يختلف باختلاف الزمان، والمكان، وأحوال الناس.
٤ - أن مَنْ وجبت عليه النفقة، فلم ينفق شحًّا، فإنه يؤخذ من ماله، ولو بغير علمه؛ لأنها نفقة واجبةٌ عليه.
٥ - ومنه أن المتولي على أمرٍ من الأمور يُرْجَع في تقديره إليه؛ لأنه مُؤْتَمَن، فله الولاية على ذلك.
٦ - اختلف العلماء؛ هل أمر النبي ﷺ هندًا حين سألته أن تأخذ من مال زوجها- هو حكمٌ، فيكون من باب الحكم على الغائب، أم أنها فتوى؟
قال العلماء: "إن هذه القصة مترددة بين كونها فتيا، وبين كونها حُكْمًا، وكونها فتيا أقرب؛ لأنه لم يطالبها ببينة، ولا استحلفها، وأبو سفيان في البلد لم يغب عنه، والحكم لا يكون إلاَّ بحضور الخصمين كليهما".
٧ - ومنه أن هذه الشكاية وأمثالها لا تعتبر من الغيبة المحرمة؛ لأنها رفعت أمرها إلى ولي الأمر، القادر على إنصافها، وإزالة مَظلمتها.
٨ - ومنه جواز مخاطبة المرأة الأجنبية للحاجة، وعند الأمن من الفتنة.
٩ - عموم الحديث يوجب نفقة الأولاد، وإن كانوا كبارًا، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
١٠ - وفيه دليلٌ على أن من تعذر عليه استيفاء ما يجب له، فله أن يأخذه، ولو على سبيل الخُفْية، ويسمّيها العلماء "مسألة الظَّفَر"، وهي مسألة خلافية، أجازها الشافعي وأحمد، ومنعها أبو حنيفة ومالك، والراجح التفصيل؛ وذلك أنه إن كان سبب الحق واضحًا بيِّنًا، فله الأخذ؛ لانتفاء الشبهة فيه، وإن كان السبب خفيًّا، فلا يجوز؛ لئلا يتهم بالآخذ بالاعتداء على حق الغير.
***
стр. 3012
٩٩٠ - وَعَنْ طَارقٍ المُحَارِبِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا المَدِيْنَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلى المِنْبَر، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: "يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، فَأَدْنَاكَ". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث: الحديث حسن.
وأصله في الصحيحين، فأوله من حديث حكيم بن حزام، أن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السُّفْلى، وابدأ بمن تعول"، وأما آخره فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: من أَبِرّ يا رسول الله؟ فقال: أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أمك، ثم قال: من؟ قال: أمك، ثم قال: مَن؟ قال: أباك". قال بعضهم: "رواته كلهم ثقات، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الطبراني، وقد حسَّنه المنذري".
* مفردات الحديث:
- وابدأ: من: بدأت الشيء أبدؤه بدأً، بهمز لكل؛ أي: ابتدىء بالإنفاق على مَن يجب عليك نفقته.
- تَعُول: من: عاله عولاً: كفله، وقام به، والعيال: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد: عَيِّل، والجمع: عيال: ومنه الحديث: "الخلق عيال الله". والذين تعولهم هم مَن تُنْفِق عليهم.
- أمَّك وأباك: نصب بفعل مقدرة أي: الزمهم بالإنفاق عليهم.
стр. 3013
- أدناك فأدناك: أي: أقربك، فأقربك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث بيان فضل المنفِق والمتصدق، وأن يده هي العليا حسًّا ومعنًى؛ فالمنفق يده عالية على يد الآخر في القبض، وهي عالية عليها في شرفها وفضلها، وإحسانها.
٢ - تجب البداءة بالنفقات الواجبة بالنفس، ثم الزوجة، ثم الفروع، ثم الأصول، ثم المماليك.
٣ - النفقة على النفس هي الأولى، ثم مَن تجب نفقتهم مع اليسار والإعسار؛ وهم الزوجة والمماليك، والبهائم، ثم مَن تجب نفقتهم، ولو لم يرثهم المنفِق من الأصول والفروع، ثم نفقة الحواشي، إذا كان المنفِق يرثهم بفرض، أو تعصيب.
٤ - الحديث فيه تقديم الأم، ثم الأب، ثم الإخوان، ثم الأقرب، فالأقرب على حسب درجاتهم في الإرث والقرب؛ قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، فكل قريب له على قريبه حق، والحقوق متفاوتة.
٥ - يشترط لوجوب نفقة القريب من أصول، وفروع، وحواشٍ -غنى المنِفق وفقر المنفَق عليه، وفي الحواشي ما تقدم من إرث المنفِق منهم بفرض، أو تعصيب؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٦ - قال القاضي عياض: "الحديث فيه" أن الأم أحق من الأب بالبر؛ وهو مذهب جمهور العلماء".
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على وجوب نفقة الأقارب في الجملة، واختلفوا في مدار هذه النفقة:
فذهب الإمام مالك إلى: أنها لا تجب إلاَّ للأب والأم، دون الأجداد
стр. 3014
والجدات كان علوْا، وتجب للفروع وإن نزلوا؛ سواء أكانوا من الوارثين، أم من غير الوارثين، حتى ذوي الأرحام منهم.
وذهب أبو حنيفة إلى: ثبوت النفقة للأصول، والفروع، والحواشي، ولكن رخَّص في وجوب الإنفاق على ذوي القرابة المحارم، بقطع النظر عن الميراث.
وذهب الإمام أحمد إلى: وجوب النفقة على الأصول والفروع، سواء أكانوا وارثين، أم غير وارثين، وفي الحواشي الذين يرثهم المنفق بفرض، أو تعصيب.
واستدل مالك على وجوب نفقة ولد الصلب-: بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعلى حق الأب والأم بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. ومن الأحاديث: بقوله ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وقوله ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم"، وغيرها من الأدلة.
واستدل الثلاثة على وجوب النفقة على عموم عمودي النسب-: بأن ولد الولد ولد، وأن الأجداد آباء وإن بعدوا؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم﴾ [النساء: ١١] يدخل فيهم ولد البنين، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وهو جدهم.
وفضلاً عن ذلك، فإن بينهما قرابة توجب النفقة، وردّ الشهادة، فيسري حكم وجوب النفقة.
أما القرابة من غير عمودي النسب: فدليل وجوب النفقة عليهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأنَّ الله تعالى ورسوله أمرا بصلة الرحم، ونَهَيا عن قطعها، وله أحكام من حيث ولاية النكاح، وغير ذلك
стр. 3015
من الأحكام.
قال ابن القيم: "إن مذهب أحمد أوسع من مذهب أبي حنيفة، ومذهب أحمد هو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد، ونصوصه، وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل".
