولهم هم مَن تُنْفِق عليهم. - أمَّك وأباك: نصب بفعل مقدرة أي: الزمهم بالإنفاق عليهم.

стр. 3013

- أدناك فأدناك: أي: أقربك، فأقربك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث بيان فضل المنفِق والمتصدق، وأن يده هي العليا حسًّا ومعنًى؛ فالمنفق يده عالية على يد الآخر في القبض، وهي عالية عليها في شرفها وفضلها، وإحسانها. ٢ - تجب البداءة بالنفقات الواجبة بالنفس، ثم الزوجة، ثم الفروع، ثم الأصول، ثم المماليك. ٣ - النفقة على النفس هي الأولى، ثم مَن تجب نفقتهم مع اليسار والإعسار؛ وهم الزوجة والمماليك، والبهائم، ثم مَن تجب نفقتهم، ولو لم يرثهم المنفِق من الأصول والفروع، ثم نفقة الحواشي، إذا كان المنفِق يرثهم بفرض، أو تعصيب. ٤ - الحديث فيه تقديم الأم، ثم الأب، ثم الإخوان، ثم الأقرب، فالأقرب على حسب درجاتهم في الإرث والقرب؛ قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، فكل قريب له على قريبه حق، والحقوق متفاوتة. ٥ - يشترط لوجوب نفقة القريب من أصول، وفروع، وحواشٍ -غنى المنِفق وفقر المنفَق عليه، وفي الحواشي ما تقدم من إرث المنفِق منهم بفرض، أو تعصيب؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ٦ - قال القاضي عياض: "الحديث فيه" أن الأم أحق من الأب بالبر؛ وهو مذهب جمهور العلماء". * خلاف العلماء: أجمع العلماء على وجوب نفقة الأقارب في الجملة، واختلفوا في مدار هذه النفقة: فذهب الإمام مالك إلى: أنها لا تجب إلاَّ للأب والأم، دون الأجداد

стр. 3014

والجدات كان علوْا، وتجب للفروع وإن نزلوا؛ سواء أكانوا من الوارثين، أم من غير الوارثين، حتى ذوي الأرحام منهم. وذهب أبو حنيفة إلى: ثبوت النفقة للأصول، والفروع، والحواشي، ولكن رخَّص في وجوب الإنفاق على ذوي القرابة المحارم، بقطع النظر عن الميراث. وذهب الإمام أحمد إلى: وجوب النفقة على الأصول والفروع، سواء أكانوا وارثين، أم غير وارثين، وفي الحواشي الذين يرثهم المنفق بفرض، أو تعصيب. واستدل مالك على وجوب نفقة ولد الصلب-: بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وعلى حق الأب والأم بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. ومن الأحاديث: بقوله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وقوله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم"، وغيرها من الأدلة. واستدل الثلاثة على وجوب النفقة على عموم عمودي النسب-: بأن ولد الولد ولد، وأن الأجداد آباء وإن بعدوا؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم﴾ [النساء: ١١] يدخل فيهم ولد البنين، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وهو جدهم. وفضلاً عن ذلك، فإن بينهما قرابة توجب النفقة، وردّ الشهادة، فيسري حكم وجوب النفقة. أما القرابة من غير عمودي النسب: فدليل وجوب النفقة عليهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأنَّ الله تعالى ورسوله أمرا بصلة الرحم، ونَهَيا عن قطعها، وله أحكام من حيث ولاية النكاح، وغير ذلك

стр. 3015

من الأحكام. قال ابن القيم: "إن مذهب أحمد أوسع من مذهب أبي حنيفة، ومذهب أحمد هو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد، ونصوصه، وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل". قال الدكتور عبد العزيز عامر: "ومذهب أحمد هو أعدل المذاهب؛ بالنسبة لغير نفقة الأصول على فروعهم، والفروع على أصولهم؛ لأنه جعل مناطها الميراث، وهذا المعيار أولى إلى القبول، وأقرب إلى العدالة". وأجمع العلماء في الجملة على عدم سقوط نفقة الزوجة بمضي الزمن؛ لأنها نفقة واجبة في حال الإعسار، واليسار؛ ولأنها معاوضة. قال ابن المنذر: "هذه نفقة وجبت بالكتاب، والسنة، والإجماع". واتفقوا أيضًا على: سقوط نفقة القريب بمضي الزمن، على اختلاف يسير بينهم في التفريعات، وحجتهم على سقوطها ما يأتي: أولاً: أن نفقة الأقارب تجب باعتبار الحاجة، وهي صلةٌ محضةٌ، فلا يتأكد وجوبها إلاَّ بالقبض، أو ما يقوم مقامه، ومادام الأمر كذلك، فإذا مضت المدة، ولم تقبض، فإنه بمضيّ المدة يحصل الاستغناء عن هذه النفقة، بالنسبة للمدة الماضية؛ لأن الحاجة قد اندفعت بمضيّها، فلا يكون لهذه النفقة محل، ولا موجب، فتسقط. ثانيًا: أن نفقة القريب مبنية على مجرد المواساة؛ لسد الخلة، وإحياء النفس، وهذا قد حصل فعلاً فيما مضى من المدة، بدون أن يدفع النفقة، فلا تبقى، وتسقط. أما الزوجة: فإن النفقة وجبت مقابل الاستمتاع بها، أو حبسها على عشرته؛ ولذا تجب مع اليسار والإعسار، وهي بذلك تَحْمِل معنى المعاوضة، وما دامت كذلك، فلا يؤثر فيها مضي الزمن.
следующие страницы →