قال الدكتور عبد العزيز عامر: "ومذهب أحمد هو أعدل المذاهب؛ بالنسبة لغير نفقة الأصول على فروعهم، والفروع على أصولهم؛ لأنه جعل مناطها الميراث، وهذا المعيار أولى إلى القبول، وأقرب إلى العدالة".
وأجمع العلماء في الجملة على عدم سقوط نفقة الزوجة بمضي الزمن؛ لأنها نفقة واجبة في حال الإعسار، واليسار؛ ولأنها معاوضة.
قال ابن المنذر: "هذه نفقة وجبت بالكتاب، والسنة، والإجماع".
واتفقوا أيضًا على: سقوط نفقة القريب بمضي الزمن، على اختلاف يسير بينهم في التفريعات، وحجتهم على سقوطها ما يأتي:
أولاً: أن نفقة الأقارب تجب باعتبار الحاجة، وهي صلةٌ محضةٌ، فلا يتأكد وجوبها إلاَّ بالقبض، أو ما يقوم مقامه، ومادام الأمر كذلك، فإذا مضت المدة، ولم تقبض، فإنه بمضيّ المدة يحصل الاستغناء عن هذه النفقة، بالنسبة للمدة الماضية؛ لأن الحاجة قد اندفعت بمضيّها، فلا يكون لهذه النفقة محل، ولا موجب، فتسقط.
ثانيًا: أن نفقة القريب مبنية على مجرد المواساة؛ لسد الخلة، وإحياء النفس، وهذا قد حصل فعلاً فيما مضى من المدة، بدون أن يدفع النفقة، فلا تبقى، وتسقط.
أما الزوجة: فإن النفقة وجبت مقابل الاستمتاع بها، أو حبسها على عشرته؛ ولذا تجب مع اليسار والإعسار، وهي بذلك تَحْمِل معنى المعاوضة، وما دامت كذلك، فلا يؤثر فيها مضي الزمن.
стр. 3016
أما اختلافهم:
فإن أبا حنيفة: يرى أن عدم سقوط نفقة الزوجة بمضي الزمن هو إذا حكم بوجوبها حاكم؛ لأنها تفسير دَيْنًا بحكم القاضي فلا تسقط، أما بدون حكمٍ فإنها تسقط بمضي الزمن؛ كنفقة القريب.
وذهب الشافعي إلى: أن نفقة القريب لا تسقط في حالات هي:
١ - أن يأذن لأحد في الإنفاق على قريبه، فإذا أذن، وتم الإنفاق فعلاً، وجبت على الإذن، فلا تسقط.
٢ - أن تكون نفقة القريب بفرض حاكم شرعي، فحكم الحاكم يصيّر النفقة دَيْنًا في الذمة.
والمذاهب الثلاثة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، متقاربة في هذا التفصيل.
قال شيخ الإسلام: "ما علمت أحدًا من العلماء قال: إن نفقة القريب تثبت في الذمة لما مضى من الزمان، إلاَّ إذا كان قد استدان عليه النفقة بإذن حاكم".
***
стр. 3017
٩٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكسْوَتُهُ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ العَمَل إِلاَّ مَا يُطِيقُ". رَوَا مُسْلِمٌ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- طعامه وكسوته: يجوز أن تكون الإضافة فيهما إلى المفعول، ويجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل، وعليه ظاهر حديث أبي ذر: "من جعل الله أخاه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس".
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الإسلام أجاز الرق في حالة ما إذا تقاتل المسلمون مع الكفار المعاندين، واتَّخذ المسلمون منهم أسرى، وغنموا منهم نساءهم وأطفالهم، فالنساء والذرية بمجرد السبي أرقاء، أما الأسرى فيخيَّر الإمام بين: الرق، والمَنّ، والفداء، والقتل، بحسب المصلحة العامة.
٢ - ما عدا ما ذكر من الطرق من اتخاذ الرقيق، فالإسلام لا يقره، ولا يعترف به، ويعتبر من استولى عليه بغير هذا الطريق ظلمًا واغتصابًا؛ لأنَّهم أحرار في حكم الإسلام، وقد جاء في الحديث القدسي: "أنا خصم من باع حرًّا، فأكل ثمنه".
٣ - الإسلام لما اتخذ الرقيق بهذه الطريق المشروعة أكرمه، فأوجب نفقته وكسوته ومسكنه على مولاه، كما نهى أن يكلف من العمل ما لا يطيق، بل يعطى ما لايشق عليه، وهو مجمع عليه.
стр. 3018
٤ - لو ذهبنا نبيّن كيف عامل الإسلام الرقيق المعاملة الحسنة، لطال بنا البحث، ولكن سيأتي طرف منه في (باب العتق)، إن شاء الله تعالى.
٥ - الحديث دليلٌ على وجوب نفقة المملوك وكسوته، وقد جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فأطعموهم مما تأكلون، وألْبِسوهم مما تلبسون، ولا تكلِّفوهم ما يغالبهم؛ فإن كلفتموهم، فأَعينوهم".
***
стр. 3019
٩٩٢ - وَعَنْ حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيَةَ القُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيْهِ ﵄ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: "أنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ ... " الحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ بِرَقْمِ (٨٨٣)(١).
٩٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الحَجِّ بِطُولهِ، قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
٢ - تقدم أنَّ نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار، وأنَّها لا تسقط بحال عند جمهور العلماء.
٣ - وفي الحديث رقم (٩٩٢) دليل على مشروعية مساواة الرجل زوجته بنفسه؛ فلا يستأثر عليها بشيء، وإنما تكون النفقة لها بحسب حاله من الغنى والفقر والسلطة.
٤ - أما الحديث رقم (٩٩٣): فيدل على أنَّ نفقة الزوجة إنما تكون بالمعروف،
стр. 3020
والمعروف معناه: العرف والعادة التي عليها الناس حسب زمانهم، ومكانهم، وحالهم.
قال شيخ الإسلام: "الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء: أنَّ نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف، وليست مقدرةً بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد، والأزمنة، وحال الزوجين؛ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقال ﷺ : "خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
٥ - قال شارح الكتاب: قوله "المعروف" إعلام بأنَّه لا يجب إلاَّ ما تعورف عليه من إنفاق كلٍّ على قدر حاله؛ كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن القيم: "وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم، وإنما تجب النفقة بالمعروف".
٦ - قال أصحابنا: "ونفقة المطلقة الرجعية، وكسوتها، وسكناها -كالزوجة، وأما المبانة بفسخ النكاح، فليس لها شيء من ذلك".
قال الموفق: "بإجماع العلماء".
وقال ابن القيم: "المطلقة المبانة لا نفقة لها بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الموافقة لكتاب الله تعالى، وهي مقتضى القياس، ومذهب أهل الحديث".
٧ - قال أصحابنا: "وإن اختلف الزوجان في أخذ نفقة فقولها؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك".
وقال شيخ الإسلام: "القول قول من يشهد له العرف".
وقال ابن القيم: "قول أهل المدينة أنَّه لا يقبل قول امرأة أنَّ زوجها لم ينفق عليها ويكسوها فيما مضى، وهو الصواب، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وهذا القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه".
стр. 3021
٩٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أَن يُضَيعٍّ مَنْ يَقُوتُ" رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: "أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ" (١).
ــ
* درجة الحديث:
رواية النسائي رواها أيضًا أبو داود (١٦٩٢)، وفي سندها: وهب بن جابر.
قال الذهبي: "لا يكاد يعرف".
* مفردات الحديث:
- كفى بالمرء: "كفى" فعل ماض، والباء زائدة، و"المرء" مفعول "كفى"، محله النصب، ولكن جر بالباء الزائدة.
- إثمًا: منصوب على التمييز.
- أن يضيعِّ: "أن" مصدرية، وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر، هو فاعلُ "كفى".
- مَن يقوت: من: القوت، وجمعه: أقوات؛ وهو ما يقوم به بَدَنُ الإنسان من الطعام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه: وجوب النفقة على من استرعاه الله شيئًا ذا روح وكبد رطبة، من زوجة، وأولاد، وأقارب، وأرقَّاء، وحيوان.
٢ - وفيه: تحريم منع أقوات هذه الرعية عنهم في غذائهم وطعامهم؛ فإنَّ الله تعالى قد ابتلاه واختبره بجعلهم تحت يده، وأجرى رزقهم على يديه.
стр. 3022
٣ - جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "عُذِّبَتِ امرأة في هرَّة حبَسَتْهَا حتى ماتَتْ جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هيَ أرسلتها تأكل من خَشَاش الأرض".
فدلَّ على وجوب النفقة على الحيوان والمملوك؛ لأنَّ السبب في دخول تلك المرأة النار ترك الهرَّة بلا إنفاق عليها، وحبسها عن طلب القوت، وإذا كان ثابتًا في الهرَّة التي لا تُمْلَك، فثُبُوته في الحيوانات التي تُملك أولى؛ وهذا مذهب جمهور العلماء.
٤ - ومن حديث صاحبة الهرة يعلم جواز اتخاذ طيور الزينة من النغري، والببغاء، ونحوهما في الأقفاص إذا كانت تُطْعَم وتسقى، ولا تعذب.
٥ - سئل الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ عن جواز قتل الحيوانات التي لا يستفاد منها رحمة بها؛ لئلا تتعرَّض للأذية، وإراحتها من الأضرار التي قد تتعرَّض لها. فقال ﵀: "نخبركم بأنَّ قتل هذه الحيوانات المذكورة لا يحل شرعًا؛ لما صرَّح به الفقهاء، قال في الإقناع وشرحه: والواجب القيام بما يلزم لها من علف وغيره".
***
стр. 3023
٩٩٥ - وَعنْ جَابِرٍ ﵁ يَرْفَعُهُ فِي الحَامِلِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَالَ: "لاَ نَفَقَةَ لَهَا". أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. لَكِنْ قَالَ: "المَحْفُوظُ وَقْفُهُ (١) ". وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
ــ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الزوجة إذا توفي عنها زوجها فلا نفقة، ولا سكنى لها من تَرِكَة زوجها، ولو كانت حاملاً.
قال في الروض المربع: "لأنَّ المَال انتقل عن الزوج إلى الورثة، ولا حقَّ لها على الورثة، فإن كانت حاملاً، فالنفقة لها من حصة الحمل من التركة، إن كانت له تركة، وإن لم يكن له تركة، فنفقتها على وارث الجنين الموسر، وإلى هذا ذهبت الشافعية، والحنابلة، وغيرهم.
وقالوا: لأنَّ الأصل براءة الذمة من النفقة، وأما وجوب التربص أربعة أشهر وعشرًا، فلا يوجب النفقة".
٢ - هذا الحكم يكون عند المشاحة، وإلاَّ فالمصاهرة والقرابة تدعو المؤمنين إلى التسامح في مثل هذه الأمور.
والله تبارك وتعالا يقول: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى في الوصية بزوجة المتوفى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
стр. 3024
٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ المَرْأةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وإسْنَادُهُ حَسَنٌ (١).
٩٩٧ - وَعَنْ سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّبِ -فِي الرَّجُلِ لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ- قَالَ: "يُفَرَّقُ بينهُمَا". أَخْرَجَهُ سَعيِدُ بنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ (٢).
ــ
* درجة الحديثين:
حديث أبي هريرة: رواه الدارقطني، من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال الحافظ: إسناده حسن، لكن قوله: "تقُولُ المرأة: أطعمني، أو طلقني" -موقوف على أبي هريرة، ورفعه خطأ؛ كما بينت ذلك رواية البخاري (٥٣٥٥).
وأما حديث سعيد بن المسيب: فحديث مرسل صحيح.
قال المؤلف: هذا مرسل قوي؛ فمراسيل سعيد بن المسيب معمول بها؛ لما عرف من أنَّه لا يرسل إلاَّ عن ثقة، قال الشافعي: والذي يشبه أن يكون قول سعيد: "سُنة": سُنة رسول الله ﷺ .
стр. 3025
٩٨٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ "أَنَّهُ كَتَبَ إلى أُمَرَاءِ الأَجْنادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عنْ نِسَائِهِمْ: أَن يأْخُذُوهُم بِأَنْ يُنْفِقُوا، أوْ يُطَلِّقُوا، فَإنْ طَلَّقُوا، بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَما حَبَسُوا". أَخرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث إسناده حسن.
قال في "التلخيص": رواه الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، ورواه ابن المنذر من طريق عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر به، وذكره أبو حاتم عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله به".
قال المؤلف: "أخرجه الشافعي، والبيهقي بإسنادٍ حسن".
وقال ابن المنذر: "ثبت ذلك عن عمر، ولذا احتج به أحمد".
* مفردات الحديث:
- أُمراء: أي: قُواد الجيش.
- الأَجْنَاد: جمع جند، وهم الجيش.
- ما حبسوا: "ما" هنا مصدرية ظرفية؛ بمعنى: مدة حبسهم.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - الحديث رقم (٩٩٦) يدل على فضل الصدقة وفضل التصدق، وأنَّ يد المعطي هي العليا على يد الآخذ حسًّا ومعنًى.
ويدل على خيرية هذه اليد، وصاحبها؛ وذلك بما أنفق من ماله، وبذل
стр. 3026
من إحسانه.
٢ - ويدل على أنَّ الواجب على المُنفِق أن يبدأ بنفقات من يعول، فلا يذهب ليتصدق على البعيدين، ويترك الأقربين، ممن يعولهم وينفق عليهم.
٣ - ويدل على أنَّ نفقة الزوجة هي أوجب نفقة تجب عليه بعد النفقة على نفس؛ ذلك أنَّ الزوجة حبيسة عنده؛ كما قال ﷺ : "هنَّ عَوان عندكم"؛ أي: أسيرات.
٤ - ويدل على أنَّ الذي يعسر بنفقة زوجته، عليه أن يفارقها بطلاق أو خلع أو فسخ، وذلك راجع إلى رغبتها وطلبها.
قال في "الروض المربع": وإذا أعسر الزوج بنفقة القوت، أو أعسر بالكسوة، أو ببعض النفقة والكسوة أو السكن، فلها فسخ النكاح من زوجها المعسر".
٥ - ويؤيد هذا: أثر سعيد بن المسيب رقم (٩٩٧) في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله؛ بأنه يفرق بينهما، كما يؤيد أثر عمر بن الخطاب ﵁ رقم (٩٩٨) من كتابته إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم؛ أن يأخذوهم بأن ينفِقوا، أو يطلِّقوا، فإن طلَّقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا.
فهذان الأثران يدلان على أنَّ المرأة إذا أعسر زوجها بالنفقة، فلها أن تفسخ نكاحها منه.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل للمرأة فسخ نكاحها إذا أعسر زوجها بالنفقة، أم لا؟
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، إلى: أنَّه يفرق بينهما بطلبها، ويروى عن: عمر، وعلي، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة الرأي، وحماد، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق، وأبي عبيد.
стр. 3027
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وليس الإمساك مع عدم النفقة إمساكًا بمعروف.
قال ابن المنذر: "ثبت أنَّ عمر كتب إلى أفراد الأجناد أن ينفقوا أو يطلقوا؛ فمتا ثبت إعساره بالنفقة، فللمرأة الفسخ من غير إنظار".
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى: أنَّه لا يثبت لها فسخ النكاح مع الإعسار بالنفقة، وإنما يؤمر بالاستدانة، وتؤمر المرأة بالصبر، والنفقة تبقى فى ذمة الزوج، ولا فسخ.
وذهب إلى هذا القول عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وصاحبا أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الصحيح الرواية الأخرى عن أحمد؛ أنَّ المرأة لا تملك الفسخ لعسرة زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، فلم يجعل لزوجة المعسِر الفسخ، وأيضًا لم يثبت عن النَّبي ﷺ جواز الفسخ لإعساره، والله أعلم".
***
стр. 3028
٩٩٩ - وَعَنْ أِبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي دِيْنارٌ؟ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ عَلى وَلَدِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ عَلَى أهْلِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْفِقْهُ عَلَى خَادمِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أنْتَ أَعْلَمُ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلى الوَلَدِ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": رواه الشافعي، وأحمد، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة. وقَالَ الحَاكِمُ: إِنَّه على شرط مسلم، ووافقه الذَّهبي، وصححه ابن حبان".
قال ابن حزم: "اختلف ابن القطان، والثوري؛ فقدَّم ابن القطان الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة".
قال الحافظ: "جاء في صحيح مسلم من رواية جابر تقديم الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن يرجح به إحدى الروايتين".
* مفردات الحديث:
- السائل: أراد بسؤاله الصدقة بالدنانير، فحمله ﷺ على ما هو أهم وأولى، وهو الإنفاق، جريًا على أسلوبه الحكيم.
- أنت أعلم: أي: بحال من يستحق الصدقة؛ فتحرَّ في ذلك، واجتهد.
стр. 3029
١٠٠٠ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ": قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرمِذِيُّ، وَحسَّنَهُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
رواه أبو داود والترمذي والبخاري في "الأدب المفرد" والحاكم والبيهقي وقال الترمذي: "حديث حسن" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذَّهبي.
وله شاهد من حديث المقدام، أخرجه البيهقي بإسناد حسن.
* مفردات الحديث:
- أبرّ: يقال: برّ والديه يبرّهما برًّا: أحسن إليهما، ووصلهما.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان فيهما دليل على وجوب النفقة على القريب من أصول وفروع، وعلى وجوب النفقة على الزوجة، وعلى وجوب النفقة على الخادم والمملوك.
٢ - وفي الحديثين دليل على أنَّه إذا كان عنده من النفقة ما يكفيه، ويكفي مَن يمونه، فعليه أن ينفق على الجميع على حسب حاله، وأما إذا لم يكن عنده ما يكفي الجميع، فليبدأ بالأهم.
٣ - أول شيء يبدأ به: النفس، ثم الزوجة؛ لأنَّ نفقتها معاوَضة.
٤ - بعد الزوجة المملوك؛ لأنَّ نفقته كالزوجة تجب مع اليسار والإعسار، فيؤمر
стр. 3030
بالنفقة عليه، أو بيعه.
٥ - ثم تأتي الأم؛ لأنَّ مشقتها في الأولاد أعظم من الأب؛ من الحمل، والولادة، والرضاعة، والحضانة، وغير ذلك من شؤون الأطفال، وإصلاحهم، ثم يأتي بعدها الأب؛ لأبوته، وعظم حقه.
٦ - ثم تأتي نفقة الأقارب، فيقدم منهم الأهم على حسب الميراث، هذا عند قصر النفقة، وعدم كفايتها؛ كصاحب الدينار في هذا الحديث، أما مع الغنى فيقوم بكفاية الجميع، ويحتسب المنفِق أجر النفقة من الله تعالى؛ ليحصل له خير الدنيا والآخرة، فالدنيا بالزيادة، والنماء، والمحبة، والمودة، والدعاء، وفي الآخرة الثواب العظيم، والأجر الجزيل، وهذا مشروط به الإخلاصُ لوجه الله، والبعد عن المَنّ، وعن الرياء.
٧ - وفي الحديث تقديم الأم بالبر على الأب، ومن باب أولى على غيره؛ ذلك أنَّها عانت من متاعب الجنين، ثم الطفل ما لا يعانيه غيرها.
٨ - وفي الحديثين دليل على أنَّ النفقة على النفس، وعلى الأقارب -إحسان، وبرٌّ، متعدٍّ نفعه وخيره إلى الغير، وأنَّها مع الاحتساب تدخل في العبادات الجليلة، والقُرَب العظيمة.
فقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي مسعود البدري، عن النَّبي ﷺ قال: "إذا أنفق الرَّجل على أهله نفقة يحتسبها، فهي له صدقة".
وجاء في الصحيحين -أيضًا- من حديث أم سلمة قالت: قلتُ: يا رسول الله، هل لي في بني أبي سلمة أجر إن أنفق عليهم، ولست بتاركتهم، إنَّما هم بني؟ فقال: "نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم".
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
والمدار على النية الصالحة، والقصد الحسن الذي تنقلب به العادة عبادة يثاب عليها صاحبها، والله المستعان.
стр. 3031
باب الحَضَانَةِ
مقدمة
الحضانة: بفتح الحاء وكسرها، مصدر: حضنت الصبي حَضْنًا، بفتح الحاء وحَضَانة: جعله في حِضْنه بكسر الحاء؛ فالحضانة: تحمُّل مؤنة المحضون وتربيته.
وهي مأخوذة من: الحِضْن وهو الجَنْبُ؛ لأنَّ المربي يضم الطفل إلى حضنه.
وشرعًا: حفظ من لا يستقل بأمره عما يضره، بتربيته وعمل ما يصلحه.
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: جعله الله تعالى كافلاً لها، وملتزمًا بمصالحها، فكانت في حضانته، وتحت رعايته.
وجاء في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للأم: "أنت أحق به ما لم تَنْكِحي".
وقال أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- يخاطب والد الابن المحضون: "ريحها -أي: الأم- ومسها خير له من الشُّهد عندك".
وقال ابن عباس: "ريح الأم، وفراشها، وحِجْرها خير له من الأب، حتى يشب، ويختار لنفسه".
стр. 3032
قال الوزير: "اتَّفقوا على أنَّ الحضانة للأم ما لم تتزوج".
واتَّفقوا: على أنَّها إذا تزوجت، ودخل بها زوجها -سقطت حضانتها، وأنَّها إذا طُلِّقَتْ بائنًا تعود حضانتها.
قال شيخ الإسلام: "الأم أصلح من الأب؛ لأنَّها أرفق بالصغير، وأعرف بتربيته، وحمله، وتنويمه، وأصبر عليه، وأرحم به، فهي أقدر، وأرحم، وأصبر في هذا الوضع، فتعينت في حق الطفل غير المميز في الشرع".
وقال أيضًا: "جنس النساء مقدَّم في الحضانة على جنس الرجال، كما قدمت الأم على الأب، فتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته علما أخواله -هو القياس الصحيح".
وقال أيضًا: "ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ الشارع ليس له نصٌّ عامٌّ في تقديم أحد الأبوين، ولا تخيير الأبوين.
والعلماء متَّفقون على أنَّه لا يتعيَّن أحدهما مطلقًا، إنما نقدمه إذا حصل به مصلحة الحضانة، واندفعت مفسدتها، وأما مع وجود فساد أحدهما، فالآخر أولى بلا ريب".
قال محرره: "والحق أنَّ الحضانة ولاية من الولايات، لا يليها إلاَّ الأصلح فيها، والصلاح يعود إلى القيام بشؤون المحضون.
فالشرع لا يقصد من تقديم أحد على أحد مجرد القرابة، وإنما يقدِّم مَن هو الأولى فيها، والأقدر عليها، والأصلح لها، وهذا مراد العلماء مهما اختلفت عبارتهم، وترتيبهم. والله أعلم".
***
стр. 3033
١٠٠١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ أَنَّ امْرَاةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأرَادَ انْ يَنْتزِعَهُ مِنَّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بهِ مَا لَمْ تَنكِحِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
أخرجه أبو داود، والدارقطني، والحاكم، وأحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذَّهبي.
والحديث حسن فقط، ولم يصل إلى درجة الصحة؛ للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
* مفردات الحديث:
- وِعاء: بكسر الواو والمد، هو الظرف يَجْمع الشيء ويضمه.
- ثَدي: الثدي: هو نتوء في صدر الرجل والمرأة، وهو في المرأة مجتمع اللبن؛ كالضرع لذوات الظلف والخف، يذكَّر ويؤنَّث، جمعه: أثدٍ، وثُدي.
- سِقَاء: بكسر السين، بوزن كِساء، هو وعاء من جلد يكون للماء واللبن، جمعه: أَسْقِية.
стр. 3034
- حِجري: بفتح الحاء وكسرها، يسمى به الثوب، والحضن، أما المصدر فبالفتح لا غير، والمراد هنا هو: حضن الإنسان.
- حِوَاء: بكسر الحاء المهملة، بزنة كِساء: اسم المكان الذي يحوي الشيء؛ أي: يضمه ويجمعه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ الأم أحق بحضانة الطفل من الأب، ما دام في طور الحضانة، ما لم تتزوج؛ وهذا حكم مجمع عليه بين العلماء.
٢ - ويدل على أنَّ الأم إذا تزوَّجت، ودخل بها الزوج الثاني، سقطت حضانتها، لأنَّها أصبحت مشغولة عن الولد بمعاشرة زوجها، فهو أحق من غيره بالتفرغ له؛ وهو مجمَع عليه.
٣ - هذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل، وحق الزوج الجديد، فالأم قبل الزول متفرغة للطفل، وإصلاح شؤونه، فحقه عليها باقٍ، أما بعد الزواج فإنَّها ستهمل أحد الحقين: إما حق زوجها، وهو آكدهما، وإما أن تعنى بزوجها، فتهمل الطفل الذي يحتاج إلى العناية الدائمة.
٤ - تقديمُ الأم على الأب في الحضانة -ما دامت متفرغة- في غاية الحكمة والمصلحة، ذلك أنَّ معرفة الأم، وخبرتها، وصبرها على الأطفال -شيء لا يلحقه أحد من أقارب الطفل، الذين أولاهم الأب.
٥ - مِن لُطْف الله تعالى بخلقه عنايته بالمستضعفين منهم، ممن ليس لهم حول، ولا طول، فهو يوصي بهم، ويُعنى بهم العناية التي تعوضهم الأمر الذي لم يصلوا إليه من العناية بأنفسهم، وهم في حالة الضعف.
٦ - ما ذكرته المرأة المشتكية من مبررات تقديمها في الحضانة هو الذي أهَّلها، لأن تكون أحق بحضانة الطفل من أبيه، فبطنها وعاؤه حينما كان جنينًا،
стр. 3035
وثديها سقاؤه بعد أن وُلِد، وحِجْرها هو المكان اللين الوثير الذي يحويه، وقد أقرَّ النبي ﷺ المرأة على ما وصفته من نفسها؛ لاستحقاقها الحضانة.
قال ابن القيم في "الهدي": وفي هذا دليل على اعتبار المعاني، والعِلل في الأحكام، وإناطتها بها، وأنَّ ذلك أمر مستقر في الفطرة السليمة".
وقال الشوكاني: "في الحديث دليل على أنَّ الأم أولى بالولد من الأب، ما لم يحصل مانع من ذلك، كالنكاح، وحكا ابن المنذر الإجماع عليه".
فوائد:
الأولى: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الصحيح أنَّه إذا رضي الزوج بحضانة ولد الزوج الأول أن الحضانة لا تسقط، فهي باقية؛ وهذا قياس المذهب في جميع الحقوق".
الثانية: قال شيخ الإسلام: "إذا أخذت الأم الولد على أن تنفق عليه، ولا ترجع على أبيه بما أنفقته مدة الحضانة، ثم أرادت أن تطالب بالنفقة في المستقبل، فللأب أن يأخذ الولد منها".
قال في شرح الإقناع: "ومن أسقط حقه من الحضانة، سقط لإعراضه عنه، وله العود في حقه متى شاء؛ لأنَّه يتجدد بتجدد الزمان؛ كالنفقة".
الثالثة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الصحيح الذي ذكره الفقهاء فيما إذا كان يحقق مصلحة الطفل، فإن لم يحقق كان الواجب اتباع مصلحة الطفل، ويدل على هذا أنَّ الباب كله مقصود به القيام بمصالح المحضون، ودفع المضار عنه، فمن تحققت فيه فهو أولى من غيره، وإن كان أبعد ممن لا يقوم بواجب الحضانة".
***
стр. 3036
١٠٠٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ امرْاةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي يُرِيْدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبِي عِنبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا غُلاَمُ هَذَا أبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ"، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح.
أخرجه الشافعي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان من طرق عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد عن هلال بن أبي ميمونة عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة به. وتابعه ابن جريج فقال: أخبرني زياد عن هلال بن أسامة؛ أنَّ أبا ميمونة قال، وساق الحديث، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي ميمونة وصحَّحه ابن القطان قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذَّهبي وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح، وإسناده صحيح رجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- بئر: بكسر الباء والهمز، يؤنث، ويجوز إبدال الهمزة ياءً، وله جمعا قلة: آبار على وزن أفعال، والثاني: أبْؤُر مثل أفلس؛ وهي القليب، مطوية أو غير مطوية.
- أبي عِنَبَة: بكسر العين، وفتح النون، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم تاء التأنيث المربوطة -واحدة: العنب.
стр. 3037
١٠٠٣ - وَعنْ رَافِع بْنِ سِنَانٍ ﵁: أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَاتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَقعَدَ النَّبيُّ ﷺ الأُمَّ نَاحِيَةً، والأَبَ نَاحيَةً، وَأقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا، فَمَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِهِ"، فَمَالَ إِلَى أبِيهِ، فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُادَ، والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال في "التلخيص": "رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، من حديث رافع بن سنان، وفي سنده اختلافٌ كثير، وألفاظٌ مختلفة".
قال ابن المنذر: "لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال".
وقد صححه الحاكم، وابن القطان من رواية عبد الحميد بن جعفر، ورواته ثقات.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - تقدم أنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ الحضانة للأم ما لم تتزوَّج، فهي مقدمة على الأب؛ لما لَها من حسن الرعاية بالطفل، والصيانة، والخِبرة، والصبر، والاحتمال.
٢ - إذا بلغ الطفل سن التمييز، وصار يستغني بنفسه في كثير من الأمور -فحينئذٍ يستوي حق الأم والأب في حضانته؛ فيخير بين أبيه وأمه، فأيُهما ذهب إليه أخذه.
стр. 3038
٣ - للعلماء خلاف في أصل التخيير، وفي سن التخيير، سيأتي إن شاء الله تعالى.
٤ - أما الحديث رقم (١٠٠٣): فيفيد جواز التخيير، ولو كان أحد الأبوين كافرًا، والصبي مسلمًا، أو محكومًا بإسلإمه، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
٥ - أنَّ الصبِيَّ المميز له إرادة معتبرة باختيار أحد أبويه دون الآخر، لكن قال ابن القيم: "التخيير لا يكون إلاَّ إذا حصلت به مصلحة الولد، فلو كانت الأم أصون من الأب، وأغير منه، قدِّمت عليه، ولا التفات إلى اختيار الصبي في هلذه الحالة؛ فإنَّه ضعيف العقل، يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك، فلا التفات إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له منهما، ولا تحتمل الشريعة غير هذا".
* خلاف العلماء:
الصبي قبل سن التمييز عند أمه بإجماع العلماء، ما لم تتزوج، فإذا بلغ سن التمييز، واستقلَّ ببعض شئونه -فقد اختلف في حاله:
فذهب بعضهم إلى: أنَّ الصبيَّ يخير بين أبويه، فيذهب مع من يختار منهما؛ وهو مذهب الإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهما.
وذهبت الحنفية إلى: عدم التخيير، وقالوا: "إذا استغنى الطفل بنفسه، فالأب أولى بالصبي، والأم أولى بالأنثى، ولا تخيير في ذلك".
وذهب مالك إلى: عدم التخيير أيضًا، إلاَّ أنَّه قال: "الأم أحق بالولد؛ ذكرًا كان أو أنثى"، واستدل الإمام مالك بقوله: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي".
وأجاب المخيِّرون بأنَّ؛ الحديث عام في الزمان، وحديث التخيير يخصصه، أو يقيده؛ وهو جمع بين الدليلين، ولكن يقيَّد هذا التخيير أو عدمه بكلام ابن القيم السابق؛ فإنَّ الحضانة ولاية يقصد بها تربية الطفل، والقيام بمصالحه، ولعلَّ كلام ابن القيم هو مراد كل من أطلق من العلماء؛ فإنَّهم
стр. 3039
-رحمهم الله تعالى- لم يقصدوا من الحضانة، إلاَّ بيان مصالح الطفل، ومن الأولى القيام بشؤونه وأحواله في هذه السن المبكرة من عمره.
واختلفوا في أحقية غير المسلم بحضانة المسلم:
فذهب الحنفية إلى: أنَّ الذمية أحق بحضانة ولدها المسلم، ما لم يعقل دينًا، وعللوا ذلك: بأنَّ الحضانة مبنية على الشفقة، والأم مسلمة، أو ذمية أتم شفقة على طفلها من غيره، ولا يرفع هذه الشفقة اختلافها معه في الدين.
أما إذا عقل الصغير الأديان، فإنه يُنزَع منها؛ لاحتمال حدوث الضرر.
وذهب المالكية أيضًا إلى: أنَّ اتحاد الدين بين الحاضن والمحضون، ليس بشرط في الحاضنة، فلا ينزع من حاضنته الذمية، ولو خيف أن تطعمه لم خنزير، أو تسقيه الخمر، ومع الخوف من هذا، فإنَّ الحاضنة تُضَم إلىا أناس من المسلمين، أو إلى مسلم يراقبها في الولد، لنجمع بين المصلحتين: حضانة الأم الشفيقة، ومراقبة دينه.
واستدلوا على هذا بحديث الباب؛ فإنَّ أم الطفل لم تُسلم.
وذهب الشافعية، والحنابلة، رواية قوية للإمام مالك إلى: أنَّ اختلاف الدين مانع من الحضانة، فلا حضانة لكافر على مسلم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء].
واستدلوا بحديث الباب؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ دعا للصبي بالهداية، فمال إلى أبيه المسلم، وهذا يفيد أنَّ كونه مع الكافر خلاف هدي الله تعالى.
وعلَّلوا لذلك: بأنَّ الغرض من الحضانة هي تربيته، ودفع الضرر عنه، وأنَّ أعظم تربيةٍ هي المحافظة على دينه، وأهم دفاع عنه هو إبعاد الكفر عنه.
وإذا كان في حضانة الكافر، فإنَّه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحفظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه.
стр. 3040
* فوائد:
الأولى: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
وقال ﷺ : "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالرجل راعٍ في بيته، ومسؤل عن رعيته"
وحضانة الطفل لم تشرع إلاَّ من أجل تربيته الطفل، وحفظه عما يضره، وأعظم ضرر يلحقه هو ذهاب دينه وخلقه، وإذا كان المحققون من العلماء لم يجعلوا للأم الشفيقة حظًّا من الحضانة إذا كانت كافرة، وإذا جعل بعضهم لها حظًّا، فهي تحت المراقبة؛ إذا علمتَ هذا علمت كيف تساهل المسلمون بأطفالهم، حينما جعلوهم في حضانة الشغالات، اللاتي يجلبونهنَّ من خارج البلاد، بعضهنَّ غير مسلمات، والمسلمات منهن إنَّما هو إسلام بالاسم، فينشأ هؤلاء الأطفال الأبرياء، الذي يَقْبلون كل ما يلقى عليهم، ويحتذون بكل ما يفعل أمامهم، وأعظم من ذلك الذين يدخلون أطفالهم في دور الحضانة، ورياض الأطفال، التي يشرف عليها نصارى أو ملاحدة، إنَّهم بهذا يجنون على أطفالهم جناية كبرى، وإنَّ الله تعالى سيسألهم عن هذا الإهمال، وهذا التفريط في أولادهم.
الثانية: قال الشيخ تقي الدين: "كل من قدمناه في الحضانة من الأبوين، إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فسادها مع أحدهما، فالآخر أولا بها بلا ريب".
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "والصحيح في مسألة الحضانة أنَّ الترتيب الذي ذكره الفقهاء فيها، إذا كان يحقق مصلحة الطفل، فإن لم يحققها، كان الواجب اتباع مصلحة الطفل، ويدل على هذا الباب كله مقصود القيام بمصالح المحضون، ودفع مضاره ممن تحققت فيه، فهو أولى من غيره، وإن
стр. 3041
كان أبعد ممن لا يقوم بالواجب".
الثالثة: الحضانة للمقيم من الأبوين، فإذا كان الأب في بلد، والأم في بلد، فالحضانة تكون للأب، خشية أن يضيع نسب الطفل ببُعده عن والده.
قال ابن القيم: "لكن لو أراد الأب الإضرار، فاحتال على إسقاط حضانة الأم، فسافر، ليتبعه الولد، فهذه حيلة مناقضة لما قصده الشارع، فلا يجوز هذا التحايل على التفريق بينها وبين ولدها، تفريقًا تعز معه رؤيته، ولقاؤه، ويعز عليها الصبر عنه وفقده، وقد قال ﷺ : "من فرَّق بين والدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
قال في "المبدع": وهو مراد الأصحاب".
وقال في "الإنصاف": سورة المضارة لا شكَّ فيها، وأنه لا يوافق على ذلك".
***
стр. 3042
١٠٠٤ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ". أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
وَأَخْرَجَهُ أَحمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: "وَالجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا، فَإِنَّ الخَالَةَ وَالِدَةٌ" (٢).
ــ
* مفردات الحديث:
- فإنَّ الخالة والدة: أي: بمنزلة الوالدة بالحنو والشفقة، وهذه الخالة هي: أسماء بنت عُميس، والبنت المذكورة اسمها: عمارة، وقيل: أمامة، وتكنى أم الفضل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أنَّ إجماع العلماء تقديم الأم في حضانة الطفل، فإذا فُقدت الأم، فإنَّ الخالة بمنزلة الأم؛ لأنَّها تحسُّ نحو أولاد أختها قريبًا مما تحسه الأم، فعاطفة الأمومة موجودة في الخالة، وتشعر بأنَّ البر والإحسان بأولاد أختها هو بر بأختها، فيزداد عطفها ورعايتها، وهذا شيء معهود ومعلوم.
٢ - يدل الحديث على أنَّ الأم إذا ماتت، أو فقدت أهلية الحضانة -فالخالة تحل محلها؛ فتكون هي المستحقة للحضانة، وتكون مقدَّمة على الأب فيها.
٣ - وتمام هذا الحديث: أنَّ علي بن أبي طالب، وأخاه جعفرًا، وزيد بن حارثة -اختصموا في حضانة بنت حمزة بن عبدالمطلب؛ أيهم يكفلها؟
стр. 3043
فقال علي: هي ابنة عمي، وقال زيد: بنت أخي بالمؤاخاة الإسلامية، وقال جعفر: هي ابنة عمي، وخالتها تحتي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، فأخذها جعفر.
٤ - وفيه أنَّ العصبة من الرجال لهم أصل في الحضانة، ما لم يوجد من هو أحق منهم؛ حيث أقرَّ ﷺ كلاًّ من علي، وجعفر على دعواه.
٥ - أنَّ الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد؛ فإنَّه لم يعطها الخالة في هذه القصة، إلاَّ لأنَّها بمنزلة الأم.
٦ - أنَّ الخالة تلي الأم في الحضانة، فهي بمنزلتها في الحنو والشفقة.
٧ - أنَّ الأصل في الحضانة هو طلب الشفقة والرحمة لهذا العاجز القاصر، وهذا من رحمة الله تعالى، ورأفته بالعاجزين والضعفاء؛ إذ هيَّأ لهم القلوب الرحيمة.
٨ - أنَّ الأم لا تَسْقُطُ حضانتها إذا رضي زوجها بقيامها بها؛ لأنَّها لم تسقط عنها إلاَّ لأجل التفرغ لحقوق الزوج، فإذا رضي بقيامها بالحضانة، فهي باقية على حقها.
وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي ﷺ بالحضانة لزوجة جعفر، وهي في عصمته، وبين قوله للمرأة المطلقة: "أنتِ أَحق به ما لم تنكحي". [رواه أحمد وأبو داود]، كما أنَّ قُرب الزوج أو بعده عن المحضونة الأنثى له دخل في الموضوع، وهذا اختيار ابن القيم، والمشهور في مذهب الإمام أحمد، والله أعلم.
* فوائد:
الأولى: قال فقهاء الحنابلة: "إذا أتمت البنت سبع سنين، صارت حضانتها لأبيها، حتى يتسلمها زوجها؛ لأنَّه أحفظ لها، فإن كان الأب عاجزًا عن حفظها، أو يهملها لاشتغاله عنها، أو قلَّة دينه، والأم قائمة بحفظها قدِّمت".
стр. 3044
الثانية: قال الشيخ تقي الدين: "إذا قدر أنَّ الأب تزوَّج بضرَّة، وتركها عند هذه الضرَّة لا تعمل لمصلحتها، بل ربما تؤذيها وتقصر في مصالحها، وأمها تعمل لمصلحتها ولا تؤذيها -فالحضانة للأم قطعًا؛ نظرًا لمصلحة المحضون؛ إذ هو المقصود من الحضانة".
الثالثة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "المشهور من المذهب: أنَّ حضانة البنت بعد تمام سبع سنين لأبيها، والرواية الثانية: أنَّها لأمها.
وهذان القولان مع قيام كل منهما بما يجب ويلزم، فأما إذا أهمل أحدهما ما يجب عليه، فإنَّ ولايته تسقط، ويتعيَّن الآخر".
***
стр. 3045
١٠٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ، بِطَعامهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُناَوِلْهُ لُقمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- خَادِمُه: من يقوم بحاجته، جمعه: خَدَمٌ، وخُدَّام، والمرأة خادمة.
- لُقْمَة: بضم اللام، بعدها قاف مثناة ساكنة، واحدة اللُّقَم، واللقم: هي ما يهيئه الإنسان من الطعام للالتقام.
...
стр. 3046
١٠٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ فِيهَا، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأُكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- في هرَّة: "في" للسببيَّة؛ أي: لأجل هرَّة.
- هرَّة: هي الأنثى من القطط، والذكر: هر، جمعه: هرر.
- سَجَنتَهَا: حبستها، وربطتها.
- خشَاش: بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها -ثم شينين معجمتين، بينهما ألف، واحدها: خَشَاشة؛ وهي حشرات الأرض، وهوامها.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - من هدي الإسلام المساواة بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والخامل والشريف؛ فلا طبقية ولا عنصرية، وإنما المؤمنون إخوة.
٢ - لذا فإنَّ الإسلام يحث على الصفات والأعمال، التي تدعم هذه المعاني السامية؛ ليصبح المجتمع الإسلامي أمة واحدة، أما الأعمال والمواهب فكل ميسَّر لما خُلقَ له، وصاحب العمل البسيط إذا أداه، فهو كصاحب العمل الكبير، فكل منهما يكمل الآخر.
٣ - الأفضل لصاحب البيت أن يؤاكل خدمه، ومماليكه، وضيوفه الصغار، ولا يترفَّع، ولا يتكبَّر عن مؤاكلتهم ومؤانستهم، وأن يكون ذلك باحتشام.
стр. 3047
٤ - يدل الحديث على جواز اقتناء الحيوان الأليف؛ كالقط؛ لأكل حشرات الأرض، وخشاشها واقتناصها.
٥ - ومثله اقتناء الطيور كالببغاء والنغري في الأقفاص، إذا أطعمت وسقيت، ولم ينلها أذًى؛ فإنَّ اقتناءها جائز.
٦ - فيه الإثم العظيم على مقتني الحيوان، وحابسه بلا طعام، ولا شراب؛ حتى يموت، أو يتعذَّب عنده من الجوع والعطش، وأنَّه سببب دخول النار، فهو من كبائر الذنوب.
٧ - وفيه جواز اقتناء الهر ونحوه؛ لأكل خشاش البيت من الصراصير، والفئران، والهوام؛ ونحو ذلك.
٨ - وإذا كان هذا الوعيد في البهائم، فكيف يكون الإثم بالإنسان المعصوم؛ ممن ولاَّهم الله إيَّاهم: من زوجةٍ، وولدٍ، وخادمٍ، وغيرهم؟!
٩ - قال في "الروض": ويجب على صاحب البهائم علفها وسقيها وما يصلحها، وألاَّ يحملها ما تعجز عنه، فإن عجز عن نفقتها، أجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن أكلت؛ لأنَّ بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم لها".
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "صرَّح العلماء بأنَّ صاحب البهيمة يلزمه إطعامها، ولو عطبت، فإن عجز ألزم بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها، إن كانت مما يؤكل لحمه، ولا يجوز قتلها؛ لإراحتها من مرض ونحوه".
***
стр. 3048
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
مقدِّمة
الجنايات: واحدها: جناية، وهي مصدر: جنى يجني جِنَاية، وهي في الأصل من: جنى الثمرة من شجرتها، فهو عام، إلاَّ أنَّه خصَّ بما يحرم من فعل، ومنه: جنى الذَّنْبَ يجنيه جناية: إذا فعل مكروهًا.
وهو لغة: التَّعدي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عرض.
واصطلاحًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا، أو مالاً.
وتحريم الجنايات ثابت: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
فأما الكتاب:
فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وأما السنة:
فمثل قوله ﷺ : "لايحل دم امرىء مسلم ... " الحديث.
وأما الإجماع:
فقد حكاه غير واحد من العلماء، وهو مما عُلم من الدين بالضرورة، ويقتضيه القياس، ولولا حكم القصاص، ولولا عقوبة الجناة المفسدين، لأهلك الناسُ بعضهم بعضًا، ولفسد نظام العالم؛ إذ لابد من عقاب يردعهم، ويجعل الجاني نكالاً وعِظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله.
стр. 3049
قال الأستاذ عفيف طبارة: "تعتبر جريمة القتل العمد من أخطر الجرائم، وأشدها إخلالاً بالأمن، ولذا كانت عقوبتها في كل القوانين والشرائع من أقسى العقوبات، فجاء الإسلام بشريعة العدل في عقوبة القتل؛ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ...﴾ [البقرة: ١٧٨].
فحكمة القصاص متجلية في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
قال الشوكاني: "لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم -حياة".
ولذا نجد كثرة الجرائم، والقتل عند الأمم التي عدلت عن منهج الله تعالى، وحكمت بالقوانين الوضعية، فلم تجازِ الجاني بما يستحق، بل حكمت عليه بمجرد السجن، تمدُّنًا ورحمةً بِهِ، ولم ترحم المقتول الذي فقد حياته، ولم ترحم أهله وأولاده الذين فقدوا عمدتهم، ولم ترحم الإنسانية التي أصبحت خائفة غير آمنة على دمائها من هؤلاء الفتاكين المجرمين؛ لم يفكِّروا في هذه العواقب والمصائب التي حلَّت بهم؛ لأنَّهم ليسوا من أولي الألباب.
***
стр. 3050
١٠٠٧ - عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
ــ
* مفردات الحديث:
- مُسلم: صفة مقيِّدةٌ لـ"امريءٍ".
- يشهد: مع ما هو متعلق به صفة ثانية، لـ"امرىءٍ"، جاءت للتوضيح والبيان؛ ليعلم أنَّ المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، وأنَّ الإتيان بهما كان للعصمة.
- بإحدى ثلاث: أي: إحدى خصال ثلاث.
- الثيِّب: قال في "النهاية": الثيب من ليس ببكر، ويقع على الذكر والأنثى؛ يقال: رجل ثيب، وامرأة ثيب، وأصل الكلمة الواو؛ لأنَّه من: ثاب يثوب".
- النفس بالنفس: أي: تقتل النفس بالنفس، التي قتلت عمدًا بغير حق، بمقابلة النفس المقتولة.
- التارك لدينه: هو المرتد عن الإسلام.
...